الله دائمًا يعمل

تحدثنا في المحاضرتين الماضيتين عن حياة التسليم وحياة السلام.
ولا يمكن أن يسلم إنسان حياته لله، إن لم يثق بعمل الله. وكذلك لا يحيا في سلام، إلا إذا كان واثقًا أن الله يعمل. لذلك أود أن أحدثكم اليوم عن الله الذي يعمل.
الله دائمًا يعمل
المسيحية لا تنادي مطلقًا بأن الله في علوه منفصل عن البشر، إنما تعلمنا أن “الله معنا” عمانوئيل، يجول بيننا يصنع خيرًا، يعمل بإستمرار لأجلنا…
في الحقيقة إن الله كان يعمل من أجلنا، حتى قبل أن نخلق:
من أجلنا رفع السماء لنا سقفًا، ومهد لنا الأرض كي نمشي عليها. من أجلنا ألجم البحر، وأخضع طبيعة الحيوان. كان يعمل من أجلنا. رتب لنا النور، والزرع، والماء، والهواء. ثم خلقنا لنتمتع بالطبيعة في أجمل صورها…
وبعد أن خلق الله الكون، ظل يعمل فيه، لم يتركه.
إنتهى من عمل الخلق في اليوم السادس، ولكنه إستمر في عمل الرعاية على طول الدهور… هذا اليوم السابع الذي قيل إن الله قد استراح فيه، يبدو إنه أكثر الأيام عملًا…
نحن سعداء، إذ نشعر أن الله يعمل… وما دام يعمل، فإن قلوبنا تمتلئ بالسلام. نرى عمل الله، ونبتهج. وكلما واجهتنا مشكلة نقول له: “هذا يومك يارب. إعمل كما عملت من قبل”.
إننا نسلمه كل أمورنا، ونتأمل كيف يدبرها، نرى كيف يعمل بكل حب وكل إتقان. ونتذكر قول الرب:
“أبي يعمل حتى الآن، وأنا أيضًا أعمل”.
حقًا، كلما تواجهك مشكلة، قل في إطمئنان: أبي يعمل…
أنظروا في قصة مثل قصة يونان، كيف كان الرب يعمل:
كان الله هو بطل القصة، وليس يونان. بدأ في العمل، بأن كلف يونان بمهمة فلما هرب، أخذ الرب يعمل: هيج الرياح والبحر والأمواج، حتى أنقذ أهل السفينة. ثم أعد حوتًا عظيمًا فابتلع يونان، ثم أمر الحوت فألقاه إلى البر، وإذ لقن يونان درسًا، أمره بالذهاب إلى نينوى، فذهب ونادى عليها.
ولما أنقذ الرب نينوى، بدأ يعمل لمعالجة نفسية يونان. أمر ريحًا شرقية فضربت رأسه فذبل، وأعد يقطينة فظللت عليه، ثم أمر دودة فأكلت اليقطينة. ثم تفاهم مع يونان وأقنعه، وخلص نفسه.
إنه تكتيك عجيب، يعمل الرب به، في توافق مذهل…
وفي عمله، قام بتشغيل كل قوى الطبيعة: البحر والهواء، والموج، والشمس، والحوت، والدودة، والنبات… ونجحت الخطة الإلهية في تخليص أهل السفينة، وأهل نينوى، ويونان.
وفي قصة الفلك، نرى عمل الله أيضًا، كاملًا ومنسقًا، به خلص العالم من الشر، وأنقذ الأبرار، وأبقى حياة على الأرض. وكان مع نوح في الفلك، ومع حمامة السلام…
وفي قصة تقديم إسحق محرقة، نرى عمل الله واضحًا.
ما كان إسحق قادرًا على إنقاذ نفسه، ولا قادرًا على مخالفة أبيه، وما كان أبوه قادرًا على مخالفة الرب، وبدا الأمر صعبًا ومعقدًا. ولكن الله تدخل، وعمل، وأنقذ…
ما دام إسحق يؤمن بعمل الله، حينئذ ينام على الحطب مستريحًا!
وما دام إبراهيم يؤمن بعمل الله، حينئذ يسهل عليه تقديم وحيده! وفي آخر فرصة عمل الله، حينما إرتفعت السكين لتذبح…
في تأملنا لأعمال الله، نرى عمل الفداء العظيم أعجبها.
كانت البشرية عاجزة عن تخليص نفسها، وهى كلها تحت حكم الموت، وقد صار إبليس رئيسًا لهذا العالم. حينئذ ظهر عمل الله، في التجسد العجيب، وفي حمله خطايا العالم، وتقديم ذاته على الصليب، كفارة عن خطايا العالم كله…
وفي تجسده العجيب، أعد العذراء التي تحتمل هذا المجد العظيم، وأعد الملاك الذي يهيئ الطريق قدامه، وأعد كل العلامات التي سبقت ملء الزمان، بل أعد الكون لهذا الحدث العظيم. وبدأ عمل الله في تنسيق عجيب وفي ترتيب هادئ…
أنظروا أيضًا بطرس وبولس، كل منهما في السجن، عاجزًا عن تخليص نفسه، والكنيسة أيضًا عاجزة. ولكن الله كان يعمل..
فك الأغلال والسلاسل، وفتح أبواب السجن، وأيقظ بطرس، وأخرج بولس، وخلص سجان فيلبي. وبدا عمل الله عجيبًا…
إن الله يعمل على الدوام، وبخاصة حينما نعجز نحن أو نرفض
المرأة السامرية لم تبحث عن الخلاص، وربما كانت لا تفكر فيه، أو لا تريده، ولكن الله كان يريده ويريدها. وهكذا سعى الله، وعمل بنفسه على خلاصها، وأقامها مبشرة لآخرين.
إرتكبت أخطاء كثيرة. ولكن حينما جاءت ساعة العمل المختار من الله، عمل الرب بقوة، ونجح في عمل الخلاص..
إن الله يعمل في توبة الخطاة، حتى دون أن يطلبوا…
ودون أن يقدروا، ودون أن يريدوا “إن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تسعوا”. هو الذي يبكت على خطية. وهو الذي يعلمنا طرق الخلاص…
إنكم تفقدون سلامكم، إن ظننتم أن الله لا يعمل، كما قال داود معاتبًا: “لماذا يارب تقف بعيدًا. تختفي وقت الضيق”!
أنا لا أختفي يا داود، ولست بعيدًا، ولكنك أنت الذي لا تراني.. بالإيمان تراني قريبًا، أعمل معك ولأجلك.
الله كما يعمل مع الجماعات والكنائس والشعوب، يعمل مع الأفراد:
وسط الآلاف المزدحمة حوله، إستطاع أن يركز إهتمامه في فرد خاطئ هو زكا وناداه باسمه، وذهب إلى بيته وخلصه. بل نراه يهتم بشخص خائف، يقابله ليلًا، خوفًا من اليهود هو نيقوديموس: يكلمه ويقنعه، ويجعله واحدًا من خاصته بعد أن كان عضوًا في السنهدريم. وإهتم بفرد آخر، وظهر له في الطريق، هو شاول الطرسوسي مضطهد الكنيسة، وحوله إلى رسول عظيم.
وإهتم بالسامرية، وإهتم بمريم أخت لعازر، وإهتم بمريم المجدلية، وقابل المولود أعمى، وظهر لبطرس بعد إنكاره.
مع الله الذي يعمل، لا يتوه الفرد في زحمة الجموع…
لا تقل”من أنا، وسط آلاف الملايين؟!” كلا، إن الله يهتم بك كفرد، كما يهتم بالشعوب والأمم. كل إنسان له عند الله مكان ومكانة. الله المهتم بالكل، يهتم بك وحدك.
الله الذي عمل في الماضي. يعمل الآن، وكل أوان. وهو يعمل بإستمرار، ولا يتعب كما يتعب البشر…
حتى مع الشياطين أيضًا، يعمل، ويقيدهم ألف سنة، وينتهرهم حتى لا يؤذوا أولاده. قال الملاك للشيطان: “لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب” (زك 3).
ومن عمل الله، إهتمامه بالخدمة، ودعوته للخدام…
أتخيله ماشيًا إلى جوار البحيرة، يدعو سمعان واندراوس. وأتخيله إلى جوار مكان الجباية يدعو لاوي، وفي طريق دمشق يدعو شاول. ومن البطن يدعو ارمياء..
يوحنا رأى السيد المسيح، يتمشى في وسط المنائر السبع، التي هي الكنائس السبع. إنه الرب الراكب فوق الشاروبيم، الماشي على أجنحة الرياح…
إنه يطوف المدن والقرى، يكرز ببشارة الملكوت، ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب، يهتم بكل أحد…
حتى بعد أن صعد الرب إلى السماء، ظل يعمل…
إنه يقول: “ها أنا معكم كل الأيام وإلى إنقضاء الدهر”.
إنه هناك يعد لنا مكانًا، ثم يأتي ويأخذنا إليه… إنه ما يزال يعمل. يعطي كلمة للمبشرين، يعطيهم فمًا وحكمة لا يستطيع جميع معانديهم أن يقاوموها.
والله كما يعمل لأجل روحيات الناس، يعمل لإحتياجاتهم المادية.
“لا تهتموا بما تأكلون وبما تشربون وبما تلبسون. أبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها… إنه يسقط المطر على الأرض، ويصعد ثمار الحقل كمقدارها، ويشبع كل حي من رضاه.
بل إنه يعمل أيضًا من أجل طيور السماء وزنابق الحقل…
طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها. ويعطي طعامًا لفراخ الغربان التي لا تدعوه. ويعطي لزنابق الحقل ألوانًا ورائحة وجمالًا، ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها..
الله يعمل لأجل العالم كله، لأجل كل أحد، حتى الخطاة.
ولولا عمله لأجل الخطاة ما خلص أحد. ولكنه”جاء يطلب ويخلص ما قد هلك”. “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى”. “وفيما ما نحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا، البار لأجل الأثمة”… حتى الهاربون يجري وراءهم.
إنه مع جهال العالم، وضعفاء العالم، والمزدري وغير الموجود
يعمل لأجل العاقر التي لم تلد، راحيل وحنة واليصابات..
وما أكثر قصص عمل الله في التاريخ أيضًا…
في اليوم الذي أمر فيه الإمبراطور قسطنطين بقبول أريوس، ضرب الرب أريوس فمات…
كذلك لو تأملنا كيف خلص الرب الكنيسة من نيرون ومن دقلديانوس، ومن إضطهاد أباطرة الرومان، ومن أفكار الفلاسفة، لعرفنا كيف كانت يد الرب تعمل بقوة، بحيث أبادت كل قوة العدو، وأبقت الكنيسة حية.
كذلك أيضًا رأينا كيف عمل الله مع الشهداء، ولولا ذلك لانتهت الكنيسة وغرقت في طوفان الدم أيام الوثنية.
الله يعمل مع الصامتين، الذين تمنعهم وداعتهم من الكلام.
مريم خطيبة يوسف النجار، وقد وجدت حبلى وهي عذراء، واستاء خطيبها وأراد تخليتها سرًا، ولم تعرف هي أن تتكلم، فتكلم الرب مع يوسف في حلم، وشرح له عمل الروح القدس.
المجوس البسطاء الذين أراد هيرودس أن يعبث بهم، أوحى لهم الله في حلم أن يمضوا من طريق آخر. كذلك أوحى إلى يوسف النجار أن يمضي بالطفل إلى مصر…
الله يعمل هكذا في الأحلام والرؤى والمعجزات.
والله فيما يعمل، يمكن أن يحول الشر إلى خير، كما فعل مع يوسف الصديق. وإذ نؤمن بهذا نطمئن ونمتلئ سلامًا.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد التاسع والثلاثون) 30-9-1977م




