الله هو إله الكل

إن الله الذي خلق الكل. هو يرعى الكل، والكل في اهتمامه وعنايته.
ولقد تفكرت مرة في موضوع فلك نوح ووجدت فيه أشياء عجيبة: فيه الأسد الشجاع القوي، وفيه الأرنب الجبان الضعيف. موجود فيه الفيل الضخم، وموجود فيه الفأر البسيط. فيه النسر ملك الطيور. وفيه الحمامة الضعيفة.. كلهم دخلوا في الفلك، وكلهم خلصوا من الطوفان. والفلك يرمز إلى الكنيسة أو إلى الملكوت. فيه الذين يخلصون. والله يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. كل هذا يدلنا على اهتمام الله بالكل، الكبير والصغير.
إننا نجد في مجمع المفديين أو المخلصين:
الشخص المختار من بطن أمه مثل يوحنا المعمدان، ومثل إرميا النبي، ومثل شاول الطرسوسي الذي قال عن نفسه: “لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ.. لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ” غلاطية 1 : 15-16 وإلى جوار هؤلاء المختارين من بطون أمهاتهم، نجد أيضًا الذين جاءوا إلى الرب في آخر حياتهم، مثل اللص التائب الذي نال الخلاص في آخر ساعة من ساعات حياته، وكذلك أصحاب الساعة الحادية عشر من النهار الذين قبلهم الرب إليه.
نجد في الملكوت أيضًا رجال التأمل والوحدة الرهبان والسواح والمتوحدين، يدخلون الملكوت مع الذين هم طول النهار في الخدمة مثل بولس الرسول في كل رحلاته وفي كل تتقلاته.. نرى في الملكوت مريم ومرثا. مريم التي ترمز للتأمل، ومرثا التي ترمز للخدمة.. ونرى في الملكوت أيضًا المتزوجين والبتوليين، كما كان على جبل التجلي السيد المسيح، يحيط به إيليا البتول، وموسى المتزوج، ذلك إن الله يريد أن يفتح الطريق لكل أحد حتى يستطيع أن يدخل إلى الملكوت كما دخل في الفُلك أنواع كثيرة من المخلوقات. فنرى في الملكوت شخصًا له إيمان عجيب مثل إيليا. وأشخاصًا لهم إيمان بسيط مثل حبة الخردل التي هي أصغر البذور.
نجد في الملكوت القادة والرعية، الرسل والعشارين. فالملكوت مثل الشبكة تُلقى في البحر وتُجمع من كل نوع وشكل.
نجد في الملكوت بولس الرسول المثقف الذي قال له الوالي: “كثرة الكتب حولتك إلى الهزيان يا بولس” أعمال الرسل 26 : 24 . بولس الذي تتلمذ عند قدمي غمالائيل، وتخرج من جامعة طرسوس. مع بطرس ويوحنا الذي قيل عنهما إنهما إنسانان عاميان، وأيضًا كثير من جهال العالم والمزدرى وغير الموجود. إن الله يفتح الطريق لكل أحد، الجاهل والمتعلم، كل واحد على قدر طاقته. يفتح الملكوت لشخص مثل موسى النبي الذي كان عنده إيمان به يضرب البحر بعصاه فينشق أمامه. ومعه يدخل في الملكوت توما الشكاك.
في الملكوت نجد راعوث الموآبية وراحاب الزانية، يدخلان مع أستير التي كانت أجمل واحدة في عصرها، وإلى جوار جمالها دخلت نساء لا صورة لهن ولا جمال. في الملكوت يدخل سليمان في كل مجده وهو ملك عظيم. ويدخل نحميا الذي كان يخدم في قصر ارتحشستا ملك فارس. الملكوت يدخل فيه الكاملون الذين قيل عنهم إنهم عاشوا في الكمال النسبي وشهد الله بكمالهم. وفي نفس الوقت يدخل الجدع والعُرج والعمى، الناس الغلابة الذين جمعوهم من الشوارع وأدخلوهم إلى العرس وهم بلا مواهب.
الملكوت يدخله متوشالح الشيخ أكبر إنسان عاش في الدنيا (969 عامًا). ويدخل معه الطفل أبانوب، والطفل كرياكوس ابن يوليطة.
الملكوت يدخله يعقوب الذي كان خائفًا من أخيه عيسو. الذي كان يصلي ويقول: “يا رب أنقذني من عيسو أخي لئلا يضرب النساء مع البنين” تكوين 32 : 11 . يدخل يعقوب هذا في خوفه مع إيليا القوي جدًا الذي قال “لا يسقط مطر ولا طل على الأرض إلا عند قولي” الملوك الأول 17 : 1 . وهو الذي قال: “نتزل نار من السماء وتأكل الخمسين” الملوك الثاني 1 : 10 . وهو الذي تخلص من 850 من أنبياء البعل وأنبياء البعل وأنبياء السواري هذا الجبار يدخل الملكوت مع كثيرين من الخائفين.. المهم في القلب.
يدخل الملكوت الذي مات ودفن، مع الذي رفع إلى السماء في مركبة نارية.
كل هذا يعطيكم رجاء لكي لا تخافوا أو تيأسوا، وتقول إننا في درجة ضعيفة ومستوى بسيط. فكيف نستطيع أن ندخل الملكوت! كيف نذهب إلى المكان الذي فيه القديس أنطونيوس والقدس أثناسيوس والبار الأنبا بولا والرسل الإثنا عشر، وبولس الرسول!! كلا فالدخول إلى الملكوت يتساوى فيه الكل، ولكن الدرجات تختلف وتنفاوت. كما أنه في الفلك دخل القوي والضعيف.
إن الله يقيل كل عمل طيب مهما كان بسيطًا. يقبل كأس الماء البارد (الذي لم تدركه حرارة ولم تدخله أية مادة تعطيه طعمًا.. الله يقبل فلسي الأرملة مثل كل الأغنياء المتبرعين بالملايين.
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: “إن الله يجول طالبًا سببًا لخلاصك. حتى لو أن دمعه واحدة سقطت من عينيك وقت الصلاة، يأخذها الله ويجعلها سببًا لخلاصك قبل أن يخطفها شيطان المجد الباطل.
لقد بارك الله صاحب الوزنتين مثلما بارك صاحب الخمس وزنات وقال لهما نفس العبارة “كنت أمينًا في القليل أقيمك على الكثير. ادخل إلى فرح سيدك”. وهو أيضًا قال على الزرع الذي أثمر ثلاثين، والذي أثمر ستين، والذي أثمر مائة. وصف كل منها بأنه زرع جيد. فلا تيأس إن كنت من النوع الذي يأتي فقط بثلاثين ولا يزيد.
إن الإنجيل المقدس يحكي من أشخاص نالوا الفداء أو البركة أو الفردوس أو البر بجملة واحدة. فاللص اليمين مع كل ماضيه الرديء وكل أعماله الشريرة، بجملة واحدة أخذ وعدًا بالدخول إلى الفردوس حينما قال: “اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ” لوقا 23 : 42 . إنها جملة واحدة ولكنها تحمل أعماقًا كثيرة من المعاني والمشاعر. والعشار الذي جاء إلى الهيكل مع الفريسي، خرج مبررًا بعبارة واحدة هي “ارحمني يا رب أنا الخاطئ” لوقا 18 : 13 . إن الناس الذين لا يستطيعون أن يقوموا بأعمال عظيمة، يمكنهم أن يعتمدوا على ما ورد في (مت25) من إطعام الجائع، وسقي العطشان، وزيارة المريض.. فيسمعون قول الرب: “تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ” متى 25 : 34 .
أتذكر قصة وردت في بستان الرهبان عن راهب كان متكاسلًا. في صلواته. وقد وجدوه ساعة الموت متهللًا وفرحًا. فقالوا له: كيف تفرح ونحن نعرف الكثير عن إهمالك؟! فقال لهم: على الرغم من إهمالي كنت متمسكًا بآية واحدة وهي إني لا أدين أحدًا. والرب يقول: “لا تدينوا لا تدانوا. فالله سوف لا يدينني لأني لم أدن أحدًا”.
من الأشياء التي تعزينا في هذا المجال، قول الرب في معجزة الخمس خبزات والسمكتين “اجمعوا الكسر”، يمكنك إذًا أن تقول للرب: “اعتبرني من هذه الكسر.. أو من الجدع والعرج. وأنت الذي قلت: “شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ..” تسالونيكي الأولى 5 : 14 .
من الأمور اللطيفة أيضًا في العهد القديم أن ليئة الضعيفة العينين امرأة يعقوب، التي كانت مكروهة لأنها ليست في جمال راحيل. هذه جعلها الله تنجب بنين أكثر من أختها راحيل. ومن أبنائها لاوي الذي منه أتي سبط الكهنوت كله. ومن أبنائها أيضًا كان يهوذا الذي أتي منه سبط الملك، والذي منه ولد داود، ثم سليمان ومن نسله جاء المسيح له المجد. فالسيد المسيح ولد من ليئة الضعيفة وليس من راحيل. إن الله يشجع صغار النفوس، فلا تيأسوا إذًا. إنني قلت مرة عن الرب في هذا المجال إنه (راضي بقليله). فليس الكاملون فقط هم الذين يقبلهم الله. بل إنه يشجع الركب المخلعة، والأبدي المسترخية. ولا يرفض القصبة المرضوضة، ولا الفتيلة المدخنة. فهذه الفتيلة ربما تهب عليها بعض الريح فتشتعل.
فل للرب إذًا: اعتبرني يا رب من أولئك الصغار الذين قلت عنهم “اُنْظُرُوا، لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ” متى 18 : 10 سواء الصغار في السن، أو الصغار في المواهب. فأنت لم تحتقر موسى الذي كان ثقيل الفم واللسان فعلي الرغم من هذا العيب دعوته للنبوة، وكلفت أخاه هارون أن يساعده. وإذا بهذا الإنسان الثقيل الفم واللسان يُدعى كليم الله.
نجد أيضًا أن مريم المجدلية التي كان عليها سبعة شياطين، أخرج الرب منها هذه الشياطين ودعاها أن تتبعه. وجاء الوقت الذي أمرت فيه أن تبشر الأحد عشر بالقيامة، وصارت قديسة كثيرة..
إن الله لا يهتم فقط بالصغار في السن، أو الصغار في المواهب، بل أيضًا حتى الصغار في القيمة. فيقول: “أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ” متى 10 : 29 ، ونقول في المزمور: “نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ انكسر ونحن نجونا” المزامير 124 : 7 ، تصوروا عصفورًا منصوب له فخاح الصيادين. ومع ذلك لا يصيبه أي خطر. بل ينكسر الفخ وهو ينجو. لا تخف يا أخي إذًا لو كنت عصفورًا صغيرًا وتحيط بك فخاح الصيادين. فإن الرب سيكسر الفخاخ وينجيك..
إن الله يهتم أيضًا بالحيوان وقصصه في هذا الاهتمام كثيرة: فقال: “لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا” كورنثوس الأولى 9 : 9 ، لأنه وهو يقوم بذلك قد يحتاج أن يمد فمه ويأكل. وفي مجئ السيد المسيح إلى أورشليم، استخدم أتانًا وجحشًا بن أتان، لكي يريح أحدهما الآخر. وفي وصية الرب عن يوم الراحة في السبت قال: “لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ” الخروج 20 : 10 . أي أنه اهتم براحة العبد والآمة، وراحة الغريب، وراحة البهيمة أيضًا..
بل أكثر من هذا اهتم الله براحة الأرض. فكان يأمر بأن يزرعها ستة أعوام، وتستريح في العام السابع. وفي مقابل ذلك يبارك الرب في غلة العام السادس حتى تكفي.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “الله هو إله الكل”، نُشر في مجلة الكرازة 26 مارس 2010م.




