الاطمئنـــــــــــان

أود أن أحدثكم اليوم عن الاطمئنان. مع أمثلة من النفوس المطمئنة، وحديث عن أسباب الاطمئنان ومعوقاته.
الشخص الروحي- من خلال الإيمان- له نفس مطمئنة.
بهذا الاطمئنان يتخلص من القلق والاضطراب والانزعاج وفقدان السلام، ناظرًا نظرة فرحة نحو المستقبل،
بقلب هادئ وسط كل الاضطرابات الخارجية التي قد تثور حوله من الخارج.
إنه يقول مع داود النبي، في ثقة بحفظ الله له: “إن يحاربني جيش، فلن يخاف قلبي. وإن قام عليّ قتال، ففي هذا أنا مطمئن” (مز26).
لاحظوا أن داود لم يعلن عن اطمئنانه في فترة الهدوء والسلام، وإنما اطمئنانه أثناء قيام جيش وقتال ضده …
ما أكثر أمثلة الاطمئنان التي يحدثنا عنها الكتاب المقدس:
نذكر من بينها اطمئنان أبينا إبراهيم وهو يقدم ابنه محرقة.
كان قد أخذ وعدًا بأن نسله من هذا الابن، سيصير في الكثرة مثل نجوم السماء ورمل البحر.
ومع ذلك لما أمره بتقديم هذا الابن محرقة، لم يضطرب. كان واثقًا أنه حتى لو مات إسحق، فإن الله قادر أن يقيمه من الموت، ويعطيه نسلًا كنجوم السماء ورمل البحر.
أيضًا كم كان اطمئنان داود عجيبًا وهو يحارب جليات الجبار!
كان داود صبيًا وبلا سلاح، إلا مقلاعه البسيط، بينما كان جليات جبارًا في جسمه وفي سلاحه، مخيفًا ارتعب منه كل الجيش.
ومع ذلك تقدم داود نحوه وهو مطمئن إلى أن الله قد دفع هذا الجبار إلى يده. وفي ثقة قال له:
” هَذَا الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي، فَأَقْتُلُكَ وَأَقْطَعُ رَأْسَكَ… أَنَّ الْحَرْبَ لِلرَّبِّ وَهُوَ يَدْفَعُكُمْ لِيَدِنَا ” ( صموئيل الأول 17 : 46-47 ).
أما سبب اطمئنان داود، فهو شعوره بأن (الحرب للرب) وأن الرب هو الذي سيحبس جليات في يده …
إن الاطمئنان ينبغي أن يبنى على الإيمان، لا على عامل بشري، فهكذا كان اطمئنان ابراهيم وداود …
إنه اطمئنان مبني على الإيمان بقدرة الله على كل شيء، والإيمان بمحبة الله،
وعمله وحكمته اطمئنان إلى أن الله يعمل معك لخيرك، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ ( رومية 8 : 28 ).
هناك مثل آخر جميل للاطمئنان، في قصة خروف الفصح
أولئك الذين لطخوا عتبات أبوابهم بدم خروف الفصح، كانوا مطمئنين داخل الأبواب المرشوشة بالدم،
واثقين تمامًا أن سيف المهلك لن يصل إليهم … كانوا مطمئنين إلى ذلك الوعد المقدس “لما أرى الدم، أعبر عنكم.”
هناك اطمئنان آخر، من القديسين، أثناء عمل المعجزات.
عندما أقام ايليا ابن أرملة صرفه صيدا، وعندما أقام إليشع ابن الشونمية، وعندما قال بطرس: “يا طابيثا قومي”، كان اطمئنان أن الله سيستجيب، والروح سترجع.
وعندما مشى شعب الله داخل البحر الأحمر، كانوا مطمئنين أن مياهه لن تنطبق عليهم …
إنه اطمئنان مبني على الإيمان بعمل الله معنا.
فالذي يشعر بوجود الله معه، يكون مطمئنًا، ولا يخاف …
هوذا داود النبي يقول: ” أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لَا أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي” (مز23). إن كل الاطمئنان يكمن في عبارة “لأنك أنت معي”.
أما اطمئنان أبائنا الشهداء، فكان له سبب آخر …
وهو ثقتهم بأن الموت ليس هو نهاية الحياة، بل هو بداية لأبدية سعيدة، يحيون فيها مع الرب.
ولهذا لم يكونوا في سجونهم مطمئنين فقط، بل كانوا أكثر من هذا فرحين… إنه اطمئنان بولس الرسول الذي يقول: “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح. فذاك أفضل جدًا …”.
هل أنت أيضًا تكون مطمئنًا في مقابلة الموت؟
إن لم تكن مطمئنًا، فإعلم أنه “عند الباب خطية رابضة”. إن تبت عن هذه الخطية أو الخطايا، والتصقت بالرب، حينئذ يعود إليك اطمئنانك …
“لا سلام، قال الرب للأشرار …”
حقًا، لا يمكن لإنسان خاطئ أن يكون مطمئنًا …
هوذا قايين فقد اطمئنانه بعد الخطية، حينما شعر أن الله قد حجب وجهه عنه.
لذلك هو يقول للرب: ” إِنَّكَ قَدْ طَرَدْتَنِي الْيَوْمَ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ، وَمِنْ وَجْهِكَ أَخْتَفِي وَأَكُونُ تَائِهًا وَهَارِبًا فِي الأَرْضِ، فَيَكُونُ كُلُّ مَنْ وَجَدَنِي يَقْتُلُنِي. “( تكوين 4 : 14 ).
الإنسان المؤمن المطمئن، لا يخاف الموت، ولا يخاف الأعداء …
بكل اطمئنان ذهب إيليا النبي لمقابلة آخاب الملك. كان يعلم أن آخاب يطلبه ليقتله، وقد قتل كثيرًا من الأنبياء من قبل، واختبأ البعض من وجهه…
ومع ذلك ذهب إليه إيليا، وهو مطمئن، لأنه كان معتمدًا على قيادة الرب لحياته … ولم يقابل آخاب فقط، بل وبخه أيضًا …
نوع آخر من الاطمئنان، خاص بالعقيدة والإيمان.
إنه اطمئنان الشخص إلى سلامة عقيدته، وعدم اضطرابه أمام الشكوك، وأمام الأفكار المنحرفة التي يثيرها الهراطقة.
في مثل هذا الاطمئنان كان القديس أثناسيوس الرسولي، الذي وقف أمام كل الشكوك التي آثارها آريوس ضد لاهوت المسيح. وفي اطمئنان عجيب رد عليها جميعًا..
ليس كذلك الذي يهتز أمام كل فكرة من أصحاب الشكوك.
الإنسان المطمئن يكون قلبه شديدًا راسخًا لا يتزعزع..
كالصخرة الثابتة التي لا تستطيع الرياح أن تحركها، وكالسنديانة الراسخة التي لا يمكن للريح أن تهزها.
وكالجنادل التي لا يمكن للمياه والأمواج أن تجرفها في طريقها.
ومن أنواع الاطمئنان أيضًا الاطمئنان أمام قوة الأعداء.
أحاط الأعداء بالمدينة فاهتز جيحزي وخاف. أما إليشع النبي فكان مطمئنًا. وقال لتلميذه: إن الذين معنا أكثر من الذين علينا.
كان اطمئنانه مبنيًا على رؤى مقدسة، ومبنيًا على ثقته بالله ومعونته في الضيقة.
يونان النبي كان مطمئنًا حتى وهو في بطن الحوت. كان واثقًا أنه سيعود ويرى هيكل الله.
ما أجمل قول داود النبي عن اطمئنانه: بالسلامة اضطجع أنا أيضًا وأنام. لأنك أنت وحدك قد اسكنتني على الرجاء.
يعوزنا يا أخوتي أن نشعر باستمرار أننا نتعامل مع الله، وليس مع الناس، ولا مع الظروف.
وما دمنا نتعامل مع الله، نطمئن، لأن الله صانع الخيرات. وكل ما عمله رأى أنه حسن جدًا…
إنما يفقد اطمئنانه، الإنسان الذي يشعر أن الظروف الخارجية تتحكم فيه، وأن الناس الأشرار يمكن أن يؤثروا على مصير حياته!
أما أنت فلا تكن كذلك. اعرف أنك في يمين الله، وأن شعرة من رأسك لا تسقط بدون إذنه … لذلك فأنت مطمئن …
إن كنت ماشيًا مع المسيح فوق المياه. فلا تنظر إلى الماء، وإنما إلى المسيح، فتطمئن…
من الأسباب التي تساعدك على الاطمئنان، تذكرك لوعود الله …
اذكر قول الله: ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر. وقوله: أنا هو، لا تخافوا.
وقوله لا تخف أنا معك. وقوله: إن نسيت الأم رضيعها، أنا لا أنساكم … إن ذكرت هذا لابد أنك ستطمئن …
إن الشخص المطمئن، يستطيع أن يشيع الاطمئنان في الآخرين.
فلا يقتصر اطمئنانه عليه، إنما يمتد إلى غيره. وبنفس الوضع، الشخص المضطرب أو الخائف، يمكن أن تنتقل العدوى منه إلى غيره، فيمتد اضطرابه وخوفه إلى الآخرين …
الإنسان المطمئن يعيش سعيدًا في حياته، ناميًا في روحياته …
ذلك لأنه لا يوجد خوف ولا اضطراب يعطله. والخوف بلا شك يربك الإنسان، ويعرقل تفكيره. ولذلك ما أصعب قول الكتاب في سفر الرؤيا:
” وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي ” ( الرؤيا 21 : 8 ).
انظروا كيف وضع الخائفين قبل الخطاة وعبدة الأوثان. تعيش مطمئنًا إن أدركت أن حكمة الله فوق فهمك.
يكفي أن تضع حياتك في يديه، وتنساها هناك.
وتطمئن إلى أن الله يهتم بك أكثر من اهتمامك بنفسك. وأنه يريد لك الخير ويقدر على ذلك. كل الذين عاشوا معه، سعدوا في حياتهم، فاطمئن.
على أن اطمئنانك ينبغي أن يكون اطمئنانًا دائمًا، وليس اطمئنانًا في أوقات، وفي مناسبات.
لا تدع إيمانك يضعف في وقت ما، فتفقد اطمئنانك، كما حدث لبطرس، لما فقد اطمئنانه، وهو فوق الماء، فوقع، بينما كان المسيح معه؟
لا تدع عوامل التخويف والتشكيك تنتصر عليك وتفقدك اطمئنانك.
كن مثل نحميا، الذي أراد أن يبني سور أورشليم، وأحاطت به ضيقات من الخارج، وشكوك كثيرة وتثبيط همه. لكنه بقيّ ثابتًا،
وظل في اطمئنانه حتى تم بناء السور.. كان واثقًا أن السور لابد أن يبنى، لأن إرادة الله يجب أن تتم …
القديس أنطونيوس كان مطمئنًا وهو ساكن في مقبرة، والشياطين يحاربونه.
قال لهم في ثقة، إن كان الله لم يعطكم سلطانًا عليّ، فلا يستطيع أحد منكم أن يؤذيني.
كان نوح مطمئنًا في الفلك، وهو وسط الوحوش.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة (العدد الثالث والأربعون) 26/10/1979م



