نشيد الأناشيد- طلبته فما وجدته، دعوته فما أجابني

نشيد الأناشيد- طلبته فما وجدته، دعوته فما أجابني
الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله… أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
تأملات في سفر
نشيد الأناشيد
نتأمل اليوم في قول النشيد “حَبِيبِي مَدَّ يَدَهُ مِنَ الْكَوَّةِ، فَأَنَّتْ عَلَيْهِ أَحْشَائِي. قُمْتُ لأَفْتَحَ لِحَبِيبِي وَيَدَايَ تَقْطُرَانِ مُرًّا، وَأَصَابِعِي مُرٌّ قَاطِرٌ عَلَى مَقْبَضِ الْقُفْلِ. فَتَحْتُ لِحَبِيبِي، لكِنَّ حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ. نَفْسِي خَرَجَتْ عِنْدَمَا أَدْبَرَ. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. دَعَوْتُهُ فَمَا أَجَابَنِي” (نش5: 4-6).
طلبته فما وجدته، دعوته فما أجابني
الله مد يده يفتح بها القلب، ولكن ليس بالإرغام. هو يمد يده من الكوة، ولكن أنتِ التي تفتحين لي… هذه يدي أمدها، أصابع النعمة الإلهية تدخل إلى القلب وتحركه، وتثير فيه محبة الله، وتشوقه، ولكن لا ترغمه…
العروس تقول ” فَأَنَّتْ عَلَيْهِ أَحْشَائِي “…
تحرك قلبها أخيرًا. ولكن بعد أن تحول حبيبها وعبر… تركها إلى حريتها في أن تحتفظ براحتها كما تشاء، لتشعر بمدى خسارتها في بعده… لترى عمليًا نتيجة تراخي النفس وكسلها في قيامها لتفتح للرب.
قُمْتُ لأَفْتَحَ لِحَبِيبِي وَيَدَايَ تَقْطُرَانِ مُرًّا…
المر نوع من العطور السائلة. لذلك قالت “ويداي تقطران مرًا”. هذه النفس كانت متعطرة ومتدللة ومتزينة… وهي في هذه الرفاهية لم تستطع أن تفتح للرب… فماذا إنتفعت بهذا العطر وهذه الزينة؟ كان أولى بها أن تتزين من الداخل، زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو عند الله كثير الثمن!
حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ. نَفْسِي خَرَجَتْ عِنْدَمَا أَدْبَرَ…
تركها الله في رفاهيتها وتنعمها، ومضى. هذا هو التخلي المرعب، تخلي النعمة عن النفس، فقدان الشعور بوجود الله إنه الأمر الذي كان يخافه داود النبي كل الخوف فيقول للرب:
“لاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنِّي” (27: 9؛ 69: 17؛ 102: 2؛ 143: 2) “لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ” (مز51: 11). هذا التخلي سببه النفس، وليس الله…
سببه التكاسل، والرفاهية والمتعة، وحب الراحة. سببه عدم التجاوب مع عمل النعمة. أتتك النعمة فرفضتها، وناداك الله فلم تستجب لندائه. أحاطت بك الوسائط الروحية ولكنك أهملتها. رفضت شركة الروح القدس.
وفي هذا التخلي، فارقتك الحرارة الروحية. وأصبحت تبحث عنها فلا تجدها “حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ”…
أين التأمل القديم؟ وأين الصلاة العميقة؟ وأين الدموع المعزية؟ وأين الحب الذي يملأ القلب؟ وأين الإحساس بوجود الله، وبوجود الصلة معه والعشرة الإلهية؟ … كل ذلك ضاع.. أصبحت تصلي، ولكن ليس كما كنت من قبل تصلي “حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ”..
نَفْسِي خَرَجَتْ عِنْدَمَا أَدْبَرَ:
“أدبر” معناها أدار ظهره… عندما تحول الرب، وأدار ظهره للنفس. وعبر، شعرت حينئذ بمرارة لا يعبر عنها. كادت تموت حزنًا وقالت “نَفْسِي خَرَجَتْ عِنْدَمَا أَدْبَرَ”. الله المحبوب، الذي فمه حلاوة وكله مشتهيات، قد تحول وعبر، مضى تاركًا النفس في عمق الندم والحزن… هذه نهاية التدلل والرفاهية والراحة…
وعندئذ شعرت النفس بالفراغ… أحست أنها تصلي، بلا صلة. كأنه الله لا يسمع ولا يجيب. فقالت: طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. دَعَوْتُهُ فَمَا أَجَابَنِي.
ما أقسى على النفس أن تدعو الله فلا يجيبها، أن تصلي فلا تصعد صلاتها إلى فوق. لا تدخل إلى حضرة الرب، ولا تجد نعمة في عينيه!! ما أقسى أن تطلب الله فلا تجده. تحاول أن تشعر به فلا تستطيع. لقد تحول وعبر…
مؤلم للنفس أن تفقد العزاء الإلهي، وتشعر أنها في غربة عن الله، تدعوه فلا يجيب.
تبحث عنه في كل مكان فلا تجده. تدخل الكنيسة فلا تتقابل معه فيها، لا تجده هناك. تسمع الألحان التي كانت تذيبها قبلًا، فلا تتأثر إطلاقًا. العظات، القراءات الروحية، سير القديسين، اجتماعات الصلاة، كل هذه لا تمس قلبها… فتصرخ إلى الله في عمق: أين أنت يا رب؟! ولكن لا يجيب …
إنه فتور قاتل، وجفاف عجيب يكاد يقتل النفس…
لو كانت هي التي تحولت عن الرب، لكان من السهل عليها أن ترجع. ولكن الله هو الذي تحول. تحول وعبر، ولم تعد النفس تراه… فقدت لمساته للقلب. ولم تعد تسمع صوته كما كانت تسمعه قبلًا.
حقًا، كان الله معها، ولكنها فقدته…
إنها غلطتها الكبرى، إذ لم تفتح له حينما كان يقرع بابها من قبل هذه هي مرحلة التخلي العصيبة، تدخلها النفس، وتختبر مرارتها، لكي تأخذ منها درسًا في المستقبل”.



