أحد الشعانين – تطهير الهيكل – الخيانة

يوم أحد الشعانين، أحد السعف، سبقته معجزة عظيمة جدًا، وهي إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام في القبر ( يوحنا 11 : 17 ). وبسبب هذه المعجزة آمن كثير من اليهود، أما رؤساء الكهنة والفريسيون “فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه” ( يوحنا 11 : 45–53 ).
عامة الشعب كانوا معه. ولكن قادتهم كانوا ضده!
قال هؤلاء القادة بعضهم لبعض “انظروا، إنكم لا تنفعون شيئًا، هوذا العالم قد ذهب وراءه” ( يوحنا 12 : 19 ). أتعبتهم محبة الذات التي فيهم، فنظروا إلى المسيح كمنافس لهم وكرهوه. قادتهم الذاتية إلى الغيرة والحسد، ثم إلى التآمر، وزادت غيرتهم مما رأوه من التفاف الشعب حوله يوم أحد الشعانين.
أحد الشعانين
ذهب السيد المسيح إلى أورشليم، واستقبلوه هناك كملك. “وكان الشعب كله متعلقًا به” ( لوقا 19 : 48 ). وقد “آمن به كثيرون” ( يوحنا 12 : 10 . فرش الناس ثيابهم في الطريق، ورفعوا سعف النخل. وكانوا يهتفون له قائلين “أوصنا لابن داود. مبارك الآتي باسم الرب. أوصنا في الأعالي” “مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب” ( متى 21 : 9 )، ( المزامير 10 : 11 ) “وارتجت المدينة كلها”. وارتجت معها قلوب رؤساء اليهود حسدًا وخوفًا.
في الحقيقة إن المناداة بالمسيح ملكًا، لها شواهد في الكتاب:
+ في بشارة الملاك بميلاده، قال الملاك جبرائيل للقديسة العذراء عنه: “… يعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية” ( لوقا 1 : 32–33 ).
+ ولعل هذا تحقيق لنبوءة دانيال النبي عنه، إذ قال “سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول. وملكوته ما لن ينقرض” ( دانيال 7 : 14 ).
+ وفي مجيء المجوس، سألوا عنه قائلين “أين هو المولود ملك اليهود…” ( متى 2 : 2 ). وبين هداياهم قدموا له ذهبًا، رمزًا لملكه.
+ وعلى صليبه “جعلوا فوق رأسه علته مكتوبة: هذا هو يسوع ملك اليهود” ( متى 27 : 37 ). وقد سأله بيلاطس أثناء محاكمته قائلًا “أأنت ملك اليهود” فأجابه الرب قائلًا “أنت قلت” ( متى 27 : 11 ).
+ وقد ورد عنه في المزمور “عرشك (كرسيك) يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة هو قضيب ملكك” ( المزامير 45 : 6 ). وقد استشهد القديس بولس الرسول بهذه الآية من المزمور في إثبات تفوق المسيح على الملائكة ( العبرانيين 1 : 8 ).
+ ونحن نرتل هذه الآية من المزمور ( المزامير 45 : 6 ) يوم الجمعة العظيمة في لحن (بيك إثرونوس). كما أننا ندعو المسيح ملكًا في لحن (إبؤورو) أي “يا ملك السلام، أعطنا سلامك”. وفي مقدمة قراءة الإنجيل في طقوسنا نقول عنه “سيدنا وملكنا”.
+ واللص اليمين على الصليب، اعترف بملكوته، وقال له “اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” ( لوقا 23 : 42 ).
+ وسفر الرؤيا دعاه مرتين “ملك الملوك ورب الأرباب” ( الرؤيا 19 : 16 ) ( الرؤيا 17 : 14 ).
+ وفي المزامير الخاصة بصلبه وموته، نقول “الرب ملك على خشبة” ( المزامير 96 : 10 ).
وتتكرر عبارة “الرب قد ملك” ( المزامير 97 : 1 ) (مز99: 1).
+ وفي حديث السيد المسيح عن مجيئه الثاني، قال إنه “يرسل ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم،
ويطرحونهم في أتون النار” ( متى 13 : 41–42 ).
السيد المسيح له ملك روحي، يملك به على القلوب، وله ملك سماوي أبدي. وملك مع الآب بحكم طبيعته الإلهية.
وهو يملك علينا أيضًا، إذ اشترانا بدمه ( الرؤيا 5 : 9 ).
غير أن اليهود لم يفهموا الملك الروحي، وأرادوا أن يكون المسيح أو المسيا الآتي ملكًا دنيويًا يخلصهم من حكم الرومان، لا من حكم الشيطان!
كان المسيح يريد القلب، واليهود يريدون العرش.
لذلك رفضوه لأنه لا يحقق أغراضهم الدنيوية. وأسبوع الآلام يجسم هذه الحقيقة “المسيح المرفوض”.
وكما قال عنهم في المزمور “يبغضونني بلا سبب” ( المزامير 35 : 19 ). على أن رفضهم له لم يضره بل أضرهم…
أما نحن ففي أحد الشعانين نستقبل المسيح ملكًا لنا.
نفتح له قلوبنا ليملك عليها. ونقدم له إرادتنا أيضًا لتخضع تحت ملكه. بل على كل واحد أن يسأل نفسه في هذا اليوم “هل يوجد فيَّ شيء لم يملكه الرب بعد؟!”.
إن كان كذلك، فلنحاول أن نصحح مساره، أو لنقدمه إلى الرب لكي يطهره، كما طهر الهيكل في ذلك اليوم.
تطهير الهيكل
المسيح الملك مارس سلطانه الروحي، بتطهير الهيكل. فعل ذلك بكل قوة، ولم يستطع أحد أن يتصدى له أو يمنعه “اخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل”،
“وقلب موائد الصيارفة، وكراسي باعة الحمام”. ووبخ الناس بشدة قائلًا “مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص” ( متى 21 : 12–13 ).
“ولم يدع أحدًا يجتاز في الهيكل بمتاع” ( المزامير 16 : 11 ).
بهذا الحزم وهذه القوة، تصرف المسيح الوديع المتواضع القلب ( متى 11 : 29 )، الذي قيل عنه إنه كان “لا يخاصم ولا يصيح،
ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ” ( متى 12 : 19–20 ).
ولكن “لكل شيء تحت السموات وقت” ( الجامعة 3 : 1 ). كل موقف له ما يناسبه. فعلى الرغم من وداعته وتواضعه، فإنه يكون حازمًا إذا لزم الأمر.
وفي ذلك اليوم كان الرب حازمًا، بأسلوب لم يتعودوه منه من قبل. وكان حزمًا ممزوجًا بالتعليم، إذ قال لهم “مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى” فذكرهم بالمكتوب، ونفّذه أمامهم عمليًا.
إنه درس لنا في الحفاظ على هيبة بيت الله وقدسيته. وحسن أن الرب قدم لنا في ذلك قدوة ومثالًا في الغيرة المقدسة.
ولذلك قيل بعد تطهيره للهيكل “فتذكر تلاميذه أنه مكتوب: غيرة بيتك أكلتني” ( يوحنا 2 : 17 ).
أولئك المخطئون في الهيكل، صبر الرب عليهم زمانًا بكل هدوء.
ولما لم ينصلحوا بالهدوء، استخدم معهم الشدة.
في إصلاح أي إنسان، الرب مستعد أن يستخدم الكلمة الطيبة، كما أنه مستعد أيضًا أن يستخدم السوط، ولو للتخويف وليس للضرب. الأمران ممكنان. فبأيهما تريد أن ينصلح حالك؟
كالطبيب يمكن أن يستخدم الأدوية. فإن لم تنفع، يستخدم المشرط.
والسيد المسيح لم يقم فقط بتطهير الهيكل، وإنما أيضًا:
أنذر بخراب ذلك الهيكل، وبخراب أورشليم ( لوقا 19 : 43–44 ).
قال إن الهيكل سوف لا يبقى فيه حجر على حجر ( متى 24 : 1–2 )،
وقال أيضًا “هوذا بيتكم سيترك لكم خرابًا” ( متى 23 : 38 ).
أما أنت أيها المبارك، فإن سمعت في أسبوع الآلام أن السيد المسيح قد طهر الهيكل، وقد أنذر بخرابه، أصرخ حينئذ وقل:
تعال يا رب في قوة، وطهر هيكلي أنا أيضًا.
نعم، ألسنا نحن أيضًا هياكل لله، وروح الله يسكن فينا ( كورنثوس الأولى 3 : 16 )؟ فطهر يا رب هياكلنا، اقلب ما فيها من موائد الصيارفة،
ولا تدع فيها رغبات وشهوات لا توافق مشيئتك… انضح علىَّ بزوفاك فأطهر، وحينئذ أنشد معك “بيتي بيت الصلاة يُدعى”.
طهر يا رب هذا الهيكل بسرعة، قبل أن يخرب الهيكل.
التمهيد لقيادات جديدة
لم يكتف السيد المسيح بتطهير الهيكل من الباعة والصيارفة، إنما عمل أيضًا على تطهيره من القيادات المنحرفة، لأنه قد عين قيادات جديدة بدلًا منها.
أراد أن يقضي على تلك القيادات التي أغلقت ملكوت الله قدام الناس، فلا هي دخلت، ولا جعلت الداخلين يدخلون ( متى 23 : 13 ).
تلك القيادات التي تعاهدت أن كل من يعترف بالمسيح، تخرجه من المجمع ( يوحنا 9 : 22 ).
وهكذا ضرب للكهنة مثل الكرامين الأردياء، وقال لهم: “إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل أثماره” ( متى 21 : 43 ).
ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون، عرفوا أنه يتكلم عنهم ( متى 21 : 45 ).
كذلك وبخ الكتبة والفريسيين بقوله لهم “أيها القادة العميان” (مت23)، كذلك أبكم الصدوقيين والناموسيين “فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة،
ولم يجسر أحد أن يسأله البتة” ( متى 22 : 45–46 ).
إنها ثورة أشعلها المسيح قبيل صلبه ضد تلك “القبور المبيضة من خارج، وفي داخلها عظام نتنة” ( متى 23 : 27–10 ).
ومنع أن يُدعى أحد تلك القيادات أبًا، أو معلمًا، أو سيدًا ( متى 23 : 8–10 ).
وغيّر الكهنوت اليهودي إلى كهنوت ملكي صادق مشبه بابن الله ( العبرانيين 7 : 3 ). كان يعد الجو لتلاميذه.
لم يترك حركة التطهير لتلاميذه وحدهم، بل قادها بنفسه.
ربما يكون أمرًا صعبًا عليهم هم إن بدأوه. فابتدأ الرب، وتآمرت القيادات اليهودية ضده، فلم يبال بهم، لأنه جاء راعيًا يبذل نفسه عن الخراف ( يوحنا 10 : 11 ).
وهكذا احتمل التآمر والخيانة، من الخارج ومن الداخل.
وانتهى كل ذلك بمحاكمته وإهانته وصلبه… أما نحن فنقول له وسط كل التآمر عليه: نحن نعلم يا رب من أنت،
أنت الذي “لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين. يا عمانوئيل إلهنا وملكنا”. ونظل نردد هذه التسبحة طوال ساعات أسبوع الآلام.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث نشر في جريدة وطني بتاريخ 23-4-2000م




