الله الراعي

إن الله هو راعي الخليقة كلها منذ بدأ أن يوجد إنسان على الأرض، وقد قال في إنجيل يوحنا: “أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ” يوحنا 10 : 11 . وقد تعودت الكنيسة إذا احتفلت بذكرى أحد الآباء البطاركة أو رؤساء الكنائس أن يكون إنجيل القداس في ذلك اليوم من (يو10). وصورة الراعي توجد في كل مكان ويعتز بها الناس، بل إن بعض المدارس تسمت بهذا الاسم Bon Pasteur.
وقد عيّن الله رعاة يرعون شعبه. وقال في ذلك: “وَأُعْطِيكُمْ رُعَاةً حَسَبَ قَلْبِي، فَيَرْعُونَكُمْ بِالْمَعْرِفَةِ وَالْفَهْمِ” إرميا 3 : 15 . والله في ذلك يرعى المؤمنين، ويرعى الرعاة أيضًا، ولذلك سميَّ (راعي الرعاة).
وهناك أبرار وأنبياء سبق أنهم تعلموا الرعي. نذكر من بينهم هابيل الصديق الذي قيل عنه “وَكَانَ هَابِيلُ رَاعِيًا لِلْغَنَمِ” تكوين 4 : 2 . وداود النبي أيضًا بدأ حياته يرعى الغنم صموئيل الأول 16 : 11 . وهذا الراعي الصغير اختاره الله دون كل إخوته الكبار فمسحه صموئيل النبي ملكًا.
موسى النبي أيضًا قبل أن يتولى قيادة الشعب فحينما خرج من قصر فرعون صار “يَرْعَى غَنَمَ يَثْرُونَ حَمِيهِ كَاهِنِ مِدْيَانَ” الخروج 3 : 1 . لا شك أن رعى الغنم علّم كل هؤلاء فضائل كثيرة.
وكان داود النبي يتغنى برعاية الله له فقال في المزمور (23): “الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ”. وعذراء النشيد كانت تتغنى بالرب حبيبها الراعي وتقول إنه: “الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ” نشيد الأناشيد 2 : 16 ، وتسأله قائلة: “أَيْنَ تَرْعَى أَيْنَ تُرْبِضُ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ” نشيد الأناشيد 1 : 7 . وأهمية الراعي أنه يهتم بغنمه، ويحفظ رعيته، ويقودها ويقوتها، وإذا لم يكن هناك راعٍ، تتشتت الغنم وتنزعج. وفي ذلك قيل عن السيد المسيح حينما رأى الجموع: “تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا” متى 9 : 36 .
الفرق بين الراعي والأجير:
الراعي هو الذي يشعر أن الغنم هي رعيته، وهي له، وهو لها، يحبها ويعتني بها. أما الأجير فهو الذي يستأجره البعض ليرعى غنم غيره. فلا يبالي بالغنم ولا يهتم، وكما قال السيد المسيح: “وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَجِيرٌ، وَلَيْسَ رَاعِيًا، الَّذِي لَيْسَتِ الْخِرَافُ لَهُ، فَيَرَى الذِّئْبَ مُقْبِلاً وَيَتْرُكُ الْخِرَافَ وَيَهْرُبُ، فَيَخْطَفُ الذِّئْبُ الْخِرَافَ وَيُبَدِّدُهَا. وَالأَجِيرُ يَهْرُبُ لأَنَّهُ أَجِيرٌ، وَلاَ يُبَالِي بِالْخِرَافِ” يوحنا 10 : 12-13 .
عمل الراعي الصالح:
لقد أعطانا السيد المسيح أمثولة ونموذجًا لعمل الراعي الصالح في شخصه فقال: “أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي” يوحنا 10 : 14 . وبهذا أعطانا تعليمًا عن مسئولية الراعي. وكيف يكون على معرفة شاملة لرعيته. وفي هذا كنت أقول باستمرار للكهنة الجدد: ينبغي عليكم منذ السنة الأولى أن تعرفوا كل فرد في نطاق خدمتكم. تزورون العائلات وتفتقدونها. ويكون عندكم كارت بكل عائلة بتفاصيل المعلومات ثم تعملون ما تستطيعون من أجل خير تلك الأسرة. فالرب يقول: إنه يعرف غنمه، ويناديها بأسمائها. وهي تَعْرِفُ صَوْتَهُ ولا تسمع لصوت الغريب يوحنا 10 : 4 . أي أنها تسمع تعاليمه ووصاياه ولا تلتفت إلى تعاليم الغرباء. وهو يقول أيضًا إنه يرعاها في مرعى دسم، في مراع خضراء، وعلى ماء الراحة المزامير 23 : 2 .
ويقول الرب أيضًا إن رعيته في يديه. ولا يستطيع أحد أن يخطفها من يده يوحنا 10 : 28 . وأنه يعطيها حياة أبدية، فلا تهلك.
فهل يحرص كل خادم وكل كاهن على هذا الأمر. وهل يستطيع بخدمته ورعايته أن يقود الرعية إلى الحياة الأبدية ولا يجعلها تهلك. هذه هي المسئولية على كل من يقوم بعمل الرعاية متشبهًا برب المجد وهذا أيضًا واجب كل أسرة، كل أب وكل أم أن تحفظ أبنائها، فلا يخطفها أحد. وتكون الأسرة، حريصة – برعايتها وعنايتها، وبمحبتها وإرشادها – أن الأبناء يسمعون لصوتها، ولا يسمعون لصوت الغريب… هذا نقوله عن الرعاية السليمة، بعكس ما يحدث من الرعاية المنحرفة التي وبّخها الرب كثيرًا.
الرعاة المنحرفون:
يقول الرب في سفر إرميا النبي: “وَيْلٌ لِلرُّعَاةِ الَّذِينَ يُهْلِكُونَ وَيُبَدِّدُونَ غَنَمَ رَعِيَّتِي” إرميا 23 : 1 . ويقول أيضًا: “كَانَ شَعْبِي خِرَافًا ضَالَّةً قَدْ أَضَلَّتْهُمْ رُعَاتُهُمْ عَلَى الْجِبَالِ” إرميا 50 : 6 . ولعل أشد ما قاله الرب عن الرعاة المنحرفين، ما ورد في سفر حزقيال النبي “يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ غَنَمِي صَارَتْ غَنِيمَةً… إِذْ لَمْ يَكُنْ رَاعٍ وَلاَ سَأَلَ رُعَاتِي عَنْ غَنَمِي، وَرَعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ وَلَمْ يَرْعَوْا غَنَمِي!! هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَى الرُّعَاةِ وَأَطْلُبُ غَنَمِي مِنْ يَدِهِمْ، وَأَكُفُّهُمْ عَنْ رَعْيِ الْغَنَمِ، وَلاَ يَرْعَى الرُّعَاةُ أَنْفُسَهُمْ بَعْدُ، فَأُخَلِّصُ غَنَمِي مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فَلاَ تَكُونُ لَهُمْ مَأْكَلاً” حزقيال 34 : 8-10 .
أنظروا ما خطورة الذنب الذي يرتكبه أمثال هؤلاء (الرعاة) إذ يهملون الشعب ويهتمون بأنفسهم. وكيف أن الله ينذرهم بأنه سيمنعهم عن الرعاية فيما بعد، بل يقول: “أُخَلِّصُ غَنَمِي مِنْ أَفْوَاهِهِمْ فَلاَ تَكُونُ لَهُمْ مَأْكَلاً”… أي أنهم بدلًا من أن يقوتوا الشعب، صار الشعب لهم قوتًا؟!… إنه درس خطير لمن له أذنان للسمع كي يسمع.
ماذا يحدث إذا ضرب الشيطان راعيًا بشهوات العالم وبإهماله للرعية؟، يقول الكتاب في ذلك “اِضْرِبِ الرَّاعِيَ فَتَتَشَتَّتَ الْغَنَمُ” زكريا 13 : 7 وإذا تشتت الرعية، فكم تكون عقوبة الراعي؟!
عمل الله المثالي كراعٍ:
يقول الرب في سفر حزقيال النبي “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا… وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ” حزقيال 34 : 15-16 . فمن المهم إذًا أن نسعى وراء الذين ضلوا لنرجعهم. لذلك لأني سمعت أن بعض الخدام يشطبون من تقاريرهم أسماء الذين بعدوا، وسمعت للأسف الشديد أن كاهنًا يقول عمن تركوا الكنيسة “ابن الهلاك للهلاك يُدعى”!! وهذا ضد تعاليم السيد المسيح الذي قال عن نفسه إنه “جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ” لوقا 19 : 10 ، وهو “لا يشاء موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا”، وهو ” يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ” تيموثاوس الأولى 2 : 4 .
والله يسترد المطرود كما طُرد داود من وجه شاول الملك وكذلك كل من طُرد ظلمًا من رئاسة مُسيطرة.
الله الراعي أيضًا يجبر الكسير ويعصب الجريح. فهو لا يحتقر الضعفاء، بل يتأنّى عليهم لكي يخلصوا. يمكنك إذًا أن تأتي إلى الله وتقول له: أنا يا رب جريح وسط شعبك. أذلتني الخطية وكسرت نفسي. وهأنذا ألجأ إليك أيها المهتم بالجرحى والمكسورين… والذي جئت لكي تعصب منكسري القلوب، وتنادي للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق… وتعزي كل النائحين إشعياء 61 : 1-2 .
وقلت أيضًا: “أَفْتَقِدُ غَنَمِي وَأُخَلِّصُهَا مِنْ جَمِيعِ الأَمَاكِنِ الَّتِي تَشَتَّتَتْ إِلَيْهَا” حزقيال 34 : 12 ، من أجل هذا قال داود النبي في مزمور الراعي: “إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي” المزامير 23 : 4 . نعم لقد كان الرب مع داود حتى في جميع سقطاته فأنقذه. وحتى بعد موته، كان يصنع الخير لأسرته قائلًا: “لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي” الملوك الأول 11 : 12-13 .
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “الله الراعي”، نُشر في مجلة الكرازة 20 نوفمبر 2009م.



