سنوات مع أسئلة الناس أسئلة خاصة بالكتاب المقدس المقدس

| الكتاب | سنوات مع أسئلة الناس أسئلة خاصة بالكتاب المقدس المقدس |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | الكلية الإكليريكية بالعباسية – القاهرة |
| الطبعة | الرابعة، أكتوبر 2006م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 11972/ 2001 |
| الترقيم الدولي | 977-5345-65-0 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقدمة
مقدمة
ما أكثر الأسئلة التي تلقيناها في اجتماعاتنا على مدى سنوات طويلة. وقد اخترنا منها أسئلة نشرناها في عشرة كتب تحت عنوان "سنوات مع أسئلة الناس".
وكان ما نشرناه 513 سؤالًا حتى الكتاب العاشر من هذه المجموعة الذي صدر في يناير سنة 1998م.
أعيد نشر الكتب العشرة في دمشق في مجلدين كبيرين. واهتم بذلك نيافة مار يوحنا إبراهيم مطران السريان الأرثوذكس في حلب.
ومرت 3 سنوات على صدور الكتاب العاشر. وتم نشر أسئلة أخرى متفرقة في مجلة الكرازة.
ثم رأينا أن نعيد نشر الكتب العشرة مرتبة موضوعيًا.
« الأسئلة الخاصة باللاهوتيات والعقيدة وحدها. وستصدر في كتابين.
« الأسئلة الخاصة بالموضوعات الروحية.
« وبعدها الأسئلة التي تتعلق بمشاكل كتابية.
ثم مجموعة من الأسئلة تحت عنوان [متنوعات].
وقد نشرنا الأسئلة اللاهوتية العقائدية في كتابين:
الجزء الأول منها يحوي 75 سؤالًا، ويحوي الثاني 87 سؤالًا.
أى نشرنا في الجزءين 162 سؤالًا وأجوبتها.
وفي هذا الجزء الثالث ننشر لك 101 سؤالًا وأجوبتها عن المشاكل الخاصة بموضوعات أو آيات من الكتاب المقدس.
وموعدنا في الجزء الرابع من هذه المجموعة إن شاء الله نشر ما يختص بالأسئلة والموضوعات الروحية.
وسوف نتابع نشر هذه المجموعة، وكل منها يمثل بابًا معينًا من أبواب المعرفة الدينية.
ونرجو أن يكون النشر بهذه الصورة المتخصصة أكثر فائدة.
ستبمبر 2001 البابا شنوده الثالث
1- أيام الخليقة في الجيولوجيا
1- أيام الخليقة في الجيولوجيا
سؤال
كيف يتفق قول الكتاب إن الله خلق العالم في ستة أيام، مع آراء علماء الجيولوجيا التي ترجع عمر الأرض إلى آلاف السنين؟
الجواب
اعلم أن أيام الخليقة ليست أيامًا شمسية كأيامنا...
بل يوم الخليقة هو حقبة من الزمن لا ندري مداها، قد تكون لحظة من الزمن، وقد تكون آلافًا أو ملايين من السنين، اصطلح على بدايتها ونهايتها بعبارة "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ"...
والأدلة على ذلك كثيرة، نذكر منها:
اليوم الشمسي هو فترة زمنية محصورة ما بين شروق الشمس وشروقها مرة
أخرى، أو غروب الشمس وغروبها مرة أخرى.
ولما كانت الشمس لم تُخلق إلا في اليوم الرابع (تك1: 16- 19).. إذًا الأيام الأربعة الأولى لم تكن أيامًا شمسية، لأن الشمس لم تكن قد خلقت بعد، حتى يقاس بها الزمن.
اليوم السابع، لم يقل الكتاب إنه انتهى حتى الآن...
لم يقل الكتاب "وكان مساء وكان صباح يومًا سابعًا". وقد مرت آلاف السنين منذ آدم حتى الآن، دون أن ينقضي هذا اليوم السابع. فعلى هذا القياس، لا تكون أيام الخليقة أيامًا شمسية وإنما هي حقب زمنية مجهولة المدى.
وبكلمة إجمالية، قال الكتاب عن الخليقة كلها، بأيامها الستة:
"هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، (يَوْمَ) عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ" (تك2: 4).
وهكذا أجمل في كلمة (يوم) أيام الخليقة الستة كلها...
إذًا فليقل علماء الجيولوجيا ما يقولون عن عمر الأرض، فالكتاب المقدس لم يذكر عمرًا محددًا للأرض يتعارض مع أقوال العلماء.
بل إن نظرة الله إلى مقاييس الزمن، يشرحها الرسول بقوله:
"أَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا عِنْدَ الرَّبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَأَلْفَ سَنَةٍ كَيَوْمٍ وَاحِدٍ" (2بط3: 8).
2- مَـتى خــَلق النــور؟
2- مَـتى خــَلق النــور؟
سؤال
ورد في سفر التكوين أن الله خلق النور في اليوم الأول (تك1: 3). بينما ورد أنه خلق الشمس والقمر والنجوم في اليوم الرابع (1: 14- 18). فما الفرق بين الأمرين؟ ومتى خُلق النور: في اليوم الأول، أم في اليوم الرابع؟
الجواب
خلق الله النور في اليوم الأول، حسبما قال الكتاب. ولكن أي نور؟ إنه مادة النور... كتلة النار المضيئة التي صنع منها الله في اليوم الرابع الشمس والقمر والنجوم. وفي هذا اليوم الرابع أيضًا وضع الله قوانين الفلك والعلاقات الثابتة بين هذه الأجرام السمائية.
3- هل الأرض جزء من الشمس؟
3- هل الأرض جزء من الشمس؟
سؤال
قرأت في أحد الكتب انتقادًا لقصة الخليقة كما رواها الأصحاح الأول من سفر التكوين: إذ كيف تكون الأرض جزءًا من الشمس حسب كلام العلماء، بينما يقول الكتاب إن الشمس قد خُلقت في اليوم الرابع، أي بعد خلق الأرض! فكيف تكون جزءًا من شيء خُلق بعدها؟!
الجواب
كلام العلماء لا يقول إن الأرض كانت جزءًا من الشمس وانفصلت عنها، وإلا فإن الشمس تكون حاليًا ناقصة هذا الجزء...
إنما ما يقوله العلماء إن الأرض كانت جزءًا من المجموعة الشمسية، وليس من الشمس. كانت جزءًا من السديم، من تلك الكتلة الملتهبة من النار، التي كانت منيرة بلا شك. وهذه الكتلة الملتهبة من السديم، هي التي عناها الكتاب بقول الرب في اليوم الأول: "«لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ"...
من هذه الكتلة انفصلت الأرض. ثم أخذت تبرد بالتدريج، إلى أن برد سطحها تمامًا، وأصبح صالحًا لأن تنمو عليه النباتات في اليوم الثالث مستفيدة من هذا النور.
وفي اليوم الرابع، صنع الرب من هذه الكتلة الشمس والقمر والنجوم والكواكب والشهب والمجرات وكل الأجرام السمائية. ونظم تعاملها...
وبقيت الشمس بوضعها في اليوم الرابع، كاملة لم تنفصل عنها أرض. إنما نظم الرب علاقة الأرض بالشمس والقمر وبباقي النجوم والكواكب، في قوانين الفلك التي وضعها الرب في اليوم الرابع.
4- حول خلق الإنسان
4- حول خلق الإنسان
سؤال
في سفر التكوين روايتان عن خلق الإنسان: الأولي في الأصحاح الأول، وفيها خلق الله الإنسان ذكرًا وأنثى. والثانية في الأصحاح الثاني، وفيها خلق آدم ثم حواء. فكيف التوفيق بين القصتين؟
الجواب
قصة خلق الإنسان هي قصة واحدة لإنسان واحد...
وردت مجملة في الأول، وبالتفاصيل في الأصحاح الثاني...
في الأصحاح الأول خُلق الإنسان كجزء من قصة الخليقة كلها. ثم وردت التفاصيل في الأصحاح الثاني، حيث ذُكرت فيه طريقة خلق آدم من تراب، ثم كيف نفخ الله فيه نسمة حياة، ثم طريقة خلق حواء من ضلع من ضلوع آدم. وشعور آدم قبل خلق حواء، وبعد خلقها. كما وردت في هذا الأصحاح تسمية آدم وتسمية حواء...
القصتان متكاملتان. تجد في الأولى البركة المعطاة، والطعام المسموح به. وفي الثانية طريقة الخلق، مع التسمية، مع ذكر الجنة...
5- هل كان الله يخاف آدم؟
5- هل كان الله يخاف آدم؟
سؤال
هل كان الله يخاف أن آدم يصير ندًا له بأكله من شجرة الحياة، لذلك منعه عنها، وجعل ملاكًا يحرسها؟! (تك3: 22).
الجواب
طبعًا إن الله لا يمكن أن يخشى أن يكون هذا المخلوق الترابي ندًا له. فالله غير محدود في كل كمالاته. فلماذا منع الإنسان عن شجرة الحياة؟
لقد منعه عن شجرة الحياة، لأن الحياة لا تتفق مع حالة الخطية التي كان فيها الإنسان.
الخطية هي موت روحي، وجزاؤها هو الموت الأبدي. يجب التخلص أولًا من حالة الخطية، ومن عقوبة الخطية، حتى يحيا الإنسان الحياة الحقيقية إلى الأبد. بدليل أن الله وعد الغالبين في الجهاد الروحي بأن يأكلوا من شجرة الحياة. بدليل أنه قال في سفر الرؤيا:
"مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ" (رؤ2: 7).
وما أكثر الوعود بالحياة الأبدية التي في الكتاب المقدس...
ولكنها وعود للتائبين وللمنتصرين في حياتهم الروحية، وليس للناس وهُم في حالة الخطية كما كان أبونا آدم وقتذاك. وكأن الله يقول لآدم:
ما دمت في حالة الخطية، فأنت في هذه الحالة ممنوع عن الحياة. لأن "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). أنت لا تستحق الحياة في هذا الوضع، وليس من صالحك أن تستمر حيًا في هذا الوضع... إنما انتظر التوبة والفداء. وبعد ذلك ستحيا إلى الأبد.
إنه منع الحياة عن المحكوم عليه بالموت.
وعدم ربط الحياة الأبدية بالخطية.
6- اللعنة بين آدم وقايين
6- اللعنة بين آدم وقايين
سؤال
لماذا لما أخطأ قايين، لعنه الله قائلًا: "مَلْعُونٌ أَنْتَ مِنَ الأَرْضِ" (تك4: 11)؟ بينما لما أخطأ آدم لم يلعنه الله، بل قال له: "مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ" (تك3: 17).
الجواب
لو كانت اللعنة أصابت آدم وحواء، لكانت اللعنة قد أصابت البشرية كلها... وهذا ضد مشيئة الله، لأن من نسلهما سيخرج أناس مباركون مثل إبراهيم أبينا الذي باركه الرب. وقال له: تكون مباركًا، "وَتَكُونَ بَرَكَةً. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (تك12: 2، 3).
وأيضًا لم يلعن الله آدم وحواء، لأنه كان قد باركهما قبلًا (تك1: 28). والله لا يرجع فيما وهب
كذلك لأنه كان سيأتي من نسلهما المسيح حسب الجسد، الذي سيسحق رأس الحية (تك3: 15). وبه تتبارك البشرية كلها.
أما قايين فهو مجرد فرع من البشرية وليس كلها. ومعروف أن نسله قد غرق في الطوفان مع باقي الخطاة.
نقطة أخرى. وهي أن قايين قد سفك دمًا وأنهى حياة.
وقد وبخه الله على هذا بقوله: "صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ" (تك4: 10). وفي خطيته لم يضع أمامه أن هابيل هو أخوه. ولم يصدر منه أي شيء ضده. بل الخطية نبعت من داخله هو.
والدم الذي سفكه، هو الحياة. سفكه يعني حرمانًا من الحياة.
وهكذا قال الرب في شريعته فيما بعد "نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ دَمُهُ هُوَ" (لا17: 14) وأمر بعدم أكل الدم، وقطع كل إنسان يأكل دمًا (لا17: 10، 14). وأصدر هذا الأمر منذ أيام أبينا نوح، بعد رسو الفلك، حينما صرح بأكل اللحم. فقال "كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا... غَيْرَ أَنَّ لَحْمًا بِحَيَاتِهِ دَمِهِ لاَ تَأْكُلُوهُ" (تك9: 3، 4).
وصرح الرب بإعدام سافك الدم (القتل)!
فقال: "سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ (بيد) بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ" (تك9: 6). وواضح في الشريعة أنه "نَفْسٌ بِنَفْسٍ" (تث19: 21). من يزهق نفسًا، تؤخذ نفسه عوضًا عنه. وقايين قد زهق نفسًا وسفك دم إنسان وأنهى حياته. وكان أول قاتل على الأرض. وكانت عقوبته درسًا لكل البشر من بعده.
وفي المقارنة بين آدم وقايين. نقول إن آدم قد أغوى بغيره، وكذلك حواء. أما قايين فلم يغوه أحد. بل على العكس حذره الله حينما راوده الفكر وقبل أن يرتكب خطية القتل. وقال له "عِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا" (تك4: 7).
نلاحظ أيضًا أنه في خطية حام بن نوح، لم يُلعن حام: أولًا لأنه بُورك قبلًا (تك9: 1). وثانيًا لكي لا يُعلن نسله كله بلعنته. بل لُعن فرع واحد من نسله هو كنعان (تك9: 25).
وبقيت هذه اللعنة حتى أيام المسيح، في المرأة الكنعانية (مت15: 26).
7- أين هابيل أخوك؟
7- أين هابيل أخوك؟
سؤال
بصراحة وقفت خائفًا أمام عبارة "أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟" (تك4: 9). أسأل نفسي – كخادم - هل أنا مسئول عن أخوتي وأقاربي، وكل المحيطين بي من أصدقاء وزملاء. وما حدود هذه المسئولية؟
ألتمس الإيضاح، لأني قلق جدًا بسبب هذا الموضوع...
الجواب
لا أحب أن تكون قلقًا، فالقلق ضد السلام الداخلي. والمفروض في أولاد الله أن يملك السلام على قلوبهم، فالسلام من ثمار الروح (غلا5: 22).
عبارة "أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ" لا تجعلك قلقًا.
إنما تجعلك أكثر حرصًا في خدمة المتصلين بك.
وطبعًا سوف لا يحاسبك الله بما هو فوق قدرتك. إنما سيحاسبك بما هو في حدود إمكانياتك. لذلك: كل خدمة تستطيع أن تقدمها لغيرك، قدّمها.
كل إنسان يمكنك أن ترشده إلى طريق الله، لا تقصر في إرشاده إليه.
لتكن روح الخدمة مشتعلة في قلبك، وفي إرادتك.
واسلك في ذلك عمليًا حسبما تهبك النعمة من قدرات
ولكن لا تكن قلقًا...
8- هل موسى النبي هو كاتب التوراة؟
8- هل موسى النبي هو كاتب التوراة؟
سؤال
نحن نعلم أن موسى النبي هو كاتب الأسفار الخمسة الأولى (التوراة). ولكن ما إثبات هذا الاعتقاد لمن يسألنا؟
وإن كان موسى النبي هو كاتبها، فكيف ذُكر في آخرها خبر وفاته؟ هل يعقل أن يكتب إنسان خبر وفاته بنفسه؟
الجواب
الأسفار الخمسة من الكتاب المقدس تسمي التوراة وأيضًا Pentateuch وواضح من الكتاب نفسه، أن موسى النبي قد كتبها.
موسى النبي كتب الأسفار الخمسة كلها ما عدا خبر وفاته طبعًا (تث34: 5- 12). فهذه الفقرة الأخيرة من سفر التثنية كتبها تلميذه وخليفته يشوع. وكان يمكن أن ترد في أول سفر يشوع الذي بدأ بعبارة "وَكَانَ بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى عَبْدِ الرَّبِّ..." (يش1: 1). ولكن رؤي من الأفضل أن يُكتب خبر موت موسى النبي ودفنه في آخر الأسفار الخمسة، استكمالًا لتاريخ تلك الفترة التي تشمل حياة موسى النبي وعمله، وهو أشهر نبي في التاريخ العهد القديم كله.
أما كتابة موسى لكل أسفار التوراة فواضح. والأدلة عليه كثيرة من نصوص العهد القديم والعهد الجديد. ومنها:
الله أمر موسى بكتابة الشريعة والأحداث:
إن الله كان يأمر موسى بكتابة الأحداث الجارية وبكتابة الشريعة: فمن ذلك ما حدث بعد هزيمة عماليق، إذ ورد في سفر الخروج "فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: اكْتُبْ هَذَا تِذْكَارًا فِي الْكِتَابِ وَضَعْهُ فِي مَسَامِعِ يَشُوعَ" (خر17: 14).
وبعدها أعطى الله الشريعة لموسى أمره بكتابتها "وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اكْتُبْ لِنَفْسِكَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لأَنَّنِي بِحَسَبِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَطَعْتُ عَهْدًا مَعَكَ وَمَعَ إِسْرَائِيلَ" (خر34: 7).
وكثيرًا ما كان الرب يأمر موسى النبي بكتابة وصايا الناموس كما ورد في (تث27: 8)
موسى نفذ أمر الله وكتب:
ورد في سفر العدد عن تحركات بني إسرائيل "وَكَتَبَ مُوسَى مَخَارِجَهُمْ بِرِحْلاتِهِمْ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ" (عد33: 2).
وورد في سفر التثنية عن كتابة الشريعة "وَكَتَبَ مُوسَى هَذِهِ التَّوْرَاةَ وَسَلمَهَا لِلكَهَنَةِ بَنِي لاوِي حَامِلِي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ وَلِجَمِيعِ شُيُوخِ إِسْرَائِيل" (تث31: 9).
وورد أيضًا: "فَعِنْدَمَا كَمَّل مُوسَى كِتَابَةَ كَلِمَاتِ هَذِهِ التَّوْرَاةِ فِي كِتَابٍ إِلى تَمَامِهَا. أَمَرَ مُوسَى اللاوِيِّينَ حَامِلِي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ: خُذُوا كِتَابَ التَّوْرَاةِ هَذَا وَضَعُوهُ بِجَانِبِ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ" (تث31: 24- 26).
شهد المسيح أن موسى كتب التوراة:
في مناقشة السيد المسيح لليهود، قال لهم: "لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي. فَإِنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ تُصَدِّقُونَ كُتُبَ ذَاكَ فَكَيْفَ تُصَدِّقُونَ كلاَمِي؟" (يو5: 46).
وفي رده على الصدوقيين الذين ينكرون قيامة الأموات، قال لهم: "وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأَمْوَاتِ إِنَّهُمْ يَقُومُونَ: أَفَمَا قَرَأْتُمْ فِي كِتَابِ مُوسَى فِي أَمْرِ الْعُلَّيْقَةِ كَيْفَ كَلَّمَهُ اللَّهُ قَائِلًا: أَنَا إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ؟" (مر12: 26).
وفي مقابلته لتلميذي عمواس بعد قيامته، يقول الكتاب: "ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ" (لو24: 27).
وشهد الرسل والأنبياء أن موسى هو كاتبها:
ورد في إنجيل يوحنا أن فيلبس وجد نثنائيل، وقال له: "وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ" (يو1: 45).
وبولس الرسول يشهد بكتابة موسى للتوراة فيقول في رسالته إلى أهل رومية (10: 5) "لأَنَّ مُوسَى يَكْتُبُ فِي الْبِرِّ الَّذِي بِالنَّامُوسِ: إِنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يَفْعَلُهَا سَيَحْيَا بِهَا" وفي رسالته الثانية إلى كورنثوس (3: 15) يقول عن اليهود: "لَكِنْ حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسى (أي التوراة) الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ".
ويعقوب الرسول يقول في مجمع أورشليم: "لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيَالٍ قَدِيمَةٍ لَهُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَنْ يَكْرِزُ بِهِ إِذْ يُقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ كُلَّ سَبْتٍ" (أع15: 21).
وإبراهيم أبو الآباء يشهد بذلك في كلامه مع الغني الذي لم يحسن إلى لعازر المسكين (لو16: 29) "قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ. لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ..." يقصد كتب موسى والأنبياء.
وشهد اليهود بهذا أيضًا أمام المسيح:
إذ جاء قوم من الصدوقيين إلى المسيح قائلين: "يَا مُعَلِّمُ كَتَبَ لَنَا مُوسَى: إِنْ مَاتَ لأَحَدٍ أَخٌ وَتَرَكَ امْرَأَةً وَلَمْ يُخَلِّفْ أَوْلاَدًا أَنْ يَأْخُذَ أَخُوهُ امْرَأَتَهُ وَيُقِيمَ نَسْلًا لأَخِيهِ" (مر12: 19).
وسميت التوراة شريعة موسى، أو ناموس موسى:
قال السيد المسيح لليهود: "فَإِنْ كَانَ الإِنْسَانُ يَقْبَلُ الْخِتَانَ فِي السَّبْتِ لِئَلَّا يُنْقَضَ نَامُوسُ مُوسَى أَفَتَسْخَطُونَ عَلَيَّ لأَنِّي شَفَيْتُ إِنْسَانًا كُلَّهُ فِي السَّبْتِ؟" (يو7: 23).
وقيل عن السيدة العذراء: "وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ" (لو2: 22).
وقال بولس في رسالته إلى العبرانيين (10: 28) "مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى فَعَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ".
وقال بولس الرسول في رسالته الأولى إلى كورنثوس (9:9) "فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ مُوسَى: لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا".
وفي نقاشه مع اليهود يقول سفر أعمال الرسل (28: 23) "فَطَفِقَ يَشْرَحُ لَهُمْ شَاهِدًا بِمَلَكُوتِ اللهِ وَمُقْنِعًا إِيَّاهُمْ مِنْ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ".
ويوحنا الرسول يقول: "لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ" (يو1: 17).
اقرأ أيضًا (أع13: 39) (أع15: 5) (أع26: 22) (يو7: 19).
تنسب لموسى أقوال الله التي فاه بها موسى:
قال السيد المسيح: "لأَنَّ مُوسَى قَالَ: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ وَمَنْ يَشْتِمُ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا" (مر7: 10).
وقال لليهود: "مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلَكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا" (مت19: 8).
وقال للأبرص: "أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدَّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ" (مت8: 4)
وقال اليهود للمسيح عندما قدموا له المرأة الزانية: "مُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ تُرْجَمُ" (يو8: 5).
موسى هو أنسب شخص للكتابة:
إن موسى النبي هو أكثر الأشخاص صلة بالحوادث. وتوجد أشياء خاصة به وحده مثل ظهور الرب له في العليقة، وكلام الرب معه على الجبل، والوصايا التي أعطاها له والتفاصيل العديدة الخاصة بأوصاف خيمة الاجتماع.
ولا شك أن موسى هو أقدر إنسان على كتابة التوراة، لأنه هو الذي أقام أربعين يومًا على الجبل، يسمع منه جميع ما أوصاه به. وليس الأمر قاصرًا على الأربعين يومًا، بل كان يكلمه من باب خيمة الاجتماع. ونقرأ في أول سفر اللاويين:
"وَدَعَا الرَّبُّ مُوسَى وَكَلَّمَهُ مِنْ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ قَائِلًا: قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ..." (لا1: 1، 2) (4: 1) (6: 1، 8، 19، 24).
ولا شك أن موسى كان يعرف الكتابة والقراءة طبعًا، فهو قد "تَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ" (أع7: 22).
9- أبناء الله، وبنات الناس
9- أبناء الله، وبنات الناس
سؤال
ورد في (تك6: 2) قبل قصة الطوفان أن "أَبْنَاءَ اللهِ رَأُوا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً مِنْ كُلِّ مَا اخْتَارُوا" (تك6: 2). فمن هم أبناء الله؟ ومن هن بنات الناس؟
الجواب
أبناء الله هم نسل شيث. وبنات الناس هن نسل قايين...
وذلك أنه بعد مقتل هابيل البار، ولد عوضًا عنه شيث. وشيث ولد أنوش "حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِاسْمِ الرَّبِّ" (تك4: 26). وورد في سلسلة الأنساب "بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيتِ بْنِ آدَمَ ابْنِ اللهِ" (لو3: 38).
أبناء شيث دعوا أبناء الله، لأنهم النسل المقدس، الذي منه يأتي نوح ثم إبراهيم، ثم داود، ثم المسيح، وفيه تباركت كل قبائل الأرض. وهم المؤمنون المنتسبون إلى الله، الذين أخذوا بركة آدم (تك1: 28)، ثم بركة نوح (تك9: 1).
وحسنًا أن الله دعا بعض البشر أولاده قبل الطوفان...
أما أولاد قايين، فلم ينتسبوا إلى الله، لأنهم أخذوا اللعنة التي وقعت على قايين (تك4: 11)، وساروا في طريق الفساد، فدعوا أبناء الناس. وكلهم أغرقهم الطوفان...
10- الثلاثة الذين استضافهم إبراهيم
10- الثلاثة الذين استضافهم إبراهيم
سؤال
من هم الثلاثة الذين استضافهم أبو الآباء إبراهيم في (تك18)؟ وهل هم الثالوث القدوس؟ وهل سجوده لهم دليل ذلك؟ ولماذا كان يكلمهم أحيانًا بأسلوب الجمع، وأحيانًا بأسلوب المفرد؟ هل هذا يدل على التثليث والتوحيد؟
الجواب
لا يمكن أن نقول إن هؤلاء الثلاثة كانوا الثالوث القدوس...
لأن الثالوث ليس فيه هذا الانفصال الواضح. فالابن يقول: "أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو10: 30). ويقول: "أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ... اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ" (يو14: 10، 9). كذلك قيل عن الآب: "اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ" (يو1: 18).
أما سجود إبراهيم، فكان هنا سجود احترام، وليس سجود عبادة. وقد سجد إبراهيم لبني حث لما اشترى منهم مغارة المكفيلة (تك23: 7).
ولو كان إبراهيم يعرف أنه أمام الله، ما كان يقدم لهم زبدًا ولبنًا وخبزًا ولحمًا ويقول: "اتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ" (تك18: 4، 5).
أما الثلاثة، فكانوا الرب ومعه ملاكان...
الملاكان بعد المقابلة ذهبا إلى سدوم (تك18: 16، 22؛ تك19: 1). وبقي إبراهيم واقفًا أمام الرب (تك18: 22)، وتشفع في سدوم (تك18: 23).
ولما رأى أبونا إبراهيم من باب خيمته هؤلاء الثلاثة، لم يكونوا طبعًا في بهاء واحد، ولا في جلال واحد. وكان الرب بلا شك مميزًا عن الملاكين في جلاله وهيبته. ولعل الملاكين كانا يسيران خلفه.
ولهذا كان أبونا إبراهيم يكلم الرب بالمفرد، باعتباره ممثلًا لهذه المجموعة...
وهكذا يقول له: "يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ. لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَاتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ" أي: اسمح يا سيد للاثنين اللذين معك، فيؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم.
من أجل هذا السبب، كان أبونا إبراهيم يتكلم أحيانًا بالمفرد، ويخاطبهم أحيانًا بالجمع. مثلما يقابلك ضابط ومعه جنديان، فتكلم الضابط عن نفسه وعن الجنديين في نفس الوقت...
قلنا إن الثلاثة كانوا الرب ومعه ملاكان، وقد ذهب الملاكان إلى سدوم (تك19: 1).
وبقي الثالث مع إبراهيم...
وواضح إن هذا الثالث كان هو الرب. والأدلة هي:
إنه الذي قال لإبراهيم: "إِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ" (تك18: 10). بل إن الكتاب يقول صراحة في نفس الأصحاح إنه هو الرب. في عبارات كثيرة منها: "فَقَالَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ: "لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ" (تك18: 13).
"فَقَالَ الرَّبُّ: "هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ" (تك18: 17).
"وَقَالَ الرَّبُّ: "إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ" (تك18: 20).
"وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ" (تك18: 22).
وقول إبراهيم: "أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلًا؟" (تك18: 25)، يدل بلا شك على أنه كان يكلم الله. وكذلك باقي كلام تشفعه في سدوم.
وأسلوبه "(عزمت أن) شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ" (تك18: 27).
وكذلك أسلوب الرب "إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا... فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ"، "لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ" و"لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ".. واضح أنه كلام الله الذي له السلطان أن يهلك وأن يصفح...
أما الاثنان الآخران، فهما الملاكان اللذان ذهبا إلى سدوم...
كما هو واضح من النصوص (تك18: 16، 22)، (تك19: 1). وقصتهما مع أبينا لوط معروفة (تك19).
وكون الثلاثة ينفصلون، دليل على أنهم ليسوا الثالوث القدوس.... الاثنان يذهبان إلى سدوم. ويظل الثالث مع إبراهيم يكلمه في موضوع إعطاء سارة نسلًا، ويسمع تشفعه في سدوم. هذا الانفصال يليق بالحديث عن الرب وملاكين، وليس عن الثالوث...
11- صانع الخير، وصانع الشر
11- صانع الخير، وصانع الشر
سؤال
أليس الله كلي الصلاح؟ كيف إذًا يقال عنه إنه خالق الخير وخالق الشر (إش45: 7)
بينما الشر لا يتفق مع طبيعة الله؟!
الجواب
ينبغي أن نعرف أولًا معنى كلمة الخير، ومعنى كلمة الشر، في لغة الكتاب المقدس. لأنه لكل منهما أكثر من معنى...
كلمة شر يمكن أن تكون بمعنى الخطيئة. ولا يمكن أن تقصد بهذا المعنى عبارة "خَالِقُ الشَّرِّ" في (إش45: 7).
لأن الشر بمعنى الخطية، لا يتفق مع صلاح الله الكلى الصلاح، ولكن كلمة (شر) تعني أيضًا – بلغة الكتاب – الضيقات والمتاعب...
كما أن كلمة (خير) لها أيضًا المعنيان المقابلان: إذًا يمكن أن تعني البر والصلاح، عكس الخطيئة. كما تعني – بعكس الضيقات – الغنى والوفرة والبركات والنعم المتنوعة مادية وغير مادية.
« ولعل هذا واضح جدًا في قصة أيوب الصديق. فإنه لما حلت عليه الضيقات، وتذمرت امرأته، حينئذ وبخها بقوله: "تَتَكَلَّمِينَ كَلاَمًا كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟" (أي2: 10).
أيوب لا يقصد بكلمة الشر هنا الخطية، لأنه لم تصبه خطية من عند الرب. إنما يقصد بالشر ما قد أصابه من ضيقات...
من جهة موت أولاده، وهدم بيته، ونهب مواشيه وأغنامه وجماله وأتنه. هذه الضيقات والمصائب التي يسميها العرف شرًا. وعن هذه المصائب قال الكتاب: "فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ أَيُّوبَ الثَّلاَثَةُ بِكُلِّ الشَّرِّ الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ جَاءُوا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَكَانِهِ... لِيَرْثُوا لَهُ وَيُعَزُّوهُ" (أي2: 11).
« وبهذا المعنى تكلم الرب على معاقبته لبني إسرائيل فقال: "هَئَنَذَا جَالِبٌ شَرًّا عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ وَعَلَى سُكَّانِهِ جَمِيعَ اللَّعَنَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِي السِّفْرِ" (2أي34: 24).
وطبعًا لم يقصد الرب بالشر هنا معنى الخطية...
إنما كان الرب يقصد بالشر: السبي الذي يقع فيه بنو إسرائيل، وانهزامهم أمام أعدائهم، وباقي الضربات التي يعاقبهم بها.
« ومن أمثلة هذا الأمر أيضًا قول الرب عن أورشليم: "هَئَنَذَا جَالِبٌ عَلَى هَذَا الْمَوْضِعِ شَرًّا كُلُّ مَنْ سَمِعَ بِهِ تَطِنُّ أُذُنَاهُ" (إر19: 3). وذكر تفصيل هذا (الشر) فقال: "أَجْعَلُهُمْ يَسْقُطُونَ بِالسَّيْفِ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ... وَأَجْعَلُ جُثَثَهُمْ أَكْلًا لِطُيُورِ السَّمَاءِ وَلِوُحُوشِ الأَرْضِ. وَأَجْعَلُ هَذِهِ الْمَدِينَةَ لِلدَّهَشِ وَالصَّفِيرِ... هَكَذَا أَكْسِرُ هَذَا الشَّعْبَ وَهَذِهِ الْمَدِينَةَ كَمَا يُكْسَرُ وِعَاءُ الْفَخَّارِيِّ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ جَبْرُهُ بَعْدُ" (إر19: 7- 11).
« ونفس المعنى ما ورد في سفر عاموس (9: 4).
« وفي وعود الرب لإنقاذ الشعب من السبي والضيق والهزيمة، "هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ. كَمَا جَلَبْتُ عَلَى هَذَا الشَّعْبِ كُلَّ هَذَا الشَّرِّ الْعَظِيمِ هَكَذَا أَجْلِبُ أَنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ الْخَيْرِ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ إِلَيْهِمْ" (إر32: 42)، أي يردهم من السبي.
وكلمة الخير هنا لا يقصد بها البر والصلاح، وواضح أيضًا أن كلمة الشر هنا لا يقصد بها الخطيئة.
لعل من كلمة الخير بمعنى النعم، اشتقت كلمة خيرات...
وفي هذا يقول المزمور (مز103: 5) "يُشْبِعُ بِالْخَيْرِ عُمْرَك". ويقول الرب في سفر إرميا "خَطَايَاكُمْ مَنَعَتِ الْخَيْرَ عَنْكُمْ" (إر5: 25).
بهذا المعني قيل عن الرب إنه صانع الخير وصانع الشر "أي أنه يعطي النعم والخيرات، وأيضًا يوقع العقوبة والضيقات...
ما دام الأمر هكذا، إذًا ينبغي أن نفهم معنى كلمة "الشر"...
إن كانت كلمة الشر معناها الضيقات، فمن الممكن أن تصدر عن الله، يريدها أو يسمح بها، تأديبًا للناس، أو حثًا لهم على التوبة، أو لأية فائدة روحية تأتي عن طريق التجارب (يع1: 2- 4).
إذًا عبارة خالق الشر، أو صانع الشر، معناها ما يراه الناس شرًا، أو تعبًا أو ضيقًا، ويكون أيضًا للخير.
أما الخير بمعنى الصلاح، والشر بمعنى الخطيئة، فمن أمثلته:
"لِلاِنْتِقَامِ مِنْ فَاعِلِي الشَّرِّ، وَلِلْمَدْحِ لِفَاعِلِي الْخَيْرِ" (1بط2: 14).
وأيضًا "حِدْ عَنِ الشَّرِّ وَاصْنَعِ الْخَيْرَ" (مز34: 14).
وقول الرب: "بَنُوكُمُ الذِينَ لمْ يَعْرِفُوا اليَوْمَ الخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تث1: 39).
وكذلك عبارة "شَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ" (تك2: 9).
ومن هنا كانت عبارة "يصنع به خيرًا" أي يساعده، يعينه، ينقذه، يعطيه من العطايا والخيرات، يرحمه، يحسن إليه.
وبالعكس عبارة "يصنع به شرًا" أى يؤذيه.
وحينما يجلب الله شرًا على أمة، يقصد بهذا وضعها تحت عصا التأديب، بالضيقات والضربات التي يراها الناس شرًا.
12- ذنوب الآباء في الأبناء
12- ذنوب الآباء في الأبناء
سؤال
هل ذنوب الآباء يمكن أن تفتقد في الأبناء حسب قول الكتاب (خر20: 5). ونقول: أكل الآباء الحصرم، وأسنان الأبناء ضرست؟
الجواب
إن الآباء يمكن أن يورثوا أبناءهم جسديًا نتائج خطاياهم أو أمراضهم...
فقد يخطئ أب، ونتيجة لخطيئته يصاب بمرض. ويرث الابن منه هذا المرض. وأحيانًا يصاب أبناء بأمراض عصبية أو عقلية، وبعض أمراض الدم، وبعض عيوب خلقية، نتيجة لما ورثوه من آبائهم.
وغالبًا تكون أمراض الأبناء وآلامهم، سبب آلام لآبائهم. وبخاصة إذا علموا إنها نتيجة لأخطائهم هم...
وقد يرث الأبناء من آبائهم طبعًا رديئًا أو خلقًا فاسدًا...
ولكن ليس هذا شرطًا، فشاول الملك، على الرغم من قساوته وظلمه وطباعه الرديئة، كان ابنه يوناثان على عكسه تمامًا، فاستطاع أن يصادق داود ويحبه ويخلص له.
وحتى إن ورث الأبناء طباعًا رديئة عن آبائهم فمن السهل عليهم أن يتخلصوا منها إذا أرادوا...
وقد يرث الابن عن أخطاء أبيه ديونًا أو فقرًا...
ويتعب بسبب ذلك، على الأرض طبعًا، دون أن يكون لهذا دخل في أبديته وما أكثر النتائج التي يوافقها قول الشاعر:
هذا جناه أبى عليَّ وما جنيت على أحد
أما من جهة دينونة الأبناء على خطايا آبائهم الشخصية، فقد نفاها الكتاب نفيًا باتًا، حسبما ورد في سفر حزقيال، إذ يقول:
"مَا لَكُمْ أَنْتُمْ تَضْرِبُونَ هَذَا الْمَثَلَ... الآبَاءُ أَكَلُوا الْحِصْرِمَ وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ؟ حَيٌّ أَنَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، لاَ يَكُونُ لَكُمْ مِنْ بَعْدُ أَنْ تَضْرِبُوا هَذَا الْمَثَلَ... اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. الاِبْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الاِبْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ" (حز18: 1- 20).
إن شر شاول الملك، لم يحمله ابنه يوناثان البار. ويوشيا الملك الصالح، لم يحمل إثم آمون أبيه، ولا جده منسى، ولا باقي أجداده.
لعنات الناموس في العهد القديم، لا وجود لها في العهد الجديد.
ونحن نقول في القداس الغريغورى "أزلت لعنة الناموس".
ونضرب كمثال لهذه اللعنة، كنعان الذي حمل لعنة أبيه حام (تك9: 22، 25). وظل بنو كنعان يحملون هذه اللعنة إلى أيام السيد المسيح، وليس إلى الجيل الرابع فقط.
أما الآن، فإنك في عهد "النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ" (يو1: 17). فلا تخف من لعنة الناموس، التي ورثها أبناء عن أجدادهم... اطمئن...
ما أكثر ما يكون الأب شريرًا، والابن بارًا رافضًا أن يسير في طريق أبيه، بل قد يقاومه، عملًا بقول الرب: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت10: 37).
ومن المحال طبعًا أن يفتقد الله ذنوب هذا الأب الشرير في ابنه البار الذي يستحق المكافأة...!
13- ما هو سِفر ياشر
13- ما هو سِفر ياشر
سؤال
ما هو سفر ياشر؟ هل هو من أسفار الكتاب المقدس، أو من التوراة؟ وكيف أشير إليه في سفر يشوع، وفي سفر صموئيل الثاني، ومع ذلك ليس هو في الكتاب؟
الجواب
كلمة سفر معناها كتاب، أي كتاب، ديني أو مدني...
وسفر ياشر، أو كتاب ياشر، هو كتاب مدني قديم، كان يضم الأغاني الشعبية المتداولة بين اليهود، حول الأحداث الهامة دينية ومدنية.
وبعض هذه الأغاني، كانت تشمل أناشيد عسكرية للجنود...
ويرجع هذا الكتاب إلى ما بين سنة 1000، وسنة 800 قبل المسيح، أي بعد موسى النبي بأكثر من خمسمائة سنة، إذ ورد فيه ما يخص داود النبي ومرثاته لشاول الملك.
إذًا ليس هو من توراة موسى، لأنه يشمل أخبارًا بعد موسى بعدة قرون.
إن بعض الأحداث التاريخية الهامة في العهد القديم، تغنى بها الناس، ونظموا حولها أناشيد وضعوها في هذا الكتاب، الذي كان ينمو بالزمن، ولا علاقة له بالوحي الإلهي.
مثال ذلك: معركة جبعون أيام يشوع، ووقوف الشمس. ألّف الناس عنها أناشيد، ضمت إلى كتاب ياشر. وأشار إليها يشوع بقوله: "أَلَيْسَ هَذَا مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ يَاشَرَ؟" (يش10: 13). أي أليس هذا من الأحداث المشهورة المتداولة، التي بلغ من شهرتها تأليف أناشيد شعبية عنها، في كتب مدنية مثل سفر ياشر.
كذلك فإن النشيد الجميل المؤثر، الذي رثى به داود النبي شاول الملك وابنه يوناثان، أعجب به الناس وتغنوا به، وضموه إلى كتاب أناشيدهم الشعبية، إذ يختص بحادثة مقتل ملك من ملوكهم مع ولي عهده، بل هو أول ملوكهم. فلما ورد الخبر في سفر صموئيل الثاني، قيل فيه "هُوَذَا ذَلِكَ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ يَاشَرَ" (2صم1: 18). أي أن مرثاة داود، تحولت إلى أغنية شعبية، وضعها الناس في كتاب أناشيدهم المعروف باسم سفر ياشر.
تمامًا كما نقول عن حادث معين مشهور، إنه ورد في الكتاب المقدس، كما ورد أيضًا في كتاب من كتب التاريخ...
يبقى السؤال الأخير، وهو: هل حذفه اليهود من التوراة لسبب عقيدي؟ والإجابة واضحة وهي:
أ) إنه ليس من التوراة. لأن التوراة هي أسفار موسى الخمسة، وهي التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية.
ب) لو أراد اليهود إخفاءه لسبب عقيدي، ما كانوا يشيرون إليه في سفر يشوع، وفي سفر صموئيل النبي.
ج) أشهر وأقدم ترجمات العهد القديم، وهي الترجمة السبعينية التي وضعت في القرن الثالث قبل الميلاد، لا يوجد بها هذا الكتاب.
14- معـاني كـلمات
14- معـاني كـلمات
سؤال
نقرأ في الكتاب المقدس أحيانًا كلمات تحتاج إلى ترجمة أو تفسير، مثل:
سلاه، وقد وردت كثيرًا في المزامير، كما في المزامير من 46 إلى 50.
ماران آثا، وقد وردت في (1كو16: 22).
أناثيما، وقد وردت في (غلا1: 8، 9)، (1كو16: 22).
قيدار، كما في (مز120: 5)، (نش1: 5).
فنرجو توضيح معناها، حتى يسهل علينا فهمها.
الجواب
سلاه
هي عبارة وردت في المزامير 71 مرة. وتعني وقفة لتغيير اللحن إلى طبقة موسيقية مختلفة. وذلك لأن المزامير كانت تنشد مصحوبة بالموسيقى في أيام داود وآساف وهيمان وغيرهم. فعند موضع معين، كانت تعطي إشارة للوقوف، حتى يضبط الموسيقيون آلاتهم على الوضع الموسيقي المطلوب.
ماران آثا
كلمة (مار) السريانية، والآرامية بمعنى سيد (أو رب).
وكلمة (آثا) تعني يأتي. والعبارة كلها معناها: الرب يأتي أو ربنا سيأتي.
وهي عبارة تحية كان يتبادلها المسيحيون في العصر الرسولي، معزين أو مبشرين بعضهم بضعًا بمجيء الرب. أي افرحوا إن الرب سيأتي.
وأحيانًا كانوا يختمون بها رسائهم، كما ختم بها القديس بولس الرسول رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس.
أناثيما
هي كلمة يونانية تعني اللعنة، كما تعني الحَرم أو القطع أو الفرز من الكنيسة. مثل الأناثيماتAnathemas التي وضعها القديس كيرلس عمود الدين أثناء الهرطقة النسطورية على كل من يخالف قواعد الإيمان.
وقد استخدمها القديس بولس الرسول في رسالته إلى غلاطية ليحرم بسلطانه الكنسي كل من يعلم تعليمًا مخالفًا لبشارة الرسل، حتى لو كان ملاكًا فقال: "إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا" (غلا1: 8). وكرر نفس المعنى...
واستخدم نفس العبارة أيضًا في آخر رسالته الأولى إلى كورنثوس، هذه العبارة معروفة جدًا في القوانين الكنيسة.
قيدار
قيدار هو ثاني ابن لإسماعيل ابن هاجر (تك25: 13). وتعرف البلاد التي سكنها بهذا الاسم أيضًا (إر49: 28). وكان نسل قيدار يسكنون في خيام، كانت سوداء أو تبدو سوداء من دخان النار التي يتدفأون بها بالليل. واشتهر أهل قيدار بخيامهم السوداء. ولعل هذا ما قصدته عذراء النشيد بقولها: "أَنَا سَوْدَاءُ وَجَمِيلَةٌ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ كَخِيَامِ قِيدَارَ..." (نش1: 5). وقد ذكر المرتل "خِيَامِ قِيدَارَ" كبلاد غربة (مز120: 5).
15- هل خطية آدم زنى؟
15- هل خطية آدم زنى؟
سؤال
يقول البعض إن خطية آدم وحواء هي الزنى. ولما كان الكتاب لم يذكر هذا، فمن أين نشأ هذا الرأي؟ وما الرد عليه إن كان خطأ؟
الجواب
لعله يرجع إلى أوريجانوس، الذي غالى في طريقة التفسير الرمزي.
وقد حاول أن يجعل الرمز يشمل كل شيء، حتى خطية آدم، حتى أشجار الجنة.
فقال إن خطية آدم هي الزنى، واستدل على رأيه بالنقط الآتية:
قال إن شجرة معرفة الخير والشر، كانت في وسط الجنة، كما أن الأعضاء التناسلية في وسط جسم الإنسان. وقال بالأكل من الشجرة قيل: "وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ" (تك4: 1). وقال إنهما بالخطية عرفا الخجل وعلما أنهما عريانان، وخاطا لأنفسهما مآزر من ورق التين (تك3: 7). واستدل أوريجانوس على رأيه أيضًا من سيطرة الزنى على العالم...
وعن أوريجانوس نُقل هذا الرأي، حتى وصل إلى صاحب السؤال.
ولكن هذا الرأي عليه ردود كثيرة منها، فحص هذا الرمز:
1– قيل إن شجرة معرفة الخير والشر كانت في وسط الجنة. والأعضاء التناسلية في وسط جسم الإنسان. فلو اعتبرنا هذه الأعضاء هي الشجرة، لأصبح الإنسان هو الجنة.
وهنا نقف أمام جنتين (آدم وحواء)، وشجرتين (في كل منهما واحدة)
هذا لو طبقنا تفاصيل التفسير الرمزي حسب مفهوم أوريجانوس. ويكون آدم يقطف من شجرة حواء، وحواء تقطف من شجرة آدم. ولا يكون الله قد وضع آدم في الجنة – حسب قول الكتاب (تك2: 15) - وإنما يكون هو نفسه جنة حواء!! ولكن الكتاب قال إن الله "وَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا" (تك2: 15).
فحسب الرمز، ماذا تكون عدن؟ وما معنى يعملها ويحفظها؟
2– وماذا تكون باقي رموز كل ما في الجنة؟
ماذا يكون النهر الذي يخرج من عدن ليسقي الجنة ومن هناك ينقسم إلى أربعة رؤوس؟ وما هي تلك الأربعة أنهار وبلادها (تك2: 10- 14)؟ وماذا تكون باقي أعضاء جسم الإنسان في رموزها؟ هل ترمز إلى أشجار أخرى في الجنة؟ وهل كان مصرحًا بها؟
3– ثم أن شجرة الحياة أيضًا كانت في وسط الجنة (تك2: 9).
ولم تكن شجرة معرفة الخير والشر وحدها في وسط الجنة. فهل شجرة الحياة هي أيضًا ترمز إلى شيء إذا تمادينا مع أوريجانوس؟ وحينئذ كيف نفهم معنى أن الكاروبيم في حراسة شجرة الحياة بلهيب سيف (تك3: 24).
4– ثم كيف نفهم طرد إنسان من الجنة، إن كانت ترمز إلى جسمه؟
كيف فارقها، وعاش خارجها؟ وكيف فارق شجرة معرفة الخير والشر التي في وسط الجنة؟ إن الرمز هنا، بلا شك، يدخلنا في بلبلة لا نهاية لها.
على أن هناك سؤالًا هامًا جدًا، نضعه أمامنا إن كانت الخطية زنى.
5– إن كانت الخطية زني، فلماذا كانت إذًا؟ وهل فهمها آدم؟
هل كانت الوصية "لا تزن" وخالفها آدم؟ ماذا تفهم حواء من عبارة "لا تزن"؟! وهما بريئان بسيطان لا يعرفان من هذه الأمور شيئًا. بدليل إنهما "كَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ... وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَن (تك2: 25). هل شرح لهما الله معنى الوصية وما الذي يمنعهما عنه؟!
مستحيل، وإلا يكون الله هو الذي فتح أعينهما...! حاشا...
أم لم تكن هناك وصية، وهذا ضد الكتاب؟
أم إنهما لم يفهما الوصية، وحينئذ لا تكون هناك عقوبة؟ ولا معنى لوصية غير مفهومة.
6– وإن كانت الخطية زنى، لارتكبها الاثنان في وقت واحد.
ما معنى أن حواء قطفت أولًا وأكلت، ثم أعطت آدم (تك3: 6). لو كانت الخطية زنى، لقيل أنهما أكلا في وقت واحد من الشجرة، قال: "فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ" (تك3: 7).
ولو كانت الخطية زنى، لانفتحت أعينهما أولًا، وعرفا أنهما عريانان، ثم بعد ذلك يأتي ارتكاب الخطية. لأنه من غير المعقول أن يرتكبا خطية كهذه، وعيونهما مغلقة.
8– أما الخجل، ومعرفة آدم لحواء، فلم تكن هي الخطية، إنما كانت نتيجة لنزولهما إلى المستوى الجسداني في اشتهاء الأكل...
ولذلك قيل "وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ" بعد طردهما من الجنة (تك4: 1). ولم يكن ذلك وهما في الجنة. وعبارة الخجل وردت بعد الأكل من الشجرة، وليس أثناء ذلك ولا قبله.
كان آدم روحيًا، بعيدًا عن شهوة المادة وشهوة الأكل وشهوة الحس. فلما وقع في ذلك كله بالأكل من الشجرة، هبط إلى المستوى الجسداني. وأصبح سهلًا بعد هذا أن يكمل طريق الجسد في موضوع الجنس. هذا الأمر تم نتيجة للسقوط ولم يكن هو عملية السقوط.
9– وإذا اعتبرنا الجنس بين آدم وحواء هو خطية زنى، فما معنى إذًا قول الرب لهما: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ" (تك1: 28).
ووردت هذه البركة في اليوم السادس، قبل أن يقول الكتاب: "وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا" (تك1: 31). ورأى الله ذلك فإذا هو حسن جدًا..
10– وإن كانت الخطية زنى، فلا داعي إذًا لإغراءات الألوهية والمعرفة.
والمعروف إن إغراء الحية لحواء، لم يكن هو الزنى، إنما "َتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك3: 5). إذًا فهي خطية كبرياء، وشهوة المساواة بالله.
وفي هذه الخطية وقع الشيطان نفسه، حينما قال في قلبه: "أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 14)[1].
وبناء على هذا الإغراء "شهوة التأله" سقطت حواء، ثم سقط آدم. ولم يقل الكتاب مطلقًا إن الإغراء كان هو الزنى الذي لم تكن تفهمه حواء.
11- أما انتشار خطية الزنى، فيشبهه انتشار خطايا أخرى... مثل محبة العظمة، ومحبة الذات، ومحبة الغنى، وشهوة الامتلاك، وشهوة الأكل، وانفعال الغضب، وخطية الكذب... وكل هذا منتشر جدًا، حتى في السن المبكرة التي لا تعرف الزنى، وفي سن الشيخوخة التي تعجز فيها عن الزنى.
12- القول إذًا بأن خطية آدم وحواء زنى، لا يسنده الكتاب...
إن التفسير الرمزي عمومًا، له جماله وعمقه، على أن يكون في حدود المعقول، ويكون له ما يسنده من نصوص الكتاب...
[1] انظر كتابنا آدم وحواء عن تحليل خطايا آدم وحواء (27 خطية).
16- حول ملكي صادق
16- حول ملكي صادق
سؤال
من هو ملكي صادق؟ وما معنى قولنا في المزمور: "أنْتَ هُوَ الكاهِنُ إلَي الأبدِ عَلَي طَقْسِ مَلْكي صادَق" (مز110: 4)؟ ما هو طقس ملكي صادق هذا؟
الجواب
أول مرة ورد فيها اسم ملكي صادق، كانت في استقباله لأبينا إبراهيم عند رجوعه من كسرة كدرلعومر والملوك الذين معه (تك14: 17، 18). وفي هذه المقابلة قيل عن ملكي صادق ما يأتي:
1- إنه ملك شاليم (ولعلها أورشليم).
2- إنه كاهن الله العلّي. وقد قدم خبزًا وخمرًا.
3- إنه بارك أبانا إبراهيم. وأبونا إبراهيم قدم له العشور.
ويقرر معلمنا بولس الرسول أن ملكي صادق أعظم من إبراهيم.
على اعتبار أن الصغير يبارك من الكبير (عب7: 7). وعلى اعتبار أنه دفع له العشور. وبالتالي يكون كهنوت ملكي صادق أعظم من كهنوت هارون، الذي كان في صُلب إبراهيم لما باركه ملكي صادق.
وكهنوت المسيح، والكهنوت المسيحي، على طقس على طقس ملكي صادق.
وذلك من حيث النقط الآتية:
1- إنه كهنوت يقدم خبرًا وخمرًا، وليس ذبائح حيوانية.
فالذبائح الحيوانية أو الدموية، كانت طقس الكهنوت الهاروني، ترمز إلى ذبيحة المسيح، وقد أبطلها المسيح بذبيحته. وأعطانا الرب إصعاد جسده ودمه من خبز وخمر، حسب تقدمة ملكي صادق.
2- إنه كهنوت ليس عن طريق الوراثة. فقد كان المسيح من سبط يهوذا، وليس من سبط لاوي الذي منه الكهنوت. فلم يأخذ الكهنوت بالوراثة. وكذلك كل رسل المسيح، وكل كهنة العهد الجديد، لا يأخذون الكهنوت بالوراثة.
3- كهنوت ملكي صادق، أعلى في الدرجة من الكهنوت الهاروني. وقد شرح معلمنا بولس الرسول هذا الأمر في (عب7).
وقد قيل عن ملكي صادق إنه مشبه بابن الله.
من جهة هذه الأمور التي ذكرناها، وأيضًا يقول عنه الرسول: "بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ بِلاَ نَسَبٍ. لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ" (عب7: 3).
ولا نأخذ هذه الكلمات بحرفيتها، وإلا كان ملكي صادق هو الله.
بل حتى من جهة الحرف، لا نستطيع أن نقول إنه مشبه بابن الله في أنه بلا أم، لأن المسيح كانت له أم هي العذراء، ولا نستطيع أن نقول إنه بلا أب، فالمسيح له أب هو الآب السماوي.
إنما كان بلا أب، بلا أم، بلا نسب في الكهنوت.
أي لم يأخذه عن طرق الوراثة عن أب أو أم أو نسب. وهكذا كان المسيح. ولعل هذا يوافق ما قاله بولس الرسول: "وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ بَنِي لاَوِي، الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْكَهَنُوتَ، فَلَهُمْ وَصِيَّةٌ أَنْ يُعَشِّرُوا الشَّعْبَ بِمُقْتَضَى النَّامُوسِ... وَلَكِنَّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نَسَبٌ مِنْهُم (أي ملكي صادق) قَدْ عَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ" (عب7: 5، 6).
أي (بلا نسب) هنا معناها بلا نسب من هارون، من سبط الكهنوت... وتكون عبارة بلا أب بلا أم على نفس القياس.
وقد وضح عبارة (بلا نسب في الكهنوت) على المسيح بقوله "فِي سِبْطٍ آخَرَ لَمْ يُلاَزِمْ أَحَدٌ مِنْهُ الْمَذْبَحَ" (عب7: 13).
بالإضافة إلى هذا، فإن الكتاب لم يذكر لنا شيئًا عن نسب ملكي صادق، ولا من هو أبوه ولا أمه. فكأنه يقول عنه: بلا أب نعرفة، وبلا أم نعرفها. وماذا أيضًا؟
لا بداءة أيام له، ولا نهاية حياة...
أي أنه دخل التاريخ فجأة، وخرج منه فجأة، دون أن نعرف له بداءة أيام، ولا نهاية حياة. إنما ظهر في وقت ليؤدي رسالة ما، وليكون رمزًا، دون أن نعرف له تاريخًا ولا نسبًا.
أما المسيح، فمن الناحية الجسدية، معروفة أيامه.
معروف يوم ميلاده، ويوم موته على الصليب، ويوم صعوده إلى السماء. أما من الناحية اللاهوتية، فلا بداءة ولا نهاية.
ولكن ملكي صادق لم يكن يرمز إلى المسيح من الناحية اللاهوتية...
إنما كل الذي ذكره الكتاب سواء في (تك14) أو في (مز110) أو في (عب7) كان بخصوص عمله الكهنوتي.
أما الرأي القائل بأن ملكي صادق هو المسيح نفسه. فعليه اعتراضات...
منها قول الرسول: "مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ" "عَلَى شِبْهِ مَلْكِي صَادِقَ" "عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ" (عب7: 3، 15، 17). بينما لو كان هو نفس الشخص، ما كان يقول على شبهه، على طقسه، أو على رتيته.
أما ترجمة الأسماء فلا كل تدل على أنه نفس الشخص.
ترجمة اسمه بأنه ملك البر، أو وظيفته بأنه ملك السلام، لا يعني أنه المسيح، ربما مجرد رمز... وترجمة الأسماء من حيث صلتها باسم الله تحوي عجبًا.
فإيليا النبي ترجمة اسمه (إلهي يهوه)، وأليشع (الله خلاص)، وإشعياء (الله يخلص) وأليهو (أي32) معناه (هو الله)، وصموئيل (اسم الله أو سمع الله).
ومن الأسماء الأخرى في الكتاب أليآب (عد1: 9) معناها الله أب، واليصور (عد1: 5) معناه الله صخرة، وأليمالك (را1: 2) معناها الله ملك. وأليشوع (2صم5: 15). معناها الله خلاص[1].
دون أن يدعى أحد من هؤلاء - من واقع اسمه - إنه أحد الظهورات لله في العهد القديم.
وشخصية ملكي صادق من الشخصيات التي حيرت علماء الكتاب...
وقيلت فيها آراء متعددة، وآراء متناقضة. يكفينا من جهتها رمزها إلى كهنوت المسيح، دون أن ندخل في تفاصيل، يقودنا فيها فهمنا الخاص، بينما لا يؤكدها الكتاب أو يحددها...
[1] انظر قاموس الكتاب المقدس
17- لا تكن بارًا بزيادة
17- لا تكن بارًا بزيادة
سؤال
ما معنى قول الكتاب: "لا تكن بارًا بزيادة"؟
الجواب
إن قول الكتاب: "لاَ تَكُنْ بَارًّا كَثِيرًا وَلاَ تَكُنْ حَكِيمًا بِزِيَادَةٍ" (جا7: 16). ليس معناه أن الإنسان لا ينمو روحيًا. وليس معناه أن هناك سلوكًا أعلى من البر الذي يطلبه الله منا...
إنما معناه أن يسلك الإنسان في مستواه، دون قفزات كالضربات اليمينية...
فالإنسان الروحي "لاَ يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ" (رو12: 3). ولا يسلك في الطريق بمغالاة، إنما درجة درجة حتى يصل. لأنه ما أسهل أن يحارب الشيطان بضربات يمينية، يدفعه فيها إلى درجات لا تحتملها روحياته، ثم لا يستمر فيها ويقع في الكآبة أو اليأس. وأثناء ممارساته القليلة لتلك الدرجات يقع في الكبرياء وإدانة الآخرين، ويقع في التذمر على أب اعترافه كما لو كان لا يريد له الكمال.
فلا تكن حكيمًا في عيني نفسك، لا تكن حكيمًا بزيادة. واسلك بهدوء وتأن، بدون قفزات لا تستمر فيها وتتعبك روحيًا.
18- هل خلص شمشون وسليمان؟
18- هل خلص شمشون وسليمان؟
سؤال
نحن نعلم أن شمشون أخطأ، وكسر نذره، وتخلت عنه النعمة، وأُخذ كأسير (قض16). ونعلم أن سليمان أغوته نساؤه، وبنى مرتفعات لآلهتهن، ولم يحفظ عهد الرب فمزق الرب مملكته (1مل11).
فهل خلص شمشون؟ وهل خلص سليمان؟ وما الدليل؟
الجواب
لا شك أن شمشون نال الخلاص، وقبل الرب توبته.
والدليل على ذلك أن الرب سمع له في آخر حياته، وصنع به انتصارًا عظيمًا لم يصنعه به طول حياته (قض16: 30). ولكن الدليل الأكبر على خلاص شمشون أن القديس بولس الرسول وضعه في قائمه رجال الإيمان، مع داود وصموئيل والأنبياء (عب11: 32).
وفي يقيني أن سليمان أيضًا قد خلص، وقبل الرب توبته...
ومن علامات توبته كتابته سفر الجامعة، الذي ظهرت فيه روح الزهد في كل شيء. لكن الدليل الأكبر على خلاصه هو وعد الله لداود بشأنه، حينما قال له: "أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ... هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لاِسْمِي، وَأَنَا أُثَبِّتُ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِ... أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا. إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ بِقَضِيبِ النَّاسِ وَبِضَرَبَاتِ بَنِي آدَمَ. وَلَكِنَّ رَحْمَتِي لاَ تُنْزَعُ مِنْهُ كَمَا نَزَعْتُهَا مِنْ شَاوُلَ..." (2صم7: 12- 15).
عبارة: "إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ... وَلَكِنَّ رَحْمَتِي لاَ تُنْزَعُ مِنْهُ". هي بلا شك دليل على قبول الرب لتوبة سليمان، وخلاصه.
19- من يزيد علمًا، يزيد حزنًا
19- من يزيد علمًا، يزيد حزنًا
سؤال
هل الكتاب يقف ضد النمو في العلم والمعرفة، بقوله: "الَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا" (جا1: 18)؟
الجواب
الكتاب يقصد المعلومات الضارة، التي تتعب فكر الإنسان.
هناك معلومات يعرفها الإنسان فتجلب له شهوات وحروبًا روحية، فيقول: ليتني ما عرفت. وهناك قراءات ومعارف تجلب له شكوكًا، وربما تؤثر على إيمانه. ومعلومات أخرى ربما يعرفها، فتؤثر على محبته للآخرين، أو تجعله يدينهم. وفي كل ذلك يقول ليتني ما عرفت.
ولذلك ينبغي أن يكون هناك ضابط للإنسان في معارفه وقراءاته...
وليس كل شيء يجوز لكل أحد معرفته. وهناك معارف تفتح العينين على أمور ليس من صالحه أن يعرفها، في سن معينة، أو في حالة نفسية، أو قبل النضوج روحيًا أو فكريًا... إلخ.
عن هذه وأمثالها قال الحكيم: "الَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا".
أما في باقي الأمور النافعة، فباب العلم مفتوح للجميع...
20- خبر موت موسى النبي
20- خبر موت موسى النبي
سؤال
إن كان موسى النبي هو كاتب الأسفار الخمسة، فكيف ورد فيها خبر موته (تث34: 5-8).
الجواب
طبيعي هذا الخبر كتبه يشوع بن نون. ولكنه لم يوضع في أول سفر يشوع بل في آخر الأسفار الخمسة لتتكامل قصة موسى.
وهو يتفق مع بداية سفر يشوع "وَكَانَ بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى... ".
21- حول سلسلة الأنسَاب
21- حول سلسلة الأنسَاب
سؤال
النسوة الخاطئات في سلسلة الأنساب:
لماذا ترك البشير في سلسلة الأنساب أسماء النسوة القديسات مثل سارة ورفقة وغيرهما، وأورد ذكر نسوة زانيات مثل ثامار وراحاب وامرأة أوريا الحثي، وامرأة غريبة الجنس هي راعوث؟
الجواب
لقد أراد أن يبطل تشامخ اليهود الذين يفتخرون بأجدادهم. فأظهر لهم كيف أن أجدادهم قد أخطأوا. فيهوذا زنى مع ثامار أرملة ابنه وأنجب منها فارص وزارح. وداود سقط في الزنى مع امرأة أوريا الحثي. وبوعز الجد الكبير لداود أنجبه سلمون من راحاب الزانية... فلا داعي إذًا للافتخار.
وحتى لو كان أجدادهم فاضلين، فلن تنفعهم أجدادهم. لأن أعمال الإنسان - لا أعمال آبائه - هي التي تقرر مصيره في اليوم الأخير.
ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم في ذلك:
إن السيد المسيح لم يأت ليهرب من تعييراتنا، بل ليزيلها. إنه لا يخجل من أي نوع من نقائصنا. وكما أن أولئك الأجداد أخذوا نسوة زانيات، فكذلك ربنا وإلهنا خطب لذاته طيبعتنا التي زنت.
الكنيسة كثامار: تخلصت دفعة واحدة من أعمالها الشريرة ثم تبعته.
وراعوث يشبه حالها أحوالنا: كانت قبيلتها غريبة عن إسرائيل، وقد هبطت إلى غاية الفقر. ومع ذلك لما أبصرها بوعز، لم يزدر بفقرها، ولا رفض دناءة جنسها. كذلك السيد المسيح لم يرفض كنيسته وقد كانت غريبة وفي فقر من الأعمال الصالحة... وكما أن راعوث لم تترك شعبها وبيتها لما ذاقت ذلك المجد، فكذلك الكنيسة التي قال لها النبي: "انْسَيْ شَعْبَكِ وَبَيْتَ أَبِيكِ. فَيَشْتَهِيَ الْمَلِكُ حُسْنَكِ" (مز45: 10، 11).
بهذه الأمور أخجلهم ربنا، وحقق عندهم ألا يتعظموا.
وعندما سجل البشير أنساب المسيح أورد فيها أولئك النسوة الزانيات. لأنه لا يمكن لأحدنا أن يكون فاضلًا بفضيلة أجداده، أو شريرًا برذيلة أجداده. بل أقول إن الشخص الذي لم يكن من أجداد فاضلين وصار صالحًا، فذلك شرف فضله عظيم.
فلا يفتخر وينتفخ أحد بأجداده، إذا تفطن في أجداد سيدنا، ولينظر إلى أعماله الخاصة. وحتى فضائله لا يفتخر بها. لأنه بأمثال هذه المفاخر صار الفريسي دون العشار.
فلا تفسدن أتعابك وتحاضر باطلًا. لا تضيع تعبك كله بعد سعيك فيه فراسخ كثيرة. لأن سيدك يعرف الفضائل التي أحكمتها أكثر منك. لأنك إن ناولت ظمآن قدح ماء بارد، فلن يغفل الله عن هذا ولا ينساه.
إنك إن مدحت ذاتك، فلن يمدحك الله أيضًا. أما إن نسبت الويل، لها ولُمتها، فلا يكف هو عن إذاعة فضلك... وهو يسعى بكل وسيلة لكي يكللك عن طريق أتعاب كثيرة. ويجول طالبًا حججًا يستطيع أن يخلصك بها من جهنم. حتى إن عملت في الساعة الحادية عشرة يعطيك أجرة عمل النهار كله... وإن ذرفت ولو دمعة واحدة، لخطفها بإسراع وجعلها حجة لخلاصك.
فلا نترفعن إذن، لكن ينبغى أن ندعو ذواتنا مرفوضين. وننسى كل ما قد عملناه من صلاح، ونتذكر خطايانا.
إن محامدك التي يجب ألا يعرفها إلا الله وحده. هي عنده في صيانة تحوطها، فلا تكرر ذكرها لئلا يسلبها منك سالب، ويصيبك ما أصاب الفريسي إذ أورد ذكر محامده، فاختلسها إبليس المحتال.
22- أثمروا وأكثروا
22- أثمروا وأكثروا
سؤال
في سفر التكوين صدر أمر إلهي لآدم وحواء، قال لهم فيه: "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ" (تك1: 28). فهل كان هذا ممكنًا أن يحدث وهمًا في الجنة. ونحن نعلم أنهما لم ينجبا أولادًا إلا بعد طردهما من الجنة وبعد الخطية.
الجواب
إن كانت هذه العبارة قد قيلت لهما قبل الخطية، فلا شك أنهما لم يعرفا معناها الحالي.
لأنهما كانًا بسيطان وبريئان جدًا، ولا يعرفان شيئًا عن الجنس وعن استعماله. وكانًا عريانين ولا يخجلان (تك2: 25)، شعورهما في هذه الناحية كطفلين رضيعين لا يعرفان عن الجنس شيئًا... ما كانا يعرفان على الإطلاق طريقة التكاثر الجسدي.
ولكنهما عرفا ذلك بعد الخطية، إذ يقول الكتاب: "وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ قَايِينَ" (تك4: 1).
غالبًا هذه العبارة قيلت لهما أو فهماها بعد الخطية.
إن قصة الخليقة وردت مجملة في الأصحاح الأول من سفر التكوين، ووردت مفصلة في الأصحاح الثاني.
ففي الأصحاح الأول يُقال: "خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ... ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ" (تك1: 27). وفي الأصحاح الثاني يشرح خلق آدم من تراب. ثم حواء من أحد أضلاع آدم (تك2: 7، 21).
وفي الأصحاح الأول في قصة الخليقة بالإجمال، وردت عبارة "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ" (تك1: 28).
23- خداع يعقوب
23- خداع يعقوب
سؤال
سألني أحدهم قائلًا: "هل من المعقول أن يكون يعقوب قد أخذ البنوة عن طريق الخداع، حينما خدع أباه إسحاق؟! فبماذا أجيب على هذا السؤال؟
الجواب
أولًا يعقوب لم يأخذ البنوة عن طريق الخداع، بل أخذ البركة.
إذ قال لأبيه: "كُلْ مِنْ صَيْدِي لِتُبَارِكَنِي نَفْسُكَ" (تك27: 19).. هذه هي البركة التي حُرم منها عيسو. وبكى قائلًا: "بَارِكْنِي أَنَا أَيْضًا يَا أَبِي" فرد عليه أبوه قائلًا: "قَدْ جَاءَ أَخُوكَ بِمَكْرٍ وَأَخَذَ بَرَكَتَكَ" (تك27: 34، 35).
2- ومع ذلك فهذه البركة كانت معدة من الله أصلًا ليعقوب وليس لعيسو.
وهذا ما يتضح من النبوة التي قيلت لأمه رفقة أثناء حبلها "قَالَ لَهَا الرَّبُّ: فِي بَطْنِكِ أُمَّتَانِ وَمِنْ أَحْشَائِكِ يَفْتَرِقُ شَعْبَانِ: شَعْبٌ يَقْوَى عَلَى شَعْبٍ وَكَبِيرٌ يُسْتَعْبَدُ لِصَغِيرٍ" (تك25: 23).
كان الله بسابق علمه الإلهي يعرف أفضلية يعقوب على عيسو، فاختاره لتلك البركة، وهكذا قال القديس بولس الرسول في الرسالة إلى رومية بخصوص الاختيار الإلهي "بَلْ رِفْقَةُ أَيْضًا وَهِيَ حُبْلَى... لأَنَّهُ وَهُمَا لَمْ يُولَدَا بَعْدُ وَلاَ فَعَلاَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا لِكَيْ يَثْبُتَ قَصْدُ اللهِ حَسَبَ الاِخْتِيَارِ... قِيلَ لَهَا: إِنَّ الْكَبِيرَ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ. كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ" (رو9: 10- 13).
3- ومع ذلك لا ننكر أن يعقوب وقع في خطيئة الخداع، وقد نال الجزاء عليها...
فقد خدعه خاله لابان في وقت زواجه، وقدّم له ليئة بدلًا من راحيل (تك29: 23، 25). وخدعه أيضًا من جهة أجرته، فغيرها له عشر مرات (تك31: 41). وكذلك خدعه أبناؤه لما باعوا يوسف أخاهم، وأخذوا قميص يوسف وغمسوه في دم تيس ذبحوه، وأرسلوا هذا القميص الملون إلى يعقوب حتى يتحقق أن وحشًا رديئًا قد افترس يوسف!! "فَمَزَّقَ يَعْقُوبُ ثِيَابَهُ وَوَضَعَ مِسْحًا عَلَى حَقَوَيْهِ وَنَاحَ عَلَى ابْنِهِ أَيَّامًا كَثِيرَةً... فَأَبَى أَنْ يَتَعَزَّى" (تك37: 34، 35).
ولكن خطأ يعقوب وخداعه لأبيه، لم يمنع تنفيذ القصد الإلهي.
وكان القصد الإلهي هو أن يأخذ البركة فأخذها. أما كونه قد قلق وأسرع لينال البركة بطريقة مخادعة كما نصحته أمه... فهذا لا يمنع أنه كان لا بد سينال البركة بطريقة شرعية روحية سليمة، لو أنه لم يقلق ولم يسرع...
24- حول سفر النشيد
24- حول سفر النشيد
سؤال
هل سفر النشيد هو عبارات جنسية؟ أو حب جنسي بين رجل وامرأة؟ أو نشيد يقال في يوم زواج؟
الجواب
ليس هو كذلك طبعًا، لأن له روحانيته، كذلك لا يمكن فهم سفر النشيد إلا بطريقة (التفسير الرمزي).
إنه يعبر عن حالة حب بين الله والنفس البشرية، أو بين الله والكنيسة. والأدلة على ذلك كثيرة منها:
1- الحب الجنسي يتصف بالغيرة.
سواء من جهة المرأة، أو من جهة الرجل. كل منهما يحرص على من يحبه، ليكون له وحده، وليس لغيره.
وهذا غير موجود في سفر النشيد، بل عكسه هو الموجود.
حيث تقول عذراء النشيد في فرح: "لِذَلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى... بِالْحَقِّ يُحِبُّونَكَ... اُجْذُبْنِي وَرَاءَكَ فَنَجْرِيَ" (نش1: 3، 4). لو كان الأمر حبًا جسديًا، لكانت تغار من حب أولئك العذراى له...
كذلك أيضًا فيما تقول عن نفسها: "أَنَا سَوْدَاءُ وَجَمِيلَةٌ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ" (نش1: 5)، نراها تقول لهن: "أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ بِالظِّبَاءِ وَبِأَيَائِلِ الْحَقْلِ أَلاَّ تُيَقِّظْنَ وَلاَ تُنَبِّهْنَ الْحَبِيبَ حَتَّى يَشَاءَ" (نش3: 5). لو كان الحب جسدانيًا، لكانت هذه السوداء تغار من بنات أورشليم، ولا تدعهن يقتربن من حبيبها... بل تطردهن عنه.
ولكن عبارة "بنات أورشليم" تعني هنا اليهود المؤمنين.
والسوداء الجميلة تمثل الكنيسة التي من المؤمنين من الأمم الأخرى.
هذه التي تنتظر مجيء موعد الرب لخلاصها "متى شاء"..
نقطة أخرى نقولها في موضوع النشيد لإخراجه من نطاق الحب الجسداني، وهي ما فيه من أوصاف:
الأوصاف التي توصف بها الحبيبة:
ومنها "شَعْرُكِ كَقَطِيعِ مِعْزٍ رَابِضٍ عَلَى جَبَلِ جِلْعَادَ" "أَسْنَانُكِ كَقَطِيعِ الْجَزَائِزِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْغَسْلِ" (نش4: 1، 2). أية امرأة تقبل أن توصف من حبيبها بهذا الوصف... لكنه يفسر بطريقة رمزية.
أو من تقبل أن يقول لها حبيبها أنها "مُرْهِبَةٌ كَجَيْشٍ بِأَلْوِيَةٍ" (نش6: 10). يمكن أن يقال هذا عن النفس القوية التي تكون في حروبها الروحية مرهبة للشياطين وكل قواتهم.
لنا في هذا الموضوع كلام طويل سننشره إن شاء الله في كتابنا الذي ننوي أن نصدره عن سفر النشيد، وقد سبق أن ألقينا عنه محاضرات عديدة كتأملات في روحانيته.
25- علاقتنا بشريعة العهد القديم
25- علاقتنا بشريعة العهد القديم
سؤال
لماذا لا تتبع المسيحية شريعة العهد القديم، بينما هي لم تنقضها حسب قول السيد المسيح: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ" (مت5: 17). فلماذا لا تسير المسيحية بمبدأ "عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ" ولا داعي لعبارة "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا"، وما يشبهها. وإلا تكون قد نقضت الناموس؟!
الجواب
لاحظ أن السيد المسيح لم يقل فقط ما جئت لأنقض، وإنما أضاف بل لأكمل.
وعبارة إنه جاء ليكمل، لها معنيان:
الأول: إنه جاء يكمل فهم اليهود للشريعة.
فاليهود ما كانوا على فهم سليم للشريعة. حتى أن شريعة السبت مثلًا، كانوا يفهمونها بطريقة حرفية بحتة، فلا يعمل الإنسان أي عمل في السبت، حتى فعل الخير... لدرجة أنه حينما قام السيد المسيح بمعجزة كبيرة، في يوم سبت، وهي منح البصر لشخص مولود أعمى، قابلوا هذا الإنسان بعد أن أبصر وقالوا له إن الذي شفاه إنسان خاطئ!! (يو9: 24) لمجرد أنه صنع المعجزة في يوم سبت!! وهي منح البصر لشخص مولود أعمى، قابلوا هذا الإنسان بعد أن أبصر وقالوا له إن الذي شفاه إنسان خاطئ!! (يو9: 24) لمجرد إنه صنع المعجزة في يوم سبت!! وقد جادلوا المسيح في عناد عن "هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السُّبُوتِ؟ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ" (مت12: 10). وما أكثر المجادلات التي دخلوا فيها لحل مشكلة "هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْر...؟!" (لو6: 9) (مت12: 12).
فماذا كان تكميل فهمهم في وصية عين بعين وسن بسن؟
وصية "عين بعين، وسن بسن" كانت للأحكام القضائية، وليست للمعاملات الشخصية.
بدليل أن يوسف الصديق لم يعامل أخوته بوصية "عين بعين، وسن بسن" ولم ينتقم لنفسه من الشر الذي صنعوه به، وإنما أكرمهم في مصر، وأسكنهم في أرض جاسان، واعتنى بهم" (تك50: 17: 21).
وداود النبي لم يكافئ شاول شرًا بشر، بل احترمه في حياته. وفي وفاته رثاه بعبارات مؤثرة (2صم1: 17- 25). وأحسن إلى كل أهل بيته...
ثانيًا: عبارة يكمل تعني أيضًا يكمل لهم طريق السمو والقداسة.
وبخاصة لأن العهد الجديد بدأت تزول فيه العبادة الوثنية التي كانت منتشرة طوال العهد القديم. وعمل الإيمان في قلوب الناس، إلى جوار عمل الروح القدس فيهم، ومؤازرة النعمة لهم. فكان يمكن لهم أن يتقدموا في حياة الروح ويسلكوا بسمو أعلى من ذي قبل. وتكملة الطريق الروحي، لم يكن فيها نقض للقديم.* فمثلًا قال لهم السيد المسيح: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 27، 28). هنا الوصية القديمة "لا تزن" لا تزال قائمة لم تنقض. لكن أضيف إليها معنى أعمق، هو عفة القلب والنظر، وليس مجرد عفة الجسد...
* مثال آخر: قال السيد: "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ" (مت5: 21، 22). هنا الوصية القديمة "لا تقتل"، لا تزال قائمة لم ينقضها. ولكن أضيف إليها منع الغضب الباطل، على اعتبار أن القتل خطوته الأولى هي الغضب. كما أن الزنى خطوته الأولى هي الشهوة في القلب...
إذًا السيد المسيح لم ينقض العهد القديم.
بل شرح روح الوصية، ومنع الخطوة الأولى إلى الخطية.
ويعوزنا الوقت إن دخلنا في كل التفاصيل بالنسبة إلى كل الوصايا، فهذا يحتاج إلى كتاب كامل، وليس إلى مجرد مقال أو إجابة سؤال.
كذلك ليس العهد القديم فيه الوصايا العشر فقط، إنما توجد فيه وصايا وتعاليم أدبية كثيرة فيها سمو كبير. وقد خفيَّ ذلك على عديد من معلمي اليهود. لذلك قال لهم السيد المسيح في مناسبة أخرى: "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ" (مت22: 29).
26- ذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم
26- ذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم
سؤال
ما الفرق بين ذبيحة الخطية وذبيحة الإثم، ما دام الهدف منهما واحد وهو مغفرة الخطية، وما دامت شريعتهما واحدة، كما قال الكتاب: "ذَبِيحَةُ الإِثْمِ كَذَبِيحَةِ الْخَطِيَّةِ لَهُمَا شَرِيعَةٌ وَاحِدَةٌ" (لا7: 7).
الجواب
الفرق بينهما أن واحدة منهما عن الخطايا الإرادية والأخرى عن خطايا السهو أو الجهل.
أي أن الخاطئ لم يكن يدرك وقتها أنه قد أخطأ، ثم أعلم بذلك، حينئذ يأتي بذبيحة عن هذه الخطية التي لم يكن يعرفها.
وفي ذلك يقول سفر اللاويين: "إِذَا أَخْطَأَتْ نَفْسٌ سَهْوًا فِي شَيْءٍ مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا وَعَمِلَتْ وَاحِدَةً مِنْهَا" (لا4: 2). "وَإِنْ سَهَا كُلُّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ وَأُخْفِيَ أَمْرٌ عَنْ أَعْيُنِ الْمَجْمَعِ وَعَمِلُوا وَاحِدَةً مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا وَأَثِمُوا. ثُمَّ عُرِفَتِ الْخَطِيَّةُ الَّتِي أَخْطَأُوا بِهَا..." (لا4: 13، 14). "وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ مِنْ عَامَّةِ الأَرْضِ سَهْوًا بِعَمَلِهِ وَاحِدَةً مِنْ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا وَأَثِمَ. ثُمَّ أُعْلِمَ بِخَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا..." (لا4: 27، 28). "أَوْ إِذَا حَلَفَ أَحَدٌ مُفْتَرِطًا بِشَفَتَيْهِ لِلإِسَاءَةِ أَوْ لِلإِحْسَانِ مِنْ جَمِيعِ مَا يَفْتَرِطُ بِهِ الإِنْسَانُ فِي الْيَمِينِ وَأُخْفِيَ عَنْهُ ثُمَّ عُلِمَ فَهُوَ مُذْنِبٌ... فَإِنْ كَانَ يُذْنِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ يُقِرُّ بِمَا قَدْ أَخْطَأَ بِهِ. وَيَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ..." (لا5: 4- 6).
إذًا فالخطية التي عملت بسهو أو بجهل، كانت تقدم عنها ذبيحة مثل الخطية التي تعمل بمعرفة وبنية سيئة.
إن كلًا منهما خطية، لأنها كسر لإحدى وصايا الرب، أو هي اِرتكاب لشيء من مناهي الرب التي لا ينبغي عملها. ولعل هذا يذكرنا بما ورد في صلاة الثلاثة تقديسات حيث نقول: "حل واغفر، واصفح لنا يا الله عن سيئاتنا التي صنعناها بإرادتنا والتي صنعناها بغير إرادتنا، التي فعلناها بمعرفة والتي فعلناها بغير معرفة، الخفية والظاهرة. يا رب اغفر لنا من أجل اسمك القدوس الذي دُعيَ علينا".
ونحن نشكر ربنا يسوع المسيح، لأنه مات عن كل خطايانا. وكان على الصليب ذبيحة خطية وذبيحة إثم.
ودفع ثمن الكل، ما نعرفه وما لا نعرفه من الخطايا.
وحينما نحاسب أنفسنا، لا نعتذر بأننا لم نكن نعرف، أو أننا فعلنا شيئًا سهوًا. ففي كل ذلك كسرت وصية الله، سواء عن معرفة أو عن جهل، بإرادتنا أو بغير إرادتنا.
27- وما تحت الأرض
27- وما تحت الأرض
سؤال
ما المقصود بعبارة "وما تحت الأرض" في قول الكتاب "لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ" (في2: 10).
الجواب
المعنى الإجمالي هو: كل كائن حي، في كل مكان.
عبارة "كل ركبة" تعني كل كائن حي. لأن الملائكة الذين في السماء ليس لهم ركب، كذلك أرواح القديسين ليس لها ركب. ولكنه تعبير عن الكائنات الحية ملائكة أو بشرًا، أو حتى شياطين.
فمثلًا الأرواح التي كانت تحت الأرض، التي رقدت على رجاء، وقد بشرها السيد المسيح وهي في "أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى" (أف4: 9). هؤلاء أيضًا كانوا يجثون للرب يسوع.
وحتى الشياطين، تحت الأرض، قال عنهم القديس يعقوب الرسول إنهم: "يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ" (يع2: 19).
حاليًا يوجد كثيرون من البشر تحت الأرض يعملون أو يسافرون.
فالذين يسافرون مثلًا في قطارات الـــ Undergound في إنجلترا أو روسيا، أو غيرهما، حيث توجد أنفاق للمترو على عمق 50 مترًا، أو ثلاثين، يمكنهم أن يصلوا أو يسجدوا وهم تحت الأرض.
وبنفس الوضع الذين يشتغلون في المناجم على عمق200 مترًا تحت الأرض أو أكثر جدًا في أنفاق محفورة للتفتيش على الذهب والأحجار الكريمة، يمكنهم أيضًا أن يسجدوا تحت الأرض.
وأيضًا الغواصون ومن يشبههم.
إجمالًا - كما قلنا - يقصد الرسول جميع الكائنات الحية.
28- قسى قلب فرعون
28- قسى قلب فرعون
سؤال
ما معنى أن الله قسّى قلب فرعون، كما ورد في (خر7: 3). هل الله هو سبب قساوة فرعون؟! إذًا لماذا عاقبه؟
الجواب
عبارة قسّى قلبه، تعني تركه لقساوته.
أي تخلت عنه النعمة، فبقى قاسيًا.
وهذا يذكرني بما ورد عن الفاجرين في أول الرسالة إلى رومية: "وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ" (رو1: 28).
وعبارة "ذهن مرفوض" هنا تعني "مرفوض من النعمة".. أي إنها حالة تخلي من النعمة، فعلوا فيها ما لا يليق.
وهذا هو الذي حدث مع فرعون، تخلت عنه النعمة بسبب قساوته.
وهذا واضح من قول الكتاب قبل ضربة الأبكار "وَكَانَ لَمَّا تَقَسَّى فِرْعَوْنُ عَنْ إِطْلاَقِنَا..." (خر13: 15).
الناس هم الذين يتقسون، لهذا قال الكتاب: "إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ. فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ" (عب3: 7، 8) (مز95: 7، 8). وفرعون كان قلبه قاسيًا، لم تصلح معه الإنذارات ولا الضربات لاستمراره في رفض عمل النعمة، تخلت عنه النعمة، فرجع إلى قساوته التي فارقته جزئيًا أو ظاهريًا أثناء عمل النعمة فيه.
فقيل إن الرب قسّى قلب فرعون، أي تركه لطبيعته القاسية. أسلمه إلى ذهنه المرفوض من النعمة.
29- كيف نوفق بين الآيتين؟
29- كيف نوفق بين الآيتين؟
سؤال
وردت في سفر الأمثال آيتان، تبدو كل منهما ضد الأخرى، وهما:
* "لاَ تُجَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلاَّ تَعْدِلَهُ أَنْتَ" (أم26: 4).
* "جَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلاَّ يَكُونَ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ" (أم26: 5).
الجواب
لا تناقض بين الآيتين. بل الكتاب يترك لك حرية التصرف حسب النتيجة المتوقعة:
فإجابة الجاهل حسب حماقته أمر غير لائق، إن كان سوف يقود إلى مناقشات غبية، بلا فائدة، ولا قيمة ولا منفعة، ينزلك فيها إلى مستواه. وهذا هو المفهوم من عبارة "لئلا تعدله أنت" أي لئلا تصير مساويًا له (في هذا الجهل والحماقة). فمن الأفضل أن ترتفع عن مستوى تلك المناقشات التي وصفها الرسول بأنها (غبية). وقال: "اجْتَنِبْهَا، عَالِمًا أنَّهَا تُوَلِّدُ خُصُومَاتٍ" (2تي2: 23).
كما أن الذي يسمع هذا الحوار بينكما، قد يعثر، إذ يرى اثنين في مستوى واحد في الكلام الذي لا نفع فيه.
ولكن إذا بدا الجاهل في ثوب المنتصر في كلامه الباطل الذي هو ضد الحق، فيمكنك أن تجيبه وتفحمه.
حتى "لا يكون هو حكيمًا في عيني نفسه"، وحتى لا يبدو الباطل منتصرًا وبهذا قد يعثر السامعون.
من أجل هذا كان السيد المسيح أحيانًا لا يجيب الذين يسألونه، حكمة منه، وبسبب حماقتهم. مثلما رفض أن يجيب أعضاء مجلس السنهدريم من جهة شهود الزور الذين استقدموهم، حتى أن رئيس الكهنة قال له: "أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟" (مت26: 62).
ولكنه في مواقف أخرى كان يرد على الصدوقيين، والكتبة والفريسيين، لئلا يصيروا معلمين حكماء في نظر الشعب، وهكذا "أَبْكَمَ الصَّدُّوقِيِّينَ" (مت22: 34). و"الْجُمُوعُ بُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ" (مت22: 33). "ولما ردّ على الفريسيين أيضًا قيل في الإنجيل "فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً" (مت22: 46).
وهكذا أعطانا السيد المسيح مثالًا متى نصمت عن مجاوبة الجاهل، ومتى نتكلم.
30- الثوب المدَنّس
30- الثوب المدَنّس
سؤال
ما معنى عبارة "مُبْغِضِينَ حَتَّى الثَّوْبَ الْمُدَنَّسَ مِنَ الْجَسَدِ" (يه23)؟
الجواب
هناك أشياء تدنس الجسد، مثل الإفرازات الجنسية مثلًا. والكتاب المقدس يعتبرها نجاسة. وقيل في ذلك "كلُّ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ سَيْلٌ مِنْ لَحْمِهِ فَسَيْلُهُ نَجِسٌ" "كُلُّ فِرَاشٍ يَضْطَجِعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَهُ السَّيْلُ يَكُونُ نَجِسًا" (لا15: 2، 4). وكذلك كل متاعه وثيابه... سواء كان ذلك عن سيل من النواحى الجنسية، كالاحتلام مثلًا.. "يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَيَسْتَحِمُّ بِمَاءٍ وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ" (لا15: 8). كذلك في المعاشرات الجنسية "كُلُّ ثَوْبٍ وَكُلُّ جِلْدٍ يَكُونُ عَلَيْهِ اضْطِجَاعُ زَرْعٍ يُغْسَلُ بِمَاءٍ وَيَكُونُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ" (لا15: 17).
كذلك في حالة المرأة في إفرازات جسدها إلى أن توقف وتجف في حالة طمثها (لا15: 20- 24).. اقرأ باقي الأصحاح.
فالثوب المدنس بمثل هذه الأمور، ينطبق عليه قول الكتاب: "مُبْغِضِينَ حَتَّى الثَّوْبَ الْمُدَنَّسَ مِنَ الْجَسَدِ".
وفي العهد الجديد تعتبر هذه الإفرازات الجسدية نوعًا من الإفطار. ومع ذلك ينبغي الاغتسال للإنسان. والغسل للثوب. ولا يدخل الكنيسة إلا بعد تطهره جسديًا.
أما لو كانت هذه الإفرازات في خطية زنا فتعتبر نجاسة.
31- عـَــزازيـــل
31- عـَــزازيـــل
سؤال
ما معنى كلمة عزازيل؟ وإلى أي شيء يرمز تيس عزازيل الذي ورد في سفر اللاويين (لا16: 8- 22)؟
الجواب
كلمة عزازيل تحمل معنى العزل. وهنا تشير ذبيحة تيس عزازيل إلى عزل خطايا الناس عنهم بعيدًا حيث لا يراهم أحد فيما بعد.
إن ذبيحة واحدة من ذبائح العهد القديم لم تكن تكفي للإلمام بذبيحة السيد المسيح وكل أغراضها...
فذبيحة الفصح كانت تشير إلى الخلاص بالدم (خر12) والمحرقة كانت ترمز إلى إرضاء قلب الله، فكانت "رَائِحَةِ سُرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا1: 9، 13). وأما ذبيحتا الخطية والإثم فكانتا ترمز إلى حمل خطايانا والموت عنها وغفرانها (لا4، 5).
أما ذبيحة تيس عزازيل، فكانت تشير إلى عزل خطايانا عنها كما يقول الرب: "لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ" (إر31: 34).
وتفاصيل ذكرها (في يوم الكفارة العظيم) هو كالآتي:
كان هارون رئيس الكهنة يأخذ تيسين، ويلقي عليهما قرعة: أحدهما للرب والآخر لعزازيل.. فالذي خرجت عليه القرعة للرب، يقدمه ذبيحة خطية. أما الآخر فيرسله حيًا إلى عزازيل إلى البرية (لا16: 7- 10). "وَيُقِرُّ عَلَيْهِ بِكُلِّ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكُلِّ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ، وَيَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ، وَيُرْسِلُهُ بِيَدِ مَنْ يُلاَقِيهِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، لِيَحْمِلَ التَّيْسُ عَلَيْهِ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ إِلَى أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ، فَيُطْلِقُ التَّيْسَ فِي الْبَرِّيَّةِ" (لا16: 21، 22).
يتركه في البرية، فلا يراه أحد بعد، ولا يسمع عنه، كمثال للخطايا المغفورة.
كما قيل في المزمور: "كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِينَا" (مز103: 12). وكما قيل أيضًا: "طُوبَى لِرَجُلٍ لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً" (مز32: 2). وأيضًا "مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ" (2كو5: 19).
إشارة إلى أن تلك الخطايا قد نسيت، غفرت، لم تعد محسوبة علينا، عزلت عنا بعيدًا في البرية (في عزازيل).. (انظر ما ورد عن عزازيل أيضًا ص128).
32- هل مات شمشون منتحرًا؟
32- هل مات شمشون منتحرًا؟
سؤال
شمشون الجبار لم يمت ميتة طبيعية، ولم يقتله أحد، ولكنه هو الذي تسبب في قتل نفسه. فهل نعتبره قد مات منتحرًا؟
الجواب
كلا. لم يمت شمشون منتحرًا، وإنما مات فدائيًا.
فالمنتحر هو الذي هدفه أن يقتل نفسه. وشمشون لم يكن هذا هو هدفه. إنما كان هدفه أن يقتل أعداء الرب من الوثنيين وقتذاك. فلو كان هذا الغرض لا يتحقق إلا بأن يموت معهم، فلا مانع من أن يبذل نفسه للموت ويموت معهم. وهكذا قال عبارته المعروفة: "لتَمُتْ نَفْسِّي مَعَ الفَلَسّطِينِيين" (قض16: 30)... وكانوا وقتذاك وثنيين...
لو كان قصده أن ينتحر، لكانت تكفي عبارة "لتمت نفسي"... أما عبارة لتمت نفسي معهم. معناها أنهم الغرض، وهو يموت معهم.
ولقد اعتبر شمشون من رجال الإيمان في (عب11: 32).
لأنه جاهد لحفظ الإيمان، بالتخلص من الوثنية في زمانه. فقد كانت الحرب وقتذاك ليست بين وطن وآخر، وإنما كانت في حقيقتها حربًا بين الإيمان والوثنية...
33- ملابس هارون أم سليمان؟
33- ملابس هارون أم سليمان؟
سؤال
لماذا مدح الله ملابس سليمان (مت6: 29). ولم يمدح ملابس هارون أول كاهن على الأرض؟! في حين أن الله هو الذي أمر موسى أن يعد لهارون ملابسه؟
الجواب
أولًا: أحب أن أقول لك إن هارون لم يكن أول كاهن على الأرض؟ فقبلًا كان الآباء الأول كهنة أمثال نوح وأيوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب. وكلهم بنوا مذابح، وقدموا لله محرقات.
غلطة أخرى في سؤالك وهي قولك عن الرب: "ولم يمدح ملابس هارون"!! وفي الواقع أن الله قد امتدح ملابس هارون، إذ قال لموسى النبي: "اصْنَعْ ثِيَابًا مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أَخِيكَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُكَلِّمُ جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ مَلَأْتُهُمْ رُوحَ حِكْمَةٍ أَنْ يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي" (خر28: 2، 3).
وهكذا وصف الله ثياب هارون بثلاثة أوصاف هي القدسية والمجد والبهاء. ولم يصف ثياب سليمان بشيء من هذا، بل قال إنها كانت أقل جمالًا من الزنابق، إذ قال عن الزنابق "وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا" (مت6: 29).
ولم يكن من اللائق أن تذكر هنا ملابس هارون وتوصف بأنها أقل من الزنابق في جمالها!! بينما الله نفسه هو الذي اختارها ووصفها. وحكماء القلوب الذين ملأهم الرب حكمة، الذين صنعوها. لا شك أن ملابس هارون كانت أجمل من ملابس سليمان.
34- مذاود خيل سليمان
34- مذاود خيل سليمان
سؤال
من المعروف أن سليمان الملك كان غنيًا جدًا. وكان له اثنا عشر ألف فارس لمركباته. ولكن الأمر الذي يبدو فيه خلاف، هو عدد مذاود خيل مركباته...
فقد ورد في سفر الملوك الأول: "وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ مِذْوَدٍ لِخَيْلِ مَرْكَبَاتِهِ، وَاثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ" (1مل4: 26). بينما ورد في سفر أخبار الأيام الثاني "وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ أَرْبَعَةُ آلاَفِ مِذْوَدِ خَيْلٍ وَمَرْكَبَاتٍ وَاثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ".
الجواب
لا يوجد خلاف إطلاقًا، إن عرفنا ما هو المقصود بمعنى كلمة مذود...
كانت كلمة مذود تعنى أمرين: إما المذود الخاص بكل حصان على حده لكي يأكل منه. وإما المبنى الذي توجد فيه هذه المذاود الفردية.
مثلما نقول عن مبنى إنه "دورة مياه" فإن دخل إنسان فيه، يجد عشر دورات مياه يمكن أن تصلح لاستخدام عشرة أشخاص... كل واحدة منها تسمى دورة مياه والمبنى كله يسمى دورة مياه...
هكذا كان الأمر بالنسبة إلى مذاود خيل مركبات سليمان. كان يوجد أربعة آلاف مبنى للمذاود. وفي داخل كل مبنى منها، توجد عشرة مذاود فردية تصلح لعشرة من الخيول تأكل منها...
فهي إذًا أربعة آلاف مبنى يسمى كل منها مذودًا، بينما يضم عشرة مذاود فردية فيكون عدد المذاود الفردية أربعين ألفًا داخل أربعة آلاف مبنى. وهذه المباني أطلق عليها اسم "مُدُنِ الْمَرْكَبَاتِ" (2أي9: 25).
مثال آخر: تقول ذهب طلبة الجامعة إلى موائد الطعام. كل مائدة عبارة عن صالة واسعة تضم داخلها عشر طرابيزات. وكل طرابيزة تسمى مائدة. بينما الصالة التي تضم كل هذه الموائد يطلق عليها اسم "مائدة الطعام". فهي إذًا مائدة تضم موائد. مثلما كل مبنى من مذاود سليمان يضم داخله عددًا من المذاود الفردية.
كانت مذاود خيل مركبات سليمان، تكفي لأربعين ألفًا من الخيل. والمركبة الواحدة يمكن أن يجرها أربعة خيول ويقودها فارس واحد. وهكذا تحتاج إلى عشرة آلاف فارس. فإن كانت بعض المركبات يجرها عشرة خيول، بينما مركبات أخرى يجرها اثنان فقط، إذًا يحتاج الأمر كما كتب إلى اثني عشر ألف فارس...
35- الحيوانات المتوحشة المفترسة
35- الحيوانات المتوحشة المفترسة
سؤال
لماذا خلق الله الحيوانات المتوحشة المفترسة؟ ولماذ خلق بعض الكائنات التي تنفث سمومًا مثل الحيات والعقارب وغيرها.
الجواب
أول ملاحظة أحب أن أقولها تعليقًا على سؤالك:
ما نسميها الآن بالحيوانات المتوحشة، لم تكن متوحشة حين خلقها الله، ولم تكن مفترسة.
كانت تعيش مع أبينا آدم في الجنة، فما كان يخافها، ولا كانت تؤذيه. بل كان يأنس لها، وهو الذي سماها بأسمائها (تك2: 19).
وما كانت هذه الحيوانات تأكل اللحوم وقتذاك.
بل كانت تأكل عشب الأرض. كما قال الرب: "وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا. وَكَانَ كَذَلِكَ" (تك1: 30).
وهذه الحيوانات التي نسميها الآن متوحشة ومفترسة، عاشت في الفلك مع أبينا نوح وأولاده وزوجاتهم، مستأنسة لا تفترس أحدًا، لا من البشر. ولا من باقي الحيوانات. ولكن تغير الأمر فيما بعد، وكيف ذلك؟
لما صار الإنسان يصيد الحيوان، والحيوان يهرب منه، دبت العداوة بينهما وكرد فعل ظهرت الوحشية والافتراس.
وبخاصة أن الله صرح للإنسان بأكل اللحم بعد رسو فلك نوح. وقال له في ذلك: "كُلُّ دَابَّةٍ حَيَّةٍ تَكُونُ لَكُمْ طَعَامًا. كَالْعُشْبِ الأَخْضَرِ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ الْجَمِيعَ. غَيْرَ أَنَّ لَحْمًا بِحَيَاتِهِ دَمِهِ لاَ تَأْكُلُوهُ" (تك9: 3، 4).
وهكذا صار الدم يسفك، وصار الإنسان يأكل لحم بعض الحيوانات، ويطارد البعض الآخر منها. كما دخله الخوف بعد الخطية (تك3: 10) (تك4: 14). وبالخوف صار يهرب من بعض الحيوانات، فكانت تطارده وكانت تفترسه أحيانًا.
وهكذا قال الرب: "وَأَطْلُبُ أَنَا دَمَكُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَقَطْ. مِنْ يَدِ كُلِّ حَيَوَانٍ أَطْلُبُهُ. وَمِنْ يَدِ الإِنْسَانِ أَطْلُبُ نَفْسَ الإِنْسَانِ مِنْ يَدِ الإِنْسَانِ أَخِيهِ. سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ" (تك9: 5، 6).
وهكذا نرى أن الوحشية زحفت إلى بعض البشر أيضًا.
وليس فقط إلى الحيوان. فحدث أن قايين قام على أخيه هابيل وقتله (تك4: 8). ولو كان الإنسان يأكل الدم كالوحوش لصار وحشًا مثلها. ولكن الله منعه من أكل الدم. واستمر هذا المنع في شريعة موسى مع عقوبة شديدة (لا17: 10) واستمر منعه في العهد الجديد أيضًا (أع15: 25).
وكما توحشت الحيوانات وصارت تفترس الإنسان وتأكله، هكذا أصبحت تأكل بعضها بعضًا.
القوي منها يفترس الضعيف ويأكله. وهكذا سميت وحوشًا مفترسة. ولكنها من البدء لم تكن كذلك. أما تسميتها في الأصحاح الأول من سفر التكوين (تك1: 24، 25). فكان باعتبار ما آل إليه أمرها حين كتابة هذا السفر أيام موسى النبي (حوالي سنة1400 قبل الميلاد تقريبًا).
أما عن الحيات والعقارب والحشرات، فلا بد أن لها فوائد.
أتذكر أنني منذ حوالي أربعين عامًا، كنت قد قرأت إجابة للقديس جيروم عن مثل هذا السؤال في مجموعة كتابات آباء نيقية وما بعد نيقية The writings of Nicene & post Nicene Fathers ذكر في رده كثيرًا من الفوائد الطبية وغيرها لأمثال هذه الحشرات وللعقارب مثلًا. أرجو أن أرجع إلى رد القديس جيروم وأنشره لكم مترجمًا.
يكفي أن الصيدليات حاليًا شعارها حية تنفث سمها في كأس.
فبعض السموم لها فوائد، إن أخذت بحكمة وبمقدار، كما قال الشاعر:
بعضُ السُّمِّ تِرياقٌ لبعضٍ .:. وقد يُشفى العُضالُ من العُضالِ
وإن كان القديس جيروم قد ذكر فوائد لتلك الحشرات وبعضها سام. وكان جيروم يعيش في القرن الرابع وأوائل الخامس، فماذا نقول نحن في أواخر القرن العشرين مع كل ما وصل إليه العلم من رقي؟! لا شك أن العلم يكشف فوائد أكثر تحتاج إلى دراسة علمية ونشر.
كما أن هذه الكائنات - من الناحية الأخرى - يرمز ضررها إلى الشر.
فالحية صارت اسمًا من أسماء الشيطان (رؤ20: 2). وقصتها معروفة مع أمنا حواء، وكيف خدعتها الحية وأسقطتها (تك3). فإن كانت بهذه الدرجة من الضرر. وقد سمح الله بأن تكون هناك عداوة بيننا وبينها... فإنه دفاعًا عنها منها، أعطانا سلطانًا عليها، وقال: "هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُّوِ وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ" (لو10: 19).
وأعود فأقول إنه حينما خلق الله هذه الكائنات لم تكن ضارة.
وحتى الشيطان نفسه لم يكن ضارًا ولا شريرًا، كان ملاكًا، كاروبًا، ملأن حكمة وكامل الجمال (حز28: 12، 14، 15).
36- المياه التي فوق...!
36- المياه التي فوق...!
سؤال
لم أفهم ما ورد في قصة الخلق، حينما قال سفر التكوين عن الله: "فَعَمِلَ اللهُ الْجَلَدَ وَفَصَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَحْتَ الْجَلَدِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي فَوْقَ الْجَلَدِ. وَكَانَ كَذَلِكَ. وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سَمَاءً" (تك1: 6- 8).
وسؤالي هو: هل يوجد ماء فوق السماء، ولماذا لم ينزل علينا؟
الجواب
الماء ليس مجرد الماء في حالته السائلة، بل في البخر أيضًا.
فالسحب عبارة عن ماء تبخر وصعد إلى فوق
فالسحب إذا تكثفت وثقلت تنزل ماء على الأرض. وإذا اصطدمت ببعضها البعض تحدث صوتًا قبل سقوط المطر هو الرعد. وإلا فبماذا تفسر المطر الذي ينزل من السماء إلا بوجود ماء فوق السماء.
كذلك يوجد ماء تحت الأرض تخرج منه الينابيع والعيون. ومياه تحت الأرض تسمى المياه الباطنية The under-ground water، ونحصل عليها بحفر الآبار أو الترع الصناعية.
إذًا يوجد ماء فوق السماء ينزل كمطر أو يبقى كغيوم وسحب. كما يوجد ماء تحت الأرض. ونحن نقول في التسبحة "الذي أسس الأرض عليه المياه".
37- الإعداد للميلاد
37- الإعداد للميلاد
سؤال
يسأل البعض: لماذا تأخر الله في تنفيذ وعده بالخلاص؟! لقد وعد منذ خطية آدم وحواء، بأن نسل المرأة سيسحق رأس الحية (تك3: 15). وكان المقصود بنسل المرأة السيد المسيح الذي سيسحق رأس الحية أي الشيطان. ومع ذلك مرت آلاف السنين، والحية ترفع رأسها وتتحدى البشرية، وتوقع الملايين في شرور كثيرة، بل وفي عبادة الأصنام! فلماذا تأخر الله في تنفيذ وعده طوال ذلك الزمان كله؟!
الجواب
والجواب هو أن الله لو قام بعملية الفداء في الأجيال الأولى للبشرية، ما كان الناس يفهمون الفداء، وما كانوا يدركونه.
كان لا بد إذًا من إعداد البشر لفهم التجسد ولفهم الفداء. بل أيضًا ترسيخ ذلك في عقولهم، حتى إذا ما تم الخلاص بالفداء يمكنهم أن يدركوا معناه وهدفه اللاهوتي، ويؤمنوا به. فكيف حدث ذلك؟
فكرة الفداء والذبائح:
الفداء هو أن نفسًا تموت عوضًا عن نفس أخرى. نفسًا بريئة غير مستحقة للموت، تموت بدلًا من نفس خاطئة تستحق الموت.
والإنسان كان مستحقًا للموت بسبب عصيانه لله الذي قال له: يوم تأكل من تلك الشجرة موتًا تموت (تك2: 17). ومن رحمة الله أراد أن يفديه. ولكن لا بد من تقديم الفكرة، وبتدريج طويل يثبت في ذهنه. فما هي الخطوات التي اتخذها الله لأجل هذا الغرض؟
1- يقول الكتاب إن الإنسان لما أخطأ، بدأ يشعر بعريه، فغطى نفسه بأوراق التين. ولكن الله بدلًا منها "صَنَعَ الرَّبُّ... أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا" (تك3: 21). ومن أين هذا الجلد إلا من ذبيحة؟... وهنا رسخت حقيقة في عقل الإنسان:
أن الخطيئة تجلب العُري والشعور بالخزي، بينما الذبيحة تغطي وتستر.
2- واستمر تقديم الذبائح. فنسمع أن هابيل قدم قربانا للرب "مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا" (تك4: 4). ولا شك أن فكرة تقديم الذبيحة قد أخذها هابيل عن أبيه آدم، وآدم عرفها من الله. والذي يتضح من ذبيحة هابيل هذه، أنها كانت أفضل ما عنده، وأن الله قد قبلها...
3- نلاحظ أيضًا أن كل الذبائح قبل شريعة موسى كانت محرقات:
أي أن النار تظل تحرقها حتى تتحول إلى رماد (لا6: 9، 10). لا يأكل منها مقدمها، ولا أحد من أصحابه، ولا الكاهن. بل تكون كلها للنار. والنار ترمز إلى العدل الإلهي. أي أن العدل الإلهي يأخذ حقه كاملًا...
أبونا نوح أصعد محرقات على المذبح من كل الحيوانات الطاهرة (تك8: 20) وإبراهيم أيضًا قدم محرقة (تك22: 13). وأيوب أصعد كذلك محرقات (أي1: 5).
4- وكانت المحرقات لإرضاء الله الذي أغضبته الخطايا.
لذلك لما أصعد نوح محرقاته، قيل: "فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا. وَقَال... لاَ أَعُودُ أَلْعَنُ الأَرْضَ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الإِنْسَانِ" (تك8: 21).
5- نرى معاني أخرى في ذبيحة الفصح (خر12) التي كانت ترمز إلى المسيح (1كو5: 7).
صدر حكم الله بالموت على جميع الأبكار. وكان الملاك المهلك سيمر ويضرب كل بكر "مِنْ بِكْرِ فِرْعَوْنَ الْجَالِسِ عَلَى كُرْسِيِّهِ إِلَى بِكْرِ الأَسِيرِ الَّذِي فِي السِّجْنِ" (خر12: 29). وأراد الله أن يخلص أبكار بني إسرائيل، فأمرهم أن يذبحوا خروف الفصح، ويرشوا من دمه على أبوابهم. ووعدهم قائلًا: "وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ... فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ" (خر12: 13). وهكذا دخلت في أذهانهم هذه الحقيقة الهامة وهي:
الخلاص بالدم، من الموت والهلاك.
ورسخت هذه الحقيقة بمرور الأجيال، إذ أصبح الفصح عيدًا يعيدونه كل عام بقول الرب لهم: "وَيَكُونُ لَكُمْ هَذَا الْيَوْمُ تَذْكَارًا فَتُعَيِّدُونَهُ عِيدًا لِلرَّبِّ. فِي أَجْيَالِكُمْ تُعَيِّدُونَهُ فَرِيضَةً أَبَدِيَّةً" (خر12: 14).
وأصبح رمزًا للخلاص بدم المسيح. ولذلك ليس غريبًا فيما بعد أن يقول القديس بولس الرسول: "لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا. إِذًا لِنُعَيِّدْ..." (1كو5: 7، 8). وارتبط الفصح بالدم.
6- وادخل الرب في أذهانهم فكرة هامة وهي الكفارة.
ففي كل الذبائح التي رتبها موسى لهم لمغفرة خطاياهم كانت تتكرر عبارة "الكفارة": سواء في ذبيحة المحرقة (لا1: 4)، أو في ذبيحة الخطية (لا4: 20، 26). أو في ذبيحة الإثم (لا5: 6، 22). أو في يوم الكفارة العظيم (لا16) للتكفير عن خطايا الشعب كله (لا16: 17، 18) وذلك للتقديس والتطهير والصفح عن الخطايا والنجاسات. ولذلك ليس غريبًا أن قال القديس يوحنا الرسول فيما بعد: "وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا" (1يو2: 1، 2)، (1يو4: 10).
ولارتباط الذبيحة بالمغفرة، قال القديس بولس مبدأ هامًا هو:
"بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عب9: 22)، حسب الناموس.
إذًا كل تلك الذبائح كانت إعدادًا للشعب، لفهم مبادئ الكفارة والفداء وغفران الخطايا بالدم. ولذلك كان مقدم الذبيحة يضع يده على رأس الذبيحة ويقر بخطاياه (لا5: 5). فتحمل الذبيحة خطاياه عنه، وتسمى الحمل. وهكذا قال يوحنا المعمدان فيما بعد عن المسيح "هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو1: 29).
7- وبمرور الأجيال أصبح اليهود ينتظرون هذا المخلص.
حتى ظهر هذا المعنى في أسماء بعض أنبيائهم مثل (يشوع) بمعنى مخلص، ومثل إشعياء، وهوشع بمعنى الله يخلص. وارتبط هذا الخلاص عندهم بانتظار المسيا أو المسيح. حتى أن السامريين لما تقابلوا مع السيد المسيح، قالوا: "نُؤْمِنُ... وَنَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ" (يو4: 42).
ولم يكتف الرب بتقديم هذه الرموز عن الذبائح وغيرها، بل قدم لهم أيضًا نبوءات عن هذا المسيح المخلص وعمله وصفته:
أعدهم بالنبوءات:
* منها ما ورد في سفر إشعياء "هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ" (إش7: 14). وأيضًا "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا مُشِيرًا إِلَهًا قَدِيرًا أَبًا أَبَدِيًّا رَئِيسَ السَّلاَمِ... عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ" (إش9: 6، 7).
* وعن آلامه وفدائه لنا وحمله خطايانا، قيل أيضًا في سفر إشعياء النبي:
"وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا... كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 5، 6). وقيل أيضًا: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ" "جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ" "وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ" (أش53: 10، 12).
* وقال عنه داود النبي في المزامير "ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي... يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ" (مز22: 16- 18). قال هذا عن السيد المسيح. وقال عن خيانة يهوذا له: "الَّذي أكَلَ خُبْزي رَفَعَ عَليَّ عَقِبَهُ" (مز41: 9).
* وما أكثر النبوءات في المزامير وكتب الأنبياء وغيرها. هذه التي قال عنها لتلاميذه بعد القيامة "أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ" (لو24: 44).
* حتى ميلاده في بيت لحم، نرى في قصة المجوس، إنه لما سأل هيرودس الكتبة "أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟ فَقَالُوا لَهُ: فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّهُ هَكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ" (مت2: 4، 5).
* كل ما يتعلق بالمسيح المخلص أعده الله في أذهان الناس برموز ونبوءات، يمكن أن تقرأ تفاصيل عنها في كتاب معروف مثل (المسيح في جميع الكتب)، ويتحقق بها الناس أنه هو المسيح.
إعداد الأشخاص:
انتظر الرب حتى أعد فهم الناس للفداء والكفارة والذبيحة، حتى أعدهم أيضًا بالنبوءات. وانتظر أيضًا حتى أعد الشخصيات التي تعاصر الميلاد، وتشترك في تأدية الرسالة.
انتظر حتى تولد العذراء القديسة التي يولد منها المسيح المخلص.
العذراء الطاهرة التي يمكن أن تكون أمًّا لرب المجد، فتحبل به وترضعه بعد ميلاده، ويعيش في كنفها في فترة طفولته. العذراء المتواضعة التي تحتمل مجدًا كهذا، بكل ما فيه من ملائكة ورؤى ومعجزات، وتحتمل أن جميع الأجيال تطوبها (لو1: 48). كانت صفة التواضع لازمة لاحتمال ذلك المجد، وهكذا "تَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللَّهِ مُخَلِّصِي. لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ" (لو1: 47، 48).
وانتظر الرب حتى يولد المعمدان، الملاك الذي يهيئ الطريق قدامه (مر1: 2) الذي يشهد قائلًا: "الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ" (مت3: 11)، (يو1: 27). والذي يقول: "لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ بَلْ إِنِّي مُرْسَلٌ أَمَامَهُ... يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ... اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ" (يو3: 28- 31).
* وانتظر الرب وقت الذي تكمل فيه جوقة الاثني عشر وباقي الرسل والتلاميذ أولئك الذين يحملون رسالته إلى العالم أجمع، وإلى أقطار المسكونة تبلغ أصواتهم. الذين يكرزون به قائلين: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع5: 29) "أَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ" (1كو3: 16).
* وانتظر حتى يوافق وجود هؤلاء، وجود الكتبة والفريسيين وكهنة اليهود الذين يسلمونه للموت حسدًا، ووجود يهوذا الذي يخونه، وكذلك والٍ روماني جبان، يحكم عليه خوفًا من اليهود.
* وانتظر الرب حتى توجد لغة عالمية تساعد على انتشار الكرازة هي اللغة اليونانية، التي ترجم إليها العهد القديم (الترجمة السبعينية) مما يساعد على انتشار النبوات والرموز. وكذلك حكم الرومان الذي بدأ من سنة 30 ق. م. وانتشرت به الطرق الرومانية التي تساعد على انتقال الرسل... ولما كمل كل هذا، انطبق قول الرسول.
"وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ" (غلا4: 4، 5).
حقًا إن الله يفعل كل شيء في حينه الحسن، في ملء الزمان، حينما يصير كل شيء ممهدًا حسب وفرة حكمته. إنه لا يتأخر، ولا يسرع. وإنما "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ" (جا3: 1). فلما جاء الوقت، نفذ الله وعده بالخلاص.
38- ثلاثة اختلافات في سلسلتي الأنساب
38- ثلاثة اختلافات في سلسلتي الأنساب
سؤال
هناك ثلاثة اختلافات في سلسلة الأنساب بين ما سجله متى الإنجيلي، وما سجله لوقا الإنجيلي، نريد أن نسأل عنها الآن. وهي:
1- يوجد خلاف بين الأسماء التي يوردها كل من الإنجيليين.
2- القديس متى يبدأ سيرة السيد المسيح بسلسلة الأنساب. أما القديس لوقا فلا يعرض لها إلا بعد أن يروي قصة العماد.
3- القديس متى يسرد الأنساب نازلًا من الآباء أولًا إلى الأبناء. بينما القديس لوقا يصعد بالأنساب من الرب يسوع إلى آدم إلى الله.
فهل من شرح لكل هذه الاختلافات؟
الجواب
1- الخلاف في الأسماء:
في الواقع أن متى الإنجيلي سرد من جانبه النسب الطبيعي للسيد المسيح، بينما سرد لوقا النسب الشرعي أو الرسمي. ولتفسير هذا نقول الآتي:
نصت شريعة موسى على أنه إن توفي رجل بدون نسل، يجب أن يدخل أخو المتوفي على أرملة أخيه، وينجب لأخيه المتوفي نسلًا منها، أي أن الابن الذي ينجبه يصبح من الناحية الشرعية ابنًا رسميًا لأخيه المتوفي، وإن كان يعتبر ابنًا طبيعيًا لهذا الأخ الذي أنجبه من صلبه.
وبهذا يكون لمثل هذا الابن أبوان: أب طبيعي وهو الذي أنجبه، وأب شرعي وهو عمه المتوفي بدون نسل.
وهذا هو ما ورد في سفر التثنية عن هذا الأمر:
"إِذَا سَكَنَ إِخْوَةٌ مَعًا وَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَليْسَ لهُ ابْنٌ فَلا تَصِرِ امْرَأَةُ المَيِّتِ إِلى خَارِجٍ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ. أَخُو زَوْجِهَا يَدْخُلُ عَليْهَا وَيَتَّخِذُهَا لِنَفْسِهِ زَوْجَةً وَيَقُومُ لهَا بِوَاجِبِ أَخِي الزَّوْجِ. وَالبِكْرُ الذِي تَلِدُهُ يَقُومُ بِاسْمِ أَخِيهِ المَيِّتِ لِئَلا يُمْحَى اسْمُهُ مِنْ إِسْرَائِيل" (تث25: 5، 6).
فإن حدث أن هذا المتوفي بدون أولاد لم يكن له أخ، فإن أقرب أقربائه يأخذ امرأته ليقيم له نسلًا، لأن الابن الذي يولد ينسب لهذا المتوفي حسب الناموس. وإذا كان النسيب الأقرب لا يريد أن يأخذ زوجة المتوفي حسبما كلف، فإن النسيب الذي يليه في القرابة لا بد أن يقبل هذا الزواج، لأن الشريعة تحرص على إقامة نسل ذلك المتوفي بدون إنجاب بنين. وهذا النوع من الزواج يسمى (الفك)، وله مثل واضح في سفر راعوث في قصتها مع بوعز. وفي تفصيل ذلك يقول القديس ساويرس بطريرك أنطاكية:
"وبهذه الطريقة فإن يوسف خطيب القديسة العذراء ينتسب في الواقع إلى أبوين اثنين: لأنه حيث أن هالي اتخذ له امرأة ومات دون أن ينجب بنين، فإن يعقوب - الذي كان أقرب الأنسباء إليه - تزوج امرأته لكي ينجب له نسلًا منها حسبما أمرت الشريعة. فلما أنجب منها يوسف. صار يوسف هذا ابنًا شرعيًا لهالي المتوفي، وفي نفس الوقت ابنًا طبيعيًا ليعقوب". ومن أجل هذا قال متى من جانبه إن يوسف هو ابن يعقوب. ولوقا من الجانب الآخر قال إنه ابن هالي. أحدهما أورد النسب الطبيعي، والآخر أورد النسب الشرعي.
ومتى من جانبه ذكر الآباء الطبيعيين ليوسف، ولوقا من الجانب الآخر ذكر الآباء الشرعيين. ووصل لوقا بالنسب الشرعي للمسيح حتى ناثان بن داود، ومتى وصل بالنسب الطبيعي حتى سليمان بن داود. وتلاقى الاثنان عند داود... وبين متى ولوقا، كان المجرى يتشابه أحيانًا، ثم ينقسم متنوعًا، ثم يعود فيتحد ثم ينفصل...
وبهذا سواء من الناحية الطبيعية أو الشرعية يثبت المسيح... من حيث أنه ابن لداود، وابن لإبراهيم، وابن لآدم.
2، 3- الخلاف في الصعود والهبوط، وعلاقة ذلك بالعماد:
وبدأ متى إنجيله بقوله: "كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ.." وبعد هذا مباشرة شرح الأنساب إذ قال: "إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ". وبعد أن ذكر أولئك الذين ولدوا من معاشرات فيها أخطاء، أتى في النهاية إلى إحصاء الأجيال. ثم قال مباشرة "أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هَكَذَا..." (مت1: 18).
وهكذا بعد أن شرح الفساد والموت الذي مرت به كل تلك الأجيال، وصل إلى ولادة السيد المسيح الطاهرة التي من الروح القدس ومن العذراء مريم.
أما لوقا فروى البشارة، وميلاد المعمدان، وميلاد المسيح وتدرج حتى وصل إلى عماد الرب في سن الثلاثين. وهنا ذكر الأنساب الشرعيين...
ويشرح القديس ساويرس بطريرك أنطاكية هذا الموضع فيقول:
إن لوقا شرح الأنساب الشرعية، التي تذكرنا بمن مات دون نسل، ثم أقيم اسمه بعد موته، بابن ينتسب إليه، بطريقة فيها مثال للتبني والقيامة...
وذكر تلك الأنساب بعدما أورد قصة العماد... ذلك لأن المعمودية تعطي التبني الحقيقي السمائي، في إظهار أولاد الله. لذلك ذكر الأنساب الشرعية التي تعطى للتبني. لإظهار أن هذا المثال قد تثبت بالحقيقة. وأن الحالة المرضية التي للناس، قد أعيدت إلى الصحة بواسطة النعمة.
ولهذا السبب صعد بالأنساب من أسفل إلى فوق، وأوصلها إلى الله، ليظهر أن النعمة التي تأتي بالمعمودية ترفعنا وتصعد بنا إلى النسب الإلهي، حيث تجعلنا أولادًا لله.
تمامًا كما أن اتحاد الزواج الذي تم بعد كسر آدم وحواء للوصية، وإنجاب البنين الذي نتج عن ذلك، جعلنا نهبط إلى أسفل. لإتمام هذه الصورة نزل متى بالأنساب الطبيعية إلى أسفل.
ويقول القديس أغسطينوس:
متى ينزل بالأنساب، مشيرًا إلى ربنا يسوع المسيح نازلًا ليحمل خطايانا. لأنه من نسل إبراهيم تتبارك جميع الشعوب (تك12: 3). وهكذا لم يبدأ من آدم.
39- المسيح قبل الثلاثين عامًا
39- المسيح قبل الثلاثين عامًا
سؤال
لماذا لم يذكر الكتاب تاريخ الثلاثين عامًا التي قضاها السيد المسيح قبل كرازته؟ وهل ذهب خلالها إلى الصين ودرس البوذية كما يقول البعض؟
الجواب
الكتاب المقدس لم يقصد به أن يكون كتاب تاريخ...
ولو أرادت الأناجيل ذكر جميع الأحداث والتفاصيل التاريخية ما كان "الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ" (يو21: 25). إن تفاصيل يوم واحد من حياة السيد المسيح على الأرض، بما فيه من تعاليم ومعجزات، يحتاج وحده إلى كتاب...
وحتى فترة حياة المسيح بعد الثلاثين لم تسجل كلها. يكفي أن القديس يوحنا الإنجيلي قال في ذلك: "وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ" (يو21: 25).
إنما الرسل اختاروا أحداثًا معينة تقود إلى الإيمان.
وهكذا قال القديس يوحنا الإنجيلي: "...وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (يو20: 31).
إن قصد الأناجيل أن تكون بشارة خلاص، تحكي قصة خلاص...
لذلك بدأت الأناجيل بميلاد المسيح المعجزي من عذراء، والملائكة الذين أحاطوا بقصة الميلاد، وكذلك بنسب المسيح، وتحقيق النبوات الخاصة بميلاده ثم انتقلت إلى عماده وبدء كرازته. وكمثال لفترة طفولته ذكرت لقاءه بشيوخ اليهود وتعجبهم من إجاباته (لو2: 46)... كمعلم في سنه المبكرة.
أما إدعاء ذهابه إلى الصين، فلا سند له...
لا سند له من الكتاب، ولا من التاريخ، ولا من التقاليد. يقصد به أعداء المسيح أنه أخذ تعاليمه عن البوذية. ولذلك حسنًا أن الإنجيل ذكر علم المسيح الفائق منذ صباه، حتى أنه كان مثار عجب الشيوخ، فلم يكن محتاجًا أن يذهب إلى الصين أو غيرها.
وتعليم السيد المسيح أسمى من البوذية ومن أي تعليم آخر.
وأي دارس يكتشف هذا السمو بما لا يقاس. وليس الآن مجال المقارنة. ولو كان هناك تشابه بين تعليمه والبوذية، لآمن به البوذيون.
على أن عظمة السيد المسيح لم تقتصر فقط على تعليمه.
فهل تراه أخذ عن البوذية أيضًا معجزاته الباهرة؟!
هل أخذ منها إقامة الموتى، ومنح البصر للعميان، وانتهار البحر والمشي على الماء، وإشباع الآلاف من خمس خبزات، وشفاء الأمراض المستعصية، وإخراج الشياطين... وباقي المعجزات التي لا تحصى.
وهل أخذ من البوذية الفداء الذي قدمه للعالم...
لا داعي إذًا لأن يسرح الخيال في فترة الثلاثين سنة السابقة لخدمته. إنما يكفي أن نقول إن السيد المسيح - حسب الشريعة - بدأ خدمته من سن الثلاثين (عد4: 3، 23، 47) (1أي23: 3).
وما يلزمنا معرفته في قصة الخلاص هو رسالة المسيح بعد الثلاثين، يضاف إليها ميلاده البتولي، وما أحاط به من نبوءات ومعجزات. وهذا يكفي.
40- لغة المسيح على الأرض
40- لغة المسيح على الأرض
سؤال
ما هي اللغة التي تكلم بها السيد المسيح في فترة تجسده على الأرض؟
الجواب
كانت اللغة التي تكلم بها المسيح هي الآرامية.
إنه التحور الذي طرأ على العبرانية بعد السبي.
وهي اللغة التي كتب بها اليهود للملك أرتحشستا وقت إعادة بناء سور أورشليم. وقد ورد ذلك في فسر عزرا (عز4: 7).
وقد كانت لغة الكلدانيين في أرض السبي أيام نبوخذ نصر (دا2: 4).
41- الذين أتوا قبلي، سراق ولصوص
41- الذين أتوا قبلي، سراق ولصوص
سؤال
ما معنى قول الرب: "أَنَا بَابُ الْخِرَافِ. جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ وَلَكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ" (يو10: 7، 8)؟ هل من المعقول أن يقول عن كل الأنبياء الذين أتوا قبله إنهم سراق ولصوص؟!
الجواب
السيد المسيح لم يقصد الأنبياء مطلقًا بهذه العبارة...
إنه يتكلم عن الذين لم يدخلوا من الباب، فبدأ حديثه بقوله: "إِنَّ الَّذِي لاَ يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ إِلَى حَظِيرَةِ الْخِرَافِ بَلْ يَطْلَعُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَذَاكَ سَارِقٌ وَلِصٌّ" (يو10: 1). أما الأنبياء فقد دخلوا من الباب، أرسلهم الآب السماوي.
فمن هم إذًا أولئك اللصوص؟
إنهم الذين أتوا قبل المسيح بمدة بسيطة، وأزاغوا شعبًا. وتحدث عنهم غمالائيل...
فلما أحضر رؤساء الكهنة أمامهم في المجمع رسل السيد المسيح، لكي يحاكموهم على تبشيرهم بقيامة الرب قائلين لهم: "هَا أَنْتُمْ قَدْ مَلأَتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ وَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هَذَا الإِنْسَانِ" (أع5: 28)، "وَجَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ" (أع5: 33)، حينئذ قام في المجمع غمالائيل معلم الناموس المكرم عند الشعب، وأمر بإخراج الرسل، وقال لأعضاء المجمع:
"احْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ جِهَةِ هَؤُلاَءِ النَّاسِ فِي مَا أَنْتُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ تَفْعَلُوا.
لأَنَّهُ قَبْلَ هَذِهِ الأَيَّامِ قَامَ ثُودَاسُ قَائِلًا عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ شَيْءٌ.
الَّذِي الْتَصَقَ بِهِ عَدَدٌ مِنَ الرِّجَالِ نَحْوُ أَرْبَعِمِئَةٍ الَّذِي قُتِلَ وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَبَدَّدُوا وَصَارُوا لاَ شَيْءَ.
بَعْدَ هَذَا قَامَ يَهُوذَا الْجَلِيلِيُّ فِي أَيَّامِ الاِكْتِتَابِ وَأَزَاغَ وَرَاءَهُ شَعْبًا غَفِيرًا.
فَذَاكَ أَيْضًا هَلَكَ وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَشَتَّتُوا.
وَالآنَ أَقُولُ لَكُمْ: تَنَحَّوْا عَنْ هَؤُلاَءِ النَّاسِ وَاتْرُكُوهُمْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ هَذَا الرَّأْيُ أَوْ هَذَا الْعَمَلُ مِنَ النَّاسِ فَسَوْفَ يَنْتَقِضُ. وَإِنْ كَانَ مِنَ اللهِ فَلاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْقُضُوهُ لِئَلاَّ تُوجَدُوا مُحَارِبِينَ لِلَّهِ أَيْضًا" (أع5: 35- 39).
عن أمثال ثوداس ويهوذا الجليلي قال السيد المسيح إنهم سراق ولصوص...
هؤلاء الذين أتوا قبله، وظنوا في أنفسم أنهم شيء وأزاغوا وراءهم شعبًا غفيرًا، ثم تبددوا...
ويمكن أن ينضم إلى هؤلاء المعلمين الكذبة الذين أتعبوا الناس بتعاليمهم وسماهم المسيح بالقادة العميان، الذين أخذوا مفاتيح الملكوت، فما دخلوا، ولا جعلوا الداخلين يدخلون (مت23: 13- 15).
42- ما معنى "يشتري سيفًا"؟
42- ما معنى "يشتري سيفًا"؟
سؤال
كيف يكون السيد المسيح صانع السلام وملك السلام، وهو يقول لتلاميذه "... مَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفا" (لو22: 36).
فما معنى أمره لتلاميذه بشراء السيف؟ ولماذا لما قالوا له: "هُنَا سَيْفَانِ" أجاب "يَكْفِي" (لو22: 38).
الجواب
السيد المسيح لم يقصد مطلقًا السيف بمعناه المادي الحرفي...
بدليل إنه بعد قوله هذا بساعات، في وقت القبض عليه، استل بطرس سيفه، وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه... حينئذ قال له الرب: "اِجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ" (يو18: 11). "لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ" (مت26: 52)
فلو كان السيد يدعوهم إلى استخدام السيف، ما كان يمنع بطرس عن استخدامه في مناسبة كهذه.
ولكن الرب كان يقصد السيف بمعناه الرمزي، أي الجهاد... كان يكلمهم وهو في طريقه إلى جسثيماني (لو22: 39)، أي في اللحظات الأخيرة التي يتكلم فيها مع الأحد عشر قبل تسليمه ليصلب، ولذلك بعد أن قال: "فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا"، قال مباشرة: "لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضًا هَذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ" (لو22: 37).
فما هو الخط الذي يجمع هذين الأمرين معًا؟
كأنه يقول لهم: حينما كنت معكم، كنت أحفظكم بنفسي. كنت أنا السيف الذي يحميكم. أما الآن فأنا ماض لأسلم إلى أيدي الخطاة، وتتم فيَّ عبارة "وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ... اهتموا إذًا بأنفسكم، وجاهدوا...
وما دمت سأفارقكم، فليجاهد كل منكم جهاد الروح، ويشتر سيفًا...
وقد تحدث بولس الرسول في رسالته إلى أفسس عن "سَيْفَ الرُّوحِ" وعن "سِلاَحَ اللهِ الْكَامِل"، و"دِرْعَ الْبِر"، و"تُرْسَ الإِيمَانِ" (أف6: 11- 17). وهذا ما كان يقصده السيد المسيح "لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ" في تلك الحرب الروحية...
ولكن التلاميذ لم يفهموا المعنى الرمزي وقتذاك. فقالوا هنا سيفان...
كما قال لهم من قبل بنفس المعنى الرمزي "تَحَرَّزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ" يقصد رياءهم (لو12: 1)، وظنوا أنه يتكلم عن الخبز (مر8: 17). هكذا قالوا - وهو يكلمهم عن سلاح الروح - "هُنَا سَيْفَانِ"، فأجابهم "يَكْفِي. أي يكفي مناقشة في هذا الموضوع، إذ الوقت ضيق حاليًا... ولم يقصد السيفين بعبارة "يكفي" وإلا كان يقول هذان يكفيان...
لذلك ينبغي أن نميز بين ما يقوله الرب بالمعنى الحرفي وما يقوله بالمعنى الرمزي. وسياق الحديث يبين أحيانًا.
43- لماذا.. اِغفر لهم؟
43- لماذا.. اِغفر لهم؟
سؤال
لماذا قال المسيح على الصليب: "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ" (لو23: 34)، ولم يقل بسلطانه الخاص "مغفورة لكم خطاياكم"...؟
الجواب
إن السيد المسيح على الصليب، كان يمثل البشرية وينوب عنها.
كان ينوب عن البشرية في دفع ثمن الخطية للعدل الإلهي... "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6). لذلك كان على الصليب "مُحْرَقَةً... سُرُورٍ لِلرَّب" (لا1: 9). وكان ذبيحة خطية. وكان أيضًا "فصحًا" (1كو5: 7).
كان يقدم للآب كفارة عن خطايانا. وإذ قدم هذه الكفارة كاملة، قال للآب: "اغْفِرْ لَهُمْ".
أي: أنا وفيت العدل الذي تطلبه أيها الآب، فاغفر لهم.
أنا دفعت ثمن الخطية، وسكبت دمي فداء لهم. فلم يعد هناك عائق من المغفرة، فاغفر لهم... كان يتكلم كشفيع عن البشرية أمام الآب. كنائب، عن كل خاطئ منذ آدم إلى آخر الدهور.
كذلك في هذه الطلبة، كان يعلن تنازله عن حقه الخاص تجاه صالبيه، الذين أهانوه بلا سبب، وحكموا عليه ظلمًا، وألصقوا به تهمًا باطلة، وأثاروا الشعب... وهم لا يدرون ماذا يفعلون...
قال هذا كنائب عنهم، وشفيع لهم، على الصليب.
ولكن في مواضع أخرى، قام بالغفران بنفسه كإله.
كما قال للرجل المفلوج: "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاك" (مر2: 5). مثبتًا بذلك لاهوته وسلطانه على مغفرة الخطايا. وقال كذلك للمرأة الخاطئة (في بيت سمعان الفريسي) "مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ" (لو7: 48).
وسلطانه هذا لم يفارقه على الصليب، فغفر للص اليمين...
وقال له: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43). وبهذا أعلن له مغفرة خطاياه، لأنه بدون هذه المغفرة لا يدخل الفردوس.
44- مدح وكيل الظلم
44- مدح وكيل الظلم
سؤال
يقول الإنجيل: "فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ" (لو16: 8). فكيف يمدحه الرب وهو وكيل ظلم؟
الجواب
إن الرب لم يمدح كل تصرفاته. إنما مدح فقط حكمته...
ولذلك فإن تكملة الآية المذكورة هي "فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ"... وذلك أن هذا الرجل استعد لما يأتي عليه في المستقبل قبل أن يخرج من وكالته. وهذا الاستعداد يرمز في مثل وكيل الظلم إلى الاستعداد الواجب لنا من نحو الأبدية، قبل أن نخرج من هذا العالم.
والرب بهذا المثل يبكتنا بالحكمة التي عند أهل العالم...
فإن كان أهل العالم - على الرغم من خطاياهم - لهم مثل هذه الحكمة، فإن أبناء الله ينبغي أن يكونوا حكماء أيضًا. لذلك بعد مدحه لوكيل الظلم على حكمته، قال مباشرة: "لأَنَّ أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ" (لو16: 8). الرب إذًا يبكتنا بوكيل الظلم، الذي هو من أبناء هذا الدهر، ولكنه يعرف أن يستعد لمستقبله...
وهناك نقطة هامة جدًا، نقولها في هذا المثل وأمثاله، وهي:
هناك نقطة تشبيه محددة، لا نخرج عنها إلى التعميم...
فمثلًا إن امتدحنا الأسد، لا نمتدح فيه الوحشية والافتراس، إنما نمتدح القوة والشجاعة. وإذا شبهنا إنسانًا بالأسد، فلا نقصد إنه حيوان، ومن ذوات الأربع، إنما نمتدحه على شجاعته وقوته. كذلك في مثل وكيل الظلم، المديح على نقطة واحدة محددة وهي الحكمة في الاستعداد للمستقبل، وليس كل صفاته الأخرى.
هنا ونقدم مثالًا آخر، تتضح فيه هذه النقطة بقوة:
الحية، التي هي سبب كوارثنا كلها، بإسقاط أبوينا الأولين، وجد الرب فيها صفة جميلة يمكننا التشبه بها فقال:
"كُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ... " (مت10: 16).
فهل نتشبه بالحية في كل شيء، وهي مثال الخبث والدهاء والشر؟! أم أنه توجد هناك نقطة واحدة محددة، وهي الحكمة، امتدحها الرب، وأصبح التشبيه والاقتداء محصورًا في حدودها هكذا مع وكيل الظلم في حكمته.
45- كانوا يعثرون به!!
45- كانوا يعثرون به!!
سؤال
ما معنى ما قيل لليهود في حواراتهم مع السيد المسيح، إنهم "كَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ" (مت13: 57). فكيف يعثرون بالمسيح، وقد قيل في الإنجيل: "وَيْلٌ لِذَلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ" (مت18: 7)؟!
الجواب
العثرة لم تأت من السيد المسيح، إنما من فهمهم الخاطئ. ليس العيب فيه، حاشا، بل العيب فيهم...
فمثلًا كان السيد يصنع بعض المعجزات في يوم السبت، كما منح البصر للمولود أعمى في يوم سبت، "فقال قوم من الفريسيين: "هَذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ" (يو9: 16). واستدعوا المولود أعمى "وَقَالُوا لَهُ: أَعْطِ مَجْدًا لِلَّهِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ" (يو9: 24).
هنا سبب العثرة، ليس فعل الخير الذي عمله السيد المسيح في رحمته على المولود أعمى، إنما سبب العثرة هو إصرار اليهود على أن عمل الخير في السبوت يعتبر خطية!! فإن قال الرب: "وَيْلٌ لِذَلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ"، يكون الويل لهؤلاء اليهود الذين كانوا ينشرون العثرة بسبب جهلهم بمعنى حفظ السبت، أو بسبب حقدهم على السيد المسيح...
فإن كان أحد يعثر من فعل الخير، يكون هو المخطئ، وليس من فعل الخير. وكذلك كل من يعثر من غير سبب يستوجب العثرة...
بعض القديسات كن في منتهى الجمال، وأعثر البعض بجمالهن، ولا ذنب لهن في ذلك. إذًا يكون العيب في قلب الذي اشتهى ذلك الجمال. ولا نقول أبدًا أن القديسة الجميلة كانت سبب عثرة... فسبب العثرة يكمن في شهوة الخاطئ...
وعبارة "ويل لمن تأتي من قبله العثرات" تعني الذي يتسبب بأخطائه في عثرة غيره.
فمثلاً إنسان ناجح في حياته ومتفوق باستمرار، فحسده البعض على نجاحه وتفوقه. هل نقول إنه كان سبب عثرة لهم؟! كلا، بل نقول إن حسدهم وعدم نقاوة قلوبهم هو سبب العثرة.
فاليهود حينما أعثروا ببر المسيح، كانوا هم سبب العثرة بسبب عدم نقاوة قلوبهم... فهم لم يعثروا فقط من معجزاته في يوم سبت، بل يذكر لنا الكتاب أن مواطنيه كانوا يعثرون من كل معجزاته. فكانوا يقولون: "مِنْ أَيْنَ لِهَذَا هَذِهِ الْحِكْمَةُ وَالْقُوَّاتُ؟ أَلَيْسَ هَذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟... فَمِنْ أَيْنَ لِهَذَا هَذِهِ كُلُّهَا؟ فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ" (مت13: 54- 57).
46- الأغنياء ودخول الملكوت
46- الأغنياء ودخول الملكوت
سؤال
قال الرب: "مُرُورُ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ" (مر10: 25).
فهل هذا معناه أن الأغنياء لا يمكن أن يدخلوا الملكوت؟
الجواب
ليس كل الأغنياء. فهناك أغنياء أبرار وقديسون.
لقد قال الرب هذه العبارة تعليقًا على تصرف الشاب الغني، الذي عاقه المال عن أن يتبع الرب، ومضى حزينًا لأنه كل ذا أموال كثيرة.
والرب لم يقل إن دخول الأغنياء إلى الملكوت أمرًا مستحيلًا، وإنما أمرًا عسيرًا. ولم يذكر الرب كل الأغنياء، إنما قال:
"مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللَّهِ" (مر10: 24).
إذًا هنا عيب معين، وهو الاتكال على المال، وليس على الله. ويتطور الأمر من الاتكال على المال، إلى محبة المال وعبادته، بحيث يصير منافسًا لله. وهكذا قال الرب: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ... لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللَّهَ وَالْمَالَ" (مت6: 24).
الذين يجعلون المال منافسًا لله في قلوبهم، يصعب دخولهم الملكوت...
وهذا هو الذي حدث مع الشاب الغني... كان يستطيع أن ينفذ كل الوصايا منذ حداثته، ما عدا المال، إذ كان لا يستغني عنه... وهناك عيب يمنع دخول الأغنياء إلى الملكوت هو:
البخل في إنفاق المال، وبالتالي قسوة القلب على الفقراء...
ومثال ذلك الغني الذي عاصر لعازر المسكين، الذي كان يشتهي الفتات الساقط من مائدة الغني. وكان الغني لا يشفق على هذا المسكين، وفي قسوة كان يتركه إلى الكلاب تلحس قروحه (لو16: 19- 21).
ومع ذلك يمكن للغني أن يخلص ويدخل الملكوت.
إنه الغني الذي يملك المال، ولا يسمح للمال أن يملكه.
إنه يملك المال، ولكن لا يجعل محبة المال تدخل إلى قلبه، لتمنعه من محبة الله ومحبة القريب. وهكذا ينفق في أعمال الخير.
والكتاب المقدس يعطينا أمثلة لأغنياء قديسين، مثل أيوب الصديق...
كان أيوب أغنى بني المشرق في أيامه، وقد شرح الكتاب غناه بالتفصيل، سواء قبل التجربة (أي1: 2، 3). أو بعدها (أي42: 12). ومع ذلك شهد له الرب نفسه بأنه "لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" (أي1: 8)، (أي2: 3). وكان يحسن إلى الفقراء، بل كان أبًا للفقراء، وكان عيونًا للعمي، وأرجلًا للعرج، أنقذ المسكين والمستغيث، واليتيم ولا معين له. وجعل قلب الأرملة يُسَّر (أي29: 12- 16).
وقد بارك الرب غنى أيوب- بعد التجربة- وجعله مضاعفًا..
لأن الغنى في يده كان أداة للخير، ولبناء الملكوت أيضًا.
وآباؤنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب كانوا أغنياء جدًا في أيامهم، حتى كان إبراهيم في مركز ملك، يهزم أربعة ملوك، ويستقبله الملوك في عودته (تك14). ولكنه كان كريمًا، وكان محبًا لله وللناس. وفي العالم الآخر، كانت بينه وبين غني لعازر هوة عظيمة (لو16: 26). ويعطينا المنظر فارقًا بين اثنين من الأغنياء، أحدهما في النعيم، والآخر في العذاب.
يقدم لنا الإنجيل قديسًا غنيًا كإبراهيم، هو يوسف الرامي.
يوسف الرامي القديس، الذي استحق أن يأخذ جسد المسيح، ويكفنه ويدفنه في مقبرة خاصة يملكها، قيل عنه إنه "رجل غني" (مت27: 57). ومع ذلك "كَانَ هُوَ أَيْضًا مُنْتَظِرًا مَلَكُوتَ اللَّهِ" (مر15: 43). وعلى الرغم من غناه قيل عنه في الإنجيل لمعلمنا لوقا إنه "كَانَ مُشِيرًا وَرَجُلًا صَالِحًا بَارًّا..." (لو23: 50).
إن يوسف الرامي من الأغنياء الذين دخلوا الملكوت.
نذكر أيضًا الأغنياء الصالحين، الذين ذكرهم العصر الرسولي.
هؤلاء الذين يقول عنهم سفر أعمال الرسل: "لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجًا لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُولٍ أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ. وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ" (أع4: 34، 35). وضربوا مثالًا لذلك بيوسف الذي دُعيَّ من الرسل برنابا (أع4: 36، 37) وهو أحد الذين اختارهم الروح القدس للخدمة مع بولس الرسول (أع13: 2).
ويعطينا التاريخ أمثلة أخرى من أغنياء قديسين دخلوا الملكوت.
نذكر من بينهم القديسة ميلانيا التي كانت غنية جدًا، وكانت تنفق بوفرة من أموالها على الأديرة وعمارة الكنائس. وأخيرًا ترهبت بعد ترملها.
ومثلها أيضًا القديسة باولا التي كانت تنفق على رهبنة القديس جيروم. ثم بَنت من أموالها ديرين في فلسطين أحدهما للرهبان، والثاني للراهبات صارت هي رئيسته بعد ترملها، وخلفها ابنتها يوستوخيوم في رئاسته.
ومن أمثلة الأغنياء القديسين المعلم إبراهيم الجوهري، الذي كان كريمًا جدًا في الإنفاق على الرهبان والأديرة وترميم الكنائس وبنائها، وعمارة المواضع المقدسة...
ليس الغنى عائقًا أمام الملكوت، إنما العائق هو القلب...
والمشكلة هي: هل القلب يخضع لمحبة الغنى، ويصبح ثقيلًا عليه أن يدفع من أمواله، حتى العشور... ويكنز المال بلا هدف. ويصير هذا المال صنمًا أمامه يعوقه عن محبة الله. أما الغني الذي يستخدم ماله لأعمال البر في إنفاق، وفي محبة، فليس هو النوع الذي يقصده السيد المسيح.
ويسرنا في هذه المناسبة أن نشير إلى أن هذا الموضوع طرقه أكليمنضس الإسكندري ناظر الإكليريكية السابق لأوريجانوس. ووضع عنه كتابًا اسمه "الرجل الغني الذي يخلص" وقد ترجم هذا الكتاب ابننا القس موسى وهبه، ننصح بقراءته.
47- ومضى ذلك الجيل
47- ومضى ذلك الجيل
سؤال
تحدث السيد الرب في الأصحاح 24 من الإنجيل لمعلمنا متى البشير، عن علامات نهاية الزمان، وقال: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ" (مت24: 34). وقد مضى ذلك الجيل، ومضت أجيال عديدة، ولم ينته العالم! فكيف نفسر هذا؟
الجواب
في الواقع أن السيد المسيح في (مت24)، وكذلك في (مر13)، كان يتحدث عن أمرين اثنين: خراب أورشليم، ونهاية العالم. وليس عن نهاية العالم فقط...
وقوله: "لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ"..
كان المقصود به تحقيق نبوءته عن خراب أورشليم.
وقد تم ذلك فعلًا، إذ خربت أورشليم في سنة 70م، وتشتت اليهود في أرجاء الأرض... ولم يكن ذلك الجيل قد مضى بعد...
ومن ضمن نبوءات السيد المسيح في هذا الأصحاح، عن خراب أورشليم وليس عن نهاية العالم، ما يأتي:
"فَمَتَى نَظَرْتُمْ «رِجْسَةَ الْخَرَابِ» الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ. وَالَّذِي عَلَى السَّطْحِ فَلاَ يَنْزِلْ لِيَأْخُذَ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئًا... وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ! وَصَلُّوا لِكَيْ لاَ يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ وَلاَ فِي سَبْتٍ" (مت24: 15- 20).
ومن أقواله في تلك المناسبة، التي تمت أيضًا في ذلك الجيل:
"يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيقٍ وَيَقْتُلُونَكُمْ وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي. وَحِينَئِذٍ يَعْثُرُ كَثِيرُونَ وَيُسَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا..." (مت24: 9، 10).
أما النبوءات الخاصة بخراب أورشليم، والتي تمت في ذلك الجيل فهي:
"صَلُّوا لِكَيْ لاَ يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ وَلاَ فِي سَبْتٍ" لأنه في نهاية العالم، لا يكون هناك هروب. كما يتساوى في ذلك الشتاء والصيف، والسبت أيضًا!
وأيضًا قوله "حِينَئِذٍ يَكُونُ اثْنَانِ فِي الْحَقْلِ يُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ. اِثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ عَلَى الرَّحَى تُؤْخَذُ الْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ الأُخْرَى" (مت24: 40، 41). ففي نهاية العالم ومجيء المسيح، لا يؤخذ الواحد، ويترك الآخر! بل إن هذا كله عن وقت خراب أورشليم...
وقوله أيضًا: "فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ. وَالَّذِي عَلَى السَّطْحِ فَلاَ يَنْزِلْ لِيَأْخُذَ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئًا" (مر13: 14، 15). كل هذا قيل عن خراب أورشليم، لأنه في نهاية العالم، لا ينفع الهروب من اليهودية إلى الجبال!
عن أمثال هذه الأمور، قال الرب: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ".
وفعلًا، كان ذلك كله، في وقت هجوم الجيش الروماني على أورشليم سنة 70م، أي بعد أن قال السيد المسيح تلك النبوءة بحوالي 36 سنة (من سنة صلبه 34م إلى سنة الهجوم على أورشليم في 70م).
أما الآيات الخاصة بنهاية العالم فهي كقوله:
"... ليس المنتهى بعد... هَذِهِ كُلَّهَا مُبْتَدَأُ الأَوْجَاعِ.." (مت24: 6، 8) "لأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْعَالَمِ إِلَى الآنَ وَلَنْ يَكُونَ. وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ... سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا" (مت24: 210- 24) إلى أن يقول: "وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ... " (مت24: 29- 30) (مر13: 19- 26).
48- لماذا اللعنة لشجرة التين؟
48- لماذا اللعنة لشجرة التين؟
سؤال
لماذا لعن السيد المسيح شجرة تين لم يجد فيها إلا ورقًا فقط وليس فيها شيء من الثمر. فلما لعنها يبست في الحال (مت21: 18، 19). فلماذا لعنها مع أنه قيل "لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إلاَّ وَرَقًا لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ" (مر11: 13).
الجواب
كلام كثير قاله عديد من المفسرين في موضوع شجرة التين هذه... ولكننى أريد أن أشير هنا إلى الناحية الرمزية التي كثيرًا ما كان يستخدمها السيد المسيح في تعليمه وأحاديثه...
كانت شجرة التين الكثيرة الأوراق وبلا ثمر، ترمز إلى الحياة الشكلية التي كانت تعيشها الأمة اليهودية بطقوس كثيرة خالية من الثمر.
أعياد، ومواسم، وذبائح، وبخور، ودقة حرفية في حفظ السبت، واهتمام فائق بحفظ الختان، والتقدمات. كل ذلك ومثاله، بلا روح، مما وبخهم الله عليه في الأصحاح الأول من سفر أشعياء... ولا ثمر روحي في كل ذلك، إنما مجرد أوراق خضراء كثيرة.
كذلك كان لأوراق التين رمز من بدء الخليقة لم يقبله الله.
لما أخطأ آدم وحواء، وفقدا بساطتهما، وعرفا أنهما عريانان، غطيا هذا العري بورق التين... مجرد تغطية شكلية لنفسية فسدت من الداخل وفقدت طهارتها.
وظلت أوراق التين تحمل هذا الرمز وهو التغطية الخارجية لفساد داخلي.
ولم يقبل الله لهما التغطية بأوراق التين، وإنما "وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ لِآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا" (تك3: 21، 7). وأقمصة الجلد كانت من ذبيحة...
وكأن الرب يقول لهما: التغطية لا تصلح الطبيعة الداخلية التي قد فسدت. إنما الطهارة الحقيقية ستأتيكم من الذبيحة التي يشير إليها هذا الجلد الذي تتغطيان به حاليًا. وتأتي التغطية الحقيقية بالكفارة بالدم (1يو1: 7).
لقد أراد الرب أن يعطيهم درسًا من شجرة التين.
إنه أتى يطلب ثمرًا من الأمة اليهودية، فلم يجد إلا الورق. "ولم يكن وقت التين". لأنه لا يمكن للشعب اليهودي أن يعطي ثمرًا بحالته الراهنة وقتذاك، بقياداته الشغوفة بالورق كالكتبة والفريسيين والناموسيين والكهنة وشيوخ الشعب. فلعن الرب هذه الشجرة. وقال عبارته المشهورة: "إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ" (مت21: 43). لن تنفعكم المظاهر الخارجية، وكثرة ورق التين الأخضر...
49- قليل من الخمر
49- قليل من الخمر
سؤال
هل توجد آية في الكتاب تقول: "قليل من الخمر يصلح المعدة"؟ وهل هذه الآية تشجع على شرب الخمر؟
الجواب
لا توجد آية في الكتاب بهذا المنطوق المحرف الشائع بين العامة.
إنما حدث أن القديس تيموثاوس الأسقف تلميذ القديس بولس الرسول كان يشكو من عدة أمراض في جهازه الهضمي، وقيل إنه كان مريضًا أيضًا بمرض الاستسقاء. وقد وصف له الرسول أن يمتنع عن شرب الماء الكثير، وأن يتناول - كعلاج لحالته الخاصة - قليلًا من الخمر. وهكذا قال له.
"لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلًا مِنْ أجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ" (1تى5: 23).
ونلاحظ هنا أننا أمام مريض معين، له مرض خاص، يحتاج إلى علاج خاص يناسب حالته... في وقت لم تكن الصيدلة فيه قد وصلت إلى ما وصلت إليه من رقي وعلم، كما في عصرنا الحاضر... وكانت الخمر تستعمل وقتذاك كعلاج.
إذًا فلم يصدر الكتاب حكمًا عامًا، بأن القليل من الخمر يصلح المعدة. وإنما قدم الرسول علاجًا لحالة خاصة.
فإن كنت في نفس حالة تيموثاوس، وفي نفس عصره، لكانت هذه النصيحة تناسبك. أما الآن، فحتى لو كانت لك نفس أمراض القديس تيموثاوس، فالطب والصيدلة يقدمان لك ما وصل إليه العلم الحديث من أدوية علاجية.
نلاحظ في قصة السامري الصالح، إنه لما وجد رجلًا جريحًا ملقى في الطريق "ضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتًا وَخَمْرًا" (لو10: 34)... كان الكحول الموجود في الخمر يستخدم كعلاج لكي يكوي الجرح، ويمنع النزيف.
إذًا كل ما نفهمه من النصيحة التي وجهت إلى القديس تيموثاوس:
إن الخمر وصفت كعلاج - وليس كمزاج - وفي حالة خاصة...
والمسألة مسالة ضمير: هل كل من يتناولها حاليًا، يأخذها كمجرد علاج لا غير، ينطبق على حالته هو بالذات، ولا يجد لنفسه علاجًا مناسبًا سواه؟ إننا من جهة شرب الخمر كعلاج، نتكلم.
أما موضوع الخمر بالتفصيل، فليس مجاله هذا السؤال.
50- الفخاري والطين
50- الفخاري والطين
سؤال
ألسنا نقول إن الإنسان مخير؟ لماذا إذًا وردت في الكتاب هذه العبارات "أَلَعَلَّ الْجِبْلَةَ تَقُولُ لِجَابِلِهَا: لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هَكَذَا؟ أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟" (رو9: 20، 21).
ما ذنبي إذًا، إذا ما صنع مني الفخاري إناء للهوان؟!
الجواب
نعم إن للفخاري سلطانًا على الطين أن يصنع منه ما يشاء، إناء للكرامة، أو إناء للهوان. وليس للطينة أن تقول: "لِمَاذَا صَنَعْتَنِي هَكَذَا؟".
ولكن الفخارى أيضًا حكيم وعادل...
إن الفخارى - مع كامل حريته وسلطانه - ينظر بحكمة إلى قطعة الطين. فإن رآها جيدة وناعمة ولينة، جعل منها آنية للكرامة، لأن صفاتها تؤهلها لذلك...
من غير المعقول أن تقع طينة رائعة في يد فخاري حكيم، فيصنع منها إناء للهوان، وإلا أساء التصرف، حاشا...
أما إذا كانت الطينة خشنة ورديئة، ولا تصلح إناء للكرامة، فإن الفخاري - بما يناسب حالتها - سيجعلها إناء للهوان.
إنه على قدر إمكانه، يحاول أن يصنع من الطين، كل الطين الذي أمامه أواني للكرامة، بقدر ما تساعده صفات الطين على ذلك.
الأمر إذًا وقبل كل شيء، يتوقف على حالة الطينة ومدى صلاحيتها، مع اعترافنا بسلطان الفخاري وحريته، ومع ذكرنا لعدله وحكمته.
ولذلك قال الرب: "كَالطِّينِ بِيَدِ الْفَخَّارِيِّ أَنْتُمْ هَكَذَا بِيَدِي يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ. تَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْقَلْعِ وَالْهَدْمِ وَالإِهْلاَكِ. فَتَرْجِعُ تِلْكَ الأُمَّةُ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا عَنْ شَرِّهَا فَأَنْدَمُ عَنِ الشَّرِّ الَّذِي قَصَدْتُ أَنْ أَصْنَعَهُ بِهَا. وَتَارَةً أَتَكَلَّمُ عَلَى أُمَّةٍ وَعَلَى مَمْلَكَةٍ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ. فَتَفْعَلُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيَّ فَلاَ تَسْمَعُ لِصَوْتِي فَأَنْدَمُ عَنِ الْخَيْرِ الَّذِي قُلْتُ إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْهَا بِهِ" (إر18: 6- 10). إذًا بإمكان الطينة أن تصلح مصيرها.
يذكرنا هذا بمثل الزارع الذي خرج ليزرع (مت13: 3- 8).
الزارع هو نفس الزارع، البذار هي نفس البذار، وهو يريد للكل إنباتًا. ولكن حسب طبيعة الأرض التي سقطت عليها البذار، هكذا كانت نتيجتها في التلف أو الإنبات. إن الزارع لم يعد بذارًا للجفاف أو للاحتراق، أو لتختنق بالشوك، أو ليأكلها الطير. ولكن طبيعة الأرض هي التي تحكمت في الأمر.
لا تقل إذًا ما ذنبي إن صرت آنية للهوان؟!
إنما كن طينة لينة صالحة في يد الخزاف العظيم. وثق أنه لا بد سيجعل منك آنية للكرامة. والأمر لا يزال بيدك...
51- حول معنى "مال الظلم"
51- حول معنى "مال الظلم"
سؤال
ما معنى قول السيد المسيح: "اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ" (لو16: 9)؟ هل المال الذي نقتنيه من الظلم، أو من الخطية عمومًا، يمكن أن يقبله الله، أو نصنع به خيرًا، أو نكسب به أصدقاء؟
الجواب
ليس المقصود بمال الظلم هنا، المال الحرام الذي يقتنيه الإنسان من الظلم أو من أية خطية أخرى. فهذا لا يقبله الله.
إن الله لا يقبل مثل هذا المال، ولا تقبله الكنيسة أيضًا.
وقد قيل في المزمور: "زَيْتُ الخاطئ فَلا يَدْهنُ رَأسي" (مز141: 5). وورد في سفر التثنية "لا تُدْخِل أُجْرَةَ زَانِيَةٍ... إِلى بَيْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ" (تث23: 18).
فالله لا يقبل عمل الخير، الذي يأتي عن طريق الشر...
العطايا التي تقدم إلى الكنيسة، تأخذ بركة، وتذكر في "أولوجية الثمار" أو في "أوشية القرابين" أمام الله. لذلك فإن هناك عطايا مرفوضة، لا تقبلها الكنيسة، ولا تدخلها إلى بيت الله، إذا عرفت أنها أتت من مصدر خاطئ. وقد شرحت قوانين الرسل هذا الموضوع.
إذًا ما هو مال الظلم الذي نصنع منه أصدقاء؟
مال الظلم ليس المال الذي تقتنيه من الظلم. إنما هو المال الذي تقع في خطية الظلم، إن استبقيته معك...
فما معنى هذا؟ ومتى يسمى المال "مال ظلم"؟ لنضرب مثلًا:
لقد أعطاك الله مالًا وأعطاك معه وصية أن تدفع العشور. فالعشور ليست ملكك. إنها ملك للرب، ملك للكنيسة وللفقراء. فإذا لم تدفعها تكون قد ظلمت مستحقيها، وسلبتهم إياها باستبقائها معك.
هذه العشور التي لم تدفعها لأصحابها، هي مال ظلم تحتفظ به.
وكذلك المال الخاص بالبكور والنذور وكل التقدمات المحتجزة لديك.
يقول الرب في سفر ملاخي النبي: "أَيَسْلُبُ الإِنْسَانُ اللَّهَ؟ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُونِي. فَقُلْتُمْ: بِمَ سَلَبْنَاكَ؟ فِي الْعُشُورِ وَالتَّقْدِمَةِ" (ملا3: 8).
إن استبقيت العشور والنذور والبكور معك، تكون قد ظلمت الفقير واليتيم والأرملة أصحابها. وهم يصرخون إلى الرب من ظلمك لهم.
وصرفك هذا المال في ما يخصك، يحوي ظلمًا لبيت الله، الذي كان يجب أن تدفع له هذا المال، الذي هو ملك لله وأولاده، وليس لك.
ويمكن أن نقول هذا عن كل مال مكنوز عندك بلا منفعة، بينما يحتاج إليه الفقراء، ويقعون في مشاكل بسبب احتياجهم.
إذًا اصنع لك أصدقاء من مال الظلم هذا. اعطه للمحتاجين إليه، وسد به أعوازهم، يصيروا بهذا أصدقاء لك، ويصلوا من أجلك. ويسمع الله دعادهم، ويبارك مالك (ملا3: 10). فتعطى أكثر وأكثر.
52- هل تناول يهوذا؟
52- هل تناول يهوذا؟
سؤال
هل يهوذا الإسخريوطي تناول مع التلاميذ يوم خميس العهد؟
الجواب
يرى الآباء أنه اشترك في الفصح، وليس في سر الإفخارستيا.
وهذا واضح من قول السيد المسيح عن مسلمه: "هُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ الَّذِي يَغْمِسُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ" (مر14: 20). وعبارة "يغمس في الصحفة" تتفق مع الفصح، وليس مع التناول من جسد الرب ودمه، الذي فيه كسر الرب خبزة وأعطى، وذاق من الكأس وأعطى (1كو11: 23- 25).
وفي إنجيل يوحنا "فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ. فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ... فَذَاكَ لَمَّا أَخَذَ اللُّقْمَةَ خَرَجَ لِلْوَقْتِ. وَكَانَ لَيْلًا" (يو13: 26- 30).
وطبعًا في سر التناول، لا يغمس لقمة، وإنما كان هذا في الفصح...
ومع أن يهوذا لو كان قد تناول من الجسد والدم، كان يتناول بدون استحقاق، غير مميز جسد الرب، ويتناول دينونة لنفسه (1كو11: 27- 29). إلا أن الآباء يقولون إنه اشترك في الفصح فقط، وخرج ليكمل جريمته. وأعطى الرب عهده للأحد عشر...
53- هل يخلص يهوذا؟
53- هل يخلص يهوذا؟
سؤال
إذا كان يهوذا قد ندم. وبلغ من شدة ندمه أنه شنق نفسه، فهل من الممكن أن يقبل الله توبته هذه، ويخلص؟
الجواب
* لقد صرح السيد المسيح أكثر من مرة بهلاك يهوذا، فقال في حديثه الطويل مع الآب "الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهلاَكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ" (يو17: 12). وهكذا سمي يهوذا (ابن الهلاك).
* وقال لتلاميذه: "اِبْنُ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَحْتُومٌ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ" (لو22: 22). وأضاف أيضًا "كَانَ خَيْرًا لِذَلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ" (مر14: 21).
* وفي محاكمة السيد المسيح أمام بيلاطس قال له: "لِذَلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ" (يو19: 11).
* نلاحظ نفس الدينونة الخاصة بيهوذا واضحة في كلمة القديس بطرس وقت اختيار بديل له. فقال عن يهوذا: "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَابًا وَلاَ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ (أسقفيته) آَخَرُ" (أع1: 20).
لقد أنذره السيد المسيح كثيرًا، ولكنه لم يستفد. بل كان خائنًا، ورمزًا لكل خيانة، وآلة في يد الشيطان. ولما أكل الفصح مع السيد، قيل عنه إنه لما أخذ اللقمة "دخله الشيطان" (يو13: 27).
54- أي سمَاء صعِدوا إليهَا؟
54- أي سمَاء صعِدوا إليهَا؟
سؤال
قيل عن أبينا أخنوخ أنه صعد إلى السماء (تك5: 24). وكذلك قيل عن إيليا النبي (2مل2: 11). وذكر عن بولس الرسول إنه صعد إلى السماء الثالثة، بالجسد أم خارج الجسد ليس يعلم (2كو12: 2).
فكيف مع كل ذلك يقول السيد المسيح لنيقوديموس: "لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو3: 13). ألم يصعد أخنوخ وإيليا إلى السماء؟
ثم ما هي السماء الثالثة؟ وكم عدد السموات في الكتاب؟
الجواب
السماء التي نزل منها رب المجد، وإليها صعد، ليست هي السماء التي صعد إليها أخنوخ وإيليا، وغيرهما...
إذًا ما هي السموات التي نعرفها والتي ذكرها الكتاب...
1- سماء الطيور: السماء التي يطير فيها الطير، هذا الجو المحيط بنا. ولذلك قال عنها الكتاب طير السماء (تك1: 26)، وطيور السماء (تك7: 3). وهذه السماء فيها السحاب ومنها يسقط المطر (تك8: 2). ويمكن أن تسبح فيه الطائرات حاليًا، وتحت السحاب، أو فوق السحاب...
2- هناك سماء ثانية، أعلى من سماء الطيور، وهي سماء والقمر والنجوم. أي الفلك أو الجلد "وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سَمَاءً" (تك1: 8).
وهكذا يقول الكتاب نجوم السماء (مر13: 25). وهي التي قيل عنها في اليوم الرابع من أيام الخليقة "وَقَالَ اللهُ: "لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ... لِتُنِيرَ عَلَى الأَرْضِ... فَعَمِلَ اللهُ النُّورَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ... وَالنُّجُومَ" (تك1: 14- 17).
وهذه غير سماء الطيور...
ومع ذلك فحتى هذه السماء ستنحل وتزول في اليوم الأخير، إذ تزول السماء والأرض (مت5: 18). وكما قال القديس يوحنا في رؤياه "ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ" (رؤ21: 1).
3- السماء الثالثة، هي الفردوس:
وهي التي صعد إليها بولس الرسول، وقال عن نفسه: "اخْتُطِفَ هَذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ... اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ" (2كو12: 2، 4).
وهي التي قال عنها الرب للص اليمين: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43). وهي التي نقل إليها الرب أرواح أبرار العهد القديم الذين انتظروا على رجاء، وإليها تصعد أرواح الأبرار الآن... إلى يوم القيامة، حيث ينتقلون إلى أورشليم السمائية (رؤ21).
4- وأعلى من كل هذا السماوات، توجد سماء السموات...
قال عنها داود في المزمور: "سَبِّحِيهِ يَا سَمَاءَ السَّمَاوَاتِ" (مز148: 4).
وهي التي قال عنها السيد المسيح: "لَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو3: 13).
إنها السماء التي فيها عرش الله.
قال عنها المزمور: "الرَّبُّ فِي السَّمَاءِ كُرْسِيُّهُ" (مز11: 4، 103: 19).
وأمرنا السيد ألا نحلف بالسماء لأنها كرسي الله (مت5: 34). وهذا ما ورد في سفر إشعياء (66: 1). وما شهد به القديس اسطفانوس أثناء رجمه، حيث رأى السماء مفتوحة، وابن الإنسان قائمًا عن يمين الله (أع7: 55، 56).
كل السماوات التي وصل إليها البشر، هي لا شيء إذا قيست بالنسبة إلى تلك السماء، سماء السماوات. ولذلك قيل عن ربنا يسوع المسيح:
"قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ" (عب4: 14)، "وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب7: 26).
وقد ذكر سليمان الحكيم سماء السماوات هذه يوم تدشين الهيكل. فقال للرب في صلاته "هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ" (1مل8: 28)، (2أي6: 18).
سماء السماوات هذه لم يصعد إليها أحد من البشر. الرب وحده هو الذي نزل منها، وصعد إليك. ولذلك قيل عنها في سفر الأمثال:
"مَن صَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ؟ ... مَا اسْمُهُ وَمَا اسْمُ ابْنِهِ إِنْ عَرَفْتَ؟" (أم30: 4).
أتسأل إذًا عن السماوات التي ورد ذكرها في الكتاب.
إنها سماء الطيور (الجو)، وسماء الكواكب والنجوم (الجلد- الفلك)، والسماء الثالثة (الفردوس)، وسماء السموات التي لم يصعد إليها أحد من البشر.
55- وقت القبض على المسيح
55- وقت القبض على المسيح
سؤال
قيل إنه في وقت القبض على السيد المسيح، لما قال الجند إنهم يطلبون يسوع الناصري "قَالَ لَهُمْ: أَنَا هُوَ... فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ» رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ" (يو18: 5، 6). فلماذا حدث هذا؟
الجواب
1- لقد سقط الجند على الأرض من هيبته.
فعلى الرغم من أن الرب كان وديعًا ومتواضع القلب (مت11: 29). وكان "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ" (مت12: 19). إلا أنه كانت له هيبة. ولما قال للهيود: "أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟" (يو8: 56، 57). بينما كان عمره وقتذاك حوالي 32 عامًا، أو 33. ولكنهم ظنوه في الخمسين من عمره، بسبب تلك الهيبة التي جعلت عمره بالجسد يبدو عشرين عامًا أكثر من حقيقته.
2- وأيضًا سقط الجنود على الأرض من عنصر المفاجأة والجرأة.
أي شخص يأتي الجند للقبض عليه، ربما يفكر في الهرب منهم أو على الأقل يخاف. أما أن يقف ويقول لهم أنا هو، ويكرر نفس العبارة... فهذا ما أذهلهم فسقطوا على الأرض لجرأته... ولأن الشخص الذي كانوا يبحثون عنه، يقف أمامهم ويقول: "أنا هو".
3- أيضًا أثبت لنا الرب بهذه العبارة أنه لم يقبض عليه ضعفًا منه.
بل هو الذي سلّم ذاته للموت بإرداته. كما قال من قبل: "أَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لِآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا" (يو10: 17، 18). وهو من ذاته ذهب إلى المكان الذي كان يعرف أنهم سيقبضون عليه فيه، وتقدم للجند قائلًا أنا هو.
56- ما نوع إنكار بطرس؟
56- ما نوع إنكار بطرس؟
سؤال
لقد أنكر بطرس السيد المسيح. ولكن ما نوع إنكاره:
هل أنكر لاهوت المسيح، حينما رأى آلامه، على اعتبار أن الله لا يتألم؟ أم أنكر معرفته به؟
الجواب
القديس بطرس الرسول أنكر معرفته للمسيح بقوله:
"لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ" (مت26: 72، 74).
أما عبارة "أنكر لاهوته لما رآه يتألم" فهي عبارة غير سليمة. لأنه لم ينكره في آلامه، بل قبل هذه الآلام، أثناء محاكمته أمام مجلس السنهدريم في دار رئيس الكهنة (مت26: 58، 59).
نلاحظ أن القديس بطرس اعترف قبلًا بأن السيد المسيح هو ابن الله الحي، وطوبه السيد على ذلك (مت16: 16، 17).
وهو لم ينكر هذا الإيمان عند القبض عليه، بل رفع سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. واظهر السيد المسيح معجزة تثبت لاهوته وهي أنه لمس أذن العبد فأبرأها (لو22: 51) (يو18: 10). والمفروض أن هذه المعجزة قد ثبتت إيمان بطرس. وكان هذا قبل دخول السيد المسيح في آلامه.
ولا ننسى أن إنكار بطرس معرفته للمسيح (مت26: 74)، كان عن خوف، وليس عن ضعف إيمان.
57- من صلب المسيح؟
57- من صلب المسيح؟
سؤال
لماذا نقول إن اليهود هم الذين صلبوا السيد المسيح؟ ألسنا نحن الذين صلبناه بخطايانا؟
الجواب
من أجل غفران خطايا الناس صلب المسيح، إذ مات عنا لكي نحيا نحن. هذا حق. "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6).
نحن إذًا السبب في صلبه. ولكن اليهود كانوا هم المنفذين.
هم الذين تآمروا على صلبه. وهم الذين قدموه لبيلاطس الوالي الروماني وصاحوا قائلين: "اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!"، بينما كان هذا الوالى يقول: "لست أجد علة في هذا البار" فقالوا له: "دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا".
نحن السبب. وهم المنفذون. ولكن الدافع الأكبر هو محبة الله.
"لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16). لكن اليهود لم يقدموا المسيح للموت، من أجل الفداء، بل خيانة منهم وغدرًا أو حسدًا وجهلًا...
فهم يحاسبون على غدرهم وحسدهم وحقدهم وتآمرهم، ويحاسبون على ضغطهم على بيلاطس الوالي لكي يصلبه، بينما كان يريد أن يطلقه.
58- هل جدف اللص أم اللصان؟
58- هل جدف اللص أم اللصان؟
سؤال
هل الذي جدف على الرب وقت صلبه، اللص الشمال فقط، أم جدف معه أيضًا اللص اليمين؟ وكيف ذلك وهو الذي نال الفردوس؟
الجواب
في بادئ الأمر كان اللصان يجدفان على الرب...
يقول القديس متى الإنجيلي: "وَبِذَلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ" (مت27: 44). ويقول القديس مرقس الإنجيلي أيضًا: "وَاللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ كَانَا يُعَيِّرَانِهِ" (مر15: 32).
أما القديس لوقا الإنجيلي، فهو الذي ذكر إيمان اللص اليمين:
فقال: "وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلًا: إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا! فَانْتَهَرَهُ الآخَرُ قَائِلًا: أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ (جوزينا) لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ"... ثم قال: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ..." (لو23: 39- 42).
لعل نقطة التحول عند اللص اليمين، المعجزات التي حدثت وقت الصلب...
فلما رأي الأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والسماء اظلمت... تأثر قلبه... كما تأثر بصفح المسيح عن صالبيه وصلاته من أجلهم. فكف عن التجديف والتعيير... ثم آمن، ودافع عن الرب موبخًا اللص الآخر. وأعلن إيمانه للرب طالبًا أن يذكره، ونال الوعد.
59- ملعون مَن عُلق على خشبة
59- ملعون مَن عُلق على خشبة
سؤال
نرجو تفسير هذه الآية التي وردت في (غلا3: 13) "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ". فهل هذه اللعنة أصابت المسيح؟
الجواب
إن الآية بوضعها الكامل هي "اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ" (غلا3: 13).
في الواقع كانت هناك لعنات كثيرة لكل من يخالف الوصايا. وقد وردت في سفر التثنية (تث27: 15- 26). (تث28: 15- 68).
ففي الفداء، كان لا بد من إنسان بار ليس تحت اللعنة، لكي يحمل كل لعنات الآخرين ليفديهم من لعنات الناموس.
والوحيد الذي كانت تنطبق عليه هذه الصفة، ويقوم بهذا العمل الفدائي، هو السيد المسيح الذي قال عنه الكتاب: "الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلَهُا مُبَارَكًا إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ" (رو9: 5).
فهو بطبيعته مبارك، وبركة. ولكنه في موته عن العالم كله، حمل كل اللعنات التي تعرض لها العالم كله. هو بلا خطية، ولكنه حامل خطايا. وقد حمل خطايا العالم كله (يو1: 29) (1يو2: 1). وهو مبارك بلا لعنة، ولكنه حمل اللعنات التي يستحق العالم كله.
هو في حب كامل مع الآب. ولكن حمل غضب الآب بسبب كل خطايا العالم.
هذا هو الكأس الذي شربه المسيح عنا. "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6).
ولو لم يحمل المسيح هذه اللعنة، لبقينا كلنا تحت اللعنة.
مبارك هو في كل ما حمله عنا...
60- علامات نهاية الزمان
60- علامات نهاية الزمان
سؤال
ما هي العلامات التي نعرف بها أن نهاية العالم قد اقتربت. لأن كثيرين يتكلمون عن نهاية العالم، ويضعون تواريخ قريبة؟
الجواب
سنذكر هنا العلامات التي وردت في الكتاب المقدس:
* مجيء المسيح الدجال أو ضد المسيح.
وهذا الأمر صريح جدًا في قول القديس بولس الرسول: "لاَ يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا، لأَنَّهُ لاَ يَأْتِي (المسيح)، إِنْ لَمْ يَأْتِ الاِرْتِدَادُ أَوَّلًا، وَيُسْتَعْلَنَ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ، الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلَهًا أَوْ مَعْبُودًا، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلَهٍ مُظْهِرًا نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلَهٌ... الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ. الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ" (2تي2: 3- 10).
* الارتداد العظيم نتيجة المعجزات التي سيعملها هذا الدجال بقوة الشيطان، فيؤمن به كثيرون، ويرتدون عن الإيمان الحقيقي.
وقد ورد هذا الارتداد في البند السابق (2تس2: 3). وعنه أيضًا "وَلكِنَّ الرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحًا: إِنَّهُ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ الإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحًا مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ" (1تي4: 1). وهذا الارتداد سيكون عامًا وقاسيًا، حتى إن الرب يقول:
"وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. وَلَكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ تُقَصَّرُ تِلْكَ الأَيَّامُ" (مت24: 22).
ومع أن ارتدادات كثيرة قد حدثت في التاريخ، ولكن هذا الارتداد العام، الذي هو نتيجة معجزات الدجال، لم يحدث بعد... قال الرب أيضًا:
* "سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا" (مت24: 24).
وكل هذا سيكون من أسباب الارتداد. وقال الرب عن تلك الأيام الصعبة: "يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ" (رؤ20: 7، 8).
* علامة أخرى هي خلاص اليهود، أي إيمانهم بالمسيح.
وذلك في نهاية أزمنة الأمم... فلما تكلم القديس بولس الرسول عن إيمان اليهود أولًا، ثم دخول الأمم في الإيمان، أي "تطعيم الزيتونة البرية في الزيتونة الأصلية"، قال: "فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يُطَعَّمُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الطَّبِيعَةِ فِي زَيْتُونَتِهِمِ الْخَاصَّةِ؟" (رو11: 24). ثم قال في صراحة... "أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ، وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ" (رو11: 25، 26). يقصد الخلاص الروحي بدخولهم في الإيمان، كما شرح
* علامات أخيرة هي إنحلال الطبيعة.
بعد إنحلال قوي الطبيعة، يقول الرب: "وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ... وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوقٍ عَظِيمِ الصَّوْتِ فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ" (مت24: 31). وهنا النهاية.
تعليق على هذه العلامات:
واضح أنه لم يتم حتى الآن ظهور الدجال ومعجزاته، وبالتالي لم يحدث الارتداد العام. كما لم يؤمن اليهود بعد. ولم يظهر مسحاء كذبة يصنعون آيات وعجائب، أما مسالة الحروب وأخبار الحرب فهي مبتدأ الأوجاع (مت24: 6).
61- معنى "اِغضبوا ولا تخطئوا"
61- معنى "اِغضبوا ولا تخطئوا"
سؤال
هل عبارة "اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا" (مز4: 4) هي تصريح لنا بالغضب؟ وهل كذلك عبارة "أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ" (رو12: 19)؟
الجواب
يقول الكتاب إن "غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللَّهِ" (يع1: 20). ويقول أيضًا "الْغَضَبَ يَسْتَقِرُّ فِي حِضْنِ الْجُهَّالِ" (جا7: 9). ويقول: "لاَ تَسْتَصْحِبْ غَضُوبًا، وَمَعَ رَجُل سَاخِطٍ لاَ تَجِيءْ" (أم22: 24).
أما عبارة "اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا" فقد فسرها الآباء بمعنيين:
أ- إما الغضب المقدس من أجل الله، بحيث يكون بطريقة روحية لا خطأ فيها. أي يكون غضبًا مقدسًا في هدفه، وفي طريقته أيضًا.
ب- وإما أن يغضب الإنسان على النقائص الموجودة في نفسه، وما اقترفه من خطايا، فغضبه هذا على نفسه لا يجعله يخطئ في المستقبل.
أما قول الرسول: "لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ... بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ"...
فالمقصود بها طبعًا هو إعطاء مكانًا للغضب لكي ينصرف، وليس إعطاءه مكانًا داخل الإنسان ليستقر... أي لا تكبتوا الغضب داخلكم، فيتحول إلى حقد ورغبة في الانتقام، بل افسحوا له مجالًا لينصرف.
62- هل شك المعمدان؟
62- هل شك المعمدان؟
سؤال
لما أرسل يوحنا اثنين من تلاميذه إلى الرب قائلًا: "أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟" (لو7: 19). هل كان هذا شكًا منه في شخص المسيح؟
الجواب
1- محال أن يشك في المسيح، الملاك الذي جاء يمهد الطريق قدامه (مر1: 2). الذي "جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ" (يو1: 7).
ولا يمكن أن يشهد له، إلا إذا كان يعرفه. وقد أدى يوحنا هذه الشهادة بكل قوة "يُوحَنَّا شَهِدَ لَهُ وَنَادَى: هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي" (يو1: 15).
2- وظهرت معرفة يوحنا له وشهادته له واضحة في وقت العماد...
فلما رأي الرب يسوع مقبلًا إليه: "هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ. هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ يَأْتِي بَعْدِي رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي" (يو1: 29، 30).
3- وشرح يوحنا كيف أرشده الله إلى معرفته فقال:
"وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لِأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلًا وَمُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ" (يو1: 33، 34).
4- ومن أجل معرفة يوحنا له، وإيمانه به، تحرج من معموديته.
لذلك لما جاء الرب ليعتمد منه، يقول الكتاب إن "يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا: «أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!" (مت3: 14). ولكنه خضع لما سمع عبارة "يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ" (مت3: 15).
5- وزاد إيمان يوحنا بالظهور الإلهي الذي رآه وقت العماد.
"السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ فَرَأَى رُوحَ اللَّهِ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ. وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلًا: هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مت3: 16، 17).
6- وشهد يوحنا شهادة أخرى، لما بدأ المسيح يعمد ويعلم...
جاء تلاميذ يوحنا إليه وأخبروه فقال: "مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا... إِذًا فَرَحِي هَذَا قَدْ كَمَلَ. يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ (العريس) يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ... " (يو3: 29- 31).
7- بل من ثاني يوم للعماد، شهد أيضًا، وأرسل تلاميذه إليه...
يقول الكتاب بعد قصة العماد: "وَفِي الْغَدِ أَيْضًا كَانَ يُوحَنَّا وَاقِفًا هُوَ وَاثْنَانِ مِنْ تلاَمِيذِهِ. فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِيًا فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ». فَسَمِعَهُ التِّلْمِيذَانِ يَتَكَلَّمُ فَتَبِعَا يَسُوعَ " (يو1: 35- 37).
8- لماذا إذًا أرسل يوحنا تلميذين للمسيح يقولان له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟
يوحنا أرسل هذين التلميذين وهو في السجن (مت11: 2)، لما سمع بأعمال المسيح المعجزية. وكان يعرف أن رسالته قد انتهت وموته قريب. فأراد قبل موته أن يسلم تلاميذه للمسيح. فأرسلهم بهذه الرسالة، ليسمعوا ويروا، وينضموا إلى الرب... وكان كذلك.
لهذا قال الرب للتلميذين: "اِذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ... وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ" (مت11: 4- 6).
وكانت هذه الرسالة للتلميذين أكثر مما ليوحنا...
أما عن يوحنا، فقال الرب للناس في نفس المناسبة: "مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ... اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ..." (مت11: 9- 11).
9- ومن غير المعقول أن يقول الرب هذه الشهادة على إنسان يشك فيه.
وهناك نقطة أخرى نقولها عن إيمان يوحنا بالمسيح وهي:
10- تعرف يوحنا بالمسيح وهو في بطن أمه...
وذلك يسجل الكتاب كيف أن القديسة أليصابات - وهي حبلى بيوحنا - قالت للقديسة مريم العذراء لما زارتها: "هُوَذَا حِينَ صَارَ صَوْتُ سَلاَمِكِ فِي أُذُنَيَّ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ بِابْتِهَاجٍ فِي بَطْنِي" (لو1: 44). ارتكض يوحنا الجنين الذي في بطن العذراء. وكيف أتيح له ذلك؟ يجيب ملاك الرب على هذا بقوله: "وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو1: 15).
63- ... بل سيفًا
63- ... بل سيفًا
سؤال
كيف مع محبة المسيح للسلام، وكونه رئيس السلام، يقول: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا... جِئْتُ لِأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ..." (مت10: 34، 35)؟
الجواب
يقصد السيف الذي يقع على المؤمنين به، بسبب إيمانهم.
وفعلًا، ما أن قامت المسيحية، حتى قام ضدها السيف من الدولة الرومانية، ومن اليهود، ومن الفلاسفة الوثنيين. وتحقق قول الرب: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلَّهِ" (يو16: 2). وعصر الاستشهاد الذي استمر إلى بداية حكم قسطنطين، دليل على ذلك.
كذلك حدث انقسام - حتى في البيوت - بسبب إيمان بعض أعضاء الأسرة، مع بقاء أعضاء الأسرة الآخرين غير مؤمنين.
فمثلًا يؤمن الابن بالمسيحية، فيقف ضده أبوه، أو تؤمن البنت بالمسيحية فتقف ضدها أمها، وهكذا يحدث انقسام داخل الأسرة بين من يقبل الإيمان المسيحي من أعضائها ومن يعارضها، حسبما قال: "يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الاِبْنِ وَالاِبْنُ عَلَى الأَبِ وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا" (لو12: 53).
وكثيرًا ما كان المؤمن يجد محاربة شديدة من أهل بيته ليرتد عن إيمانه. ولذلك قال الرب متابعًا حديثه: "وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ. مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي..." (مت10: 36، 37).
كان يتكلم عن السيف ضد الإيمان. وليس السيف في المعاملات العامة...
ولهذا فإن قوله: "مَا جِئْتُ لِأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا" (مت10: 34)، سبقه مباشرة بقوله: "مَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت10: 33).
وقد يدخل الأمر في تطبيق المبادئ الروحية المسيحية...
فقد يحدث انقسام بين البنت المسيحية المتدينة وأمها في موضوع الحشمة في الملابس والزينة. وقد يحدث نفس الاصطدام بين الابن وأبيه في موضوع خدمة الكنيسة والتكريس، أو في موضوع الصحة والصوم، أو فيما لا يحصى من بنود السلوك المسيحي، ويكون "أَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ"... أما من جهة المعاملات العادية بين الناس، فيقول السيد في عظته على الجبل:
2- "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ يُدْعَوْنَ" (مت5: 9).
وقد دُعيَّ السيد المسيح "رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إش9: 6). ولما بشر الملائكة بميلاده قالوا: "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ" (لو2: 14). وهو قال لتلاميذه: "سلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سلاَمِي أُعْطِيكُمْ" (يو14: 27). وقال الكتاب: "ثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلاَمِ مِنَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ السَّلاَمَ" (يع3: 18). وقيل من ثمار الروح: "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غلا5: 22).
(انظر أيضًا الرد على سؤال الأستاذ توفيق الحكيم ص145).
64- هل يتساوى الكل؟!
64- هل يتساوى الكل؟!
سؤال
في مثل صاحب الكرم الذي استأجر فعلة لكرمه (مت20: 1- 14) أعطى دينارًا للكل، سواء الذين اشتغلوا من أول النهار، أو الذين جاءوا في الساعة الحادية عشرة. فهل أجر الكل سيتساوى في الملكوت؟
الجواب
كلا. فقد قيل: "يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت16: 27).
ونفس هذه العبارة وردت في (مز62: 12)، (رو2: 5- 7). وقال السيد المسيح: "هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا... لِأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ" (رؤ22: 12).
ولما كانت أعمال الناس تختلف، لذلك مجازاتهم تختلف "إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا" (جا12: 14)، "مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ" (رؤ20: 12).
الأبرار يختلفون في المكافأة. الأشرار يختلفون في العقوبة.
فقد قيل عن الأبرار: "لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1كو15: 41). وأما عن الأشرار فقال الرب عن المدينة الرافضة لكلمة الله: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: سَتَكُونُ لأَرْضِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ يَوْمَ الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالًا مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ" (مت10: 15). إذًا هناك حالة أكثر احتمالًا من حالة أخرى من جهة العقوبة. وقال الرب لبيلاطس: "الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ" (يو19: 11).
واختلاف العقوبة والثواب، أمر يناسب العدل الإلهي...
إذًا ما معنى أن الكل أخذوا دينارًا، بالتساوي، في هذا المثل؟
إنما يتساوون في دخول الملكوت، وليس في الدرجة.
الكل يدخل الملكوت، حتى الذي تاب في آخر لحظة من حياته. ولكن داخل الملكوت كل واحد ينال حسب عمله. الذي أعطى مائة، والذي أعطى ستين، والذي أعطى ثلاثين. كل واحد حسب عمله.
65- هل قطف السنابل سرقة؟
65- هل قطف السنابل سرقة؟
سؤال
كان تلاميذ المسيح وهم سائرون بين الزروع، إذا جاعوا يقطفون السنابل ويأكلون (مر2: 23). فهل يعتبر ذلك سرقة، لأنهم أخذوا من مال غيرهم دون علمه وإذنه؟
الجواب
لم يكن ذلك سرقة، لأن الشريعة كانت تصرح به...
وفي ذلك يقول سفر التثنية: "إِذَا دَخَلتَ كَرْمَ صَاحِبِكَ فَكُل عِنَبًا حَسَبَ شَهْوَةِ نَفْسِكَ شَبْعَتَكَ. وَلكِنْ فِي وِعَائِكَ لا تَجْعَل. إِذَا دَخَلتَ زَرْعَ صَاحِبِكَ فَاقْطِفْ سَنَابِل بِيَدِكَ وَلكِنْ مِنْجَلًا لا تَرْفَعْ عَلى زَرْعِ صَاحِبِكَ" (تث23: 24، 25). إذًا كان مُصرحًا في الشريعة اليهودية، وفي العادات اليهودية المألوفة، أن السائر إذا جاع يقطف من السنابل، ولكن لا يأخذ معه منها.
وهذا ما فعله التلاميذ: لما جاعوا قطفوا وأكلوا (مت12: 1). ولذلك لم يوجه الفريسيون إليهم اللوم على ذلك، وإنما على أنهم فعلوا هذا في يوم سبت (مت12: 2). فوجهوا إليهم تهمة كسر السبت فقط وليس السرقة...
إننا نحكم على كل فعل، حسب القوانين المتبعة في وقته...
66- خبزنا كفافنا أم خبزنا الذي للغد؟
66- خبزنا كفافنا أم خبزنا الذي للغد؟
سؤال
تختلف ترجمات الصلاة الربية. فالبعض يقول: "خبزنا كفافنا"، والبعض يقول: "خبزنا الذي للغد". فأيهما أصح؟
الجواب
إن الكلمة اليونانية (إييى أوسيوس) تحتمل أكثر من معنى، وحتى آباء الكنيسة الأول اختلفوا في ترجمتهم لهذه الكلمة...
فالقديس جيروم:
في ترجمته اللاتينية (الفولجاتا Vulgate) يترجمها بالخبز الجوهري، أو بالخبز الذي هو فوق المادة Substantial bread.
ونفس ترجمة جيروم كانت ترجمة العلامة أوريجانوس.
أما القديس أغسطينوس، والقديس غريغوريوس أسقف نيصص[1]، فإن ترجمتهما هي الخبز اليومي، أو الكفاف our daily breadوباللاتينية Panem nostrum .quotidianum والقديس يوحنا ذهبي الفم: يستخدم أيضًا عبارة الخبز اليومي (الكفاف) وذلك في شرحه لإنجيل متى (مقالة 19- فقرة8).
والترجمة القبطية، وهي من أشهر الترجمات، تقول: "خبزنا الذي للغد".
والترجمة الإنجليزية Revised Standard Version: تذكر في النص: الخبز اليومي(الكفاف) Our daily bread وفي الهامش تقول (أو الذي للغد) or our bread for the morrow.
ولست أريد هنا أن أدخل معكم في بحث لغوي...
كما لست أريد أن أورد باقي أقوال الآباء الذين شرحوا الصلاة الربية... فكل هذا سوف لا يفيدكم...
ولا أود أن يكون وقت الصلاة، وقتًا لصراع الترجمات.
بحيث يرفع أحدهم صوته بالترجمة التي يفضلها، لكي يغطي على أصوات الباقين أثناء الصلاة، أو ليظهر أنه يعرف ما هو أفضل، أو ليعطي تعليمًا وقدوة لكي يتبعه الآخرون... وإلا تكون الصلاة في ذلك والوقت قد خرجت عن هدفها الروحي، الذي هو الحديث مع الله، إلى هدف علمي جدلي...! الأمر الذي لا نريده في روحياتنا.
ويكفي هنا أن نفهم حقيقة أساسية تنفعنا وقت الصلاة وهي:
الخبز الذي نطلبه هو الخبز الروحي اللازم لأبديتنا.
نقول هذا ونضع أمامنا النقط الآتية:
1- الصلاة الربية تشمل 7 طلبات: الثلاث طلبات الأولى منها خاصة بالله وهي: ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك...
والأربع طلبات الباقية خاصة بنا، وأولها: خبزنا...
ومن غير المعقول أن يكون الخبز المادي هو أول طلباتنا، نطلبه قبل مغفرة الخطايا، وقبل طلب النجاة من التجارب والشرير...
2- كما أن هذا يتعارض مع قول الرب: "لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ... لاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ... فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لَكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (مت6: 25، 31- 33). "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي" (يو6: 27).
3- ومع ذلك، إن كان يعوزنا الخبز فلنطلبه.
ولكن نطلب حينئذ الخبز اليومي، ولا نهتم بما للغد..
فهكذا قال القديس غريغوريوس أسقف نيصص، والقديس يوحنا ذهبي الفم، ذاكرين أننا هنا نطلب مجرد الخبز، وليس التنعم في الأطعمة.
4- إن قلنا خبزنا الذي للغد، ماذا نقصد حينئذ؟
نقصد الخبز اللازم لأرواحنا، الذي لأبديتنا، اللازم للحياة المقبلة، للغد...
وهنا نضع في قلوبنا أن نطلب كل غذاء الروح كالصلاة والتأمل، وكمحبة الله والالتصاق بالله. وكالتناول من الأسرار المقدسة.
ونلاحظ هنا أن الترجمة القبطية كانت روحية في فهمها للطلبة.
5- وإن قال البعض "اليوم أو الكفاف" فماذا يقصدون؟
يقصدون الخبز المادي، إن كان ينقصهم... (وهذه درجة ناقصة).
أو الخبز الروحي اللازم لكفافهم: لا ينقص حتى لا يقعوا في الخطية أو الفتور، ولا يزيد عن مستواهم حتى لا يقعوا في المجد الباطل والغرور...
[1] Ancient Christian Writery Vol.5, 18, 19
67- لا يذوقون الموت حتى...
67- لا يذوقون الموت حتى...
سؤال
قال الرب: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ اللَّهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ" (مر9: 1). فكيف يمكن أن يحدث هذا؟ أي ملكوت يقصده؟
الجواب
المهم هنا أن نفهم ما معنى كلمة "الملكوت"؟
يبدو أن صاحب السؤال في ذهنه "الملكوت الأبدي"، فهو يتعجب كيف أن من القيام وقتذاك قومًا يعيشون حتى يروا الملكوت!!
طبعًا "الملكوت الأبدي" ليس هو المقصود هنا.
فما هو المقصود إذًا؟ لنفهم هذا، علينا أن نعرف أنه قبل الفداء كان الشيطان هو رئيس هذا العالم (يو14: 30). وكانت الخطية هي التي تملك. وبالخطية الموت (رو5: 14، 17). ولكن بالفداء بدأ الرب يملك: "الرَّبَّ قَدْ مَلَكَ عَلَى خَشَبَةٍ" (مز95: 10). وقيد الشيطان، وخلص الناس من الموت. وبدأ الملكوت.
المقصود إذًا هو ملكوت الله الذي انتشر بالإيمان والفداء.
كان الرب في كل يوم يضم إلى الكنيسة الذين يخلصون (أع2: 47) فينضم هؤلاء إلى مملكة الله، إلى جماعة المؤمنين.
وقد أتى هذا الملكوت بقوة، بالقوة التي لبسوها من الأعالي حين حل الروح القدس عليهم. وإذا في سنوات قليلة قبل استشهاد بولس الرسول سنة 67م. كان الملكوت قد انتشر في كل جهات العالم المعروف وقتذاك.
وإذا ملكوت الله قد أتى بقوة. ورآه أناس من ذلك الجيل...
68- سلامة الإنجيل من التحريف
68- سلامة الإنجيل من التحريف
سؤال
بماذا نرد على من يقول إن الإنجيل قد حُرِّف؟
الجواب
هذا الموضوع يمكن الرد عليه من نواح متعددة منها:
1- من الذي حرفه؟ وفي أي عصر؟ وهل كتب ذلك في أي تاريخ؟
إن حادثة خطيرة كهذه، ما كان يمكن أن تمر دون أن تثار حولها ضجة كبرى لا بد أن يسجلها التاريخ. وواضح أن التاريخ لم يسجل أية إشارة عن مثل هذا الاتهام الخطير. لا في التاريخ المدني، ولا في التاريخ المسيحي، ولا في تاريخ غير المسيحيين. ولم يحدث اتهام لأحد معين من ملايين المسيحيين بتحريف الإنجيل، ولا أي اتهام لكنيسة معينة، ولا تاريخ لذلك...
2- كذلك كانت نسخ الكتاب المقدس قد وصلت إلى كل أرجاء المسكونة.
فالمسيحية بعد حوالي 35 سنة منذ صعود السيد المسيح، كانت قد انتشرت في آسيا وأوروبا وإفريقيا. فانتشرت في فلسطين وسوريا وبلاد ما بين النهرين وفي تركيا، ووصلت إلى بلاد العرب والهند. وفي أوروبا وصلت إلى بلاد اليونان وقبرص وإيطاليا ومالطة وامتدت غربًا إلى الهند. وفي إفريقيا وصلت إلى مصر وليبيا وامتدت جنوبًا وخلال القرون الثلاثة الأولى كانت قد وصلت إلى كل بلاد المسكونة.
وكل تلك البلاد، كانت عندها نسخ من الإنجيل...
كما تمت ترجمة الأناجيل إلى اللغات المحلية.
ومن أقدم ترجماته: الترجمة القبطية في مصر، والترجمة السريانية في سوريا التي عُرفت بالترجمة البسيطة (البيشيطو)، والترجمة اللاتينية القديمة. كل ذلك في القرن الثاني، غير الترجمات التي انتشرت في باقي البلاد، غير اللغة اليونانية الأصلية، يضاف إلى هذا الترجمة السبعينية للعهد القديم التي تمت في عهد بطليموس الثاني (فيلادلفوس) في القرن الثالث قبل الميلاد.
فكيف كان يمكن جمع نسخ الإنجيل من كل بلاد المسكونة، وجمع كل الترجمات وتحريف كل ذلك معًا؟!
ألا يبدو الأمر مستحيلًا من الناحية العملية؟! هذا لو فكر أحد في ذلك أصلًا!!
3- ثم من يجرؤ على ذلك؟! وهل من المعقول أن يتفق كل مسيحيي العالم على تحريف كتابهم المقدس، ثم يؤمنون به بعد ذلك؟!
المعروف أن المسيحية حينما قامت، كانت تتربص بها اليهودية التي طالما اتهمت المسيحيين عند الحكام الرومان. فلو حرف المسيحيون إنجيليهم، لفضحهم اليهود. كذلك كان فلاسفة الوثنيين في صراع مع المسيحيين الذين ينمون في العدد على حسابهم. وكانوا يدرسون الإنجيل للرد عليه. فلو حرف المسيحيون الإنجيل، لفضحهم الوثنيون وفلاسفتهم... يضاف إلى كل هذا انقسامات داخل صفوف المسيحيين، فانحرف البعض منهم عن الإيمان المسيحي، واسمتهم الكنيسة "بالهراطقة"، وحاربتهم فكريًا وكنسيًا. فلو قامت الكنيسة بتحريف الإنجيل، لوقف ضدها الهراطقة وشهروا بها...
ولو قامت كنيسة معينة بتحريف بعض نسخها أو كلها، لحرمتها الكنائس الأخرى.
ولقد شهد القرن الرابع هرطقات عنيفة هزت أركان العالم المسيحي، ومن أمثلتها الهرطقة الأريوسية التي انعقد بسببها المجمع المسكوني الأولى الذي اجتمع فيه 318 أسقفًا مندوبين عن كنائس العالم كله سنة 325م وقرروا حرم أريوس. وبقيَ الأريوسيون شوكة في جسد الكنيسة وبخاصة لصلتهم بالإمبراطور، مما جعلهم يقدرون على نفي القديس أثناسيوس وعزله أربع مرات... فهل كان أولئك سيسكتون على تحريف الإنجيل؟!
حدثت بعد ذلك هرطقات عديدة، مثل هرطقات سابليوس وأبوليناريوس، وماني، ومقدونيوس، ونسطور، وأوطاخي، وغيرهم. كل ذلك في القرن الرابع وأوائل القرن الخامس. فهل كان أولئك سيسكتون لو حدث تحريف شيء من الإنجيل؟!
ومن غير المعقول أن تنفق كل كنائس العالم مع الهراطقة الذي حرمتهم الكنيسة، على تحريف الإنجيل الذي يؤمن به الجميع؟!
4- يوجد كذلك في المتاحف نسخ للإنجيل ترجع إلى القرن الرابع، تمامًا كالإنجيل الذي في أيدينا الآن.
ونقصد بها: النسخة السينائية، والنسخة الفاتيكانية، والنسخة الإفرامية، والنسخة الإسكندرية. وكل منها تحوي كل كتب العهد الجديد التي في أيدينا، بنفس النص بلا تغيير. وهي مأخوذة طبعًا عن نسخ أقدم منها، ويستطيع أي إنسان أن يرى تلك النسخ القديمة، ويرى أنها نفس إنجيلنا الحالي.
5- كذلك نحب أن نذكر ملاحظة هامة أساسية وهي:
كلمة تحريف لا يمكن إثباتها علميًا إلا بالمقارنة:
أي مقارنة الإنجيل الأصلي بالإنجيل الذي يقال بتحريفه. والمقارنة تظهر أين يوجد ذلك التحريف؟ في أي فصل من فصول الإنجيل؟ وفي أي الآيات؟
أما إذا لم تحدث مقارنة كهذه، يكون هذا الاتهام الخطير، بلا بينة، بلا دليل، بلا إثبات، بلا بحث علمي... وبالتالي لا يكون مقنعًا لأحد.
69- الأحياء والأموات
69- الأحياء والأموات
سؤال
السيد المسيح يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات. فمن هم الأحياء ومن هم الأموات؟
الجواب
* الأموات الذين يدينهم الرب هم الأموات وقت مجيئه، الذين سيقيمهم من الموت ويدينهم (يو5: 28، 29).
والأحياء هم الذين سيكونون أحياء وقت المجيء الثاني للرب، وهؤلاء سيدخلون الدينونة أيضًا.
* عمومًا المقصود هو إدانة الجميع: بما في ذلك البشر الذين يموتون بانفصال أرواحهم عن أجسادهم. أو إدانة الشياطين الذين لا يموتون بالجسد مثل البشر، لكن لهم أرواح حية ينطبق عليها قول الكتاب: "لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيِّتٌ" (رؤ3: 1).
* ويمكن أن عبارة أحياء تنطبق على الأبرار وعبارة (أموات) تنطبق على الأشرار، كما قال الأب عن الابن الضال: "ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ" (لو15: 24، 32).
* عبارة الأحياء قد تنطبق أيضًا على الأرواح التي لا تموت بطبيعتها، كالأرواح النجسة الشريرة (الشياطين). والأموات تعني البشر المائتين.
70- بنو الملكوت، والظلمة الخارجية
70- بنو الملكوت، والظلمة الخارجية
سؤال
قال الرب: "إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (مت8: 11، 12). فمن هم بنو الملكوت الذين سيطرحون في الظلمة؟
الجواب
بنو الملكوت هم اليهود.
هم الذين قال عنهم القديس بولس الرسول: "أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ. الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاِشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ. وَلَهُمُ الآبَاءُ وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ" (رو9: 3- 5).
على أنهم لم يقبلوا المسيح، ففقدوا الملكوت.
فمع أنهم بنو الملكوت، إلا أنهم سيطرحون في الظلمة الخارجية، بسبب عدم إيمانهم بالمسيح. بينما على عكس ذلك، كان الأمم. وقد قال السيد هذه العبارة في مدحه لقائد المائة الأممي، بعد أن قال عنه: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هَذَا" (مت8: 10).
ولذلك فعبارة "يأتون من المشارق والمغارب" تنطبق هنا على الأمم.
الذين بسبب إيمانهم سيتكئون في أحضان إبراهيم وإسحاق ويعقوب...
ولعل منهم قائد المئة هذا، والقائد الذي آمن به وقت صلبه (يو20: 34)، ومَجَّدَ الله قائلًا: "بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هَذَا الإِنْسَانُ بَارًّا" (لو23: 47). بل أنه هو والذين معه لما رأوا الزلزلة، خافوا جدًا وقالوا: "حَقًّا كَانَ هَذَا ابْنَ اللَّهِ" (مت27: 54).
ولعل من باكورة الأمم كرنيليوس (أع10) وأولئك الذين قال عنهم السيد المسيح لتلاميذه: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ..." (مت28: 19) "وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15).
71- هل يوجد إنجيل للمسيح؟
71- هل يوجد إنجيل للمسيح؟
سؤال
قال السيد المسيح في بدء بشارة مرقس: "قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللَّهِ فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر1: 15). ما هو هذا الإنجيل. وهل كان يوجد إنجيل بشر به المسيح؟
الجواب
كلمة إنجيل تعني أحد البشائر الأربع، التي كتبها متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وتعني أيضًا مجرد عبارة "بشارة مفرحة".
الذي أراد المسيح أن يؤمن به الناس هو هذه البشارة المفرحة، بشرى الخلاص، أو بشرى اقتراب الملكوت... ولكنه لم يقصد مطلقًا الإيمان ببشارة مكتوبة كأحد الأناجيل الأربعة. ولهذا قبل صعوده إلى السماء، لم يطلب من تلاميذه أن يبشروا بإنجيل مكتوب، وإنما قال: "تَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 29).
وهكذا قيل عن السيد المسيح كان يعلم الجموع، "وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ" (مت4: 23). وكان يعظ (مت5- 7). وأيضًا كان "يفسر" (لو24: 27) ويفتح الأذهان لتفهم (لو24: 45).
ونفس عبارة الإنجيل بهذا المعنى: كما قيلت عن السيد المسيح، قيلت عن بولس الرسول.
فكتب إلى أهل غلاطية يقول: "الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غلا1: 11، 12).
ولا يوجد إنجيل بشر به بولس، إنما يعني هذه الكرازة، أو هذه البشارة المفرحة. ومع ذلك قال: صعدت إلى الرسل في أورشليم. "وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الإِنْجِيلَ الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ" (غلا2: 2). ويقصد كرازته وبشارته وليس إنجيلًا مكتوبًا...
فتؤخذ كلمة إنجيل بمعناها اللغوي، وليس الاصطلاحي.
وهكذا قال: "لَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُمْ لاَ يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ..." (غلا1: 14). أي حسب تعليم الرب، وليس حسب كتاب مكتوب.
72- ظهور الرب لشاول
72- ظهور الرب لشاول
سؤال
توجد قصتان في سفر أعمال الرسل لظهور الرب لشاول الطرسوسي، يبدو بينهما بعض التناقض، سواء من جهة الرؤية، أو من جهة السماع. نرجو التوضيح.
الجواب
وردت قصة ظهور الرب لشاول في الأصحاح التاسع. وجاء فيها:
"وَأَمَّا الرِّجَالُ الْمُسَافِرُونَ مَعَهُ فَوَقَفُوا صَامِتِينَ يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلاَ يَنْظُرُونَ أَحَدًا" (أع9: 7).
كما وردت نفس القصة في الأصحاح الثاني والعشرين. وفيه قال القديس بولس:
"وَالَّذِينَ كَانُوا مَعِي نَظَرُوا النُّورَ وَارْتَعَبُوا وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ الَّذِي كَلَّمَنِي" (أع22: 9).
ومفتاح المشكلة هو أن الرجال المرافقين للقديس بولس الرسول، لم يكونوا في نفس الدرجة الروحية، التي بها يبصرون ما يبصره، ويسمعون ما يسمعه.
كما أن الرؤيا لم تكن لهم، وظهور الرب لم يكن لهم، وحديث الرب لم يكن لهم، إنما المقصود بذلك كله شاول الطرسوسي وحده.
ومع ذلك ليس في القصتين أي تناقض من جهة السماع أو الرؤيا، كما سنرى في فحص القصتين بتدقيق. ومن ذلك يتبين أن:
الرجال المرافقون سمعوا صوت شاول يتكلم مع الرب.
ولكنهم لم يسمعوا صوت الرب الذي كان يكلمه.
وإذا قرأنا العبارتين بالتدقيق، نرى ما يؤيد هذا بلا تناقض:
1- يسمعون الصوت، ولا ينظرون أحدًا.
2- نظروا النور، ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي يكلمني.
الصوت الذي ورد في العبارة الأولى، هو صوت شاول، سمعوه يتكلم، دون أن يبصروا مع من كان يتكلم.
أما الصوت الذي لم يسمعوه فهو صوت الذي كان يكلمه...
إذًا لا تناقض من جهة الصوت.
وكان يمكن أن يوجد تناقض، لو قيل في العبارة الأولى "يسمعون صوت الذي يكلمني" أو "يسمعون ما أسمعه". أما عبارة (الصوت) فقط، فهي تعني هنا صوت شاول. لأن مستوى أولئك الرجال هو أن يسمعوا صوت إنسان وليس صوت الرب...
كذلك من جهة الرؤية، نفس الوضع:
لقد رأوا النور. ولم يروا الشخص الذي كلم شاول...
وهذا واضح من أسلوب العبارتين في تدقيق:
1- ولا ينظرون أحدًا (أع9: 7).
2- نظروا النور وارتعبوا (أع22: 9).
إن النور شيء، ووجه وشكل الشخص الذي يتكلم، شيء آخر.
73- هل يوجد إنجيل لبولس
73- هل يوجد إنجيل لبولس
سؤال
يقول القديس بولس الرسول: "وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ... بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غلا1: 11، 12). فهل كان هناك إنجيل لبولس؟!
الجواب
الإنجيل كلمة يونانية معناها بشرى.
وقد استعملها بولس الرسول بهذا المعنى، دون أن يقصد كتابًا معينًا. فقال في بعض الأوقات "إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ" (أف1: 13) أي بشرى خلاصكم وقال: "إِنْجِيلِ السَّلاَمِ" (أف6: 15) أي بشرى السلام أو البشارة بالسلام. وقال: "إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ" (2كو4: 4). و"إنْجِيلِ مَجْدِ اللهِ" (1تي1: 11) أي البشارة بهذا المجد...
ولم تكن توجد طبعًا أناجيل بهذه الأسماء وبغيرها.
فعندما يقول بولس الرسول: "أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيلِ الْخِتَانِ" (غلا2: 7). إنما يقصد أنه اؤتمن على حمل البشارة لأهل الغرلة أي الأمم، كما اؤتمن بطرس على حمل البشارة إلى أهل الختان أي اليهود... بشرى الخلاص وبشرى الفداء.
دون أن يعني طبعًا وجود كتاب اسمه إنجيل الغرلة، وكتاب اسمه إنجيل الختان...
ونفس المعنى يؤخذ في كل تعبيرات الرسول.
حينما يقول: "قُيُودِ الإِنْجِيلِ" (فل13). إنما يقصد السجن الذي يكابده بسبب مناداته بهذه البشارة. وعندما يقول: "أُمُورِي قَدْ آلَتْ أَكْثَرَ إِلَى تَقَدُّمِ الإِنْجِيلِ" (في1: 12) يقصد تقدم البشارة بالخلاص. وعندما يقول: "وَلَدْتُكُمْ... بِالإِنْجِيلِ" (1كو4: 15) إنما يقصد بهذه البشارة التي بشرتكم بها... وهكذا في باقي النصوص، لأنه لم تكن هناك أناجيل مكتوبة في ذلك الزمان.
والسيد المسيح نفسه استخدم هذا التعبير.
ففي أول كرازته، حينما كان يوحنا المعمدان في السجن، كان المسيح "يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللَّهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ" (مر1: 14، 15). أي إنجيل هذا الذي كان يقصده المسيح؟ ولم تكن هناك أناجيل مكتوبة، ولم يكن قد اختار تلاميذه بعد؟
إنما كان يقصد: آمنوا ببشارة الملكوت هذه.
هذه البشرى المفرحة بأن ملكوت الله قد اقترب...
لقد جاءت المسيحية تبشر بالخلاص... بالخلاص من عقوبة الخطية ومن سلطان الشيطان. الخلاص الأبدي بالفداء. وسميت هذه البشرى إنجيلًا. ونفس الوضع في كل استخدامات المسيح الكلمة (إنجيل) وهي كثيرة. ولعل من أمثلتها قوله لتلاميذه: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15).
ولم يكن هناك أي إنجيل مكتوب في ذلك الوقت، إنما قصد السيد المسيح اكرزوا ببشرى الخلاص هذه للخليقة كلها.
نفس الكلام ينطبق على بولس الرسول في قوله: "الإنجيل الذي بشرت به" أي بشرى الخلاص التي بشرت بها... وبنفس المعنى قوله:
"صَعِدْتُ أَيْضًا إِلَى أُورُشَلِيمَ... عَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الإِنْجِيلَ الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ" (غلا2: 1، 2).
أي عرضت عليهم الكرازة التي أكرز بها بين الأمم، البشرى التي أبشر بها الأمم، إنه صار لهم الخلاص أيضًا. وهكذا حينما يقول في رسالته إلى رومية: "اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي فِي إِنْجِيلِ ابْنِهِ شَاهِدٌ لِي" (رو1: 9). يقصد في بشارة ابنه. وليس في كتاب اسمه إنجيل ابنه أو إنجيل المسيح...
74- دعوة بولس
74- دعوة بولس
سؤال
ذكرتم قداستكم أن بولس الرسول دُعيَ من الأقانيم الثلاث، كل أقنوم على حدة. والمعروف أن الابن دعاه في (أع9). والروح القدس دعاه في (أع13: 2). ولكن أين توجد في الكتاب دعوة الآب له؟
الجواب
توجد في (غلا1: 15، 16) في قوله: "وَلَكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ. أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لِأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا".
75- حديث بولس عن نفسه
75- حديث بولس عن نفسه
سؤال
إنني أشعر حينما أقرأ رسائل بولس الرسول، أنه يتحدث أحيانًا عن نفسه، فأتعجب وأسال: هل هذا يتفق مع الاتضاع؟
الجواب
الذي حدث أن البعض من المحاربين للقديس بولس الرسول وكرازته، أنهم أرادوا الإقلال من شأن رسالته مدعين أنه ليس رسولًا، وإنما من تلاميذ الرسل!!
لذلك كثيرًا ما كان هذا القديس يحاول أن يثبت رسوليته، لا من أجل نفسه بل من أجل نجاح الكرازة.
ولهذا كثيرًا ما كان يقول في بدء رسالته: "بُولُسُ عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ الْمَدْعُوُّ رَسُولًا" (رو1: 1) (1كو1: 1).
"بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ" (2كو1: 1) (كو1: 1) (2تي1: 1).. "بُولُسُ رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غلا1: 1) "بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، بِحَسَبِ أمْرِ اللهِ مُخَلِّصِنَا" (1تي1: 1).
ولذلك أيضًا شرح كيف أن الله أفرزه من بطن أمه ودعاه بنعمته (غلا1: 15). وكيف أنه اؤتمن على إنجيل الغرلة (غلا2: 7) أي على الكرازة للأمم.
ولما اعتبروه أقل من الرسل، اضطر أن يثبت أنه ليس أقل منهم.
فقال: "بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلَكِنْ لاَ أَنَا بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10). وقال: "أَهُمْ عِبْرَانِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ: فَأَنَا أَفْضَلُ" (2كو11: 22، 23).
لاحظ عبارة "كمختل العقل"، التي يكررها تقريبًا في عبارة أخرى "وَلَكِنَّ الَّذِي يَجْتَرِئُ فِيهِ أَحَدٌ، أَقُولُ فِي غَبَاوَةٍ: أَنَا أَيْضًا أَجْتَرِئُ فِيهِ" (2كو11: 21). وفي نفس الأصحاح يقول: "اقْبَلُونِي وَلَوْ كَغَبِيٍّ، لأَفْتَخِرَ أَنَا أَيْضًا قَلِيلًا" (2كو11: 16)...
انظر عبارات: كمختل العقل، وغبي، وأقول في غباوة. ثم يقول:
"قَدْ صِرْتُ غَبِيًّا وَأَنَا أَفْتَخِرُ. أَنْتُمْ أَلْزَمْتُمُونِي" (2كو12: 11).
نعم اضطر إلى ذلك، بسبب الذين شكوا في إرساليته.
ومع كل ذلك، فنواحي التواضع في حياة بولس الرسول تحتاج إلى مقال خاص، يكفي منها هنا عبارة "لاَ أَنَا" (1كو15: 10).
76- إن شربوا سُمًا مميتًا
76- إن شربوا سُمًا مميتًا
سؤال
قال السيد المسيح لتلاميذه عن المؤمنين به: "وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئًا مُمِيتًا لاَ يَضُرُّهُمْ" (مر16: 18). فهل لو عرض عليَّ أحدهم أن أشرب سمًا لأثبت أنه سوف لا يضرني كمؤمن، هل أفعل؟!
الجواب
شبه هذه الخدعة، عرضه الشيطان على السيد المسيح في التجربة على الجبل، إذ طلب إليه أن يطرح نفسه من على الجبل إلى أسفل "لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ"، فقال له المسيح: "مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ" (مت4: 6، 7).
فنحن لا نجرب الرب إلهنا بمثل هذه الأمور. ولكنه إن أراد أن ينقذنا من السم المميت، كما حدث مع القديس مار جرجس، فلنشكره لأنه يشاء أن ينشر الإيمان بهذه الطريقة. وإن أراد لنا نموت لنتمتع بعشرته في الفردوس، فلتكن مشيئته، ولنشكره على إراحتنا من هذا العالم الزائل. ولنقل مع الرسول:
"إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ" (رو14: 8).
ويكمل الرسول قوله: "فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ".
نحن لا نفرض أن يصنع الرب معنا معجزة. فالمعجزة ممكنة له. ولكنها محاطة بمشيئة. فإن شاء فعل. وإن لم يشأ، فذلك له. إنه أدرى بما هو خير.
نقطة أخرى أقولها في هذا المجال وهي:
هناك أنواع من الإيمان: إيمان بسيط، وإيمان صانع للمعجزات.
الإيمان البسيط هو لجميع الناس. يؤمنون بالله وكتبه وسمائه وملائكته، ويؤمنون بقدرة الله، وبعدل الله، وأزلية الله، وقداسة الله وصلاحه، بوجوده في كل مكان... إلى آخر كل تلك الأمور الخاصة بالله وحده.
وهناك الإيمان الذي يصنع المعجزات، وهو ليس لجميع الناس، وإنما لمجموعة مختارة من قديسيه، وهبها الله هذه القدرة من عنده لإجراء العجائب والمعجزات.
ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه من هذا النوع.
ولا أن القدرة على عمل المعجزات شاملة للكل.
فهذا مستوى خاص، وقامة معينة في القداسة، ائتمنها الله على رسالة خاصة، لخير البشرية أو نشر الإيمان أو لكليهما معًا...
77- قد كمل الزمان
77- قد كمل الزمان
ما المقصود بكلمة الزمان في عبارات كتابية مثل:
(مر1: 15) "قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللَّهِ فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ".
(غلا4: 4) "لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ".
الجواب
المقصود هو الزمان الخاص بهذا الموضوع.
لما بدأ السيد المسيح يبشر، قال: "قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ"، أي الزمان الخاص بمجيئه، وبنشر ملكوت الله على الأرض... (وليس الملكوت الأبدي، أو ملكوت السماوات)...
كمل الزمان الخاص بالعهد القديم، الخاص بالنبوءات والرموز، وحان الوقت لإتمام كل ما هو مكتوب، وكل ما أشار إليه الناموس والأنبياء.
وبالمثل قيل "ملء الزمان" بنفس المعنى... لقد كمل وامتلأ زمان الاستعداد والإشارة إلى التجسد. وبدأ تنفيذ ما هو مكتوب...
وكلمة زمان تعني فترة محددة.
وهكذا قيل عن أليصابات بعد حبلها "وَأَمَّا أَلِيصَابَاتُ فَتَمَّ زَمَانُهَا لِتَلِدَ فَوَلَدَتِ ابْنًا" (لو1: 57). وقال السيد المسيح لتلاميذه قبيل صلبه: "يَا أَوْلاَدِي أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا قَلِيلًا بَعْدُ" (يو13: 33). وقيل عن عمر الإنسان إنه زمان. فقال القديس بطرس الرسول: "سِيرُوا زَمَانَ غُرْبَتِكُمْ بِخَوْفٍ" (1بط1: 17). وقد تعني كلمة (زمان) فترة محددة. كما قال الرب عن الخاطئة إيزابل: "أَعْطَيْتُهَا زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ... وَلَمْ تَتُبْ" (رؤ2: 21)... أي فترة في علم الله لم يحددها...
وكلمة زمان قد تعني وقتًا جميلًا.
كما قيل عن ملاقاة يعقوب لابنه يوسف "وَبَكَى عَلَى عُنُقِهِ زَمَانًا" (تك46: 29) وعمليًا قد تعني الكلمة هنا بضعة دقائق، عبر عنها بزمان. وكذلك قيل في سفر الجامعة: "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ" (جا3: 1). ولذلك عبارة "الزَّمَانِ الْحَاضِرِ" (رو8: 18) تعني الوقت الحاضر، أو العمر الحاضر، أو العصر الحاضر كما في (رو11: 5).
ولذلك فكلمة (زمان) تجمع وتثنى وتنصف.
كما قيل في سفر دانيال النبي "إِلَى زَمَانٍ وَأَزْمِنَةٍ وَنِصْفِ زَمَانٍ" (دا7: 25) وأيضًا "إِلَى زَمَانٍ وَزَمَانَيْنِ وَنِصْفٍ" (دا12: 7). ووردت نفس العبارة تقريبًا في سفر الرؤيا "زَمَانًا وَزَمَانَيْنِ وَنِصْفَ زَمَانٍ" (رؤ12: 14).
إذًا لا يوجد قياس معين لكلمة (زمان) في كل النصوص السابقة.
قد تعني وقتًا، أو عمرًا، أو جيلًا، أو فترة في علم الله، أو عصرًا..
78- أكمل نقائص شدائد المسيح
78- أكمل نقائص شدائد المسيح
سؤال
ما معنى قول القديس بولس الرسول: "أُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي" (كو1: 24)؟
الجواب
لا شك أن هناك أنواعًا من الشدائد لم يتعرض لها السيد المسيح.
فمثلًا السيد المسيح لم يُرجم مثلما رُجم الشهيد إسطفانوس (أع7). وكما رُجم بولس الرسول (2كو11: 25). وكثير من الشهداء قطعت أعضاؤهم. مثل الشهيد يعقوب المقطع، أو نشروا، أو قطعت رؤوسهم بالسيف (عب11: 37). والسيد المسيح لم يتعرض لمثل هذه الأنواع، على الرغم من أن صلبه كان أكثر إيلامًا من كل تلك الأنواع وأكثر سخرية من مشاهديه...
أما تكميل أنواع الشدائد، فيعني أن جسد المسيح الذي هو الكنيسة، قد اكتملت في أعضائه كل أنواع الآلام.
وهكذا قال الرسول: "أفْرَحُ فِي آلاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ: الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ" (كو1: 24).
79- صوم تلاميذ يوحنا
79- صوم تلاميذ يوحنا
سؤال
ورد في (مت9: 14، 15) "حِينَئِذٍ أَتَى إِلَيْهِ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا قَائِلِينَ: لِمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيرًا وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَنُوحُوا مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ وَلَكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ". فهل كان ليوحنا تلاميذ يصومون صومًا غير تلاميذ المسيح؟
الجواب
طبعًا كانت هناك أصوام في اليهودية، صامها تلاميذ يوحنا.
هذه الأصوام وردت في سفر زكريا النبي: صوم "الشَّهْرِ الْخَامِسِ وَالشَّهْرِ السَّابِعِ" (زك7: 5). كما ورد في نفس السفر "صَوْمَ الشَّهْرِ الرَّابِعِ وَصَوْمَ الْخَامِسِ وَصَوْمَ السَّابِعِ وَصَوْمَ الْعَاشِرِ" (زك8: 19)..
* تلك الأصوام كان تلاميذ يوحنا يصومونها، وكل الناس أيضًا.
* أما تلاميذ المسيح، فقد بدأوا صومًا آخر مسيحيًا، بعد صعود السيد المسيح، وانتهت صلتهم تمامًا بأصوام اليهود التي كثيرًا ما كان يرفضها الرب... الذي وبخهم قائلًا: "لما صمتم ونحتم في سفر إشعياء عن توبيخ الرب لهم: "يَقُولُونَ: لِمَاذَا صُمْنَا وَلَمْ تَنْظُرْ ذَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ تُلاَحِظْ؟... هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ... لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاَءِ. أَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟..." (إش58: 3- 5).
وقد بدأ الرب بتدريب تلاميذه على رفض صوم اليهود... وقال عنهم: "حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ" (مت9: 15).
80- معنى كلمات
80- معنى كلمات
سؤال
ما معنى كلمة صباؤوت، ورب الصباؤوت؟
وما معنى كلمة غرلة؟ وكلمة أدوناي؟
الجواب
* كلمة صباؤوت معناها قوات أو جنود.
ورب الصباؤوت معناها رب القوات أو رب الجنود. وقد ورد هذا التعبير كثيرًا في الكتاب المقدس. وهنا القوات تعني القوات السمائية أي الملائكة.
* وكلمة أدوناي تعني الرب.
والغرلة هي غير الختان. وتطلق أحيانًا على الأمم غير المختونين... بينما تطلق كلمة الختان عن اليهود... وفي ذلك قال القديس بولس في هذا المعنى: "أَنِّي اؤْتُمِنْتُ عَلَى إِنْجِيلِ الْغُرْلَةِ (أي على تبشير الأمم) كَمَا بُطْرُسُ عَلَى إِنْجِيلِ الْخِتَانِ" (غلا2: 7).
81- بولس الرسول مع السيد المسيح
81- بولس الرسول مع السيد المسيح
سؤال
هل صحيح أن بولس الرسول مكث مع السيد المسيح في البرية ثلاث سنوات، وتعلم على يده في البرية، كما سمعت؟ وما الدليل أو الشاهد؟
الجواب
مكوث القديس بولس الرسول في البرية ثلاث سنوات أمر لا خلاف عليه.
ويمكن استنتاجه مما قاله هذا القديس في رسالته إلى غلاطية حيث قال: "لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ. أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لِأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا. وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ. ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ" (غلا1: 15 - 18).
ولكن ليس معنى مكوثه في البرية، أنه قضى الثلاث سنوات مع السيد المسيح.
إن كان الرسل الاثنا عشر كانوا في احتياج أن يظهر لهم السيد الرب خلال أربعين يومًا بعد القيامة يحدثهم عن الأمور المختصة بملكوت الله (أع1: 3)، فهل من المعقول أن رسولًا واحدًا يمكث معه السيد المسيح ثلاث سنوات؟!
ولكن من المعروف أن الرب ظهر للقديس بولس الرسول أكثر من مرة:
* ظهر له أول مرة في طريق دمشق حيث دعاه لخدمته (أع9).
* وفي خدمته في كورنثوس، ظهر له الرب برؤيا في الليل. وقال له: "لاَ تَخَفْ بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ. لأَنِّي أَنَا مَعَكَ وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ لأَنَّ لِي شَعْبًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ" (أع18: 9، 10).
* وظهر له الرب مرة أخرى في أورشليم، وقال القديس بولس في ذلك: "وَحَدَثَ لِي بَعْدَ مَا رَجَعْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَكُنْتُ أُصَلِّي فِي الْهَيْكَلِ أَنِّي حَصَلْتُ فِي غَيْبَةٍ. فَرَأَيْتُهُ قَائِلًا لِي: أَسْرِعْ وَاخْرُجْ عَاجِلًا مِنْ أُورُشَلِيمَ... اذْهَبْ فَإِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلَى الأُمَمَ بَعِيدًا" (أع22: 17- 21).
* وفي المرة الرابعة في أورشليم أيضًا "وَقَفَ بِهِ الرَّبُّ وَقَالَ: ثِقْ يَا بُولُسُ لأَنَّكَ كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا" (أع23: 11).
وكلها لقاءات أو رؤى ربما استمرت دقائق، ولا تعني مكوث ثلاث سنوات، كما أنها لم تكن في البرية.
وغالبًا كانت له لقاءات أخرى مع الرب، تظهر إحداها في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، حينما حدثهم عن التناول من جسد الرب ودمه، ووجوب التناول باستحقاق وعقوبة التناول بغير استحقاق. حيث قال لهم:
"تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا..." (1كو11: 23).
ولكنه كله لا يعني أنه قضى مع الرب ثلاث سنوات. غير أن نعمة الرب كانت باستمرار معه. يكفي أنه قال: "أَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا2: 20).
82- نسل المرأة
82- نسل المرأة
سؤال
يقول الكتاب: إن نسل المرأة يسحق رأس الحية. فكيف ينطبق هذا على السيد المسيح الذي جاء من نسل القديسة مريم، وهي عذراء وليست امرأة؟
الجواب
كلمة امرأة لا تعني الأنثى المتزوجة، في لغة الكتاب المقدس.
فقد سميت الأنثى الأولى امرأة، عند خلقها، وهي عذراء.
"تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ" (تك2: 23).
أما اسم (حواء)، فكان اسمها بعد الخطية، بعد أن أنجبت أبناء. كما ورد في سفر التكوين "وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ "حَوَّاءَ" لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ" (تك3: 20). فكانت حواء تجمع اللقبين: امرأة، لأنها من امرء أخذت، وحواء لأنها أم لكل حي.
ومن نسل هذه المرأة (حواء) ولد الجميع: النساء والرجال، العذراى والمتزوجات.
ومن نسلها ولدت العذراء التي ولدت المسيح.
والعذراء مريم أيضًا دعيت امرأة، وهي عذراء.
83- كيف نوفق بين الآيتين؟
83- كيف نوفق بين الآيتين؟
سؤال
كيف نوفق بين الآية التي تقول: "لاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ" (مت6: 13)، وبين الآية التي تقول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَّوِعَةٍ" (يع1: 2)؟
الجواب
للتوفيق أعرف أن هناك نوعين من التجارب:
* تجارب بمعنى الضيقات والآلام، وهذه نفرح بالوقوع فيها.
* تجارب للوقوع في الخطية. وهذه نصلي أن لا ندخل فيها.
1- أما التجارب التي تعني الضيقات والآلام، فهي مثل تجربة أيوب الصديق: مشاكل أصابت أولاده وأملاكه وصحته. وعنها يقول الرسول - بعد عبارة: كل فرح - "عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا. وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ" (يع1: 3، 4). ويقول أيضًا في نفس الرسالة: "هَا نَحْنُ نُطَّوِبُ الصَّابِرِينَ. قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ. لأَنَّ الرَّبَّ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَرَؤُوفٌ" (يع5: 11).
ومن أمثلة هذه التجارب إلقاء يوسف الصديق في السجن. وكانت عاقبة الرب أن يوسف خرج من السجن إلى عظمة الحكم، فصار الثاني بعد فرعون (تك41: 42).
ومن أمثلة هذه التجارب إلقاء الثلاثة فتية في النار (دا3) وإلقاء دانيال النبي في جب الأسود (دا6). وقد رأينا كيف تمجد الله في كل من هاتين التجربتين. وكذلك مجد الثلاثة فتية ودانيال في أعين جميع الناس.
ومن أمثلة هذه التجارب أيضًا تجربة الله لإبراهيم أبينا بتقديم ابنه محرقة، وكيف انتهت هذه التجربة ببركة عظيمة لإبراهيم (تك22).
2- أما التجارب التي نطلب إبعادها عنا، فهى التجارب التي تبعدنا عن الله، بالوقوع في الخطية، مثل تجربة يوسف الصديق من جهة امرأة سيده لكي يقع معها في الخطية (تك39).
وكذلك تجارب الشك في الإيمان التي بها يحارب الهراطقة كثيرًا من المؤمنين، كما يتزعم المحاربة بها أيضًا الملحدون من رجال الفلسفات المنحرفة ويقولون بها إنه لا إله. فعن هذه وأمثالها نقول: "لا تدخلنا في تجربة".
84- ضمن أطفال بيت لحم!
84- ضمن أطفال بيت لحم!
سؤال
في قتل كل أطفال بيت لحم بواسطة هيرودس الملك، ألم يلحق هذا بعضًا من الرسل الاثني عشر، أو الرسل السبعين؟ حيث إنني سمعت أنه لم ينج سوى يوحنا المعمدان ونثنائيل فقط!
الجواب
لقد قتل هيرودس الأطفال من ابن سنتين فما دون (مت2: 16).
وطبعًا أنه كان بين الرسل من هم كبار في السن مثل بطرس الرسول، فكانوا كبارًا في ذلك الوقت. وكان في الرسل من هم صغار مثل يوحنا الحبيب، وما كانوا قد وُلدوا. وقتذاك.
أيضًا هيرودس قتل أطفال بيت لحم وتخومها. وليس كل الرسل من قرية بيت لحم أو تخومها.
نستنتج من هذا أن الرسل إما كانوا من مدن أخرى، أو كان بعضهم كبارًا، والبعض لم يولدوا بعد...
85- الاختطاف
85- الاختطاف
سؤال
قرأت في كتاب غير أرثوذكسي عن الاختطاف، وإننا سنختطف إلى السماء. فما هي حقيقة الاختطاف؟ ومتى سيكون؟ وكيف؟
الجواب
موعد الاختطاف سيكون في المجيء الثاني المسيح.
والذين يختطفون إلى السماء هم الأحياء وقت المجيء الثاني.
وقد تحدث القديس بولس عن الاختطاف في رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي في الأصحاح الرابع، فقال: "إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس4: 15- 17).
أي أنه في مجيء الرب يقوم الأموات (الذين سبقوا ورقدوا). ويحملهم الملائكة إلى الرب في السماء. وبعد ذلك يحدث الاختطاف للأحياء الباقين وقتذاك على الأرض.
ولكن كيف يحدث الاختطاف؟ هل بنفس الأجساد المادية؟ كلا.
وفي ذلك يقول القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، شارحًا نفس الموضوع:
"هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا وَلَكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ. فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. لأَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ" (1كو15: 51- 53).
الأجساد المادية لا ترث ملكوت السماء. لذلك لا بد أن تتغير إلى أجساد روحانية سماوية (1كو15: 44، 49).
وبهذه الأجساد الروحانية يتم الاختطاف لأن "لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ" (1كو15: 50). وهذا التغيير من أجساد مادية إلى أجساد روحانية، يتم في لحظة في طرفة عين، عندما يبوق البوق معلنًا مجيء الرب.. كما قال الرسول. ثم يحدث الاختطاف للأحياء بعد أن يقوم الراقدون أولًا... وهم أيضًا يقومون بأجساد روحانية سمائية (1كو15).
86- أربطة لعَـازر
86- أربطة لعَـازر
سؤال
في معجزة إقامة لعازر من الموت، تعجبت أنه خرج من القبر "وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيلٍ" (يو11: 44). أما كان لعازر قادرًا على أن يحل نفسه بعد أن صار حيًا؟
الجواب
هو طبعًا لما سمع صوت السيد المسيح وقد "صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجًا" (يو11: 43). خرج للوقت. وهذا يدل على السرعة في الطاعة، واللهفة في لقاء الرب، وأيضًا الفرحة الكبرى للخروج من القبر، دون التباطؤ للمكوث فيه بحجة أن يحل نفسه...
كثير من الناس المربوطين - حتى من بين الأحياء - يحتاجون إلى من يحلهم من أربطتهم وبخاصة ونحن لا ندري كيف كانت الأربطة، وكيف كانت طريقة حلها... لذلك نلاحظ أنه حتى بعد خروج لعازر من القبر، لم يحل نفسه. بل أن السيد المسيح قال للناس المجتمعين "حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ" (يو11: 44).
كذلك خروجه بتلك الأربطة، ووجهه ملفوف بمنديل، وبشكله كميت في أكفانه، لا شك أنه يعطي المعجزة تأثيرًا على الذين رأوه هكذا. لذلك قيل بعد ذلك إن كثيرين آمنوا (يو11: 45).
87- السيد المسيح بعد القيامة
87- السيد المسيح بعد القيامة
سؤال
قرأت في أحد الكتب هذا السؤال، وأريد توضيحه:
"ماذا كانت نهاية المسيح بعد القيامة؟".
"وهل رُفِع إلى السماء حيًا بجسده أم بروحه؟".
"وأين هي الآن: علمًا بأن الله ليس له مكان حسي محدود، حتى يكون الرفع حسيًا؟!
الجواب
عبارة "نهاية المسيح" هي تعبير غير سليم.
فالسيد المسيح ليست له نهاية. وكما يقول الكتاب: "لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ" (عب7: 3). وكما ورد عنه في سفر دانيال النبي "سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا7: 14).
وعبارة "رُفِع حيًا إلى السماء" بهذا الوضع في السؤال، هي تعبير غير مسيحي. وحسن ما قيل عنه في سفر الأعمال: "وَلَمَّا قَالَ هَذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ" (أع1: 9).
أي كانت له القوة أن يرتفع إلى السماء. ولم ترفعه قوة خارجة عنه. وهذه هي معجزة الجسد الممجد الذي للسيد المسيح، الجسد الروحاني الذي لا سلطان للجاذبية الأرضية عليه.
أما أين هو الآن؟
فهو باللاهوت في كل مكان. لقد وعد اللص أن يكون معه في الفردوس (لو23: 43). وهو كائن عن يمين الآب. كما قيل في الإنجيل لمعلمنا مرقس الرسول: "ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ" (مر16: 19). نفس الوضع كما قال القديس اسطفانوس الشماس أثناء رجمه: "هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ" (أع7: 56).
حقًا إن الله ليس له مكان حسي محدود.
ولكن السيد المسيح - من جهة ناسوته - يمكن أن يوجد في مكان، وينتقل منه إلى مكان آخر.
هو من حيث لاهوته في كل مكان. ولكن بناسوته يمكن أن يكون في أورشليم، ثم ينتقل منها مثلًا إلى بيت عنيا.
88- شهود عيان للصلب
88- شهود عيان للصلب
سؤال
قرأت رأيًا يقول إن التلاميذ لم يكونوا شهود عيان للصلب، بل قيل في إنجيل مرقس "فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا" (مر14: 50).
وصاحب هذا الرأي يقول: معنى هذا أن التلاميذ سمعوا عن قصة الصلب من آخرين، وعن قصة القيامة من الآخرين.
الجواب
يقول الإنجيل أن يوحنا الرسول، كان واقفًا إلى جوار الصلب وأيضًا القديسة العذراء، وبعض النسوة من تلميذات المسيح.
وهكذا ورد في إنجيل يوحنا "وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ أُمُّهُ وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا قَالَ لِأُمِّهِ: يَا امْرَأَةُ هُوَذَا ابْنُكِ. ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: هُوَذَا أُمُّكَ" (يو19: 25).
وقيل أيضًا: "وَتَبِعَهُ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ وَالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَلْطِمْنَ أَيْضًا وَيَنُحْنَ عَلَيْهِ" (لو23: 27) (مر15: 40، 41).
كذلك أيضًا يوسف الرامي ونيقوديموس اللذان كفناه بعد موته على الصليب.
وفي ذلك يقول إنجيل متى: "جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ وَكَانَ هُوَ أَيْضًا تِلْمِيذًا لِيَسُوعَ. فَهَذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأَمَرَ بِيلاَطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى الْجَسَدُ. فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ. وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ... وَكَانَتْ هُنَاكَ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى جَالِسَتَيْنِ تُجَاهَ الْقَبْرِ" (مت27: 57- 61). وهذا الموضوع سجله أيضًا إنجيل مرقس (مر15: 42- 47) وأيضًا إنجيل لوقا (لو23: 50- 56).
وأضاف إنجيل يوحنا مساعدة نيقوديموس ليوسف الرامي في التكفين والحنوط.
فورد فيه "وَجَاءَ أَيْضًا نِيقُودِيمُوسُ الَّذِي أَتَى أَوَّلًا إِلَى يَسُوعَ لَيْلًا وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرٍّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَنًا. فَأَخَذَا جَسَدَ يَسُوعَ وَلَفَّاهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الأَطْيَابِ كَمَا لِلْيَهُودِ عَادَةٌ أَنْ يُكَفِّنُوا. وَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ بُسْتَانٌ وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ. فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ..." (يو19: 38- 42).
كذلك كان كل اليهود ورؤساء الكهنة شهود عيان.
ومعهم جمهور من الشعب، أولئك الذين صاحوا قائلين لبيلاطس: اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!، دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا. وكذلك الذين هربوا وقت القبض عليه، كانوا واقفين من بعيد، ينظرون الصلب.
كذلك الصلب كان في موضع عال يقال له الجلجثة، أو جبل الإقرانيون وكان واضحًا للجميع، حتى الذين وقفوا من بعيد جدًا.
الكل رأوه عيانًا: التلاميذ، ورؤساء الكهنة، والشيوخ، وجمهور اليهود، والنسوة القديسات. إنه مصلوب على جبل، يقال له جبل الجلجثة.
وعلى أية الحالات، فإن السيد المسيح ظهر للتلاميذ بعد القيامة، وأراهم في جسده آثار الصلب.
وكما ورد في إنجيل لوقا إنه ظهر لهم، "فَجَزِعُوا وَخَافُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا. فَقَالَ لَهُمْ... اُنْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ. جُسُّونِي وَانْظُرُوا" (لو24: 37- 39).
وفي إنجيل يوحنا، لما كان توما الرسول يشك في القيامة - وليس في الصلب - وقد قال: "إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ لاَ أُومِنْ" (يو20: 25). ظهر له الرب يسوع في اليوم الثامن وقال له: "هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا" (يو20: 27) فرأى وآمن.
89- معاني كلمات
89- معاني كلمات
سؤال
ما معنى الكلمات الآتية: مسيا – يهوه – أدوناي - إشعياء.
الجواب
المسيا: معناها المسيح "مَسِيَّا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ" (يو4: 25).
يهوه: الله أو الرب الكائن الذي يكون.
أدوناي: السيد الرب.
إشعياء: الله مخلص.
90- ما معنى كلمة (عزازيل)؟
90- ما معنى كلمة (عزازيل)؟
سؤال
وصلتنا كثير من الأسئلة بخصوص (عزازيل) ملخصها:
1- من هو عزازيل الذي كُتب عنه في سفر اللاويين أصحاح 16؟
2- هل هو الشيطان؟ وهل كانت تقدم له ذبائح؟
3- وهل يعني هذا أن عزازيل كان يُعبد بتقديم الذبائح له؟
وبهذا تكون عبادة الشيطان ذات أصل يهودى؟
الجواب
للإجابة على كل هذه الأسئلة نقول:
ليس اسم عزازيل من أسماء الشيطان:
ولم يرد هذا الاسم ضمن أسماء الشيطان الكثيرة التي وردت في الكتاب المقدس. ومنها الشيطان، وإبليس، والتنين، والحية القديمة. كما كتب في سفر الرؤيا (20: 1، 2). وكلمة شيطان باليونانية سطانائيل، أي المقاوم لله، وبالإنجليزية devil وهي كلمة مأخوذة من (ذيافولس) اليونانية. وورد للشيطان اسم آخر هو بعلزبول. وقال اليهود أيام المسيح إن بعلزبول هو رئيس الشياطين (مت12: 24) و(لو11: 15).
وسفر حزقيال وصف الشيطان بأنه "الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ" (حز28: 14) أي أنه من طغمة الكاروبيم.
ولم يذكر إطلاقًا في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد أن كلمة (عزازيل) هي اسم من أسماء الشيطان!!
ولم ترد كلمة (عزازيل) في سفر اللاويين أصحاح 16، ولم يذكر في تلك المناسبة أنه الشيطان. إنما ذكر أن إحدى التقدمتين كانت لعزازيل، وذلك في يوم الكفارة العظيم.
ومن غير المعقول منطقيًا ولاهوتيًا أن تكون التقدمة لعزازيل بمعنى أنها للشيطان، بينما الله هو الذي أمر بها موسى النبي (لا16: 1، 2).
إن تلك التقدمة لم تكن إحدى سقطات بني إسرائيل الكثيرة، وإنما كانت بأمر من الله. فهل يعقل أن يأمر الله بتقديم تقدمة للشيطان؟! ويكون ذلك في يوم عيد عظيم هو يوم الكفارة؟!
إن اسم عزازيل ليس اسمًا لشخص ولا لشيطان، وإنما هو اسم معنى...
كلمة عزازيل معناها العزل. فماذا في سفر اللاويين؟
ولأي شيء ترمز في عمل المسيح الكفاري؟
العمل الكفاري للسيد المسيح له تفاصيل عديدة جدًا.
وكل ذبيحة أو تقدمة تمثل جانبًا معينًا من هذه التفاصيل...
والمعنى الذي يقدمه يوم الكفارة العظيم هو أن السيد المسيح قد حمل خطايانا، ومات عنا. وأبعد عنا هذه الخطايا. عزلها عنا تمامًا... فما عدنا نسمع عنها أو نتذكرها، ولا يذكرها الله لنا.
فما هي الطقوس التي كانت ترمز إلى هذه الأمور في يوم الكفارة؟
كان يؤتى باثنين من ذكور الماعز (تيسين). وتلقى عليهما قرعة: أحدهما للرب، والثاني لعزازيل (لا16: 8). الأول يكون ذبيحة خطية، أي يذبح ويسفك دمه كفارة عن الخطية. وهكذا يموت. لأن الكتاب يقول إن أجرة الخطية هي الموت (رو6: 23).
أما الثاني فيمثل عزل الخطية عن الإنسان لذلك سميَّ عزازيل. وقيل "يرسله إلى عزازيل إلى البرية" أي يرسله إلى العزل حاملًا الخطية.
وهكذا "يَضَعُ هَارُونُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ الْحَيِّ وَيُقِرُّ عَلَيْهِ بِكُلِّ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكُلِّ سَيِّئَاتِهِمْ مَعَ كُلِّ خَطَايَاهُمْ وَيَجْعَلُهَا عَلَى رَأْسِ التَّيْسِ وَيُرْسِلُهُ بِيَدِ مَنْ يُلاَقِيهِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ. لِيَحْمِلَ التَّيْسُ عَلَيْهِ كُلَّ ذُنُوبِهِمْ إِلَى أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ فَيُطْلِقُ التَّيْسَ فِي الْبَرِّيَّةِ" (لا16: 21، 22).
وهذا ما عناه بقوله "يرسله إلى عزازيل إلى البرية". وليس معنى هذا أنه يرسله إلى شخص اسمه عزازيل، أو شيطان اسمه عزازيل. وإنما يرسله إلى العزل، إلى العزل عن مساكن الناس، إلى البرية، إلى "أرض مقفرة" حيث ينتهي أمره.
ولعل هذا المعنى، ما قاله المزمور عن مغفرة الرب لنا:
"كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا" (مز103: 12).
هذا البعد الذي تمثله (البرية) وتمثله (الأرض المقفرة).
يحمل هذه الخطايا فوق رأسه، ويبعد بها بعيدًا. يعزلها عنا عزلًا كاملًا. لذلك سُميَّ عزازيل، من جهة المهمة التي تنسب إليه...
لم تذكر كلمة (عزازيل) في الكتاب المقدس، إلا في هذه المناسبة وحدها، وهي حمل خطايا الناس وعزلها عنهم في البرية في أرض مقفرة...
ولعل هذا ما يقصده الرب في كلامه عن مغفرة خطايا التائب بقوله:
"كُلُّ مَعَاصِيهِ الَّتِي فَعَلَهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ" (حز18: 22).
"أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ" (إر31: 34).
هذه الخطايا التي عزلت، لم يعد الرب يذكرها لنا، لأنها قد غفرت. لقد بعدت عنا بعيدًا، كبعد المشرق عن المغرب. صورتها أمامنا: ذلك الحيوان الذي حملها عنا إلى أرض مقفرة. وما عدنا نسمع عنه ولا عنها...
هذه خطايا التي عُزلت عنا، ما عادت تحسب في حساب خطايانا.
وهكذا قيل عنها في المزمور: "طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. طُوبَى لِرَجُلٍ لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّة" (مز32: 1، 2). وقد اقتبس بولس الرسول هذه العبارة من المزمور في (رو4: 7، 8). وقال عن عمل الفداء الذي قام به السيد المسيح له المجد: "إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ" (2كو5: 19).
ولماذا لا يحاسبهم على خطاياهم؟ ذلك لأنها قد عزلت عنهم. ما عادت تظهر. اختفت مثل تيس عزازيل في البرية في أرض مقفرة.
إذًا ملخص الرمز الذي حدث يوم الكفارة هو الآتي:
1- الخلاص يحتاج إلى الدم، لذلك سفك دم ذبيحة الخطية، فأخذ العدل الإلهى. ولذلك قيل: "قُرْعَةً لِلرَّبِّ" (لا16: 8).
2- خطايا الناس وضعت على رأس التيس الآخر، إذ أقر بها هارون رئيس الكهنة، وهو واضع يديه على التيس الحي، إشارة إلى حمله لجميع الناس وذنوبهم.
3- كل هذه الخطايا عزلت عنهم، وبعدت عنهم بعيدًا، وما عادت تحسب عليهم. وهذا العزل أطلق عليه كلمة (عزازيل) العبرية ومعناها العزل.
91- هل رفض السيد المسيح تحويل الخد الآخر؟
91- هل رفض السيد المسيح تحويل الخد الآخر؟
سؤال
كيف أن السيد المسيح الذي قال: "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ" (مت5: 39). نراه لم يحول الخد الآخر، لما لطمه عبد رئيس الكهنة. بل دافع عن نفسه وقال: "إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ وَإِنْ حَسَنًا فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟" (يو18: 23)؟
الجواب
* السيد المسيح نفذ الوصية التي أمر بها. ولم يحوّل الخد الآخر فقط، بل قيل عنه في القداس الغريغوري "وخديك أهملتهما للطم"... ولعل هذا كان تحقيقًا للنبوءة التي قيلت عنه في سفر إشعياء "بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ" (إش50: 6).
* كثيرون لطموا السيد، فتركهم يلطمون، وبذل وجهه لا للطم فقط، وإنما للبصاق أيضًا.
* وهكذا ورد في إنجيل متى "حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ. قَائِلِينَ: تَنَبَّأْ لَنَا أَيُّهَا الْمَسِيحُ مَنْ ضَرَبَكَ؟" (مت26: 67، 68). وورد في إنجيل مرقس "فَابْتَدَأَ قَوْمٌ يَبْصُقُونَ عَلَيْهِ وَيُغَطُّونَ وَجْهَهُ وَيَلْكُمُونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ: «تَنَبَّأْ». وَكَانَ الْخُدَّامُ يَلْطِمُونَهُ" (مر14: 65). انظر أيضًا (يو19: 3). وفي كل ذلك قيل عنه: "ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ..." (إش53: 7).
* أما عبد رئيس الكهنة الذي لطمه. وهو لا يدري ماذا يفعله. فإن السيد أراد أن ينبهه إلى اندفاعه إلى الخطأ بغير معرفة. فقال له: "إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ...". لم يكن هذا من المسيح دفاعًا عن نفسه، وإنما نصيحة لشخص مخطئ مندفع.
92- هل نقض المسيح شريعة موسى وكَوَّن شريعة جديدة؟!
92- هل نقض المسيح شريعة موسى وكَوَّن شريعة جديدة؟!
سؤال
في أكثر من مرة في العظة على الجبل، قال السيد المسيح: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ..." (مت5).
فهل معنى هذا، أنه نقض شريعة موسى، وقدم شريعة جديدة؟ كما يظهر من قوله مثلًا: سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ... مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا..." (مت5: 38، 39). والأمثلة كثيرة...
الجواب
السيد المسيح لم ينقض شريعة موسى. ويكفي في ذلك قوله: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لِأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ" (مت5: 17، 18).
إذًا لا نقول فقط، إن شريعة العهد القديم لم تلغ ولم تنقض. بل أن حرفًا واحدًا منها لا يمكن أن يزول.
إذًا ما معنى: قيل لكم عين بعين، وسن بسن؟
إن هذا كان شريعة للقضاء، وليس لتعامل الأفراد.
بهذا يحكم القاضي حين يفصل في الخصومات بين الناس. ولكن ليس للناس أن يتعاملوا هكذا بعضهم مع البعض الآخر.
ولكن إن فهمه الناس خطأ أنه هكذا ينبغي أن يتعاملوا!! فإن السيد المسيح يصحح مفهومهم الخاطئ بقوله: "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا". وهكذا تابع الحديث معهم قائلًا:
"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 43، 44).
هنا لم ينقض السيد المسيح الشريعة القديمة، وإنما صحح مفهومهم عن معنى القريب. إذ كانوا يظنون أن قريبهم هو اليهودي حسب الجنس. أما السيد المسيح فبين لهم أن قريبهم هو الإنسان عمومًا، ابن آدم وحواء...
فكل إنسان يجب أن يقابلوا إساءته بالإحسان. فالمفهوم الحقيقي للشريعة هو هذا. بل إن هذا يتفق مع الضمير البشري، حتى من قبل شريعة موسى... وهذا ما سار عليه الآباء والأنبياء، قبل الشريعة وبعدها.
مثال ذلك يوسف الصديق، الذي تآمر عليه إخوته وأرادوا أن يقتلوه، ثم طرحوه في بئر. وأخيرًا بيع كعبد للإسماعيليين، فباعوه إلى فوطيفار (تك37). يوسف هذا أحسن إلى إخوته، وأسكنهم في أرض جاسان، وعالهم هم وأولادهم. ولم ينتقم منهم، ولم يعاملهم عينًا بعين ولا سنًا بسن. بل قال لهم: "لاَ تَخَافُوا... أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا... فَالآنَ لاَ تَخَافُوا. أَنَا أَعُولُكُمْ وَأَوْلاَدَكُمْ... وَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ" (تك50: 19- 21).
أتُرى كان يوسف في مستوى أعلى من الشريعة؟! حاشا.
ولكن اليهود ما كانوا يفهمون الشريعة. فصحح المسيح مفهومهم.
ووصل إلى محبة العدو، والإحسان إلى المبغضين والمسيئين من قبل أن ينادي المسيح بهذه الوصية...
مثال آخر مشابه هو موسى النبي: لما تزوج المرأة الكوشية، تقوّلت عليه مريم مع هارون. فلما وبخهما الرب على ذلك، وضرب مريم بالبرص، حينئذ تشفع فيها موسى، وصرخ إلى الرب قائلًا: "اللهُمَّ اشْفِهَا" (عد12: 13). لم يقل في قلبه إنها تستحق العقوبة لإساءتها إليه، بل صلى من أجلها (عد12: 13).
وهكذا نرى أن موسى النبي الذي نقل إلى الشعب وصية الرب: عين بعين وسن بسن، لم ينفذها في معاملاته الخاصة.
بل نفذ وصية المسيح قبل أن يقولها بأربعة عشر قرنًا: صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم. إنه المفهوم الحقيقي لمشيئة الله.
نفس الوضع كان في تعامل داود النبي مع شاول الملك الذي أساء إليه، وحاول قتله أكثر من مرة. ولكن لما وقع شاول في يده، لم يعامله داود بالمثل. ولم يسمع لنصيحة عبيده بقتله. بل قال: "حَاشَا لِي... أَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هُوَ. فَوَبَّخَ دَاوُدُ رِجَالَهُ بِالْكَلاَمِ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَقُومُونَ عَلَى شَاوُلَ" (1صم24: 6، 7). بل أن داود بكى على شاول فيما بعد لما مات. ورثاه بنشيد مؤثر، وأحسن إلى كل أهل بيته (2صم1). (2صم9: 1).
إذًا شريعة الله هي هي، لم تنقض ولم تلغ.
والله "لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع1: 17).
إنما السيد المسيح قد صحح مفهوم الناس لشريعة موسى، ووصل بهم إلى مستوى الكمال، الذي يناسب عمل الروح القدس فيهم.
قال: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 27، 28).
إنه لم ينقض الشريعة. فوصية "لا تزن" لا تزال باقية كما هي. وكل إنسان مطالب بحياة العفة والطهارة. ولكن السيد المسيح وسع فهمهم للوصية. فليس الزنا فقط هو إكمال الفعل بالجسد، بل هناك نجاسة القلب أيضًا. وشهوة الزنا التي تبدأ في القلب وتظهر في حاسة النظر. وهكذا نهى السيد عن النظرة الشهوانية، واعتبرها زنا في القلب. وأمر بضبط حاسة البصر فلا تخطئ.
ولعل هذا يذكرنا بما قاله أيوب الصديق (في العهد القديم):
"عَهْدًا قَطَعْتُ لِعَيْنَيَّ فَكَيْفَ أَتَطَلَّعُ فِي عَذْرَاءَ!" (أي31: 1).
بنفس السمو في الفهم، قال سيدنا يسوع المسيح أيضًا:
"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلًا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ..." (مت5: 21، 22).
وصية "لا تقتل"، لا تزال قائمة كما هي، لم تلغ. ولكن السيد المسيح حرم الخطوة الأولى المؤدية إليها، وهي الغضب الباطل... فكل جريمة قتل تبدأ بالغضب، كما أن كل خطية زنا، تبدأ بشهوة في القلب. والسيد المسيح في عظته على الجبل، منع الخطوة الأولى المؤدية إلى الخطية وحرم أسبابها. لم ينقض الناموس بل أكمل الفهم.
الشريعة الأدبية إذًا
لم تنقض، بل بقيت كما هي. وإنما أكمل الرب فهم الناس لها. فوسع مفهومها، وسما بمعانيها. ومنع أسباب الخطية، والخطوة الأولى المؤدية إليها.
بقيت نقطة هامة تختص بالرمز، وما يرمز إليه.
ومن أمثلة ذلك الذبائح الحيوانية، وكانت ترمز إلى السيد المسيح.
خذوا الفصح مثالًا: وكيف كان المحتمي وراء الأبواب المرشوشة بالدم. ينجو من سيف المهلك، حسب قول الرب: "وَيَكُونُ لَكُمُ الدَّمُ عَلاَمَةً عَلَى الْبُيُوتِ... فَأَرَى الدَّمَ وَأَعْبُرُ عَنْكُمْ فَلاَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَةٌ لِلْهَلاَكِ" (خر12: 13). وكان الفصح رمزًا للسيد المسيح، فيقول القديس بولس الرسول: "لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا" (1كو5: 7).
صار المسيح هو الفصح، وهو أيضًا ذبيحة المحرقة، وذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم، وذبيحة السلامة. لم تلغ الذبائح، إنما كملت في المسيح.
وكذلك الأعياد ورموزها، وباقي قواعد النجاسات والتطهير.
دم الذبائح كان رمزًا لدم السيد المسيح. ولا يزال المذبح موجودًا في العهد الجديد، ولكن ليس لذبائح حيوانية، وإنما لذبيحة المسيح ودمه الذي "يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو1: 7).
والكهنوت الهاروني في العهد القديم، كان يرمز إلى كهنوت ملكي صادق كما قيل في المزمور "أنْتَ هُوَ الكاهِنُ إلَى الأبدِ عَلَي طَقْسِ مَلْكي صادَق" (مز110: 4). وهكذا لم يلغ الكهنوت، ولكنه "قد تغير" (عب7: 12).
بقيت الشريعة. ولكن لما أتي المرموز إليه، حل محل الرمز.
93- ويل للحبالى والمرضعات...
93- ويل للحبالى والمرضعات...
سؤال
في إنجيل متى أصحاح 24 الذي يتحدث عن المجيء الثاني للسيد المسيح، يقول الرب "وَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ! وَصَلُّوا لِكَيْ لاَ يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ" (مت24: 19، 20). ونفس الكلام يقول أيضًا في (مر13: 17، 18). وهو الأصحاح الذي يتحدث فيه عن المجيء الثاني. فما تفسير هاتين العبارتين؟
الجواب
في الواقع أن أصحاح (مت24). وكذلك (مر13). يتحدث كل منهما عن موضوعين هما: المجيء الثاني، وخراب أورشليم.
وعبارة "وَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ" وأيضًا "وَصَلُّوا لِكَيْ لاَ يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ" هما عن خراب أورشليم.
لأن المجيء الثاني سوف تصحبه القيامة (يو5: 28، 9). كما ستصحبه الدينونة أيضًا (مت16: 27) (مت25: 31- 46). وطبعًا في القيامة والدينونة سوف لا يكون هرب، ويتساوى فيها الشتاء والصيف.
وطبعًا أثناء هجوم الجيش الروماني وخراب أورشليم، سيكون الهرب صعبًا على الحبالى والمرضعات، لأنهن إما يحملن جنينًا داخلهن، أو طفلًا على أكتافهن. وهكذا يكون الهرب على جبال أورشليم أمرًا خطرًا.
ومما يدل على أن هذا الجزء خاص بخراب أورشليم، قول الرب: "حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ. وَالَّذِي عَلَى السَّطْحِ فَلاَ يَنْزِلْ إِلَى الْبَيْتِ وَلاَ يَدْخُلْ لِيَأْخُذَ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئا" (مر13: 14، 15). وهذا لا ينطبق طبعًا على مجيء المسيح والدينونة.
94- هل العهدان القديم والجديد عهدان متمايزان بين البنوة والعبودية، والنعمة والقسوة؟!
94- هل العهدان القديم والجديد عهدان متمايزان بين البنوة والعبودية، والنعمة والقسوة؟!
سؤال
هل العهد القديم يمثل العبودية لله، بينما العهد الجديد يمثل البنوة لله؟ أي كنا عبيدًا فصرنا أبناء...؟
وهل العهد القديم يمثل معاملة الله القاسية على البشر، بينما العهد الجديد هو عهد النعمة والمواهب؟
وهل في العهد القديم كنا نعامل بالخوف، وصرنا نعامل بالحب؟
الجواب
الله لا يتغير، هو في العهد القديم كما هو في العهد الجديد. ومعاملاته هي هي كما سنرى. وكما قيل عنه: "هُوَ هُوَ أَمْسًا وَالْيَوْمَ وَإِلَى الأَبَدِ" (عب13: 8) "لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ" (يع1: 17).
كان أبًا وسيدًا، في العهد القديم وفي العهد الجديد. وبالتالي كنا نحن أبناء وعبيدًا في العهدين كليهما، القديم والجديد.
وكانت تربط الله بالبشر علاقة الحب في كلا العهدين. وكان يقودهم أحيانًا بالحزم والعقوبة من جهته، وبالخوف من جهتهم.
الله لم يتغير، ولا معاملاته. ولكن الناس يتغيرون.
ولنأخذ مثلًا لذلك أهل نينوى:
في خطيتهم أرسل الله إليهم يونان النبي لينادي عليهم بالهلاك. وفي توبتهم قال الله: "أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ..." (يون4: 11). الله لم يتغير في حكمه. ولكن أهل نينوى هم الذين تغيروا. في وقت كانوا يستحقون العقوبة. وفي وقت آخر كانوا يستحقون التوبة.
ولنتناول الآن عناصر السؤال ونطبقها على العهدين.
البنوة:
منذ بدء تاريخ البشرية، كان البشر أبناء الله.
* آدم نفسه قيل إنه ابن الله (لو3: 38).
* وكذلك أبناء آدم شيت وأنوش. قيل "حِينَئِذٍ ابْتُدِئَ أَنْ يُدْعَى بِاسْمِ الرَّبِّ" (تك4: 26). وهكذا فإن أبناء شيث وأنوش دعوا - في قصة الطوفان - "أبناء الله. فقيل: "أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ رَأُوا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ. فَاتَّخَذُوا لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً..." (تك6: 2). أما تعبير "بَنَاتِ النَّاسِ". فأطلق على بنات قايين الذي لُعن من الله (تك4: 11). وأصبح أبناء الله هم النسل المبارك.
* ولما اختار الله شعبًا وميزه على الأمم الوثنية، دعاه ابنًا له. فقال: "إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ" (خر4: 22). وأمر موسى أن يقول لفرعون: "هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ... أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي" (خر4: 23).
* ولما عصى هؤلاء على الله، قال: "رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ أَمَّا هُمْ فَعَصُوا عَلَيَّ" (أش1: 2). وقال لهم في المزمور: "أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ. لَكِنْ مِثْلَ النَّاسِ تَمُوتُونَ وَكَأَحَدِ الرُّؤَسَاءِ تَسْقُطُونَ" (مز82: 6، 7).
* وعن هؤلاء قال المرتل في المزمور: "قَدِّمُوا لِلرَّبِّ يَا أَبْنَاءَ اللهِ... قَدِّمُوا لِلرَّبِّ مَجْدَ اسْمِهِ" (مز28: 1، 2).
* وقد تغنى إشعياء النبي بهذه البنوة فقال للرب: "تَطَلَّعْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَانْظُرْ مِنْ مَسْكَنِ قُدْسِكَ وَمَجْدِكَ... فَإِنَّكَ أَنْتَ أَبُونَا... أَنْتَ يَا رَبُّ أَبُونَا وَلِيُّنَا مُنْذُ الأَبَدِ اسْمُكَ" (إش63: 15، 16). وقال أيضًا: "وَالآنَ يَا رَبُّ أَنْتَ أَبُونَا. نَحْنُ الطِّينُ وَأَنْتَ جَابِلُنَا وَكُلُّنَا عَمَلُ يَدَيْكَ" (إش64: 8).
* هذا عن الشعب كله. ومن جهة الأفراد، يقول الرب لكل من يؤمن به: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أم23: 26).
* وقال لداود النبي عن سليمان ابنه: "أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ... أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا" (2صم7: 12، 14). (1أي17: 13).
*إذًا البنوة لله كانت معروفة في العهد القديم: تكلم بها الله، وتكلم بها الناس. وتكلم بها الله للناس.
ولكن نتيجة للعصر الوثني الذي ساد الأمم في العهد القديم، لم تكن هذه البنوة لله قائمة في عمق أفكار الناس، وإن صلى بها إشعياء النبي. فجاء السيد المسيح وكشف أعماقها، وتحدث عنها كثيرًا. وإن كان قد أمرنا قائلًا: "فَصَلُّوا أَنْتُمْ هَكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت6). فقد سبق إشعياء النبي وقال في صلاته: "أنت يا الله أبونا" (إش63، 64).
العبودية:
* كان الناس عبيد لله في العهد القديم. وأيضًا ما أكثر الأمثلة التي دعي فيها أبناء الله عبيدًا في العهد الجديد... حتى الآباء الرسل، وكل وكلاء الله على الأرض، والملائكة، وكل الذين يخلصون...
* في محاسبة أصحاب الوزنات، قال الرب في هذا المثل: "أَتَى سَيِّدُ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ وَحَاسَبَهُمْ". فقال للذي أخذ الخمس وزنات: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ. كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. ادْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ". ونفس الكلمات قالها لصاحب الوزنتين (مت25: 19- 23).
نلاحظ هنا كلمتي عبد، وسيدك. وقد قيلت لأصحاب الوزنات.
أي للخدام الكبار، أصحاب المواهب والمسئوليات، الأشخاص الناجحين في خدمتهم الذين نالوا تطويبًا ومكافأة من الرب ودخلوا إلى نعيمه الأبدي.
* ولما تكلم الرب عن السهر والاستعداد، قال: "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ" (لو12: 37). لاحظوا أنه استخدم كلمة (عبيد). "فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «يَا رَبُّ أَلَنَا تَقُولُ هَذَا الْمَثَلَ أَمْ لِلْجَمِيعِ أَيْضًا؟ فَقَالَ الرَّبُّ: فَمَنْ هُوَ الْوَكِيلُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الْعُلُوفَةَ فِي حِينِهَا؟ طُوبَى لِذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا!" (لو12: 41- 43).
نلاحظ هنا أن جميع المؤمنين دعوا عبيدًا.
وحتى الوكيل الحكيم الأمين دعيَّ أيضًا عبدًا.
إن اعتبارنا أبناء في العهد الجديد، لا تمنع كوننا عبيدًا أيضًا.
* وقال السيد المسيح لتلاميذه: "أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا وَحَسَنًا تَقُولُونَ لأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ" (يو13: 13). فنلاحظ أنه استخدم عبارة (سيد) حتى في مناسبة غسله لأرجلهم.
* وقال لتلاميذه حينما اختارهم وأرسلهم: "لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَلِّمِ وَلاَ الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِهِ. يَكْفِي التِّلْمِيذَ أَنْ يَكُونَ كَمُعَلِّمِهِ وَالْعَبْدَ كَسَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدْ لَقَّبُوا رَبَّ الْبَيْتِ بَعْلَزَبُولَ فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَهْلَ بَيْتِهِ! فَلاَ تَخَافُوهُمْ" (مت10: 24- 26).
نلاحظ هنا أنه استخدم عبارتي عبد، وسيد. في الحديث مع الرسل، عن الرسل، على الرغم من البنوة والتلمذة والرسولية.
* وقال الرب في سفر يوئيل النبي في النبوءة عن يوم الخمسين في العهد الجديد "وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ... وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضًا وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ" (أع2: 16- 18) (يوئيل2: 28، 29).
نلاحظ أنه أطلق عبارتي عبيد وإماء، على أولئك الذين يسكب عليهم من روحه القدوس، فيتنبأون ويعملون معجزات.
* وفي العهد الجديد أيضًا، وفي العصر الرسولي، نجد أن المؤمنين "رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتًا إِلَى اللهِ وَقَالُوا... امْنَحْ عَبِيدَكَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلاَمِكَ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ... وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ" (أع4: 24، 31).
قالوا للرب (عبيدك) عن الآباء الرسل الذين كانوا يبشرون.
* نلاحظ أن القديس بولس الرسول كان يلقب نفسه بكلمة (عبد).
فيقول: "بُولُسُ عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ الْمَدْعُوُّ رَسُولًا الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ اللهِ" (رو1: 1) "بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (في1: 1) "بُولُسُ، عَبْدُ اللهِ، وَرَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (تي1: 1).
* وكبار القديسين والقديسات قال إنهم عبيد وإماء.
* يكفي أن السيدة العذراء قالت للملاك المبشر: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ" (لو1: 38). وسمعان الشيخ لما حمل الطفل يسوع، قال: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ. لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ" (لو2: 29، 30).
* وقال الرب في سفر زكريا النبي: "كَلاَمِي وَفَرَائِضِي الَّتِي أَوْصَيْتُ بِهَا عَبِيدِي الأَنْبِيَاءَ..." (زك1: 6). فدعًا الأنبياء عبيدًا.
* ليس هذا في العهد القديم فقط، بل أيضًا سفر الرؤيا في آخر العهد الجديد يبدأ بعبارة "إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ اللهُ، لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ، وَبَيَّنَهُ مُرْسِلًا بِيَدِ مَلاَكِهِ لِعَبْدِهِ يُوحَنَّا..." (رؤ1: 1). فالمؤمنون جميعًا لقبهم بكلمة (عبيد). وأيضًا يوحنا الرسول الحبيب قال إنه عبده يوحنا.
* وجميع الأبرار الصالحين، قال لهم الرب: "كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ" (لو17: 10).
إذًا عبارة عبيد أطلقت على كل القديسين في العهدين القديم والجديد وحتى على الملائكة أيضًا.
فنرى أن الملاك العظيم في سفر الرؤيا الذي أراد يوحنا الرسول أن يسجد له، امتنع قائلًا ليوحنا: "لاَ تَفْعَلْ! أَنَا عَبْدٌ مَعَكَ" (رؤ19: 10). وقيل أيضًا: "وَعَرْشُ اللهِ... وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ" (رؤ22: 3).
كلنا عبيد الله، لأنه هو خالقنا. على الرغم من كوننا أبناءه.
لا تقل إذًا إن البشر كانوا عبيدًا في العهد القديم، وصاروا أبناء في العهد الجديد. فهم في العهدين كليهما عبيد وأبناء.
الحنو والعقوبة:
لا نستطيع أن نقول إن العهد القديم كان عهد عقوبة، بينما العهد الجديد هو عهد الحنو. ففي العهدين توجد العقوبة والحنو.
حقًا إنه في العهد القديم حدث الطوفان (تك6). ولكن حتى مع هذا الطوفان من حنو الله، أبقى لنا بقية في أسرة نوح. كما أنه أقام مع البشرية عهدًا في قوس قزح ألا يحدث الإفناء مرة أخرى (تك8: 13- 15).
وفي العهد القديم كان حرق سادوم. ولا ننسى بشاعة نجاسة أهل سادوم وشذوذهم الجنسي، لدرجة أنهم أرادوا أن يخطئوا إلى الملاكين (تك19: 5- 8). ومع ذلك فمن حنو الله أنه سمح لإبراهيم أن يناقشة في الأمر. وقبل الرب وساطته فلما قال إبراهيم: "عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ (أبرار). فقال الرب: لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ" (تك18: 32).
ومن حنو الله في قصة سادوم أنه أنقذ منها لوطًا وبنتيه.
نقطة أخرى لا ننساها في العهد القديم، وهو انتشار الوثنية. فكان بقاء عابدي الأصنام معناه بقاء عبادة الأصنام وبقاء الوثنية.
ومع ذلك لما عبد بنو إسرائيل العجل الذهبي أثناء وجود موسى مع الله على الجبل، وأراد الله إفناءهم... بلغ من حنوه أنه قبل شفاعة موسى النبي فيهم ولم يفنهم (خر32: 7- 14).
ويعوزنا الوقت إن تتبعنا العقوبات في العهد القديم وأسبابها...
غير أننا نقول إن هناك عقوبات في العهد الجديد أيضًا.
* ومن عقوبات الرب في العهد الجديد، قوله في العظة على الجبل "وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ" (مت5: 32).
* ومنها قول الرب: "يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ... وَلَمْ تُرِيدُوا. هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا!" (مت23: 37، 38).
* وقوله لبطرس الرسول لما استحى من أن يغسل الرب رجيله: "إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ" (يو13: 8) أي أن يفقد نصيبه الأبدي لمجرد هذا الخطأ... كذلك انتهاره له بقوله: "اِذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي" (مت16: 23).
* ومن عقوبات العهد الجديد: الحكم على حنانيا وسفيرا بالموت، لما اختلسا جزءًا من مالهما وأنكرا. ولم يعطهما بطرس الرسول فرصة للتوبة (أع5). لذلك قيل: "فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذَلِكَ" (أع5: 11).
* كذلك العقوبة التي أوقعها بولس الرسول على خاطئ كورنثوس بأن "يُسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ" (1كو5: 5). ولو أنه عفا عنه في رسالته الثانية.
* ومن عقوبات العهد الجديد، ما ورد في سفر الرؤيا عما يحدث في أواخر الأيام، حينما يبوق الملائكة السبع (رؤ8: 9). وما يحدث لما يسكب الملائكة جاماتهم (رؤ16). وكذلك دينونة المدينة العظيمة بابل (رؤ18).
وأخيرًا البحيرة المتقدة بالنار والكبريت، وهي ليست تتبع العهد القديم في شيء...
95- سَاقط مثل البَرق
95- سَاقط مثل البَرق
سؤال
قال السيد المسيح: "رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ" (لو10: 18) فهل كان يعني بهذا أن الشيطان قد انتهى عمله؟ وإن كان الأمر هكذا، فماذا نقول عن حروب الشيطان المستمرة وإغوائه للكثيرين؟
الجواب
سقوط الشيطان ليس معناه انتهاء جبروته.
ويعني أنه صار مقيدًا كما ورد في سفر الرؤيا (رؤ20: 2، 7).
ويعنى أيضًا إنتهاء ملكه ورئاسته... فقد قيل عنه قبل الصليب إنه "رئيس هذا العالم". كما قال السيد الرب "رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ" (يو14: 30). وكما قال أيضًا "رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ" (يو16: 11)..
أما رئاسة الشيطان للعالم، فكانت بسبب أن العالم - قبل الصليب - كان تحت حكم الموت بسبب الخطية. وأيضًا بسبب قوة الشيطان وقتذاك، وضعف البشرية، وهي تلبس الإنسان العتيق (رو6).
وقد سقط الشيطان، حينما قيل إن الرب قد ملك (على الصليب).
سقطت دولته بالخلاص الذي قدمه الرب بالفداء، وإنقاذه النفوس التي رقدت على رجاء، والتي كانت في أقسام الأرض السفلى (أف4: 8- 10). ففتح لها الرب الفردوس.
وسقط الشيطان بالقوة التي وهبت لأولاد الله.
هؤلاء الذين ولدوا بالماء والروح (يو3: 5). "بِغَسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (تي3: 5). وفي المعمودية "لبسوا المسيح" (غلا3: 27) وفيها "إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ" (رو6: 6). وأعطيت للبشرية نعمة تقدر على هزم الشيطان، مهما ازدادت حروبه لأنه "حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا" (رو5: 20). ولم تكن النعمة لمقاومة الخطية فقط، وإنما في العمل الإيجابي في الكرازة وبناء الملكوت. كما قال القديس بولس الرسول عن خدمته "لاَ أَنَا بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي"، "وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِم" (1كو15: 10). بل قال أيضًا "... أَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا2: 20).
بسبب كل هذه البركات، سقط الشيطان مثل البرق من السماء.
أي سقط من العلو الذي كان فيه. لأنه قبلما ملك الرب بالصليب، كان الشيطان قد أوقع كل الأمم في عبادة الأصنام. وحتى أن بني إسرائيل الذين كانوا يعبدون الله في ذلك الزمان، حينما تأخر موسى على الجبل، صنع لهم هارون رئيس الكهنة عجلًا ذهبيًا فعبدوه (خر32). وفيما بعد وقعت مملكة إسرائيل في عبادة الأصنام، وبخاصة أيام يربعام بن نباط، وأيام آخاب بن عمري (1مل21: 20، 25، 26).
وبالقضاء على عبادة الأصنام، سقط الشيطان.
ثم ظل يعمل، ولكن كمقيد، وليس بالجبروت القديم.
ليس كما كان في العصور الوثنية بكل أصنامها وفسادها.
على أن الشيطان سوف يحل من سجنه في آخر الأيام، ويخرج ليضل الأمم (رؤ20: 7، 8). ولكن الله من أجل المختارين- سيقصر تلك الأيام (مت24: 22).
96- سؤال من الأستاذ توفيق الحكيم ورد في مقالة الأهرام يوم 2 ديسمبر1985م
96- سؤال من الأستاذ توفيق الحكيم ورد في مقالة الأهرام يوم 2 ديسمبر1985م
سؤال
قرأت في دفتري عبارة افزعتنى، وسجلتها لأسال فيها حتى يطمئن قلبي... عبارة في الأصحاح الثاني عشر من إنجيل لوقا قال فيها السيد المسيح: "جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ... أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلِ انْقِسَامًا..."
فكيف والمسيح ابن مريم كلمة من الله، جاء ليقلي نارًا على الأرض...
فكيف يكون الله تعالى هو الكريم، وأنه كتب على نفسه الرحمة، ويقول في قرآنه أن المسيح كلمة منه... والمسيح يقول في إنجيل لوقا أنه جاء ليلقي نارًا على الأرض؟
وغمرتني الدهشة وقلت لا بد لذلك من تفسير...
فمن يفسر لي حتى يطمئن قلبي؟ وصرت أسال من أعرف من أخواننا المسيحيين المثقفين، فلم أجد عندهم ما يريح نفسي...
أما فيما يختص بالمسيحيين فمن أسال غير كبيرهم الذي أحمل له التقدير الكبير لعلمه الواسع وإيمانه العميق... البابا شنوده... فهل المسيحي العادي يفطن لأول وهلة إلى المعنى الحقيقي لقول السيد المسيح...
الجواب
رد الخطاب:
عميد الأدب في أيامنا... الأستاذ الكبير توفيق الحكيم.
تحية طيبة، ودعاء لكم بالصحة، من قلب يكن لكم كل الحب. فأنا قارئ لكم، معجب بكتاباتكم، احتفظ بكل كتبكم في البطريركية وفي الدير...
وقد قرأت مقالكم الذي نشر في الأهرام يوم الاثنين 2 ديسمبر 85، الذي قدمتم فيه أسئلة حول بعض الآيات التي وردت في الإنجيل (لو12). وعرضتموها في رقة زائدة وفي أسلوب كريم، يليقان بالأستاذ توقيق الحكيم.
وإذ أشكر ثقتكم، أرسل لكم إجابة حاولت اختصارها على قدر ما أستطيع. وأكون شاكرًا إن أمكن نشرها كاملة كما هي. لأن تساؤلكم في مقالكم، أثار تساؤلات عند كثيرين، وهم ينتظرون هذا الرد. وختامًا لكم كامل محبتي. (إمضاء)
مقدمة:
حينما نتحدث عن آية من الكتاب. لا نستطيع أن نفصلها عن روح الكتاب كله، لأننا قد لا نفهمها مستقلة عنه.
فلنضع أمامنا إذًا روح الإنجيل، ورسالة المسيح التي ثبتت في أذهان الناس. ثم نفهم تفسير الآية في ظل المفهوم العام الراسخ في قلوبنا.
رسالة السيد المسيح هي رسالة حب وسلام: سلام مع الله، وسلام مع الناس: أحباء وأعداء. وسلام داخل نفوسنا بين الجسد والعقل والروح.
في ميلاد المسيح غنت الملائكة قائلة: "الْمَجْدُ لِلَّهِ فِي الأَعَالِي وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو2: 14). وقد دُعيّ السيد المسيح "رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إش9: 6). وقد قال لنا: "سلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سلاَمِي أُعْطِيكُمْ... لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ" (يو14: 27) وقال: "أَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلًا: سَلاَمٌ لِهَذَا الْبَيْتِ" (لو10: 6).
وذكر السلام كأحد ثمار الروح في القلب، فقيل: "ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ" (غلا5: 22). وفي مقدمة عظة السيد المسيح على الجبل "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللَّهِ يُدْعَوْنَ" (مت5: 9).
كما ورد في الانجيل أيضًا: "أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ... أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَليقُ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. بِكُلِّ تَوَاضُعٍ القَلبُ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ. مُسّرعِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ. لِكَي تَكُونُوا جَسَدًا وَاحِدًا، وَرُوحًا وَاحِدًا" (أف4: 1- 4).
ودعا السيد المسيح إلى السلام، حتى مع الأعداء والمقاومين، فقال: "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ" (مت5: 39، 42).
بل قال أكثر من هذا: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ... لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ... وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟" (مت5: 44- 47).
ولست مستطيعًا أن أذكر كل ما ورد في الإنجيل عن رسالة السلام في تعليم السيد المسيح، إنما أكتفي بهذا الآن، وعلى أساسه نفهم الآيات التي هي موضع السؤال:
وكمقدمة ينبغي أن أقول إن الإنجيل يحوي الكثير من الرمز، ومن المجاز. ومن الاستعارات والكنايات، من الأساليب الأدبية المعروفة.
جئت لألقي نارًا:
وهي قول السيد المسيح: "جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارًا عَلَى الأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ؟" (لو12: 49).
1- إن النار ليست في ذاتها شرًا. وإلا ما كان الله قد خلقها. ولست بصدد الحديث عن منافع النار، ولا عما قيل عنها من كلام طيب في الأدب العربي. وإنما أقول هنا إن النار لها معان رمزية كثيرة في الكتاب المقدس:
2- فالنار ترمز إلى عمل الروح القدس في قلب الإنسان.
وقد قال يوحنا المعمدان عن السيد المسيح: "هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ" (لو3: 16)
وقد حل الروح القدس على تلاميذ المسيح على هيئة ألسنة كإنها من نار (أع2: 3).
وكان هذا إشارة إلى أن روح الله ألهبهم بالغيرة المقدسة للخدمة. وهذه الغيرة يشار إليها في الكتاب المقدس بالنار.
وهي النار التي أعطت قوة لتطهير الأرض من الوثنية وعبادة الأصنام. وهذه النار هي مصدر الحرارة الروحية. وقد طلب منا في الإنجيل أن نكون "حَارِّينَ فِي الرُّوحِ" (رو12: 11). وقيل أيضًا: "لاَ تُطْفِئُوا الرُّوحَ" (1تس5: 19).
3- والنار ترمز أيضًا في الكتاب إلى المحبة:
وقيل في ذلك: "مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ" (نش8: 7). وقيل أيضًا: "لِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِينَ" (مت24: 12).
4- والنار قد ترمز أيضًا إلى كلمة الله:
كما قيل في الكتاب: "أَلَيْسَتْ هَكَذَا كَلِمَتِي كَنَارٍ يَقُولُ الرَّبُّ" (إر23: 29). وقد قال إرميا النبي عن كلام الرب إليه: "فَكَانَ فِي قَلْبِي كَنَارٍ مُحْرِقَةٍ" (إر20: 9). لذلك لم يستطع أن يصمت. على الرغم من الإيذاء الذي أصابه من اليهود حينما أنذرهم بالكلمة.
5- والنار في الكتاب ترمز أحيانًا إلى التطهير:
كما قيل عن إشعياء النبي إن واحدًا من الملائكة طهر شفتيه بجمرة من النار (إش6: 6، 7).
وإن كانت النار تحرق القش، إلا أنها تنقي الذهب من الأدران، وتقوي الطوب الطين وتجعله صلبًا. وكانت تستخدم في العلاج الطبي (بالكي).
فالذي كان يقصده السيد المسيح: إنني سألقي النار المقدسة في القلوب. فتطرها، وتشعلها بالغيرة المقدسة لبناء ملكوت الله، على الأرض، لذلك قال: "مَاذَا أُرِيدُ لَوِ اضْطَرَمَتْ".
هذه النار قابلتها نار أخرى من أعداء الإيمان تحاول إبادته. وهكذا اشتعلت الأرض نارًا، كانت نتيحتها إبادة الوثنية، بعد اضطهادات تحملها المسيحيون.
هناك إذًا نار اشتعلت في قلوب المؤمنين، ونار أخرى اشتعلت من حولهم. وكانت الأولى من الله، والثانية من أعدائه.
والسيد المسيح نفسه تعرض لهذه النار المعادية، لذلك قال بعد هذه الآية مباشرة، يشير إلى آلامه المستقبلية، "وَلِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟" (لو12: 50).
وبنفس الأسلوب تحدث عن صبغة آلامه في (مت20: 22)، (مر10: 38). بقى أن نتحدث عن النقطة التالية:
ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا:
وهي قول السيد المسيح بعد الإشارة إلى آلامه مباشرة. "أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ! بَلِ انْقِسَامًا" (لو12: 51).
إنه جاء ينشر عبادة الله في العالم كله، بكل وثنيته، ولذلك قال لتلاميذه "اِذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15).
تضاف إلى هذا: المبادئ الروحية الجديدة التي جاء بها المسيح. وهي تختلف عن سلوكيات وطقوس العبادات القديمة.
وكان أول من انقسم على المسيح، ثم على تلاميذه: اليهود وقادتهم. ليس بسبب المسيح، إنما بسبب تمسك اليهود بملك أرضي، وبسبب تفسيرهم الحرفي للكتاب. لدرجة أنهم تآمروا عليه ليقتلوه، لأنه شفى مريضًا في يوم سبت (مت12: 49).
وتضايق منه اليهود، لأنه كان يبشر الأمم الأخرى بالإيمان. وهم يريدون أن يكونوا وحدهم شعب الله المختار. لذلك لما قال بولس الرسول أن السيد المسيح أرسله لهداية الأمم، صرخ اليهود طالبين قتله (أع22: 21، 22). بل أن القديس بولس لما تحدث عن القيامة، حدث انشفاق وانقسام بين طائفتين من اليهود هما الفريسيون والصدوقيون، لأن الصدوقيين ما كانوا يؤمنون بالقيامة ولا بالروح (أع23: 6، 9).
وانقسم اليهود على المسيح، لأنهم كانوا يريدون ملكًا أرضيًا ينقذهم من حكم الرومان. أما هو فقال لهم: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ" (يو18: 36). فلم يعجبهم حديثه عن ملكوت الله، ولا قوله: "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ..." (مت22: 21).
وهكذا قام ضد المسيح كهنة اليهود وشيوخهم والكتبة والفريسيون والصدوقيون.
أكان يمكن للمسيح أن يمنع هذا الانقسام، بأن يجامل اليهود في عقيدتهم عن الشعب المختار، ورفضهم لإيمان الأمم الأخرى. ورغبتهم في الملك الأرضي، وحرفيتهم في تفسير وصايا الله؟ أم كان لا بد أن ينشر الحق. ولا يبالي بالانقسام؟
كذلك واجه السيد المسيح العبادات القديمة بكل تعددها وتعدد آلهتها: آلهة الرومان الكثيرة تحت قيادة جوبتر، والآلهة اليونانية الكثيرة تحت قيادة زيوس، والآلهة المصرية الكثيرة تحت قيادة رع وأمون، وباقي العبادات وكذلك الفلسفات الوثنية المتعددة. وكان لا بد من صراع بين عبادة الله والعبادات الأخرى.
أكان المسيح يترك رسالته لا ينادي بها خوفًا من الانقسام، تاركًا الوثنيين في عبادة الأصنام، لكي يحيا في سلام معهم؟! ألا يكون هذا سلامًا باطلًا؟
أم كان لا بد أن ينادي لهم بالإيمان السليم. ولا خوف من الانقسام، لأنه ظاهرة طبيعية فطبيعي أن ينقسم الكفر على الإيمان. وطبيعي أن النور لا يتحد مع الظلام.
لم يكن الانقسام صادرًا من السيد المسيح، بل كان صادرًا من رفض الوثنية للإيمان الذي نادى به المسيح. وهكذا أنذر السيد المسيح تلاميذه، بأن انقسامًا لا بد سيحدث. وأنهم في حملهم لرسالته، لا يدعوهم إلى الرفاهية، بل إلى الصدام مع الانقسام.
لذلك قال لهم: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ" (يو16: 33) "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلَّهِ" (يو16: 2) "إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ" (يو15: 18- 20).
لقد وقف السيف ضد المسيحية. لم يكن منها، وإنما عليها.
وعندما رفع بطرس سيفه ليدافع عن المسيح وقت القبض عليه، انتهره ومنعه قائلًا: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ" (مت26: 52).
وكانت نتيجة السيف الذي تحمله المسيحيون، ونتيجة انقسام الوثنيين واليهود عليهم، مجموعة ضخمة من الشهداء.
ومع الصمود في الإيمان، انتشر الإيمان وبادت الوثنية. في وقت من الأوقات.
ظن تلاميذ المسيح – كيهود - أن المسيح سيملك. لذلك اشتهى بعضهم أن يجلس عن يمينه وعن شماله في ملكه. فشرح لهم السيد أن حملهم لبشارته سوف لا يجلب لهم سلامًا ورفاهية، وإنما انقسامًا من أعداء الإيمان. بل سيحدث هذا حتى في مجال الأسرة في البيت الواحد: إذ قد يؤمن ابن بالله، فيثور عليه أبوه الوثني، ويجبره على العودة إلى وثنيته أو يقتله. وهكذا مع باقي أفراد الأسرة التي تنقسم بسبب الإيمان.
فهل يرفض هؤلاء الإيمان، حرصًا على عدم الانقسام؟
كلا. فالانقسام هنا ليس شرًا، وإنما ظاهرة طبيعية. وكل ديانة انتشرت على الأرض، واجهت مثل هذا الانقسام في بادئ الأمر. إلى أن استقرت الأمور.
هل يفطن المؤمن العادي؟
وهي عبارة "هل المؤمن العادي يفطن لأول وهلة إلى المعنى الحقيقي لقول السيد المسيح؟
تكلم المسيح عن الانقسام في مجال نشر الإيمان. أما في الحياة العادية، فإنه دعا إلى الحب بكل أعماقه. وورد في الإنجيل أن "اللهَ مَحَبَّةٌ" (1يو4: 8). كما قيل فيه أيضًا "لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ" (1كو16: 14).
أجيب أنه من أجل هذا، وجد في كل دين وعّاظ ومعلمون ومفسرون، وكتب للتفسير.
كما أن علم التفسير يدرس في كل الكليات الدينية بشتى مذاهبها. فمن يريد عمقًا في فهم آية، أمامه الكتب، أو سؤال المتخصصين.
وختامًا أشكركم كثيرًا. لأنكم أتحتم لي هذه الفرصة في الحديث معكم ومع قرائكم الكرام. دامت محبتكم.
97- لماذا لم ينقذه؟
97- لماذا لم ينقذه؟
سؤال
عندما ألقى يوحنا المعمدان ظلمًا في السجن، وكان المسيح يكرز في ذلك الوقت. فلماذا لم ينقذه؟ وكذلك لماذا لم ينقذه من قطع رأسه؟
الجواب
السيد المسيح أراد أن يضيف إلى المعمدان إكليل الشهادة.
كانت له أكاليل كثيرة يستحقها: إكليل البتولية، وإكليل الكهنوت، وإكليل النسك، وإكليل الكرازة، وإكيل الجهاد والدفاع عن الحق، وإكليل البر... وأراد الرب أن يضيف إلى هذه الأكاليل، إكليل الشهادة، حتى يكون مركزه أكثر عظمة في السماء.
أهم ما يريده الرب هو مركزنا في الأبدية، أهم من حياتنا في الأرض.
وهذا ما فعله ليس مع يوحنا المعمدان فقط. وإنما مع الآباء الرسل الذين سجنوا وجلدوا واستشهدوا. وكذلك مع كثير من الأنبياء من قبل. كما قال: "يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا..." (مت23: 37).
نقطة أخرى، وهي أن يوحنا المعمدان كان قد أدى رسالته.
رسالته في إعداد شعب للرب بالتوبة، ورسالته في عماد جماهير كثيرة (مت6: 5).
وأدى رسالته أيضًا في الوعظ والتعليم (مت3)، وفي الشهادة للسيد المسيح (يو1: 29- 34) (يو3: 26- 36). كما أدى رسالته في تبكيت هيرودس الملك. وقد سلّم العروس (الكنيسة) للعريس.
وقد آن له أن ينطلق، فلينطلق شهيدًا، ومتألمًا لأجل الحق.
98- ترتيب الأحداث الأخيرة ما يسبق المجيء الثاني المجيء الثاني – القيامة – الاختطاف – الدينونة
98- ترتيب الأحداث الأخيرة ما يسبق المجيء الثاني المجيء الثاني – القيامة – الاختطاف – الدينونة
سؤال
نرجو أن نعرف ترتيب الأحداث الأخيرة عند المجيء الثاني للسيد المسيح. ومن منها يسبق الآخر. مع ذكر آيات الكتاب التي تدل على ذلك، وعلى ما يسبق المجيء الثاني.
الجواب
1- هناك أحداث كثيرة تسبق المجيء الثاني.
* لعل من أهمها ظهور الــ Anti Christ الذي يسميه البعض (المسيح الدجال). وذلك بقوة الشيطان وبآيات كاذبة حتى يضل الناس، ويصحب مجيئه (الارتداد العام). وهكذا قال بولس الرسول إن المسيح "لاَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الاِرْتِدَادُ أَوَّلًا، وَيُسْتَعْلَنَ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ، الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلَهًا أَوْ مَعْبُودًا، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلَهٍ مُظْهِرًا نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلَهٌ... الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ" (2تس2: 3- 8).
* ومن الأحداث التي تسبق المجيء الثاني، قبل الـــ Anti Christوالارتداد العام ما يأتي:
1- مجيء إيليا وأخنوخ وموتهما، كما ورد في سفر الرؤيا.
2- إيمان اليهود، كما ورد في الرسالة إلى رومية (رو11: 25، 26).
3- أحداث وكوارث طبيعية خطيرة، كما ورد في سفر الرؤيا (رؤ8، 9) في الأخبار الخاصة بالملائكة السبعة أصحاب الأبواق وغير ذلك.
2- ثم مجيء الرب في مجده للدينونة.
وهكذا قال: "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت16: 27).
وقال أيضًا: "وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ. فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ. ثُمَّ يَقُولُ.." (مت25: 31- 34).
3- ولكن لأن الدينونة ستكون للأحياء والأموات، إذًا لا بد قيامة الأموات تسبق الدينونة.
وعن قيامة الأموات قال الكتاب: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ. فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يو5: 28، 29).
4- وأيضًا القيامة ستسبق الاختطاف.
وفي ذلك يقول الرسول: "إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلًا. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس4: 15- 17).
5- ولكن لأن الاختطاف لا يمكن أن يتم بجسد مادي، لذلك لا بد أن يحدث التغيير.
أي تغيير هؤلاء المختطفين - الأحياء وقت مجيء الرب - وبهذا التغيير يتحولون من أجساد مادية إلى أجساد روحانية. أي يموتون في لحظة، ويقومون بأجساد روحانية يمكنها أن تصعد إلى السحاب بالاختطاف، أو تتحول أجسادهم إلى روحانية في لحظة.
وفي ذلك يقول الرسول: "هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا وَلَكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ. فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. لأَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ (أي الجسد المادي الفاسد) لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ وَهَذَا الْمَائِتَ (أي الجسد القابل للموت) يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ" (1كو15: 51- 54).
- طبعًا الأبرار القديسون الأحياء هم الذين يختطفون على السحاب لملاقاة الرب في الهواء. أما الأشرار فيلاقون دينونتهم (يو5: 29).
99- أول من دخل الفردوس
99- أول من دخل الفردوس
سؤال
هل صحيح أن اللص اليمين هو أول من دخل الفردوس حسب وعد الرب له (الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ)؟ (لو23: 43)
الجواب
لقد وعده الرب بأن يكون معه في الفردوس في نفس اليوم. ولكن لم يعده بأن يكون أول من يدخل الفردوس.
وليس من المعقول أن يكون اللص التائب هو أول من يدخل الفردوس قبل جميع الآباء والأنبياء! أي قبل نوح وموسى وداود ودانيال وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وباقي الآباء الذين لا شك أنهم دخلوا قبله.
1- وتفسير ذلك أن السيد المسيح له المجد أسلم الروح على الصليب في وقت الساعة التاسعة من يوم الجمعة الكبيرة كما ورد في الإنجيل المقدس (لو23: 44- 46)، (مر15: 34، 37) (مت27: 46- 50). ونحن نقول في صلاة الساعة التاسعة من الأجبية "يا من ذاق الموت بالجسد في وقت الساعة التاسعة".
2- وبعد موت السيد المسيح "نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى... سَبَى سَبْيًا" (أف4: 9، 8). وأخذ أرواح القديسين الذين رقدوا على رجاء القيامة وأصعدهم من الهاوية ودخل بهم إلى الفردوس.
3- كل ذلك وكان اللصان على الصليب لم يموتا بعد كما ورد في إنجيل يوحنا "ثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ لأَنَّ يَوْمَ ذَلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوا. فَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبَيْنِ مَعَهُ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ" (يو19: 31- 33).
4- اللصان قد ماتا بعد كسر أرجلهما وأُنزلا من على الصليب وكان ذلك في وقت الساعة الحادية عشرة من النهار.
5- في الفترة ما بين موت السيد المسيح وموت اللص اليمين، أي في الساعتين ما بيت التاسعة والحادية عشرة. كان السيد المسيح قد نقل أرواح القديسين الراقدين على رجاء وفتح لهم باب الفردوس وأدخلهم. ثم في الساعة الحادية عشرة لما مات اللص اليمين نقله السيد المسيح إلى الفردوس.
6- وبهذا لم يكن اللص اليمين هو أول من دخل الفردوس بل دخل في الساعة الحادية عشرة بعد موته.
100- باركوا لاعنيكم
100- باركوا لاعنيكم
السؤال
هل في كل الحالات نطبق وصية "بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ" (مت5: 44)، حتى على الذين ماتوا في خطاياهم؟
الجواب
أولًا هناك فوق بين العلاقات الشخصية، والنظام العام وسلام الكنيسة.
في العلاقات الشخصية، علينا أن نبارك لاعنينا حسب الوصية، وكما قال بولس الرسول: "نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ" (1كو4: 12).
أما في الأمور العامة وسلام الكنيسة، فغير ذلك. إن السيد المسيح احتمل شتائم كثيرة. ولكنه من أجل سلام الكنيسة. لم يبارك الكتبة والفريسيين، بل قال: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ" (مت23) وشبههم بالقادة العميان.
وهكذا لم يبارك كهنة اليهود بل شبههم بالكرامين الأردياء، وقال لهم: "إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لِأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ" (مت21: 43). وبنفس الوضع تصرف مع الصدوقيين والناموسيين.
وسلك رسل المسيح وأتباعه بنفس الأسلوب.
القديس بولس الرسول لم يبارك باريشوع الذي كان يقاوم كلمة الله، بل قال له: "أَيُّهَا الْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ابْنَ إِبْلِيسَ! يَا عَدُوَّ كُلِّ بِرٍّ! أَلاَ تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ اللهِ الْمُسْتَقِيمَةَ؟ فَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ فَتَكُونُ أَعْمَى..." (أع13: 10، 11).
وسلك رسل المسيح وأتباعه بنفس الأسلوب.
القديس بولس الرسول لم يبارك باريشوع الذي كان يقاوم كلمة الله، بل قال له: "أَيُّهَا الْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ابْنَ إِبْلِيسَ! يَا عَدُوَّ كُلِّ بِرٍّ! أَلاَ تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ اللهِ الْمُسْتَقِيمَةَ؟ فَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ فَتَكُونُ أَعْمَى" (أع13: 9- 11).
والقديس بطرس الرسول فعل أيضًا بالمثل مع الذين قاوموا الكلمة. لم يباركهم بل وبخهم (أع3، 4).
والقديس اسطفانوس أول الشمامسة لم يبارك اليهود الذين اجتمعوا لرجمه والذين "أَقَامُوا شُهُودًا كَذَبَةً يَقُولُونَ: هَذَا الرَّجُلُ لاَ يَفْتُرُ عَنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ تَجْدِيفًا ضِدَّ هَذَا الْمَوْضِعِ الْمُقَدَّسِ وَالنَّامُوسِ" (أع6: 13). بل أنه وبخهم قائلًا: "يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذَلِكَ أَنْتُمْ. أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ..." (أع7: 51- 52).
لذلك يا إخوتي لا نفسر بطريقة الآية الواحدة، فهى طريقة خاطئة.
101- المعمدان أم العذراء؟
101- المعمدان أم العذراء؟
السؤال
كيف أننا نكرم القديسة العذراء، ونعتبرها أعظم من رؤساء الملائكة ومن الشاروبيم والسارافيم. ونذكرها في التشفعات قبلهم، وقبل يوحنا المعمدان طبعًا؟ بينما قال السيد المسيح له المجد "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (مت11: 11).
الجواب
يوجد مبدأ في التفسير هو "حذف المعلوم جائز".
فمثلًا حينما يقول القديس يوحنا الحبيب "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ" (1يو3: 14).. فهل يمكن الانتقال من الموت إلى الحياة، بدون الفداء وبدون الإيمان والمعمودية؟! أم أن عدم ذكرها هنا جائز، لأنه شيء بديهي ومعروف... وكذلك عندما يقول: "إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" (1يو2: 29) فهل ممكن أن تتم الولادة من الله بمجرد عمل البر، بدون إيمان ولا معمودية؟! محال طبعًا. ولكن "حذف المعلوم جائز"..
كذلك في الكلام عن المعمدان، هنا عبارة معلومة لم تذكر وهي "لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ" (مت11: 11).
وهذا واضح من قوله قبل ذلك مباشرة "مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ... اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ". (مت11: 9، 11)
وليست العذراء هي المقصودة هنا في المقارنة.



