سؤال أنا إنسانة عاطفية جدًا ولكن كثيرًا ما أصلي حتى يوجه الله هذه العاطفة الزائدة له ولكن لا تستجاب فما الحل؟
سؤال:
واحدة بتقول: أنا إنسانة عاطفية جدًا، ولكن كثيرًا ما أصلي حتى يوجه الله هذه العاطفة الزائدة له، ولكن لا تُستجاب هذه الطلبة، وأنا أتعب كثيرًا من هذه العاطفة الثائرة التي لا تهدأ، فما الحل؟ مع العلم إن عندي اشتياق لله وللثبات فيه؟ [1]
الإجابة:
العاطفة الكبيرة ميزة، ميزة وليست ضررًا، العاطفة الكبيرة ميزة وليست ضررًا. ولهذا نجد في تاريخ الكنيسة إن كثيرًا من العاطفيين الذين انحرفت عاطفتهم انحرافًا سيئًا جدًا، لما أُصلح مدار هذه العاطفة ومسار هذه العاطفة، تحولوا إلى قديسين جبابرة.
القديس أغسطينوس كان رجل عاطفي جدًا، وانحرفت بيه العاطفة في طريق الخطية. لما وصل لربنا، العاطفة دي حولته إلى أغسطينوس، رجل التأمل ورجل الحب الإلهي، ووجهها توجيهًا سليمًا.
مريم القبطية كانت إنسانة عاطفية ووقعت في الخطية إلى أعماقها، ولكن لما هذه العاطفة وُجهت في طريق الله، تحولت إلى القديسة السائحة المتوحدة مريم، التي استحقت أن تبارك القديس الأنبا زوسيما القس. وهكذا نجد أن كثيرًا من الزانيات والزناة تحولوا إلى قديسين وقديسات من الجبابرة في منتهى العمق، لأن العاطفة مصدر للحب، فإذا الحب توجّه نحو الله، يتحول الإنسان إلى شخص مملوء من العاطفة الإلهية.
بعكس الناس القساة اللي قلبهم شديد، دول حتى لما بيتحولوا إلى الله، بتبقى قلوبهم عايزة واحد ينحت فيها زي ما بينحت في صخر. ولهذا كثير من القديسين قالوا: إحنا نحب الناس العاطفين ولو وقعوا في الخطية ووقعوا في الزنا، لأنهم ممكن يتحولوا إلى طريق بار ومقدس، بعكس الناس القساة القلب، من الصعب يوصلوا لطريق ربنا. فحكاية العاطفية الزايدة دي ميزة، بس عايزه حُسن توجيه، حُسن توجيه.
نصيحتي لكِ هي الآتي:
لا تتركي عاطفتك تسير حسبما تشاء، إنما اشغليها قبل ما تنشغل لوحديها. باستمرار املي قلبك بالعاطفة. أعطي حبًا للبيت الذي تعيشين فيه، لأبوكي وأمك وإخواتك وقرايبك، أعطي جزءًا من العاطفة لصديقاتك وزميلاتك في العمل أو في الدراسة. أعطي جزءًا من العاطفة للخدمة، سواء في مدارس الأحد، أو الخدمة الاجتماعية، أو خدمة الفقراء، أو خدمة الملاجئ، إلى آخره.
أعطي عاطفة لله في صلواتك وتأملاتك ومحبتك. اشغلي قلبك باستمرار.
لو ما شغلتيش قلبك باستمرار، تأتيكي محبة غريبة وتسكن فيكي وتتعبك. يبقى العاطفة الزائدة دي كويسة وميزة، بس إحنا نستغلها استغلال سليم ونوجهها توجيه نحو ربنا. ما نخليهاش تنحرف نحو العالم أو نحو الجسد أو نحو الشهوات والرغبات الخاصة أيًا كانت، إنما نوجهها نحو الله. ده اللي إحنا عايزينه. وبإمكانك إنك أنتِ توجهي عاطفتك توجيهًا روحيًا سليمًا، وزي ما بقولك اشغلي نفسك باستمرار.
كمان في عملك الروحي، ليكن عملًا بعاطفة. يعني لما تصلي، أعطي قلبك للصلاة. لما تقرأي في الكتاب، أعطي قلبك لكلام الله. لما تخدمي، اخدمي بكل قلبك، بكل عواطفك. لما تدرسي في مدارس الأحد، حبي الأولاد من أعماقك، يملأوا قلبك. إن لقيتي بعد كل ده زايد عندك شوية حب، شوفي بيت حضانة واشتغلي فيه، شوفي ملجأ واشتغلي فيه، شوفي أي عمل إلهي واشتغلي فيه. لو محبتك دي تحركت نحو خلاص النفس واشتغلتي في الخدمة، هتلاقي خدمتك لا تقتصر على فصل مدارس أحد، إنما بقيتي تملي كل مكان خدمة، في كل مكان تحدثي الناس عن ربنا، وكل شوية والتاني تجيبي ناس لربنا. العاطفة دي كويسة، إحنا ما نزعلش إن عندك عاطفة كبيرة، لكن نزعل إن العاطفة الكبيرة دي تتوجه توجيهًا خاطئًا.
أكتر حاجة تتعب بنت إن العاطفة دي بحالها كلها تتحط في شخص واحد، إنسان من اللي بيمشي على الأرض، فتدوخ، وبخاصة إذا كانت هذه العاطفة من جانب واحد، زي واحدة تضع كل عاطفتها في إنسان والإنسان مش حاسس بيها، فتبقى تعبانة وهتموت. ما تعمليش كده، لا يوجد إنسان يستحق منك كل هذا. خلي عاطفتك أولًا وقبل كل شيء في ربنا نفسه.
حبي أيضًا القديسين، اديهم جزء من عاطفتك، زي الناس اللي بيحبوا القديسين ويتشفعوا بالقديسين. تلاقي عندهم عاطفة كبيرة نحو القديسين. يحب مريم العذراء ويقعد يقول: «شيري ني ماريا»، ويقول كل تسابيح العذراء وكل إبصاليات العذراء وكل ثيؤطوكيات العذراء، ويروح في كنايس العذراء، ويعلق قنديل للعذراء، ويحط شمع للعذراء، ويبقى العذراء واخده جزء من قلبه.
كوّنوا صداقة مع الله، وصداقة مع القديسين، وصداقة مع السماء ومع الأبدية.
وكونوا صداقة مع الأنبياء والرسل الذين تقرأون لهم. واحد يقرأ سفر إشعياء ويتصاحب مع إشعياء، وواحد يقرأ سفر إرميا ويتصاحب مع إرميا، وواحد يقرأ سفر الخروج ويتصاحب مع موسى، ويبتدي قلبه يتملي. خلوا علاقتكم مع ربنا علاقة روحية، علاقة حب، علاقة عاطفة؛ عاطفة في الصلاة، عاطفة في القراءة، عاطفة في التأمل، عاطفة في التناول، عاطفة في الاجتماعات، عاطفة في الترتيل. في إنسان يرتل ترتيلة عادية، وإنسان يرتلها بكل قلبه. لما بيرتلها بكل قلبه، جزء من عاطفته بتشتغل في الترتيل.
هو اللي بيتعب الإنسان في العاطفة إن فيه عاطفة مختزنة مش لاقية تتصرف فين. يعني قاعد يوزع في الحب، يوزع، وفاضلين شوية حب ما اتوزعوش، فيجي ابن الحلال وياخدهم، وبعدين يبتدي ياخد ياخد ياخد، لغاية ما يستولي على الكل. ما تبقوش كده، املأوا قلبكم من العواطف النبيلة الروحية القوية، وعندئذ تشعرون بقيمة العاطفية، إنها كانت لخيركم.
زي ما قلت لكم، الشخص العاطفي عنده مجال للسير في طريق الله أكتر من الشخص القاسي القلب، بس عايزه توجيه سليم وعايزه استغلال، وما تتركوش الحب اللي في قلبكم فاضي، استغلوه قبل ما العالم يستغله.
[1] سؤال أجاب عنه قداسة البابا شنوده في عظة بعنوان “تأملات في حياة موسى النبي – وردة وسط الأشواك” 17 سبتمبر 1976م

