من لا شيء صار كل شيء

من لا شيء صار كل شيء[1]
بدأت المسيحية بإثنى عشر تلميذًا اختارهم السيد المسيح له المجد، ثم أضاف إليهم سبعين، وبهم نشر الإيمان المسيحي.
بدأوا عملهم من لا شيء: لا كنائس، ولا شعب، ولا إمكانيات تساعدهم. بل على العكس لاقوا شتى صنوف التعذيب ومحاولات المنع. ولكنهم بما في قلوبهم من إيمان وحماس واقتناع، عملوا بكل ما لهم من قوة، وبكل ما ساعدتهم به نعمة الله العاملة معهم، كما قال القديس بولس الرسول: “.. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي” كورنثوس الأولى 15 : 10 .
وأمكن للمسيحية العزلاء، أن تنجح في عملها بما في القلب من حماس، وبما يمكن للنعمة الإلهية أن تعمل فيه. ولم تقدر الإمبراطورية الرومانية على صدّ ذلك التيار الجارف من الإيمان والحماس والعمل الذي تعمل في النعمة.
وبنفس الوضع بدأت الكنيسة تعمل في القرن العشرين الذي عشناه.
بكل الحماس والإيمان عمل الأرشيدياكون حبيب جرجس من لا شيء، حتى ملأ الكنيسة خدمة ووعظًا ورعاية بإنشاء مدارس الأحد التي لم تكن موجودة، وأيضًا بإنشاء الكلية الإكليريكية التي لم يكن لها مبنى، ولا مدرسون! ولكن النعمة عملت في اللاشيء فصار شيئًا هامًا له حيويته في بناء الكنيسة وخدمتها.
ونفس الوضع كان في إنشاء مؤسسات في الخدمة.. من لا شيء.
بيوت المغتربين والمغتربات، وبيوت التكريس، وخدمة المكرسات في الكنيسة، وخدمة الجمعيات، وإنشاء القسم الليلي بالإكليريكية، وإنشاء معهد الدراسات القبطية، ومعهد الرعاية، والاهتمام بالموسيقى والألحان القبطية.. كل ذلك بدأ من لا شيء، ولم يكن له وجود في القرن الماضي. ولكنه نشأ بالإيمان والعمل والنعمة.
بنفس الوضع نشأت من لا شيء الخدمة في المهجر. لم يكن لها وجود قبل 1967م.
من لا شيء تأسست الكنائس في كندا ثم في أمريكا واستراليا، ثم في لندن وباقي أوروبا حتى صار لنا أكثر من 150 كنيسة في المهجر من لا شيء.
وبنفس المنطق نتحدث عن المدارس التي نشأت لنا في المهجر، والأديرة، والإكليريكيات. كلها لم تكن موجودة منذ عشرين سنة. كانت لا شيء، ثم وُجدت بالإيمان والحماس والعمل والنعمة.
وهكذا الخدمة في أفريقيا السوداء.
لم تكن لنا هناك كنيسة واحدة. ثم صارت لنا كنائس في كينيا وزائير وزامبيا وزيمبابوي وأوغندا وجنوب أفريقيا.. حوالي 27 كنيسة من لا شيء..
ولكن اللاشيء صار شيئًا، وشيئًا عظيمًا، وصارت لنا هناك كنائس وشعوب وقسوس ومبان ومؤسسات.
أنحسب ذلك حقًا من لا شيء؟! أم من شيء اسمه الإيمان والحماس والعمل.
هذا الذي يصيّر اللاشيء وجودًا قائمًا ومنتشرًا بعمل النعمة فيه.
وهنا نسأل كيف تأسست لنا كنائس في رومه، وفي ميلانو، وفي قبرص وفي اليونان، وفي السويد، وفي هولندا، وفي الدنمرك، وفي فرنسا، وفي اسكتلندا وفي ايرلندا، وفي غير ذلك من المواضع.
لم يكن لنا شيء من هذا كله منذ ربع قرن. ولكن الله عمل في اللاشيء، فصار بنعمته شيئًا.
كل هذا يذكرنا بقصة الخليقة. لم يكن هناك شيء من المخلوقات. ثم شاء الله، وقال فكانت..
بهذا الإيمان بنعمة الله العاملة في العدم فيصير وجودًا، والعاملة في اللاشيء فيصير شيئًا. بالإيمان هذا، نبدأ كل مشروع في بناء الملكوت.
نسلّم فراغنا لله، فيملؤه..
ونشكر الله على عمله في فراغنا..
[1] قداسة البابا شنوده الثالث “من لا شيء صار كل شيء”، نُشر في مجلة الكرازة 28 يوليو 2000م.




