سؤال لماذا لم يكن الكتاب المقدس بدون رموز أو باللغة الدارجة حتى يتسنى للناس فهمه مباشرة؟
سؤال:
واحد بيقول في المحاضرة الماضية تكلمتم قداستكم عن الرموز في الكتاب المقدس والسؤال لماذا لم يكن الكتاب المقدس بدون رموز أو باللغة الدارجة حتى يتسنى للناس فهمه مباشرة دون حاجه لمتاهات الرموز وحتى لا تسبب بلبلة؟ [1]
الإجابة:
أولًا عبارة لغة دارجة عبارة مش مظبوطة ليه بقى؟ لأن الكتاب المقدس اللي أمامك هو ترجمة للكتاب المقدس سواء العهد القديم باللغة العبرية، أو بعض فصول بسيطة فيه بالآرامية أو باليونانية، لكن هو بالعبري وفي أجزاء من الكتاب المقدس باللغة العبرية في منتهى الفصاحة والبلاغة وبالشعر العربي الجميل العبري قصدي أقول الشعر العبري الجميل ككثيرٍ من المزامير والمزامير باللغة العبرية كما يقولون قطع أدبية رائعة، كذلك سفر أيوب ما هو بالشعر والأمثال كانت بالشعر أيضًا، وغالبًا أيضًا سفر النشيد والجامعة كانوا بالشعر، دي إحنا بنسميها الأسفار الشعرية، ومش معقول الشعر يكون بلغة دارجة!
أما الذين لا يفهمون فيشرح لهم، الذين لا يفهمون فيشرح لهم يعني ما نخليش الكتاب المقدس يكون باللغة الدارجة لكي يفهمه العوام ويتعب المثقفون، إنما يكون الكتاب المقدس بلغة قوية وكويسة ويشرح لهم، وفي أوقات كثيرة كان الكتاب المقدس يشرح للناس، وبخاصةٍ حينما رجعوا من السبي، تلاقوا آية مشهورة في (نحميا 8:8) إنهم لما رجعوا من السبي قرأوا لهم الأسفار المقدسة وقعدوا يفهموهم معانيها، أنا هجيب لكم الآية بالظبط كده لأنهم ما كانوش فاهمين فممكن يتشرح ليهم ويفسروا، أُمال إيه فايدة الوعّاظ والحاجات دي؟
بيقول: “وَقَرَأُوا فِي السِّفْرِ، فِي شَرِيعَةِ اللهِ، بِبَيَانٍ، وَفَسَّرُوا الْمَعْنَى، وَأَفْهَمُوهُمُ الْقِرَاءَةَ” في (نحميا 8:8) “وَقَرَأُوا فِي السِّفْرِ، فِي شَرِيعَةِ اللهِ، بِبَيَانٍ، وَفَسَّرُوا الْمَعْنَى، وَأَفْهَمُوهُمُ الْقِرَاءَةَ” فممكن إن يقال ويشرح للناس.
أما من جهة الرموز، فلأن بعض أمور لا يستطيع الشعب أن يفهمها وتفهم بعد حين، يعني مثلًا رموز الذبائح مين من الشعب كان يستطيع أن يحتمل إن المحرقة ترمز للسيد المسيح في كذا وكذا، وإن ذبيحة الخطية وذبيحة الإثم ترمز في كذا، وذبيحة السلامة في كذا، وخروف الفصح في كذا دي حاجات ما يقدروش عليها، دي عايزه الناضجين من الناس، الناضجين إيه؟ من الناس.
الرموز لتقديم أشياء ممكن أن تفهم فيما بعد، زي سفر الرؤيا ما تقدرش تفهمه غير فيما بعد، زي أسفار بعض النبوءات لا تفهمها إلا فيما بعد، ولو كانت واضحة في أيامها جايز الناس يرتبكوا، ده من أعجب الأشياء التي قرأتها في الكتاب المقدس عن هذه النبوءات عبارة وردت آخر آية في (دانيال أصحاح 8 )، كان حصل إن ربنا وراه رؤى وبعدين ما فهمش فأرسل له جبرائيل الملاك ليشرح له، فقعد جبرائيل يشرح ليه، وبعدين دانيال بيقول بعد شرح جبرائيل ليه: “وأنا كنت مُسبخًا علي وجهي وقمت وباشرت أعمال الملك وكنت ولا فاهم”، ده بعد ما شرح له جبرائيل، لأن قال له: “هذه الرؤيا أصبر عليها دي لأيام كثيرة” يعني هتفهمها فيما بعد لما يأتي ميعادها.
أنا عايز أقول لكم آخر آية في (دانيال 8) لما قال عن الموضوع ده قال آية؟ يعني يا ريت الناس ما يحاولوش كل واحد يعمل فيلسوف وعالم ويقول دي تفسيرها كذا، دي تفسيرها كذا، دانيال النبي الجبار الذي فسر رؤى وأحلام للملوك وطلعت مظبوطة، وكان الرجل المحبوب، يقول: “كنت ولا فاهم”! شوفوا الآية بيقول إيه (دانيال 8 :27) بيقول: “وَأَنَا دَانِيآلَ ضَعُفْتُ وَنَحَلْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ قُمْتُ وَبَاشَرْتُ أَعْمَالَ الْمَلِكِ، وَكُنْتُ مُتَحَيِّرًا مِنَ الرُّؤْيَا وَلَا فَاهِمَ”. ده آخر الأصحاح بينما أولها “وَكَانَ لَمَّا رَأَيْتُ أَنَا دَانِيآلَ الرُّؤْيَا وَطَلَبْتُ الْمَعْنَى، إِذَا بِشِبْهِ إِنْسَانٍ وَاقِفٍ قُبَالَتِي. وَسَمِعْتُ صَوْتَ إِنْسَانٍ بَيْنَ أُولاَيَ، فَنَادَى وَقَالَ: «يَا جِبْرَائِيلُ، فَهِّمْ هَذَا الرَّجُلَ الرُّؤْيَا». فَجَاءَ إِلَى حَيْثُ وَقَفْتُ، وَلَمَّا جَاءَ خِفْتُ وَخَرَرْتُ عَلَى وَجْهِي. فَقَالَ لِي: «افْهَمْ يَا ابْنَ آدَمَ. إِنَّ الرُّؤْيَا لِوَقْتِ الْمُنْتَهَى». وَإِذْ كَانَ يَتَكَلَّمُ مَعِي كُنْتُ مُسَبَّخًا عَلَى وَجْهِي إِلَى الأَرْضِ، فَلَمَسَنِي وَأَوْقَفَنِي عَلَى مَقَامِي. وَقَالَ: هَأَنَذَا أُعَرِّفُكَ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ السُّخَطِ. لأَنَّ لِمِيعَادِ الانْتِهَاءَ” (دانيال 8: 15-19)، وقعد يشرح له وبيقول كنت متحيرًا من الرؤيا ولا فاهم.
معلش يا حبيبي في حاجات في الكتاب المقدس نفهمها في حينها، نفهمها في حينها لأن ساعتها مش ممكن، طب وفكركوا الناس اللي كانوا بيقرأوا في إشعياء النبي “هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا” (إشعياء 7: 14) دي كانوا فاهمينها دي؟ ولا كانوا فاهمينها لدرجة بعض علماء اليهود قالوا نقول: فتاة، بلاش نقول: عذراء، من اللخبطة اللي في مخهم، لأن مخ الإنسان مش ضروري يفهم كل حاجة، في أشياء تفهمها في وقتها، وأشياء للمنتهى تفهمها في حينها فيما بعد، وفي أشياء حتى الآيات الواضحة في الكتاب المقدس تفهمها الآن وبعد أن تقرأها بأيام أو بمدد يأتيك فهم آخر، ومنين ما تقرأ تلاقي فهم تالت ورابع وخامس إلى أن يقول داود النبي: “لِكُلِّ كَمَالٍ رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا” (مزمور 119: 96).
مين فينا اللي يفهم؟ ده نحن نعرف بعض المعرفة، وكلام ربنا أقوى من فهمنا، وأعمق من فهمنا ونحن نفهم أشياء بسيطة من الكتاب، أما الفهم الكامل فليس الآن.
ولو كل شيء بقى واضح أمامك أنت هتتعب، هتتعب هل كان اليهود يحتملون إن كلمة الله يتجسد ديه؟ دي صعبة جدًا بالنسبة لهم ولو فهموها هيتعبوا، خليها بعدين هتفهمها في حينه.
ده نفسه المسيح قال للرسل عندي كلام لأقوله لكم ولكنكم لا تحتملون الآن، لسه فهم الإنسان يجي فين ده؟ وبولس الرسول قال لهم: “سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لَا طَعَامًا لأنكم لا تحتملون” (1كو3: 2)، لسه بدري عليكوا، مش بس العوام كما يقول صاحب السؤال ده حتى العلماء، حتى العلماء ما يقدروش يستوعبوا كل شيء، دانيال دانيال كان من أعلم الناس، وكان من أعمق الناس ومن أكثرهم فهمًا، وبرضو قال ولا فاهم، دي أقولها أيضًا للذين يغترّون بأنفسهم، ويظنون أنهم يفهمون أو يتكلمون عن أمورٍ فوق مستوى إدراكنا البشري، ويفتوا فيها فتاوي. ده أغسطينوس قال: (فيه أمور أصدق إجابة أقولها إني لا أعرف)، ده أغسطينوس.
[1] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده في عظة بالكلية الإكليريكية بتاريخ 31 مارس 1992م

