خرافة “إنجيل” برنابا 1 ..![1]

خرافة “إنجيل” برنابا..![1]
انجيل مزيف، وضعه أوربي في القرن الخامس عشر. في وصفه للوسط السياسي والديني في القدس أخطاء جسيمة…
الأستاذ العلامة محمد شفيق غربال
(دائرة المعارف الميسرة)
“إنجيل” برنابا المزيف يقول إن الله يحب إسرائيل كعاشق!!
وأنه يغار من كل محبة يبديها شخص نحو غيره، ويعاقب عليها!!
يغار حتى من محبة الأب لأولاده، ومن محبة الأم لابنها الوحيد!!
الله يعاقب السيدة العذراء مريم بسبب محبتها لابنها يسوع!!
ويعاقب الأنبياء إبراهيم وداود وأيوب بسبب محبتهم لأبنائهم!!
الله يغار حتى من محبة الناس لليهكل والمدينة المقدسة!!
تحدثنا في الأعداد الماضية عن بعض الخرافات العديدة التي اشتمل عليها ذلك المؤلف المسمي “إنجيل” برنابا، وذكرنا أمثلة من المبالغات العجيبة التي لا تصدقها العقول في فصوله، وعن شيء من اللامعقول في ذلك “الإنجيل”. ونتابع هنا ذكر بعض تلك الخرافات التي تدور حول لاهوتيات مشوهة لا يمكن أن تصدر إطلاقًا عن الوحي الإلهي…!
خرافات لا يقبلها العقل!
ومن الخرافات اللاهوتية حديثه عن غيرة الله…
فالله في إنجيل برنابا يثور ثورة غير معقولة بسبب أيه محبة توجه إلى غيره، حتى لو كانت محبة مقدسة ومحبة طبيعية كمحبة الأب لابنه.
والظاهر أن كاتب هذا “الإنجيل” كان يهودي الأصل قبل اعتناقه المسيحية لأنه يتكلم عن محبة الله لإسرائيل بأسلوب العشق المملوء غيرة، ويشبه ذلك بمحبة النساء!! فيقول في الفصل 99 الحق أقول لكم إن الله غيور على كرامته، ويحب إسرائيل كعاشق…
وأنتم تعلمون أنه متى كلف (أغرم) شاب بامرأة لا تحبه، بل تحب آخر، ثار حنقه وقتل نده. إني أقول لكم: هكذا يفعل الله!!
هل يقبل أحد مثل هذا الكلام عن الله. إن وجد أحدًا يحب آخر، يقتله!! أليس هو القائل “تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ” (مت22: 39) وأيضًا “تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا” (يو13: 34)؟ وما معني أنه يحب إسرائيل كعاشق؟ هل عند الله عنصرية؟ أو تفضيل بين المؤمنين به؟
1- الله يغار من الهيكل المقدس!!
ويتابع برنابا فكرته فيقول “أي شيء أحب إلى الله هنا على الأرض من الكهنوت والهيكل المقدس” ومع ذلك يقول برنابا إنه عندما أحب الشعب الهيكل وفاخر به “أثار الله غضبه بواسطة نبوخذ نصر ملك بابل، ومكنه وجيشه من المدينة المقدسة، فأحرقها وأحرق هيكلها. حتى أن الأشياء المقدسة التي كان أنبياء الله يرتجفون من مسها، ديست تحت أقدام الكفار المملوئين إثمًا”!! (الفصل 99).
2- الله يغار من محبة الأب لابنه!!
ويضرب برنابا مثلًا آخر من غيرة الله فيقول “وأحب إبراهيم ابنه إسماعيل أكثر قليلًا مما ينبغي. لذلك أمر الله إبراهيم أن يذبح ابنه، ليقتل المحبة الأثيمة في قلبه، وهو أمر كان سيفعله لو قطعت المدية” (الفصل 99).
بغض النظر أن المسيحية تعتقد أن الذبيج هو إسحق وليس إسماعيل، ولكننا نسأل:
هل محبة الابن هي محبة آثمة في قلب إبراهيم؟! وهل تجربة إبراهيم هذه كان هدفها اقتلاع محبة الابن من قلب أبيه؟
إن هذا كلام يشوه كل العلاقات الإنسانية النبيلة، ويعطي فكرة رديئة عن الله ويصوره كإله أناني يكره كل محبة ليست له. ثم أن محبة الأب لابنه ليست ضد محبة الله، بل هي طاعة لله الذي أمر بمحبة الآباء والأبناء.
ويستمر برنابا على نفس الوتيرة في نفس الفصل (99) فيقول: “وأحب داود ابنه أبشالوم حبًا جمًا، لذلك سمح الله بأن يثور الابن على أبيه، فتعلق بشعره وقتله أيوب. ما أرهب حكم الله أن أبشالوم أحب شعره أكثر من كل شيء، فتحول حبلًا علق به”!!
وأوشك أيوب البار أن يفرط (= يغالي) في حب أبنائه السبعة وبناته الثلاث، فدفعه الله إلى يد الشيطان، فلم يأخذ منه أبناءه وثروته في يوم واحد فقط، بل ضربه أيضًا بداء عضال، حتى كانت الديدان تخرج من جسده مدة سبع سنين!!!
وأحب أبونا يعقوب ابنه يوسف أكثر من أبنائه الآخرين، لذلك قضى الله بيعه، وجعل يعقوب يخدع من هؤلاء الأبناء أنفسهم حتى أنه صدق أن الوحش افترس إبنه فلبث عشر سنوات نائحًا.
عجيب، وغير مقبول عقليًا، ولا روحيًا، ولا لاهوتيًا، أن يعاقب الله نبيًا بارًا لأنه أحب أبناءه! هل يعقل إنسان أن الله يقتل جميع أبناء أيوب وبناته عقابًا له على محبته لهم. وعقوبة له على هذه المحبة الطبيعية الروحية المقدسة الصادقة، يأمر الله بضرب أيوب بالدود في جسده سنوات عديدة…
طبعًا بعض تفاصيل ما ورد في “إنجيل” برنابا يتنافى مع الكتاب، ولكننا نتكلم هنا عن الروح. هنا فهم خاطئ لكل تجربة، ولكل حادثة، ولتصرفات الله مع البشر.
إن تجربة أيوب لها أسباب لا علاقة لها إطلاقًا بمحبته لأولاده. ومحبته لأولاده لم تكن خطيئة، ولن تكون محبة أب لأولاده خطيئة، ما دامت لا تتعارض مع محبة الله.
وهذا الذي ورد في برنابا هو تشويه للعلاقات الإنسانية، وتشويه لعلاقة الله بالإنسان، ووصف لله بالقسوة التي لا مبرر لها.
3- الله يعاقب العذراء مريم على محبتها لابنها!!
ونفس الأسلوب يتخذه برنابا في الحديث عن محبة السيدة العذراء لابنها “يسوع”، ويورد أن الله عاقبها على هذه المحبة.
فهل كانت العذراء تستطيع أن تكره ابنها؟! وهل لو كرهته كانت تعتبر أمًا بارة، أو حتى مجرد أم حسب الطبيعة؟؟
إن عدم محبة الأب لابنه، وعدم محبة الأم لابنها، نوع من الشذوذ، أما هذه المحبة فهي طبيعية وضعها الله بنفسه في الغريزة، فكيف يعاقب عليها؟!
4- اشتهاء رؤية نبي خطية وعبادة أصنام:
وهذا الوضع يقوله برنابا بطريقة غير إنسانية في مواضع كثيرة منها قصة ذلك الأعمى الذي قال له إيليا إن عماه بسبب خطيئته. فقال الأعمي للنبي “إني لو أبصرتك لما كنت أخطات”. وهو تعبير مؤدب وجميل. ولكن إيليا يقيم الدنيا ويقعدها على هذا الرد. ويقول للأعمي:
“ليغفر لك إلهنا أيها الأخ… لو رأيتني لخمدت رغبتك التي ليست هي مرضية لله. لأن إيليا ليس هو خالقك بل الله. ثم قال إيليا باكيًا “إني أنا الشيطان فيما يختص بك لأني أحولك عن خالقك”!! (الفصل 117).
قسوة عجيبة في معاملة رجل أعمي، وإشعاره أن اشتهاءه رؤية نبي، للبركة ولمنعه عن الخطيئة، هي رغبة غير مرضية لله، وعمل شيطاني. كأن النبي صار شيطانًا يغتصب محبة الله من الإنسان!!
وهذا الكلام استدعي بكاء النبي، واستغفاره. واعتبر في آخر الفصل، أنه خير للناس “لخلاصهم أن لا يكون لهم عيون” “لأن كل من يجد لذة في المخلوق أيًا كان، ولا يطلب أن يجد لذة في الله، فقد صنع صنمًا في قلبه وترك الله”!!
هذا الأعمى كان يحب النبي لأجل الله. ويحترمه ويتبارك به بسبب أنه رجل الله. ومحبته له لا تتعارض مع محبة الله. كما يتبارك جميع الناس من مواضع القديسين والأبرار، حبًا في الله، وليس بعدًا عنه. وحاشا أن يكون النبي في هذه الحالة منافسًا لله!!
ولكن برنابا يريد أن يجعل حتى محبة الأنبياء خطيئة، وإقلالًا من محبة الله، وأمر يستدعي البكاء وطلب المغفرة، ويعتبر محبة الأنبياء عبادة أصنام؟! أي تشويه للروحيات أكثر من هذا؟!
هذا التعليم المنحرف، من يستطيع أن يعتبره كلام الله؟! وهذا التشويه لكل العلاقات الإنسانية والروحية، من يجرؤ أن يقول إنه صادر عن الوحي؟! إننا داخل محبتنا لله، نستطيع أن نحب الخليقة كلها. بل يقول الكتاب المقدس “مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟!” (يو4: 20).
ومن المعلومات الدينية المشوهة في “إنجيل” برنابا:
5- إن الله يقبل الكذب، لأنه فوق مستوى الشريعة!!
يقول برنابا في (الفصل 161) “لأنه كما أن الله يقبل قتل الناس ذبيحة، فهكذا قبل الكذب حمدًا. الحق أقول لكم كما يغلط الطفل الذي يصنع حذاء بقياس (رجلي) جبار، هكذا يغلط من يجعل الله خاضعًا للشريعة”!!
لقد وقع برنابا في إشكال وهو:
كيف يقبل الله الكذب، وقد أمر الناس بعدم الكذب!!
ورأي إجابة على هذا أن الشريعة هي للناس، وليس لله. فالله غير مطالب بالخضوع لها. لأنه جبار، والشريعة كحذاء في مقياس طفل!! كأن الشريعة لمجرد التصدير الخارجي.
[1] مقال لقدسة البابا شنوده الثالث بمجلة الكرازة السنه السادسة العدد العاشر 7 مارس 1975


