تبرير الذات

[1]تبرير الذات
لا يمكن لإنسان أن ينصلح حاله، إن كان باستمرار يبرر ذاته.
فأنت لا تترك خطأ من الأخطاء، ما لم تعترف أولًا بينك وبين نفسك أنه خطأ. أما إن اعتقدت أنك على صواب، فستبقى حيث أنت، لا تغير في نفسك شيئًا…
مشكلة العزة بالنفس، والكرامة، والكبرياء الذاتية هي التي تقف أمام الإنسان وتمنعه من الاعتراف بالخطأ حتى أمام أب اعترافه. قد يعترف ببعض الخطايا التي لا يخجله ذكرها، ويخفي الباقي، أو يمر عليه مرورًا عابرًا، أو يشير إليه من بعيد، أو يقوله دمجًا، أو يقوله ويبرره… وقد لا يعترف إطلاقًا ويتحول اعترافه إلى شكوى ضد غيره. وكأنه أمام أب الاعتراف، يعترف بخطايا غيره، وليس بخطاياه هو…!
ولكي يبرر الإنسان ذاته، لا مانع لديه من أن ينسب الخطأ الي غيره!… هكذا فعلت حواء، وهكذا فعل آدم.
وقد يصر الإنسان على أنه بريء في موقف واضح الخطأ، فيقوده تبرير الذات الي المكابرة، أو إلى العناد…
وهنا يفقد ضميره كل سلطان، ويتولى قيادته شيطان الكبرياء.
على أن أخطر ما في تبرير الذات وما في المكابرة، أن يبدأ المخطئ في أن يفلسف أخطاءه، ويبررها فكريًا، لكي يقنع الناس. وهكذا يتساءل الناس: أين هو الحق؟!
في هذه الهوة وقع الهراطقة والمبتدعون. منعتهم كرامتهم وكبرياؤهم من الاعتراف بخطئهم. فأصروا على الخطأ. وحاولوا تبرير موقفهم فكريًا، فابتدعوا أفكارًا
جديدة منحرفة، وقاوموا الكنيسة، وأعثروا الناس.
إن تبرير الذات في تصرفاتها، هو تبرير سلوكي، يتعلق بالشخص نفسه، وحده. أما تبريرها في أفكارها، فهو تبرير يتعلق بالقيم والمبادئ، ويأخذ اتجاهًا عامًا.
لذلك فإن التبرير الفكري له خطورة كبيرة، وبخاصة إذا لم يكن الحق هو الهدف، وإنما الذات، يندفع الإنسان في ذلك متأثرا بعوامل نفسية…
إن الإنسان في تبريره لذاته، كل ما يهمه هو رأي الناس فيه. لا يهمه مصير هذه الذات في الأبدية، إنما يهمه توقير الناس لها. لذلك يشرك الناس في مشاكله.
فهو يدافع عن نفسه، ويدافع عن أفكاره وتصرفاته. ويشرح، وقد يعثر الناس في شرحه. ولا يهتم بذلك، إنما المهم هو أن تخرج الذات بريئة سليمة مثالية. وقد يؤدي هذا الدفاع إلى اتهام الغير أو تجريحه. ولا بأس من هذا، ما دامت ذات هذا المدافع تصل إلى التبرير الذي يرضيها!!
والعجيب أن الذين يبررون ذواتهم، قد يصلون طالبين مغفرة خطاياهم، وهم في الحقيقة لا يرون أنهم خطاة في شيء!!
في الحقيقة أن تبرير الذات لا يفيدها إنما تنفعها التوبة. لأن التوبة تنقي الذات، وترفعها روحيًا حتى توصلها إلى قلب الله.
والتوبة تعني كشف الذات، ومعرفة أخطائها، وتبكيتها على هذه الأخطاء.
وقد ترفض الذات أن تنكشف وتتبكت… ولكن هذا هو الصليب الذي تحمله في الطريق إلى الله. إنه طريق التوبة والندم.
[1] مقال لقدسة البابا شنوده الثالث بمجلة الكرازة السنه السادسة العدد التاسع 28 فبراير 1975




