اثنان خير من واحد (2)

حدثتكم في الأسبوع الماضي عن قول الكتاب “اثنان خير من واحد…” [bible book="الجامعة" chapter="4" verse="9"].
وفي هذه الليلة أحب أن أتابع معكم التأمل في نفس الآية.. اثنان خير من واحد… والخيط المثلوث لا ينقطع سريعًا.
اثنان خير من واحد
تصلح هذه العبارة، بالنسبة إلى أيام الصوم هذه…
لأن كثيرين يصومون بالجسد، والصوم بالجسد وحده لا يفيد.
ينبغي اشتراك الروح مع الجسد في الصوم، لأن اثنين خير من واحد. وباشتراك الروح يصير الصوم صومًا…
فالإنسان مخلوق من هذين الاثنين، الروح والجسد، وينبغي إشتراكهما معًا في الصوم، فعبادتنا روحية،
وليست مجرد جسديات: الجسد يمتنع عن الطعام، والروح تتجرد من حب المادة. والجسد والروح ينتهزان فرصة الصوم، ليسموان في الحياة الروحية..
أيضًا إن كانت الروح قوية، تستطيع أن تسند الجسد في صومه. “وويل لمن هو وحده إن وقع، إذ ليس ثان ليقيمه”.
عبارة (اثنان خير من واحد) تنطبق أيضًا في الطقوس:
حيث يشترك الجسد والروح معًا في كل الأمور الطقسية. أنت توقد شمعة أمام أيقونة قديس. الحواس الجسدية ترى الشمعة.
والروح تسبح في المشابهات بين القديس والشمعة: كيف كان ينير مثلها،
وكيف كان ملتهبًا مثلها، ويذوب مثلها، باذلًا نفسه عن غيره. وأيضًا كان نقيًا مثله…
في المطانيات، أمام الهيكل، وأمام الناس، يشترك الجسد والروح:
الجسد ينحني أمام الهيكل، وإنحناء الجسد وحده لا يفيد، لأن عبادتنا ليست جسدية،
بل تشترك معه الروح، فاثنان خير من واحد. وكما ينحني الجسد، تنحني الروح في خشوع..
وفي السجود، تصل الرأس إلى التراب، وبالروح تشعر أنك تراب.
كما قال داود النبي “لصقت بالتراب نفسي” وليس جسدي.. إن كثيرين لا تُقبل المطانيات منهم، لأنها ليست بالروح…
كذلك إن خلعت حذاءك أمام الهيكل، فلا يكن ذلك مجرد عمل جسدي،
إنما تذكر قدسية المكان، فيتخشع قلبك، وتشترك روحك مع جسدك، فاثنان خير من واحد…
الصلاة، ليست مجرد كلام، إنما تضيف للكلام الفهم. فالكلام وحده لا يكفي، لأن اثنين خير من واحد.
وكيف نصل إلى الخيط المثلوث الذي لا ينقطع سريعًا؟ عندما نضيف العاطفة…
لذلك تقول التسبحة “قلبي ولساني” فاثنان خير من واحد..
وفي اشتراك القلب، تشترك أمور كثيرة مع الكلام والفهم: فيدخل في الصلاة الإيمان،
والانسحاق، والحب، والتواضع، والفهم، والحرارة… والخيط المثلوث لا ينقطع كثيرًا..
في قراءة الكتاب المقدس، ينبغي أن يضاف ثان للقراءة..
يضاف إليهما الفهم، لأن إثنين خير من واحد. وما هو إذن الخيط المثلوث الذي لا ينقطع كثيرًا؟ إنه حينما يضاف إلى القراءة والفهم، عنصر العمل.
كما تحدث الرب عمن علم وعمل، فهذا يدعى عظيمًا.. القراءة وحدها لا تكفي.
لابد تحبل وتلد أولادًا بالروح القدس: تنجب أعمالًا، تنجب حياة…
ولهذا نقول في أوشيه الأنجيل “اجعلنا مستحقين أن نسمع ونعمل” الأمرين معًا…
عبارة (اثنان خير من واحد): نجدها أيضًا في الفضائل..
فضيلة العطاء، نضيف إليها فضيلة ثانية هي الخفاء. وهاتان الفضيلتان تضاف إليهما الرحمة، وهكذا نصل إلى الخيط المثلوث.
(اثنان خير من واحد): تضيف إلى (أنا) باقي الناس. لاتكن متمركزًا حول ذاتك وحدك،
إنما ضم كل الناس إليك، فهذه محبة القريب، التي بدونها لا تكون شخصًا روحيًا.
وكيف تصل إلى الخيط المثلوث؟ حينما تضيف إلى محبتك للناس، محبتك لله: الله، والناس، وأنت…
هل في كل أعمالك، تضع خير الناس في حسابك، وتضع رضى الله في حسابك؟
هناك بعض الناس، لهم فضائل اجتماعية فقط، غير روحية، مع الآخرين، دون أن يدخل الله فيها.
كخدمتنا للفقراء، التي نسميها (خدمة اجتماعية)، نحاول بها أن نعطيهم احتياجاتهم المادية، دون أن يدخل الله في الموضوع، دون اهتمام بروحياتهم.
وهكذا لا يكون الخيط مثلوثًا، ولذلك ما أسرع أن تنقطع علاقتهم بالكنيسة، أو من أجل المال يكذبون على الكنيسة ويحتالون..
إن خدمتك للناس، هي شركة مع الله، في العناية بهم. هذا هو المفهوم الروحي للخدمة! الله داخل فيه…
بهذا تضيف إلى العلاقة الاجتماعية، علاقة روحية، في كل علاقاتك بالناس، ويكون اثنان خيرًا من واحد.
لقد قال الرب “حيثما اجتمع اثنان بإسمي، فهناك أكون في وسطهم”. اجتمع اثنان، هذه علاقة اجتماعية، وأكون في وسطهم، هذه علاقة روحية.
البعض يسأل أحيانًا “ماذا يقول الناس عني؟” وكان يجب أن تسأل أيضّا “ماذا يقول الله عني؟”
تعبير (اثنان خير من واحد) ينطبق على العقيدة أيضًا:
الإيمان شيء جميل. ولكنه يحتاج إلى ثان معه، إلى الأعمال. “فالإيمان بدون أعمال ميت” (يع2) واثنان خير من واحد: النعمة والجهاد معًا.
وفي الأعمال أيضًا، اثنان خير من واحد: عملك أنت، مشتركًا مع عمل الروح القدس.
هذه هي شركة الروح: تدخل في شركة مع الروح. الروح يعمل فيك ومعك. لأن العمل البشري وحده ليس فضيلة.
فالفضيلة ليست برًا ذاتيًا، ولا اعتمادا على ذراع بشري، إنما هي شركة مع الروح..
قال بولس الرسول “أنا غرست، وأبولس سقى، ولكن الله كان يُنمي” (1كو3). هذا هو الخيط المثلوث الذي لا ينقطع سريعًا… الله يُنمي.
يُنمي عملنا، وعملنا هذا اشتركت فيه إرادتنا مع إرادة الله، لأنه “اثنان خير من واحد”…
لهذا فالروحيون يخلطون كل أعمالهم بالصلاة، طالبين من الله أن يشترك في العمل معهم. وفي الحكمة والذكاء، نري أن اثنان خير من واحد.
فالذي ينظر إلى الأمر من زاويتين أو أكثر، هو أفضل ممن ينظر إلى الأمر من زاوية واحدة.
وأنت، حينما تجلس إلى مرشد، ويبصرك بالأمور، إنما يشرح لك الزوايا الأخرى من الموضوع،
التي ما كنت تبصرها. ويجعلك تدرك أن اثنان خير من واحد…
ما هو إذن الخيط المثلوث، في الرؤية السليمة للأمور؟
يمثله الشاروبيم الذين قيل عنهم “الممتلئون أعيُنًا ” أي لهم بصيرة في كل اتجاه.
لذلك فإن ترجمة كلمة شاروبيم هي “ملء المعرفة”.. ولذلك فالشخص الحكيم هو الممتلئ أعينًا، الذي ينظر إلى كل أمر من كل اتجاه.
وحتى في غرض العمل الواحد، تنطبق نفس الآية:
إنسان يعمل عملًا، فيصيب عدة أغراض في وقت واحد. هذه هي منتهى الحكمة. وهكذا عمل الله أيضًا: يعمل العمل الواحد، فتعم فوائده كل ناحية.
ويرى كثيرون أن هذا العمل الإلهي هو من أجلهم وحدهم، بينما هو من أجل الكل.
بل الله يستطيع أن يجعل كل الأمور تتحد معًا لهدف واحد في نفس الوقت “كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله” ( رومية 8 : 28 ).
وكأنها جميعًا أنصاف أقطار دائرة تلتقي كلها في مركز واحد، وهو الخير الذي يريده الله…
“اثنان خير من واحد”، تصلح للماضي مع الحاضر…
لا تقل “نحن أولاد الفراعنة” “نحن أبناء الشهداء”، وتعيش على الماضي وحده، بلا حاضر.
فالماضي المجيد، مع الحاضر الصالح، اثنان خير من واحد. وما هو الخيط المثلوث الذي لا ينقطع سريعًا؟
إذا كان الماضي والحاضر يعملان معًا من أجل مستقبل باهر…
“اثنان خير من واحد” تظهر في العدل وعدم التحيز:
المتحيز يهتم بكفة واحدة من الميزان، يضع فيها كل حبه واهتمامه وتأييده، ويترك الكفة الأخرى.
ليس هذا هو العدل. فالعدل يهتم بالكفتين، لأن اثنان خير من واحد.
وهكذا إذا دخلت في أي إشكال، لا تنضم إلى جانب ضد الآخر، إنما انظر إلى الاثنين بنفس الحب والاهتمام والعناية…
في الأمور العقائدية، نرى هذه الآية واضحة، حينما نلمس (خطورة استخدام الآية الواحدة).
والآية الواحدة قد لا تكون عقيدة، لأن أنصاف الحقائق ليست كلها حقائق. وطريقة الآية الواحدة، بدون باقي الآيات التي تسندها، تؤدي إلى بدع…
أريوس استخدم آية واحدة هي (أبي أعظم مني). ولو فهم عبارة “اثنان خير من واحد”.
لأضاف إليها آية ثانية هي (أنا والآب واحد) ( يوحنا 10 : 30 ).
نقطة هامة أخرى، هي خطورة الفضيلة الواحدة.
هنا أيضًا “اثنان أفضل من واحد”. فالفضائل كلها تتجمع معًا، وتسند بعضها بعضًا…
فالفضائل الخالية من الحكمة ليست فضائل على الحقيقة وكذلك الفضائل الخالية من الحب، والفضائل الخالية من الاتضاع.
فالحكمة والحب والاتضاع خيط مثلوث لا ينقطع سريعًا… الأب الذي يسير بحزم، بدون حب أو حنان،
لا يعطي صورة صادقة عن الأبوة. فاثنان خير من واحد. كذلك في باقي أمثلة الفضائل..
ليتنا ننفذ هذا المبدأ في حياتنا، لتكون متكاملة..
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة (العدد الحادي عشر) 16-3-1979م




