تأملات في سفر الرؤيا

| الكتاب | تأملات في سفر الرؤيا |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | الكلية الإكليريكية للأقباط الأرثوذكس |
| الطبعة | 2004م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 21910 / 2004 |
| الترقيم الدولي | 977-5345-85-5 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقَدمة الكتاب
مقَدمة الكتاب
ليست هذه تأملات في كل سفر الرؤيا، إنما فقط في الأصحاحات الستة الأولى منه.
إنها محاضرات ألقيت في الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالقاهرة في أيام الجُمع من سنة 1970م. وقد أتيح لها الآن أن تُنشر في كتاب بعد 34 عامًا. وسبق نشرها في جريدة وطني.
إنها خليط من التفسير والوعظ والتأمل.
تظهر فيها روحانية سفر الرؤيا، والانتفاع بكلماته كغذاء روحي لكل أحد، حتى إن كانت بعض أجزائه موجهة إلى الكنائس السبع التي في آسيا، أو كانت وصفًا لبعض الرؤى التي رآها القديس يوحنا الحبيب. ولكنها ككلام الوحي الإلهي هي: "رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو6: 63).
على أن هذه المحاضرات قد تم تسجيلها في 15 شريط كاسيت يمكن لمن يشاء أن يقتنيها من مكتبتنا الصوتية ليسمعها.
أتركك أيها القارئ العزيز بين صفحات هذا الكتاب الذي اكتفيت فيه بهذا الجزء فقط من سفر الرؤيا.
ولتصحبك نعمة الرب أثناء القراءة.
البابا شنوده الثالث
مقدمَة للسَفر
مقدمَة للسَفر
كاتب السفر:
كاتب سفر الرؤيا هو القديس يوحنا الإنجيلي.
أحد الرسل الاثني عشر. وهذا واضح من السفر ذاته. إذ يقول في أوله: "أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ وَفِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ. كُنْتُ فِي الْجَزِيرَةِ الَّتِي تُدْعَى بَطْمُسَ مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رؤ1: 9). والمعروف أن القديس يوحنا الحبيب قد نُفي إلى جزيرة بطمس.
وكون القديس يوحنا هو كاتب هذا السفر. هو أمر قد تسجل أيضًا في آخر هذا السفر. إذ يقول كاتبه: "وَأَنَا يُوحَنَّا الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ وَيَسْمَعُ هذَا" (رؤ22: 8). كما ورد قبل هذا أيضًا: "وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ" (رؤ21: 2).
وأهمية هذا السفر أنه تقريبًا آخر ما كُتب في الكتاب المقدس.
كُتب حوالي سنة 95 أو 96م. في وقت كان فيه جميع الآباء الرسل قد استشهدوا. ولم يبق سوى الرسول يوحنا الحبيب فقط. وكان القديس يوحنا كاتب هذا السفر، يُعد المرجع الأول والأكبر والأساسي للمعلومات الدينية في الكنيسة المقدسة.
مضـمونـه:
وهذا السفر عبارة عن إعلان من الله.
قد كشفه لعبده يوحنا لذلك سُمى كشفًا Revelation وهكذا ورد في أوله: "إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ اللهُ، لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ" (رؤ1: 1) وفيه كلام كثير من فم الرب مباشرة، وكلام من فم ملاكه.
وهو السفر الذي يشرحه: "مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ" (رؤ2: 3) فهو سفر يكشف لنا ما يريد أن يقوله لنا الرب.
وهو سفر فيه كلام كثير "عسر الفهم" ليس من السهل تفسيره.
فيه كلام عن الأرقام ودلالات الأرقام، وعن الحيوانات ودلالات الحيوانات. وعن الأحداث ودلائلها. وما أكثر ما فيه من أسرار ورموز، تحتاج كلها إلى نعمة من الروح القدس لفهمها.
ومثلًا: ما هو المعنى الرمزي لكلمة: "سَرِيعًا" التي كررها السيد الرب ثلاث مرات عن مجيئه الثاني في آخر هذا السفر (رؤ22: 7، 12، 20).
وكذلك ما هي مدة النصف ساعة التي حدث فيها سكوت في السماء؟ (رؤ8: 1).
وسفر الرؤيا هو سفر عن الله والإنسان والخليقة.
فيه وصف للسيد المسيح وألقاب كثيرة له. فهو الأول والآخر، الألف والياء، البداية والنهاية (رؤ1: 8،11، 17). وهو خروف مذبوح (رؤ5: 6). وهو ملك الملوك ورب الأرباب (رؤ19: 16). وهو "الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا" (رؤ5: 5). وهو "أَصْلُ وَذُرِّيَّةُ دَاوُدَ. كَوْكَبُ الصُّبْحِ الْمُنِيرُ" (رؤ22: 16).
مع أوصاف كثيرة للرب يسوع وردت في السفر.
كذلك وردت آيات عن السماء، وعرش الله، والقوات السمائية، والملائكة السبع، والأربعة والعشرين كاهنًا، والأربعة أحياء المملوئين عيونًا... وعن أعمال عديدة قامت بها القوات السمائية.
ويتحدث سفر الرؤيا عن الماضي والحاضر والمستقبل.
يذكر الوحش وخطورته. وحربه مع القديسين وعدد اسمه (رؤ13). ويذكر أن
الشيطان قد طُرح في الهاوية ألف سنة وخُتم عليه. ثم يحل من سجنه بعد الألف سنة. ويخرج ليضل الأمم.
أما عن نهاية الشيطان، فيذكر سفر الرؤيا عنه أنه "طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ20: 1- 10).
كما يذكر سفر الرؤيا القيامة العامة والدينونة والنهاية.
وكيف أن الأموات قد قاموا. ووقفوا أمام الله صغارًا وكبارًا.
وفتحت الأسفار المكتوبة فيها أعمالهم. ودينوا كل واحد بحسب أعماله. وكل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة، طرح في بحيرة النار (رؤ2: 11- 15) (رؤ22: 8). كذلك نهاية الموت.
ثم يذكر زوال السماء والأرض. وظهور سماء جديدة، وأرض جديدة (رؤ21: 1).
ويتحدث سفر الرؤيا عن أورشليم السمائية.
وهي مسكن الله مع الناس في الأبدية، وعن حالة الأبرار فيها. ويصف مجد هذه المدينة ومقاييسها، وسورها وأبوابها.
وأنها لا تحتاج إلى شمس وقمر لإنارتها، لأن الله ينيرها (رؤ21).
ويتحدث عن حياة الفرح فيها، وأنه لا يدخلها شيء دنس...
ومتعة الأبرار هناك. كما يتحدث عن نهر الحياة وشجرة الحياة (رؤ22: 1، 2).
وعرش الله فيها.
كما يتحدث سفر الرؤيا عن مكافآت الغالبين (رؤ2، 3).
الـــرؤى:
يشتمل سفر الرؤيا على كثير من الرؤى، نذكر من بينها:
الرؤيا الأولى الأساسية: (رؤ1، 2، 3).
وهي رؤيته للسيد في منظر رهيب: "وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَصَوْتُهُ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ"، وهو في "سَبْعَ مَنَايِرَ مِنْ ذَهَبٍ"، هِيَ السَّبْعُ الْكَنَائِسِ، وفي يمينه "سَبْعَةُ كَوَاكِبَ، هِيَ مَلاَئِكَةُ السَّبْعِ الْكَنَائِسِ"، وقد خاف القديس يوحنا ووقع على الأرض كميت. فوضع الرب يده اليمنى عليه. وقال له: "لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ" (رؤ1: 12- 20).
وهذه الرؤيا شرح الرب فيها معنى المنائر السبع والسبعة الكواكب.
الرؤيا الثانية: (الأصحاحات4- 7).
وفيها رأى العرش الإلهي، والجالس عليه، والأربعة والعشرين قسيسًا على عروشهم، والأربعة أحياء المملوئين أعينًا، كما رأى السفر المختوم بسبعة ختوم، والخروف القائم كأنه مذبوح، والذي فك الختوم السبعة، وماذا حدث عندما فك كل ختم.
كما رأى المختومين وعددهم 144 ألفًا. والجموع الكثيرة الواقفة أمام العرش في ثياب بيض، أولئك الذين "غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ... لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ، وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ، وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ" (رؤ7: 14- 17).
الرؤيا الثالثة: وتشمل (الأصحاحات 8، 9، 10، 11).
وفيها رأى القديس يوحنا سبعة ملائكة أمام الله، وقد أعطوا سبعة أبواق، فنفخوا فيها فحدثت أنواع من الخراب أشد، حتى قال الرائي: "ثُمَّ نَظَرْتُ وَسَمِعْتُ مَلاَكًا طَائِرًا فِي وَسَطِ السَّمَاءِ قَائِلاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: وَيْلٌ! وَيْلٌ! وَيْلٌ لِلسَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَجْلِ بَقِيَّةِ أَصْوَاتِ أَبْوَاقِ الثَّلاَثَةِ الْمَلاَئِكَةِ الْمُزْمِعِينَ أَنْ يُبَوِّقُوا!" (رؤ8:13). "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ سَيَطْلُبُ النَّاسُ الْمَوْتَ وَلاَ يَجِدُونَهُ، وَيَرْغَبُونَ أَنْ يَمُوتُوا فَيَهْرُبُ الْمَوْتُ مِنْهُمْ" (رؤ9: 6).
ولكن نشكر الله إنه إلى جوار هؤلاء الملائكة الممسكين الأبواق: "جَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ الْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَأُعْطِيَ بَخُورًا كَثِيرًا لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ الذَّهَبِ الَّذِي أَمَامَ الْعَرْشِ. فَصَعِدَ دُخَانُ الْبَخُورِ مَعَ صَلَوَاتِ الْقِدِّيسِينَ مِنْ يَدِ الْمَلاَكِ أَمَامَ اللهِ" (رؤ8: 3، 4).
كما نشكر الله أيضًا أنه مع البوق الأخير: "حَدَثَتْ أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ11: 15).
الرؤيا الرابعة: وتشمل (الأصحاح 12).
وفيها رأى القديس يوحنا "امْرَأَةٌ مُتَسَرْبِلَةٌ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهَا"، وهي حبلى متمخضة. وقد "وَلَدَتِ ابْنًا ذَكَرًا عَتِيدًا أَنْ يَرْعَى جَمِيعَ الأُمَمِ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ". وتنين وقف ليبتلع هذا الابن ثم: "حَدَثَتْ حَرْبٌ فِي السَّمَاءِ: مِيخَائِيلُ وَمَلاَئِكَتُهُ حَارَبُوا التِّنِّينَ، (الشيطان) وَمَلاَئِكَتُهُ الذين لم يقووا بل طُرحوا إلى الأرض. ثم بعد ذلك التنين "اضْطَهَدَ الْمَرْأَةَ الَّتِي وَلَدَتْ الابْنَ الذَّكَرَ".
الرؤيا الخامسة: خاصة بالوحش ثم الأطهار (رؤ13، 14).
وفيها رأى القديس يوحنا وحشًا طالعًا من البحر. "أُعْطِيَ أَنْ يَصْنَعَ حَرْبًا مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَيَغْلِبَهُمْ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَأُمَّةٍ. فَسَيَسْجُدُ لَهُ... الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً... فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ".
ثم رأى "وَحْشًا آخَرَ طَالِعًا مِنَ الأَرْضِ". "وَيَصْنَعُ آيَاتٍ عَظِيمَةً" والذين يتبعونه لهم سمة. وعدده 666 عدد إنسان (رؤ13: 18).
ثم رأى الرب ومعه 144 ألفًا من الأطهار "الَّذِينَ لَمْ يَتَنَجَّسُوا مَعَ النِّسَاءِ"، والذين يتبعون الرب حيثما ذهب، ويترنمون بترنيمة لم يتعلمها غيرهم.
ورأى الرب وفي يده منجله، فحصد الأشرار (رؤ14).
الرؤيا السادسة: خاصة بالملائكة أصحاب الجامات السبع (رؤ15، 16، 17).
وهم يصبون غضب الله على الأرض، بالضربات السبع، وشرح ما الذي حدث من ويلات كلما سكب أحد الملائكة جامه ثم في أصحاح 18 ذكر سقوط الزانية العظيمة بابل أم الزواني ورجاسات الأرض (4، 5) والوحش الحامل لها. ثم النواح عليها (رؤ18).
الرؤيا السابعة: وهي الخاصة بالقيامة والدينونة، ثم أورشليم السمائية.
وتشمل فتح الأسفار ودينونة الخطاة. كما تشمل طرح الشيطان "فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ" (رؤ20: 10) ثم زوال السماء والأرض وظهور أرض جديدة وسماء جديدة. كذلك رأى القديس يوحنا نهر ماء حي وشجرة حياة (مز21: 1، 2) ورأى أورشليم السمائية "نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ"... "كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا"، وهي "مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ" (رؤ21).
ثم خاتمة السفر (رؤ22) والهتاف بعبارة "تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ".
إعـلان من اللـــه
إعـلان من اللـــه
يبدأ سفر الرؤيا بهذه العبارة: "إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ اللهُ، لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ، وَبَيَّنَهُ مُرْسِلاً بِيَدِ مَلاَكِهِ لِعَبْدِهِ يُوحَنَّا، الَّذِي شَهِدَ بِكَلِمَةِ اللهِ وَبِشَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِكُلِّ مَا رَآهُ" (يو1: 1، 2).
وهنا أول نقطة تتضح لنا: أن الله لا يبخل على أولاده بالإعلان، بل إنه يكشف أسراره لمحبيه.
لما أراد الله أن يحرق سادوم وعمورة، من فرط فسادهما: "فَقَالَ الرَّبُّ: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟ لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ " (تك 18: 17- 19).
ولم يستطع الرب - في محبته لإبراهيم – أن يخفي عنه ما سوف يفعله، بل أعلنه له. ولم يكتف بالإعلان، بل أعطاه أيضًا فرصة لكي يبدي رأيه، وأن يناقش الأمر مع الله (تك18: 23- 32)
حقًا، إن "سِرُّ الرَّبِّ لِخَائِفِيهِ" (مز25: 14).
ولما أراد الرب أن يفني الشعب الإسرائيلي، بعد عبادتهم للعجل الذهبي، قال الرب لموسى: "اتْرُكْنِي لِيَحْمَى غَضَبِي عَلَيْهِمْ وَأُفْنِيَهُمْ، فَأُصَيِّرَكَ شَعْبًا عَظِيمًا" (خر32: 10). كما لو كان موسى ممسكًا بيد الرب، فيلزم أن يترك يده ليفعل ما يشاء!
ولم يكتفِ الرب أن يعلن لموسى ما سوف يفعله، بل أيضًا أعطاه الفرصة أن يحتج على إفناء الشعب، وأن يقول: يا رب "اِرْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ" (خر32: 12). وقد كان.
وهكذا كان بعض الأبرار يتعجبون إن أخفى الرب عنهم أمرًا مهمًا لهم. وقد يعاتبونه في ذلك.
حدث هذا بالنسبة إلى أليشع النبي: لما أتته المرأة الشونمية حزينة بسبب موت ابنها، أنه قال لتلميذه جيحزي: "أَنَّ نَفْسَهَا مُرَّةٌ فِيهَا وَالرَّبُّ كَتَمَ الأَمْرَ عَنِّي وَلَمْ يُخْبِرْنِي"
(2مل4: 27).
وحدث أيضًا لما زار القديس مكاريوس الإسكندراني أحد أديرة القديس باخوميوس في أقصى الصعيد متخفيًا. وما كان رهبان الدير يعرفونه. ولكنهم بهتوا من نسكه، وصغرت نفوسهم داخلهم. فذهب القديس باخوميوس إلى الجبل، وألقى نفسه أمام الله، وقال له: "لماذا يا رب أخفيت عني حقيقة هذا الإنسان من هو؟" فكشف له الرب إنه القديس مكاريوس الإسكندراني.
إن إعلان الرب أسراره لبعض أبنائه يحمل لونًا من الحب والاهتمام.
إنه يكشف أسراره لأبناء بينه وبينهم نوع من الدالة.
ويوحنا الحبيب كانت له هذه الدالة مع الرب. وكان لقبه "التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ" وكان يتكئ في حضنه (يو13: 23). فليس عجبًا إذًا أن يفتح الرب قلبه ويعلن أسراره، لهذا التلميذ الذي كان يتكئ على صدره، ويسمع دقات قلبه.
وكشف الرب أسراره للبشر، يحمل أيضًا معنى التواضع.
حقًا إنه تواضع من الرب أن يحكي لبعض البشر ما يريد أن يفعل، "مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ" (رؤ1: 1). سواء بالنسبة إليهم شخصيًا كما كشف ليوسف الصديق في حلم، ما سيكون بالنسبة إلى مستقبله (تك37). أو يكشف الرب ما سوف يحدث للآخرين، كما ذكر لأبينا إبراهيم ما سيحدث لأولاده بعد أكثر من أربعمائة سنة (تك15: 13).
ويدخل في هذا الكشف ما أعلنه الرب للأنبياء.
سواء بالرؤى أو بالأحلام، عما سيحدث في المستقبل، وحتى في آخر الأيام. كما شرح لدانيال النبي في الرؤيا وقيل له: "إِنَّ الرُّؤْيَا لِوَقْتِ الْمُنْتَهَى" (دا8: 17). كما فسرّ له أحلام نبوخذ ناصر، وما سوف يحدث. ويعوزني الوقت أن أتكلم عما كشفه الرب لدانيال بالذات.
كذلك ما كشفه الرب ليوسف الصديق عما سيحدث لرئيس السقاة ورئيس الخبازين (تك40). وما كشفه عما سيحدث لمصر من سبع سنوات شبعًا وسبع سنوات جوعًا. فأعجب به فرعون وقال عنه لعبيده: "هَلْ نَجِدُ مِثْلَ هذَا رَجُلاً فِيهِ رُوحُ اللهِ؟" (تك41: 38).
والذي يكشف له الله يعتبر إنسانًا مفتوح العينين.
كما كشفت بعض نبوءات لبلعام، فقال عن نفسه: "وَحْيُ بَلْعَامَ بْنِ بَعُورَ. وَحْيُ الرَّجُلِ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنَيْنِ. وَحْيُ الَّذِي يَسْمَعُ أَقْوَالَ اللهِ. الَّذِي يَرَى رُؤْيَا الْقَدِيرِ، مَطْرُوحًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ" (عد24: 3، 4).
وكما قال السيد الرب لتلاميذه: "طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَارًا كَثِيرِينَ اشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا" (مت13: 16، 17).
إن العيون المفتوحة موهبة من الله، دائمة أو مؤقتة.
المؤقتة تحمل إعلانًا معينًا في وقت من الأوقات، وينتهي الأمر. أما الموهبة الدائمة، فهي التي تستمر، كالرسل الذين لهم عيون تبصر. ومثلما قال القديس بولس الرسول عن نفسه: "وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ" (2كو12: 7). إنها "كثرة استعلانات". وفي إحداها اختطف إلى السماء الثالثة، وسمع كلمات لا يُنطق بها (2كو12: 4).
العجيب أن علماء الأرواح يسمّون هذه الموهبة الدائمة باسم "الجلاء البصري". فمن عندهم هذا الجلاء البصري، يرون أشياء كثيرة لا يراها غيرهم. على أننا نتكلم هنا عن جلاء روحي. كموهبة من الله، وليس كطبيعة لروح إنسانية.
هذا الإعلان الذي كشفه الله ليوحنا، أعلنه له ليرى عبيده ما لا بد أن يكون، أي ليعلنه أيضًا لغيره.
وهكذا قال له أيضًا: "وَالَّذِي تَرَاهُ، اكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا:" (رؤ1: 11).
وقد كتبه يوحنا في سفر الرؤيا، وأعلنه للعالم أجمع. وهنا: هل يحق لنا أم لا يحق، أن نعاتب معلمنا بولس الرسول لأنه لم يكشف لنا ما رآه وما سمعه في السماء الثالثة التي أُختطف إليها؟! لا شك أن له عذره، لأنه قال عما سمعه من كلمات، إنها: "كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا" (2كو12: 4).
وهكذا قال الله أيضًا لقديسه يوحنا: "وَالَّذِي تَرَاهُ، اكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا" (رؤ1: 11).
وقد كتبه يوحنا في سفر الرؤيا، وأعلنه للعالم أجمع.
إذًا هناك إعلانات خاصة، لم يسمح الله أن تكون للإعلان العام.
مثلما حدث للقديس بولس الرسول عن السماء الثالثة.
أما القديس يوحنا فقد سُمح له أن يكشف رؤياه وأن يكتبها.
ما أكثر الذين رأوا أشياء، ولم يخبروا بشيء منها!
مثال ذلك: لعازر أخو مريم ومرثا، الذي أقامه الله في اليوم الرابع. لا شك أنه في الأيام التي سبقت إقامته من الموت، قد رأى أشياء كثيرة بعد موته. ولكنه لم يخبرنا كيف خرجت روحه؟ وأين ذهبت بعد خروجها من الجسد؟ وماذا كان شعورها وقتذاك وطول تلك الأيام؟ وماذا رأت؟ ومن رأت؟ وكيف رجعت وكيف أتحدت بجسدها مرة أخرى؟! لعلها هي أيضًا أمور "لا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها" كما قال معلمنا بولس الرسول. إنها مختومة بسبعة ختوم.
ونحن نشكر الله أن رؤيا يوحنا، سمح له أن ينشرها.
وسمح لنا نحن أيضًا أن نقرأها. بل قال أكثر من هذا: "طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ، وَيَحْفَظُونَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا" (رؤ1: 3). إذًا طوباك أيها القارئ العزيز الذي تقرأ معنا هذه الرؤيا التي من أهميتها نظمت الكنيسة قراءتها في ليلة (أبو غالمسيس) بعد الجمعة العظيمة، أي ليلة سفر الرؤيا. وتردد مع قراءتها: "مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ" (رؤ3: 22).
وكلمة "يسمع" هنا ليس معناها مجرد سماع الأذن.
بل معناها: "من يسمع ويعمل" كما قال الرب في آخر عظته على الجبل (مت7: 24). فلان يسمع الكلام أي يسمع ويطيع.
وهكذا قال: "لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ، وَيَحْفَظُونَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا" أي يحفظونه في قلوبهم. كما قال داود النبي: "خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ" (مز119: 11).
القديس يوحنا يبدأ بعبارة "نعمة لكم وسلام":
فيقول: "يُوحَنَّا، إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ الْكَائِنِ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي" (رؤ1: 4).
وكونها مرسلة إلى: "السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا" إنما تعني أيضًا أنها مرسلة إلى كل كنائس العالم. مثلما نقول عن رسائل القديس بولس الرسول: إن بعضها مرسلة إلى رومية أو كورنثوس أو غلاطية أو أفسس أو فيلبي. وهي في نفس الوقت مرسلة إلى كل بلاد العالم، وليست إلى المدن المذكورة وحدها...
وعبارة "نعمة لكم وسلام" تعود الآباء الرسل أن يبدأوا بها كل رسائلهم.
نلاحظ هذا في كل رسائل القديس بولس الرسول.
إنها النعمة التي يهبها الرب للإنسان، لكي يستلم بها كلمة الله ورسالته إليه. والنعمة التي تعطيه فهم ما يقرأ، والتي تعطيه القوة على التنفيذ، وتقوده في حياته كلها.
والسلام أيضًا هو الدعاء الذي يبدأ به كل لقاء وكل زيارة، وكل رسالة، حسب تعليم الرب، وحسب لقائه مع تلاميذه بقوله: "سلام لكم" وأيضًا حسب قوله: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ" (يو14: 27).
وأيضًا يكون لكم سلام، حينما تقرأون في هذه الرؤيا عن الضربات التي ستصيب العالم من الأبواق والجامات التي يحملها الملائكة السبع، والتي يُصب فيها غضب الله على العالم.
هذه النعمة وهذا السلام ليس مصدرهما القديس يوحنا، وإنما هما من الله نفسه.
ولذلك يقول: "نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ الْكَائِنِ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي" (رؤ1: 4). فهو الكائن منذ الأزل، والذي كان معكم في القديم وفي فترة تجسده على الأرض، والذي سوف يأتي في مجيئه الثاني: "يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ" (رؤ1: 5).
فمن نِعمهِ هذا الذي كان ومن سلامه: "أنه الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ" (رؤ1: 5، 6).
وعبارة "ملوكًا وكهنة" لا تعني هذا المعنى الحرفي. فكما أن الكل ليسوا ملوكًا بالمعنى الحرفي، كذلك ليسوا كلهم كهنة بالمعنى الحرفي. وقد تعني الذي جعل من البشر ملوكًا وكهنة. وكما قال القديس بطرس الرسول: "كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ" (1بط2: 5).
أما عن المجيء الثاني للسيد الرب، فقال: "هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (رؤ1: 7). وهذا الكلام يُخجل شهود يهوه الذين – مخالفين للنص الكتابي – يقولون إن مجيء المسيح الثاني سيكون مجيئًا غير منظور!! لا تنظره كل عين والذين طعنوه!
جميل بالقديس يوحنا، أنه على الرغم من أسلوبه الروحي في إنجيله ورسائله، يتكلم أيضًا كلامًا في عمق اللاهوتيات، حتى لقبوه "القديس يوحنا اللاهوتي":
فهو هنا يردد كلام السيد المسيح: "نَعَمْ آمِينَ. أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (رؤ1: 8).
وعبارة: "الذي يأتي" تعني السيد المسيح، فهو الذي سيأتي، على السحاب. إذًا كل الصفات تنطبق عليه، وتدل على لاهوته. فلا يستطيع كائن مخلوق أن يقول أنا الألف والبداية. إنما يقول ذلك: الذي ليس قبله من يخلقه. والذي قال في سفر إشعياء النبي: "قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ" (إش43: 10) "أَنَا هُوَ. أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ" (إش48: 12).
أنا يُوحَنا أخوكم وشريككم في الضيقة (رؤ1: 9)
أنا يُوحَنا أخوكم
وشريككم في الضيقة (رؤ1: 9)
سؤال هام يفرض نفسه. وهو متى حدثت رؤيا يوحنا؟ وأين؟
تمت وقائع هذه الرؤيا، حينما كان القديس يوحنا منفيًا في جزيرة بطمس، حيث نفاه إليها الإمبراطور دومتيان.
وهناك في المنفى، لم يتركه الله بلا عزاء روحي. بل فتح له بابًا في السماء (رؤ4: 1). وأراه العرش الإلهي، والقوات السمائية، وما لا بد أن يكون (رؤ1: 1). بل أراه نفسه متجليًا في صورة مهيبة، وتحدث إليه. وسلّمه رسائل ليكتبها ويوصلها إلى الكنائس.
من العجيب أن القديس يوحنا الحبيب، ما سمعناه يحكي لنا عن رؤيا جميلة رآها في أورشليم مدينة الملك العظيم (مت5: 35). وإنما هو هنا يروي لنا عن رؤيا رآها في المنفى، في الأسر، وهو في الضيقة. وكأن الله يقول له وهو في المنفى:
أنا معك حيثما كنت. معك في هذه الجزيرة النائية. أريك ما لم تره عيناك في أورشليم. لست أتركك وأنت منفي...
لا بد أن يوحنا كان في أعماقه يمجد هذا المنفى، الذي فيه رأى ما لم تره عين أخرى، سواه...
إن رؤيا يوحنا، ومكانها، وزمانها، تشرح لنا قاعدتين أساسيتين:
إن الله لا يمنع الضيقة، حتى عن أحب الناس إليه.
إنه يكون مع أحبائه في الضيقة، ويصنع معهم عجبًا..
لقد كان مع الثلاثة فتية القديسين في أتون النار، حيث قيل إنه كان معهم رابع "شَبِيهٌ بِابْنِ الآلِهَةِ" (دا3: 25). لقد حلّهم من وثاقهم، وتمشى معهم وهم محلولون، ولم يسمح للنار أن تكون لها قوة على أجسادهم، ولا حتى على ثيابهم، فلم تحترق...
إنها خبرة تمتع بها الثلاثة فتية، وما كان لهم أن يتمتعوا بها، إلا في أتون النار!!... في الأتون اختبروا الرب وعجائبه...
ونفس الخبرة تمتع بها دانيال النبي، حينما ألقوه في جب الأُسود. وهناك رتّل أنشودته الجميلة: "إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ" (دا6: 22). وهكذا كان الرب مع قديسين آخرين في ضيقاتهم.
القديس بولس الرسول، كتب رسالته إلى أفسس، وهو أسير.
وهكذا قال لهم فيها: "أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا" (أف4: 1).
كان "أسير في الرب" ومع ذلك يكتب رسائل إلى الكنائس، إلى أفسس وإلى غيرها. كما كان القديس يوحنا الحبيب أسيرًا، منفيًا في بطمس، ويكتب رسائل "إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا" (رؤ1: 11).
وكأن يوحنا يقول لتلك الكنائس إن نفيه في تلك الجزيرة النائية، لم يمنع إطلاقًا صلتي بالله، ولا صلتي بكم!
فمن جهة صلتي بكم، ها أكتب إليكم، وإلى غيركم.
ومن جهة صلتي بالله، "كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ، وَسَمِعْتُ... رَأَيْتُ" (رؤ1: 10، 12).
وفي كتابة القديس يوحنا الرسول إلى الكنائس، يقول:
"أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ وَفِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ. كُنْتُ فِي الْجَزِيرَةِ الَّتِي تُدْعَى بَطْمُسَ مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ، وَسَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتًا عَظِيمًا كَصَوْتِ بُوقٍ" (رؤ1: 9، 10).
ويبدأ القديس يوحنا بعد ذلك في أن يروي ما رآه وما سمعه، وما كلّفه الرب بتوصيله من رسائل للكنائس. ولكن قبل أن ندخل في هذه التفاصيل، نود أن نتأمل في عبارات مقدمته.
"أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ".
من هو يوحنا هذا، الذي يقول "أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ"؟
إنه القديس مار يوحنا الحبيب، واحد من الاثنى عشر رسولًا الذين اختارهم الرب. بل كان التلميذ الذي "كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ" (يو13: 23) (يو19: 26) (يو20: 2) (يو21: 7، 20).
وهكذا تكرر هذا اللقب في الكتاب عدة مرات: "وكان يتكئ على صدر يسوع"
(يو21: 20) (يو13: 25).
وهو أحد الثلاثة، الذين كان الرب يخصهم بمودة معينة، وينفرد بهم أحيانًا. كما أخذهم معه إلى جبل التجلي: بطرس ويعقوب ويوحنا (مر9: 1). وكما أخبرهم مع أندراوس عن مجيئه الثاني وعلامات نهاية الأزمنة (مر13: 3). وأخذهم معه أيضًا إلى بستان جثسيماني (مت26: 37).
وهو الوحيد من الاثني عشر الذي تبع المسيح إلى الصليب. وعهد إليه السيد الرب برعاية القديسة العذراء. وقال له: "هُوَذَا أُمُّكَ. وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ" (يو19: 27).
وهو أحد الثلاثة الذين قال عنهم القديس بولس الرسول إنهم أعمدة الكنيسة. فقال: "فَإِذْ عَلِمَ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ، أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ" (غلا2: 9).
وهو الوحيد الذي منحه الرب هذه الرؤيا.
ومع كل ذلك يقول: "أنا أخوكم"...!
ما أعظم تواضع القديس يوحنا الرسول في قوله: "أنا أخوكم"!!
في كتابته لسفر الرؤيا، كان هو الوحيد الباقي من الاثني عشر رسولًا. وكان قد مرّ عليه أكثر من ستين عامًا، وهو معتبر عمودًا في الكنيسة. كان من جهة السن أكبر شيخ في الكنيسة. وكان من جهة العلم والمعرفة أكبر معلم في الكنيسة في أيامه، بل هو المرجع الأصيل لكل معرفة دينية.
ومن جهة الكهنوت كان أسقفًا مسكونيًا وراعيًا، بل أكبر وأقدم أسقف وراعٍ في الكنيسة بوجه عام. والكل كانوا أولاده.
ومع ذلك قال في تواضع: "أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ"!!
قال: "أنا أخوكم" وهو أبو الكنيسة كلها، والكل أولاده!
وهو كان يعرف هذا جيدًا. وقد قال في رسالته الأولى: "يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا" (1يو2: 1).
ولكنه تواضع من هذا الرسول العظيم في كتابة سفر الرؤيا:
من جهة السن، كان أكبر الكل سنًا.
ومن جهة الكهنوت، كان الأكبر في الكهنوت، كرسول عظيم.
ومن جهة الدعوة، كان الأقدم طبعًا، فهو من الاثني عشر.
ومن جهة الصلة بالسيد المسيح، كان هو الأقرب صلة، فهو الذي دُعيّ حبيبًا للرب، وهو الذي كان يتكئ في حضنه. وهو الذي أخذ القديسة العذراء إلى بيته.
ومع ذلك كله، فإنه يصف نفسه بعبارة "أَنَا يُوحَنَّا أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ وَفِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ"!! (رؤ1: 9).
إنه تواضع نتعلمه نحن من القديس يوحنا الرسول.
وهو قد تعلمه من الرب يسوع في عشرته له.
تعلمه من الرب الذي قال لمريم المجدلية ومريم الأخرى: "اِذْهَبَا قُولاَ لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي" (مت28: 10).
وهو الذي قال لتلاميذه: "لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا... لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ" (يو15: 15)
إنه المسيح الذي دعانا أخوة له. ليس تلاميذه فقط، بل البشر جميعًا – كما قال الرسول – "لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً، قَائِلاً: أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي" (عب2: 11، 12). بل قيل عنه أيضًا إنه: "كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْء" (عب2: 17).
بل قال الرب عن الفقراء والمحتاجين إنهم إخوته الأصاغر: فقال عن الجياع والعطاش والعراة والغرباء والمحبوسين: "بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (مت25: 40).
إنه درس تلقاه يوحنا من معلمه، وفهمه ونفذه.
وهكذا قال لكنائس آسيا: "أنا يوحنا أخوكم".
"أَخُوكُمْ وَشَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ" (رؤ1: 9).
لا تحسبوا أني أعيش في برج عالٍ، أو في حياة هادئة ناعمة، باعتباري رسولًا، وراعيًا، ورئيسًا دينيًا لكم!! كلا، بل أنا أخوكم وشريككم في الضيقة. لست أستريح، وأنتم تتعبون! بل أنا مشترك في الضيق معكم. بل إن السيد الرب قد حدثنا عن هذا الضيق قبلكم. فقال لنا: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ" (يو16: 33) "إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ... إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ" (يو15: 18، 20) "بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ" (يو16: 2).
كما اشترك معنا المسيح في الضيق، وسبقنا إليه.
هكذا نحن نشترك معه في الضيقة، ونتقدمكم فيها.
إن الضيق هو الطريق إلى الملكوت.
ولهذا، فأنا "شَرِيكُكُمْ فِي الضِّيقَةِ وَفِي مَلَكُوتِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَصَبْرِهِ".
أليس هو القائل منذ البدء: "اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ" (مت7: 13، 14). أليس هو القائل: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مر8: 34). بل قال أكثر من هذا: "مَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت10: 38).
لذلك نحن نرحب بالضيقة، لأنها الطريق إلى الملكوت.
وإن كنت شريككم في الملكوت، فأنا شريككم في الضيقة.
مرحبًا إذًا بالنفي في جزيرة بطمس، فلا بد من هذا كله، لأنه طريق الملكوت، نشترك فيه، وفي الصبر أيضًا. لأن هكذا قال المسيح: "بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ" (لو21: 19) "الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ" (مت10: 22) (مت24: 13).
وليس فقط نتيجة الصبر لأجل الملكوت، إننا ننال الملكوت... بل بالصبر أيضًا نقتني أنفسنا، فننال نعم الرب هنا، في المنفى. ما دمنا فيه "مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رؤ1: 9).
فماذا كانت أول نعمة نلتها في هذا المنفى، وبهذا الصبر؟
يقول مار يوحنا: "كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ".
"كُنْتُ فِي الرُّوحِ" (رؤ1: 10).
المعروف أن القديس يوحنا، قد حلّ الروح القدس عليه في يوم الخمسين مع باقي الرسل: "وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع2: 4). وهكذا عاشوا ممتلئين من الروح القدس.
فماذا تعني عبارة "كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ"؟!
أصارحكم يا أخوتي أنني وقفت متحيرًا أمام هذه العبارة بعض الشيء، ووقفت متحيرًا أمامها بعض الوقت.
هذا القديس العظيم المملوء من الروح القدس، ماذا يعني أنه كان في الروح في يوم ما؟ أهي نعمة خاصة مضاعفة وقتذاك؟ أو حالة روحية فائقة للطبيعة؟ لعلها كذلك. لست أدري.
الرؤيَــا الأولىَ
الرؤيَــا الأولىَ
رأى فيها يوحنا السيد المسيح في منظر مهيب جدًا.
ولأن الرؤيا عظيمة هكذا، فقد مهد لها الرب تمهيدًا لازمًا: من جهة الحالة. ومن جهة الوقت، ومن جهة التدرج.
فمن جهة الحالة: قال القديس يوحنا: "كُنْتُ فِي الرُّوحِ" (رؤ1: 10).
أي كان في حالة روحية فائقة للطبيعة كما أظن، كما لو كان لا يشعر بوجوده في الجسد. كما قال القديس بولس الرسول مرة: "أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ" (2كو12: 3). كان يلزم للقديس يوحنا أن يكون في الروح، لكي يحتمل ويستوعب ذلك المنظر الروحي. وماذا أيضًا؟
يقول إنه كان: "فِي يَوْمِ الرَّبِّ" (رؤ1: 10) أي باليونانية "كيرياكي" أي يوم الأحد. في يوم مقدس. في يوم الأحد الذي قدسه الرب بقيامته فيه. وبظهوره فيه للتلاميذ، إذ "نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ، وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ" (يو20: 22، 23).
وفي نفس يوم الأحد الذي حل فيه الروح القدس على التلاميذ، يوم البنطقستي، وكان يوم مولد الكنيسة وتأسيسها، وبدء المواهب الروحية التي ساعدت على نشر الإيمان.
نعم، في مثل هذا اليوم المقدس تراءى الرب ليوحنا، لأنه ليست كل الأيام في درجة واحدة. بل إن يومًا يفوق يومًا في القدسية، وفي مدى صلاحيته للرؤيا الإلهية.
ومع ذلك ظهر الرب له في تدرج، لكي يحتمل.
لم يظهر له مرة واحدة: "وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا" (رؤ1: 16) فهذا صعب عليه، إذ لم يتعود أن يرى المسيح هكذا...
إن القديس بولس الرسول، لما رأى الرب في طريق دمشق (أع9) لم يحتمل النور، وسقط على الأرض، ولم يستطع أن يبصر. واحتاج فيما بعد إلى أن القديس حنانيا: "وَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ... فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ" (أع9: 17، 18).
ودانيال النبي: قال عن رؤياه فيما كان الملاك جبرائيل يشرح له: "وَإِذْ كَانَ يَتَكَلَّمُ مَعِي كُنْتُ مُسَبَّخًا عَلَى وَجْهِي إِلَى الأَرْضِ، فَلَمَسَنِي وَأَوْقَفَنِي عَلَى مَقَامِي" (دا8: 18). "وَأَنَا دَانِيآلَ ضَعُفْتُ وَنَحَلْتُ أَيَّامًا، ثُمَّ قُمْتُ... مُتَحَيِّرًا مِنَ الرُّؤْيَا وَلاَ فَاهِمَ" (دا8: 27).
وموسى النبي: قال له الرب: "لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ" (خر33: 20). وجعله الرب في نقرة من الصخرة، وستر بيده عليه، حتى اجتاز مجده (خر33: 22).
لذلك كان لا بد من التدرج مع يوحنا. فكيف كان ذلك؟
ابتدأ الأمر بصوت من ورائه، ثم حديث، ثم منظر "شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ" ثم المنظر الإلهي المهيب. وفي هذا يقول القديس يوحنا: "وَسَمِعْتُ وَرَائِي صَوْتًا عَظِيمًا كَصَوْتِ بُوقٍ قَائِلاً: «أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ. وَالَّذِي تَرَاهُ، اكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا: إِلَى... وَإِلَى... فَالْتَفَتُّ لأَنْظُرَ الصَّوْتَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعِي. وَلَمَّا الْتَفَتُّ رَأَيْتُ سَبْعَ مَنَايِرَ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي وَسْطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ" (رؤ1: 10- 13).
حقًا إن التدرج لازم، ومناسب لطبيعتنا البشرية الضعيفة.
بشيء من التدرج ظهر الرب في قيامته لمريم المجدلية، بشخص ظنته البستاني... إلى أن ناداها باسمها فعرفته (يو20). وبالتدرج ظهر للأحد عشر، ليس أولًا بجسد ممجد كجسد الصعود، بل بجسد له لحم وعظام، يمكنهم أن يروه ويجسوه... بجسد يمكنهم أن يقدموا له سمكًا مشويًا، وشيئًا من شهد عسل، فأخذ وأكل قدامهم (لو24: 39- 43). وأخيرًا رأوا لاهوته في صعوده (أع1) (لو24: 51).
وبالتدرج أيضًا، ظهر للقديس يوحنا الرائي. فكيف؟
لم تظهر له الرؤيا مواجهة، وجهًا لوجه، فجأة فلا يحتمل.
إنما سمع وراءه صوتًا صوت بوق، يشعر بأن هناك شيئًا هامًا وعظيمًا سيحدث حتى التفت إلى ورائه ليدرك ما الذي يحدث.
كانت الخطوة التالية أنه سمع عبارة "أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ". وهذا لقب من ألقاب الله وحده، كما ورد في سفر إشعياء النبي: "أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ، وَلاَ إِلهَ غَيْرِي" (إش44: 6). "أَنَا هُوَ. أَنَا الأَوَّلُ وَأَنَا الآخِرُ، وَيَدِي أَسَّسَتِ الأَرْضَ، وَيَمِينِي نَشَرَتِ السَّمَاوَاتِ" (إش48: 12، 13).
وبهذا فإن الذي يكلمه يعلن له لاهوته، لأن الله وحده هو الأول، كما قال: "أَنَا هُوَ. قَبْلِي لَمْ يُصَوَّرْ إِلهٌ وَبَعْدِي لاَ يَكُونُ. أَنَا أَنَا الرَّبُّ، وَلَيْسَ غَيْرِي مُخَلِّصٌ" (إش43: 10، 11).
والمخلوق لا يمكن أن يكون الأول. فلا بد من خالق قبله قد خلقه. والخالق هو الأول.
إذًا بدأ القديس يوحنا، يشعر أنه أمام الله، والله يكلمه.
يذكرنا هذا بكلام الرب مع موسى من العليقة، حيث قال له معلنًا ذاته: "أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ" (خر3: 6) ... إنه أمر تمهيدي أن يعلن الله ذاته أولًا.
وبعد أن أعلن الرب ذاته ليوحنا، منحه فترة زمنية، ولم يجعله يراه بعد ذلك مباشرة. إنما قال له: "وَالَّذِي تَرَاهُ، اكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا". إذًا انسى أنك في نفي، وانسَى جزيرة بطمس. وتذكر أنك رسول، وأنك أمام الرب يكلفك برسالة...
يقول يوحنا: "فَالْتَفَتُّ لأَنْظُرَ الصَّوْتَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعِي". ومع كل ذلك التمهيد لم يرَ الرب مباشرة. إنما رأى تمهيدًا آخر:
يقول: "رَأَيْتُ سَبْعَ مَنَايِرَ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي وَسْطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ، مُتَسَرْبِلاً بِثَوْبٍ إِلَى الرِّجْلَيْنِ، وَمُتَمَنْطِقًا عِنْدَ ثَدْيَيْهِ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ ذَهَبٍ" (رؤ1: 12، 13).
وفيما بعد قيل له: إن "الْمَنَايِرُ السَّبْعُ الَّتِي رَأَيْتَهَا هِيَ السَّبْعُ الْكَنَائِسِ" (رؤ1: 20).
وكونها من ذهب، لأنها غالية وثمينة عند الله.
وهكذا نرى في العهد القديم مذبح الذهب (خر39: 38) و"مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ" (عب9: 4) إشارة إلى أهمية العبادة والذبائح. ونرى رداء هارون يبرز فيه عنصر الذهب (خر39: 2) إشارة إلى القيمة العالية لسر الكهنوت، ونرى قسطًا من ذهب فيه المنّ إشارة إلى عظمة الطعام النازل من فوق. بل نرى أن الذهب كان من تقدمات المجوس للسيد المسيح في طفولته (مت2: 12) إشارة إلى عظمة ملكه.
بنفس المعنى كانت المنائر السبع من ذهب رمزًا لعظمة الكنائس، حقًا قد يكون لبعض رعاتها أخطاء، ولكن هذا لا يمنع إطلاقًا من عظمة الكنيسة.
وفي وسط هذه المنائر (الكنائس) رأى شبه ابن الإنسان.
وعبارة "ابن الإنسان" هي لقب معروف للسيد المسيح تكرر مرارًا عديدة في الأناجيل المقدسة، ليذكرنا بأهمية التجسد الإلهي لخلاص البشر. كما ذكر هذا اللقب أيضًا في نبوءة دانيال النبي (دا7: 13).
لكنه في هذه الرؤيا ذكر عبارة "شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ" لأنه على الرغم من ناسوته كانت له صفات من الرهبة والمخافة والعظمة، لا يمكن أن يتصف بها إنسان عادي... حتى أن القديس يوحنا يقول: "فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ" (رؤ1: 17).
إنه هو نفسه ابن الإنسان الذي كان القديس يوحنا يتكئ على صدره، ولكنه في حالة من التجلي الرهيب.
لعلها مجرد لمحة عن لاهوته، الذي عبر عنه بقوله: "أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ" (رؤ1: 11).
يقول عنه القديس الرائي أيضًا أنه كان: "مُتَسَرْبِلاً بِثَوْبٍ إِلَى الرِّجْلَيْنِ، وَمُتَمَنْطِقًا عِنْدَ ثَدْيَيْهِ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ ذَهَبٍ" (رؤ1: 13).
"الثوب إلى الرجلين" بالنسبة إلى البشر دليل على الحشمة أما بالنسبة إلى الرب والملائكة وأرواح القديسين، فدليل على الوقار والمهابة. إنه درس لنا أن السيد المسيح يظهر متسربلًا بثوب إلى الرجلين.
نلاحظ أيضًا بالنسبة إلى الشاروبيم والسارافيم أنهم كانوا يظهرون "وبجناحين يغطون أرجلهم" مع أنهم ملائكة نلمح هذا أيضًا في منظر ملائكة القيامة. قيل عن الملاك الذي ظهر للمريمتين أن "لِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ" (مت28: 3). وأنهما رأيا ملاكًا "لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ" (مر16: 5).
أيضًا القديس الأنبا بولا السائح الذي قضى 80 سنة وحده لا يرى وجه إنسان، كان قد ضفر له ثوبًا من خوص النخيل، على الرغم من أنه كان وحده، لا أحد يراه، ولكنها الحشمة.
كذلك هرون رئيس الكهنة كان ثوبه إلى الرجلين، مغطى كله، لا يرى أحد شيئًا من جسده هكذا ظهر السيد المسيح رئيس الكهنة الأعظم.
وكان أيضًا متمنطقًا بمنطقة من ذهب.
والمنطقة تدل على اليقظة والاستعداد للعمل. وهي علامة المجاهدين كيوحنا المعمدان، كانت: "مِنْطَقَةً مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ" (مر1: 6) وهكذا إيليا النبي: "شَدَّ حَقْوَيْهِ وَرَكَضَ" (1مل18: 46).
ومن جهة الاستعداد أمرنا الرب قائلًا: "لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً" (لو12: 35) استعدادًا لمجيء الرب. وبنفس الوضع كان الشعب يأكلون خروف الفصح: "أَحْقَاؤُكُمْ مَشْدُودَةٌ" (خر12: 11).
وكون منطقة المسيح كانت من ذهب، فذلك إشارة إلى أهميتها. وقد ظهر بها إشارة إلى العمل الذي يقوم به وسط الكنائس.
كل ما سبق كان في مرحلة التمهيد والتدرج: السبع منائر، وشبه ابن الإنسان والثوب إلى الرجلين والمنطقة من ذهب.
أما المنظر المخيف، فلم يكن يوحنا قد رأه بعد. فماذا كان؟
يقول يوحنا الرائي عن المسيح: "وَأَمَّا رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأَبْيَضِ كَالثَّلْجِ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ. وَرِجْلاَهُ شِبْهُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ، كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِي أَتُونٍ. وَصَوْتُهُ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ. وَمَعَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى سَبْعَةُ كَوَاكِبَ، وَسَيْفٌ مَاضٍ ذُو حَدَّيْنِ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ، وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا" (رؤ1: 14- 16).
حقًا إن وداعة الله في تجسده، لا تحجب قوته في لاهوته.
هنا ناسوته ولاهوته معًا، متحدان في طبيعة واحدة، في منظر واحد فيه تواضع التجسد، وعظمة الطبيعة اللاهوتية. وما أصدق القديس بولس حينما قال: "هُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ" (رو11: 22).
نلاحظ في هذا المنظر، عنصر النار، في تفاصيل متعددة. "عَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ" "رِجْلاَهُ... كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِي أَتُونٍ" "وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا". ألا يذكرنا كل هذا بقول الرسول: "لأَنَّ إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ" (عب12: 29).
ألا يذكرنا بالنار المقدسة التي كانت تأكل الذبائح؟ وبالنار التي نزلت من السماء حينما تحدى إيليا النبي أنبياء البعل من جهة محرقته، "فَسَقَطَتْ نَارُ الرَّبِّ وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالْحَطَبَ وَالْحِجَارَةَ وَالتُّرَابَ، وَلَحَسَتِ الْمِيَاهَ الَّتِي فِي الْقَنَاةِ" (1مل18: 38).
ألا تذكرنا بالنار في المجمرة ورموزها، وبالنار التي كانت تشتعل في العليقة كما رآها موسى النبي؟ (خر3: 2). إن النار ما كانت تخلو منها خيمة الاجتماع، ولا الهيكل، ولا أية كنيسة في قداستها. وكانت تشير إليها أيضًا: السرج.
ماذا إذًا عن قوله "وأما رأسه وشعره فأبيضان"!
مع أن يوحنا الرسول لم يرَ المسيح أبدًا بشعر أبيض كالصوف الأبيض كالثلج بل رآه في سن الثلاثين وما بعدها!!
هنا الشعر الأبيض يرمز إلى أزليته، إلى أنه القديم الأيام، مع أنه ظهر في تجسده في ملء الزمان مولودًا من امرأة (غلا4: 4).
وعبارة "سَيْفٌ مَاضٍ ذُو حَدَّيْنِ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ".
دليل على قوة كلامه، كما قال الرسول: "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ" (عب4: 12).
أمام هذا وقع يوحنا عند قدمي الرب كميت. فوضع يده اليمنى عليه:
وقال له: "لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ" (رؤ1: 17، 18).
نلاحظ أن عبارة "الْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْ" تدل على أن المتكلم هو أقنوم الابن الذي يقول عن نفسه أيضًا: "أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ". وقد كرر هذا اللقب ثلاث مرات في هذا الأصحاح (رؤ1: 8، 11، 17).
الكنائـس السَــبع
الكنائـس السَــبع
قال الرب للقديس يوحنا الرائي: "وَالَّذِي تَرَاهُ، اكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا: إِلَى أَفَسُسَ، وَإِلَى سِمِيرْنَا، وَإِلَى بَرْغَامُسَ، وَإِلَى ثَيَاتِيرَا، وَإِلَى سَارْدِسَ، وَإِلَى فِيلاَدَلْفِيَا، وَإِلَى لاَوُدِكِيَّةَ" (رؤ1: 11) ... "اكْتُبْ مَا رَأَيْتَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ، وَمَا هُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ هذَا. سِرَّ السَّبْعَةِ الْكَوَاكِبِ الَّتِي رَأَيْتَ عَلَى يَمِينِي، وَالسَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ: السَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ هِيَ مَلاَئِكَةُ السَّبْعِ الْكَنَائِسِ، وَالْمَنَايِرُ السَّبْعُ الَّتِي رَأَيْتَهَا هِيَ السَّبْعُ الْكَنَائِسِ" (رؤ1: 19، 20).
"هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ" (رؤ2: 1)
فما هو تفسير أو رموز تلك الكنائس السبع، التي كان يرعاها القديس يوحنا الرسول في آسيا الصغرى، والتي ما بقيَ منها شيء؟!
ما أكثر تأملات الكُتّاب والمفسرين في هذه الكنائس السبع:
البعض يتناولها بتفسير حرفي. والبعض يتناولها بطريقة روحية تأملية. والبعض يأخذها بطريقة رمزية بحتة، والبعض يتعرض لها بتتابع تاريخي من عصر الرسل إلى يومنا هذا.
والبعض يمزج بين هذه الطرق جميعًا، أو يختار البعض منها ويرفض الآخر. أو يسبغ عليها أو على بعضها نظرة مذهبية معينة...!
ونحن قبل أن نعرض لهذا كله، نود أن نتأمل تلك الرؤيا روحيًا.
ظهرت الكنائس السبع في هذه الرؤيا كمنائر.
لكي تقدم لنا عمل الكنيسة في العالم. فكل كنيسة عبارة عن مركز للنور. وهذا هو الوضع الذي طلبه منا السيد المسيح، حينما قال: "فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16). الكنيسة بوضعها الطبيعي هي حاملة للنور.
كانت المنائر في تلك الأزمنة تضيء بالزيت (كما في السُرُج). والزيت في الكتاب المقدس يرمز إلى الروح القدس.
ولذلك فالمؤمنون ينيرون العالم، ليس بنورهم الذاتي، إنما بمدى ثباتهم في روح الله الذي يعلمهم كل شيء (يو14: 26).
ولعل الرب في هذا المنظر ذكّرنا بالصورة في خيمة الاجتماع.
حسبما قال الرب لموسى: "وَتَصْنَعُ مَنَارَةً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ" (خر25: 31). وقال في وصفها: "جَمِيعُهَا خِرَاطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ. وَتَصْنَعُ سُرُجَهَا سَبْعَةً، فَتُصْعَدُ سُرُجُهَا لِتُضِيءَ إِلَى مُقَابِلِهَا... وَانْظُرْ فَاصْنَعْهَا عَلَى مِثَالِهَا الَّذِي أُظْهِرَ لَكَ فِي الْجَبَلِ" (خر25: 36، 37، 40).
هذا هو النور السباعي الذي للكنيسة. وربما الرقم سبعة يرمز إلى كمال إضاءتها، أو إلى كمال انتشار ضوئها.
وما زلنا حتى الآن، نحتفظ بلقب (منارة) في بناء كل كنيسة، مع أن الوضع تغير عن الصورة القديمة، لكن الهدف واحد من كلمة (منارة).
وفي المنظر الذي رآه يوحنا، كان السيد المسيح في الوسط، والمنائر السبع حوله.
ولعل هذا يذكرنا بقوله لنا: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت18: 20). إنه مركز الكنيسة. وإن لم يكن في وسطها، لا تكون الكنيسة كنيسة. ولكنه طمأننا بقوله: "هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت28: 20).
وكون المسيح وسط المنائر السبع، يعطي فكرة عن وحدة الكنيسة.
وما دام الرقم سبعة يرمز إلى الكمال، إذًا السبع الكنائس التي في آسيا الصغرى قد تعني كنائس العالم كله، أو ترمز إليها. إلى كل الذين: "فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" (يو1: 12). والسيد المسيح في وسط الكل. وهذه صورة بلا شك لوحدة الكنيسة، ودعوة كل المؤمنين في أرجاء المسكونة أن يجتمعوا معًا، والمسيح في وسطهم.
في الرؤيا كان السيد المسيح في وسط الكنائس السبع.
وفي يده اليمنى السبعة كواكب أي ملائكة الكنائس السبعة.
وواضح أن هؤلاء الملائكة السبعة هم رعاة تلك الكنائس، أو هم أساقفتها. وكلمة "ملاك" وردت كثيرًا في الكتاب المقدس عن إنسان، وبالذات عن كاهن. كما وُصف يوحنا المعمدان الكاهن ابن الكاهن بأنه الملاك الذي يهيئ طريق الرب قدامه (مر1: 2) (ملا3: 1).
ويؤيد هذا أن العبارات التى وردت في رسائل الرب لهؤلاء الملائكة السبعة، أنه يخاطب فيها بشرًا، وأنهم أساقفة الكنائس (رؤ2، رؤ3). وواضح طبعًا أن القديس يوحنا الرائي ما كان سيكتب رسائل ويرسلها إلى ملائكة سمائيين! إنما سيرسلها إلى أساقفة الكنائس.
ولقد اعتبر رعاة الكنائس ملائكة، بسبب نقاوتهم، وبسبب طاعتهم الكاملة في توصيل كلمة الرب للناس. كما قال داود النبي: "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20) وعن هذا نقول أيضًا: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ" (مت6: 10).
وكلمة ملاك في اليونانية تعني أيضًا رسول Messenger. وفي هذا يقول سفر ملاخي النبي إنه من فم الكاهن يطلبون الشريعة: "لأَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْجُنُودِ" (ملا2: 7).
تقول الرؤيا إن هؤلاء الرعاة كانوا في اليد اليمنى للرب.
وهي بلا شك قاعدة: إنه لا يستطيع أحد أن يكون خادمًا للرب أو رسولًا له، ما لم يكن في يده اليمنى، يفعل به الرب ما يشاء.
في يمين الرب: "يَمينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً" (مز118: 16). وعن هذا قال الرب في الإنجيل: "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي" (يو10: 28).
وهذا هو موضع الأسقف أو موضع الراعي في الكنيسة – كما ينبغي أن يكون – أنه في يمين المسيح. فلا يتصرف في ذاته من شيء، إلا كما توجهه هذه اليمين، وكما تعطيه من القوة.
هؤلاء الرعاة قد شبههم الرب بالكواكب.
والكوكب يضيء. ولكنه لا يضيء بذاته، إنما من نور شمس يسطع عليه.
والمسيح هنا وُصف بأنه: "كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا" (رؤ1: 16). وبنوره يضيء هؤلاء الكواكب السبعة. وقد قيل في سفر دانيال النبي: "وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ، وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ" (دا12: 3).
بعد هذه المقدمة، تبدأ رسائل الرب إلى ملائكة الكنائس السبع، إلى كل منهم على حدة. فيقول للقديس يوحنا الرائي: اكتب إلى ملاك كنيسة...
تأمل عَام في الرسَائل السَبع
تأمل عَام في الرسَائل السَبع
الذين يتأملون بأسلوب تاريخي متتابع:
يرون أن كنيسة أفسس تمثل عصر الآباء الرسل:
كما يشير الترتيب التاريخي إلى أننا الآن في أواخر الدهور في عصر كنيسة لاوديكية. وكيف ذلك؟
يستنتجون أن أفسس تمثل عصر الرسول من قول الرب لملاكها: "قَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلاً، فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ" (رؤ2: 2). كذلك تحذيره له من النيقولاويين بقوله: "وَلكِنْ عِنْدَكَ هذَا: أَنَّكَ تُبْغِضُ أَعْمَالَ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّتِي أُبْغِضُهَا أَنَا أَيْضًا" (رؤ2: 6). وأصحاب هذه البدعة كانوا من أتباع نيقولاوس، وهو واحد من الشمامسة السبعة (أع6: 5) في عصر الرسل. كما يقول بعض المفسرين، وقد ضلّ وابتدع.
ويرون أن كنيسة سميرنا تمثل عصر الاضطهاد الأول:
وكلمة سميرنا مأخوذة من كلمة: "المرّ". وتشمل في نظرهم الاضطهادات والاستشهادات في القرون الأولى. ويستنتجون من قول الرب لملاك تلك الكنيسة: "لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ. هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا، وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ" (رؤ2: 10). والمقصود بالعشرة أيام هنا، فترات عشرة ملوك من المضطهدين.
ولذلك هو يدعو ملاك هذه الكنيسة أن "يكون أمينًا حتى الموت".
ويرون أن كنيسة برغاموس تشير إلى فترة اقتران بين الكنيسة والدولة. لأن معنى كلمة برغاموس تعني "زواج".
والاقتران بين الكنيسة والدولة، يعني اعتناق الدولة الرومانية للديانة المسيحية، ابتداء من عهد قسطنطين الملك.
ويرى أولئك المفسرون أن تلك الفترة، وإن كان قد زال منها الاضطهاد بسبب الدين، إلا أنه كثرت فيها البدع التي تشير إليها عبارة "النيقولاويين". وكثر فيها الفساد الذي تشير إليه عبارة: "تَسْكُنُ حَيْثُ كُرْسِيُّ الشَّيْطَانِ" (رؤ2: 13). وأيضًا الحديث عن: "ضلالة بلعام" (رؤ2: 14) وطبيعي أنهم يأخذونها بأسلوب رمزي.
ولا نستطيع أن نوافق على اقتران الكنيسة بالدولة هنا وهو يشير إلى كرسي الشيطان. ذلك أن المسيحية انتشرت بشكل واسع جدًا، كما انقرضت الوثنية تمامًا. وكذلك ظهرت الرهبنة وانتشرت، لتقدم صورة جميلة لحياة النسك والوحدة لأجل محبة الله.
كما أنه في تلك الفترة ظهر أعظم أبطال الإيمان.
عصر كنيسة ثياترا. وهذه الكلمة تعني "مسرح":
أي أسلوب عصر لهو وعبث وفساد، بطريقة أولئك المفسرين.
ويرون أن زمن تلك الكنيسة يشير إلى العصور الوسطى التي سماها كثير من المؤرخين بالعصور المظلمة، والتي جاء بعدها عصر النهضة وانتشار العلم. والمفسرون البروتستانت في تفسيرهم لعصر تلك الكنيسة يهاجمون الكنيسة الكاثوليكية هجومًا شديدًا. ويقولون إنها تمثل عصر البابوية التي أنتشرت فيها محاكم التفتيش وصكوك الغفران.
وواضح جدًا التعصب المذهبي الشديد في هذا التفسير!
والتركيز على بعض أحداث معينة في التاريخ. وإن كنا نتخذ كلمة ثياترا رمزًا، فلترمز إذًا إلى الفساد في أي عصر من العصور... حتى في عصرنا الحاضر الذي كثرت فيه البدع، وكثر فيه الفساد الخلقي والبعد عن التوبة. كما قيل في الرسالة إلى ملاك تلك الكنيسة، إشارة إلى إيزابل وزناها. وقول الرب عنها: "وَأَعْطَيْتُهَا زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ عَنْ زِنَاهَا وَلَمْ تَتُبْ" (رؤ2: 21).
عصر كنيسة ساردس. وهي كلمة معناها "بقية":
وهنا يدخل في التفسير أيضًا التعصب المذهبي. فيقول المفسرون من البروتستانت: إن هذه البقية هي التي خلصت من الثياترا الكاثوليكية في عصر لوثر وكلفن وزملائهما وخلفائهما، فيما يسمونه "عصر الإصلاح" Reformation. أو بالفرنسية: الميلاد الجديد Renaissance.
وإن كانوا يعتمدون في تفسيرهم على قول الرب له: "عِنْدَكَ أَسْمَاءٌ قَلِيلَةٌ فِي سَارْدِسَ لَمْ يُنَجِّسُوا ثِيَابَهُمْ، فَسَيَمْشُونَ مَعِي فِي ثِيَابٍ بِيضٍ لأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ" (رؤ3: 4). فلا ننسى أن ملاك كنيسة ساردس هو الذي قال له الرب: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ!" (رؤ3: 1). فكيف ينطبق هذا على عصر إصلاح أو ميلاد جديد؟!
يبدو أن التشبث بالتفسير على أساس التتابع التاريخي من عصر الرسل، هو تفسير له أخطاؤه!!
عصر كنيسة فيلادلفيا. وهي ترمز إلى المحبة الأخوية:
ويقولون إنه العصر الذي تتآخى فيه الكنائس وتتعاون معًا. وربما في نظرية التتابع التاريخي يشير إلى بدء الحركة المسكونية التي أصبح لها مجلس عام هو مجلس الكنائس العالمي W.C.C.، ومجلس كنائس الشرق الأوسط M.E.C.C.، ومجلس كنائس كل أفريقيا A.A.C.C.، ومجلس كنائس كندا C.C.C.، ومجلس كنائس كل أمريكا A.C.C.، ومجالس كثيرة. وهدف الكل هو الوحدة المسيحية، والتعاون معًا في مشروعات متعددة.
ويرون أن هذا العصر الذي ترمز له كنيسة فيلادلفيا، هو عصر بدأ وسيستمر، وليست له نهاية.
عصر كنيسة لاوديكية، ومعناها حكم الشعب. ويرون أنه يشير إلى عصرنا الحاضر، عصر الديمقراطية وحكم الشعب.
ونحن لا نستطيع أن نأخذ طبيعة العصر من أسماء معاني الكنائس. فعصر كنيسة لاوديكية قال عنه الرب: "لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي" (رؤ3: 16). فهل هذا هو عصرنا كما يرى أصحاب نظرية التتابع التاريخي في التفسير؟! وهل هو الذي قال له الرب: "لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ" (رؤ3: 17)! هل مجرد المعنى اللغوي لكلمة لاوديكية يكفي؟!
لذلك أفضل من هذا كله، أن نلجأ إلى التفسير الروحي.
ونرى أن كل كنيسة تمثل حالة روحية معينة للكنائس أو الأفراد.
فنقول مثلًا إن كنيسة ما، تحيا في حالة كنيسة سميرنا. وأخرى في حالة كنيسة برغامس. أو أن كنيسة تنتقل من حالة كنيسة كذا من الكنائس السبع إلى حالة كنيسة أخرى... دون أن نفرض حالة من التتابع التاريخي على كل كنائس العالم، بلا تمييز.
وما نقوله عن الكنائس يُقال أيضًا على الأفراد أو الجماعات.
ملاحـظات عَلىَ الـكنائس الـسَبـع
الملاحظة الأولى: أن الرب يقول لكل ملاك من الملائكة السبعة – بلا استثناء – "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ".
وهو درس لكل منا، ولكل كنائسنا، أن أعمالنا كلها مكشوفة أمام الله. يعرف الظاهر منها والخفي، باعتبار أنه ضابط الكل.
في كل الرسائل السبع، يعد الرب بوعود جميلة لكل "مَنْ يَغْلِبُ". وهذه العبارة مكررة في كل رسالة. وأول وعد هو "فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ" (رؤ2: 7). والأخير هو: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" (رؤ3: 21).
والرب في رسائله ينبه كل راعٍ إلى العيوب الموجودة عنده، بعبارة (عِنْدِي عَلَيْكَ). سواء من جهته شخصيًا كما قال لملاك كنيسة ساردس "أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ" (رؤ3: 1). أو كما قال لملاك كنيسة لاوديكية: "لأَنَّكَ فَاتِرٌ... أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي" (رؤ3: 16).
أو أن الرب ينبه الراعي إلى أخطاء عند شعبه. كما قال: "عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ" ... (رؤ2: 14).
في آخر كل رسالة قدّم الرب نصيحة هامة وهي: "مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ" (رو2، رؤ3).
وأيضًا دعا إلى التوبة، وقدّم عقوبة لمن لا يتوب. كما قال لملاك كنيسة أفسس: "وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ" (رؤ2: 5).
اُكتب إلىَ ملَاك كنيسَة أفسُس
اُكتب إلىَ ملَاك كنيسَة أفسُس
هكذا قال الرب للقديس يوحنا الرائي:
"اُكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ: «هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ. أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ الأَشْرَارَ، وَقَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلاً، فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ. وَقَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ. لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى. فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ" (رؤ2: 1- 5).
ملاك كنيسة أفسس كانت له علاقة محبة قوية مع الله، حياة شركة وعشرة. وكان قويًا في خدمته، له فيها تعب واحتمال وصبر. ولكنه بمرور الوقت ترك محبته الأولى، بل أيضًا سقط وأصبح محتاجًا إلى توبة!
هو ترك الرب، ولكن الرب لم يتركه.
وكأن الرب يقول له: إن كنت لا تحبني بنفس محبتك القديمة، فأنا ما زلت أحبك. وإن كانت ليست لك بي صلة قوية الآن، فأنا أريد أن أتصل بك. وعلى الرغم من أنك تركت محبتك الأولى، إلا إني أقول لرسولي يوحنا: "اُكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ".
وها أنا أرسل إليك رسالة لكي أعاتبك وأصالحك.
إنه أسلوب الله باستمرار - قديمًا وحديثًا - أن يصالح أولاده.
في العهد القديم يرسل أنبياءه لمصالحتنا، فيقول في سفر إشعياء النبي: "هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ" (إش1: 18). وفي العهد الجديد يقول عنه القديس بولس الرسول: "اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ... إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18، 20).
وفي قصة الابن الضال، حينما غضب الأخ الأكبر، ورفض أن يدخل البيت ليشترك في الفرح بعودة أخيه، خرج إليه الأب ليصالحه، ويقول له: "يَا بُنَيَّ أَنْتَ مَعِي فِي كُلِّ حِينٍ، وَكُلُّ مَا لِي فَهُوَ لَكَ. وَلكِنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ، لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ" (لو15: 31، 32).
X X X
ونرى أن الرب في مصالحته لملاك كنيسة أفسس، يبدأ بقوله: "هذَا يَقُولُهُ الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ". فلماذا بدأ رسالته هكذا؟
نلاحظ في سفر الرؤيا أن صفة السيد المسيح تتنوع في كلامه من كنيسة إلى أخرى. كما أن مكافأته أيضًا تتنوع من كنيسة إلى أخرى. وحقًا إن أوصافه لا تعد، ولكنه مع ملاك كنيسة أفسس يقصد شيئًا معينًا. فما هو؟ إنه يقصد أن يقول له:
ما دمت أنا الممسك السبعة كواكب في يميني، وأنت أحد هذه الكواكب، إذًا فأنت في يميني، مهما تركت محبتك وسقطت!
مهما بعدت عني. وحتى إن حاولت أن تهرب مني، فأنا ما زلت أحافظ عليك في يميني، ولا أجعلك تفلت من يدي.
أشبّه هذا بفتاة مخطوبة لشاب، ودبلة الخطوبة في يدها اليمنى. ومع أن محبته قد فترت، فهي لا تزال تحبه.
تقول له: قد تركت محبتك الأولى. ولكن دبلتك لا تزال في يدي اليمنى.
قلّت زيارتك لي، وقلّت هداياك لي، وربما قل اهتمامك بي، ولكن دبلتك لا تزال في يدي اليمنى. ما زلت محتفظة بك في يميني. فإن خرج الأمر عن حده، نقول له: "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ" وإلا فإني أزحزح منارتك من مكانها. أزحزح دبلتك من يدي اليمنى، إن لم تتب! والرب هنا يقول لملاك كنيسة أفسس:
أنت في يميني، على الرغم من أنك تركت محبتك الأولى.
أنا لم أتخلّ عنك، ولا عن كنيستك، فأنا لا أزال "الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ"، أتجول بينها وافتقدها. وفيها منارتك.
عجيب هو الرب في محبته! لا يترك حتى الذين سقطوا ويحتاجون إلى توبة. "لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ" (رو11: 29) ... حتى إن كنا غير أمناء، يبقى هو أمينًا.
ماذا تعني أيضًا عبارة "الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ"؟
يمسكها في يمينه، أي تكون أداة في يمينه، يعمل بها عملًا، يعمل بها خيرًا، يستخدمها في بناء ملكوته. لأنها في يمين الرب التي صعنت قوة (مز117). فاسأل يا أخي نفسك: ما الذي أمكن أن يعمله الرب بك؟ لأنه من غير المعقول أن يمسك الرب بشيء في يده، ولا يعمل به شيئًا! كمن يمسك بقلم في يده، لا بد لكي يكتب به شيئًا. فهل أنت أداة صالحة في يد الرب؟
الرب طمأن ملاك كنيسة أفسس بأنه ممسك به في يمينه وماذا أيضًا؟ قال له:
"أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ" (رؤ2: 2).
"أنا عارف أعمالك". عبارة تُفرح وتخيف.
تُفرح الإنسان الذي لا يلومه ضميره على شيء. وفي نفس الوقت تخيف الذين ضمائرهم مثقلة بخطايا لم يتوبوا عنها بعد.
أنا عارف أعمالك الطيبة والرديئة، الخفية والظاهرة. أعمالك كلها. وما لا يعرفه الناس عنك. أعرفه أنا عنك، وكل ما تريد أن تكتمه، هو واضح أمامي.
أنا عارف كل عمل حسن عملته في الخفاء، حتى لا تنال عنه أجرًا من الناس. هذا سوف تجازى عنه علانية. كذلك أعرف خطاياك المكتومة. وهذه أريدك أن تتوب عنها، حتى لا أزحزح منارتك من مكانها.
والرب قد طمأن ملاك كنيسة أفسس، فذكر له أعماله الحسنة أولًا.
فقال له: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ... وَقَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ" (رؤ2:2- 3) وأعرف ما قاسيته من الأشرار. "وَقَدْ جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلاً، فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ". أنا عارف أعمالك الطيبة، وقد ذكرتها لك، حتى لا تفتخر بها وتذكرها بنفسك، كما فعل الفريسي (لو18: 11، 12).
عجيب أن الرب يذكر لإنسان ترك محبته الأولى، أعمالًا طيبة له من قبل.
بينما البشر: إذا إنسان ترك محبته الأولى، ينسون له كل ما فعله قبلًا من أعمال طيبة. وإذا بالسنوات العجاف تأكل ما كان للسنوات السمان (تك40). أما الرب فلا ينسى شيئًا حتى كأس الماء البارد، كما قال: "وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَطْ بِاسْمِ تِلْمِيذٍ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ" (مت10: 42).
مثل أولئك الذين يقفون عن يمينه في يوم الدينونة الرهيب، ناسين ما فعلوه من أعمال رحمة، ويقولون له: "يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟"... فيذكرّهم الرب بما فعلوه قائلًا: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (مت25: 37- 40).
وبعد أن ذكر الرب لملاك كنيسة أفسس أعماله الطيبة، قال له:
"عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى" (رؤ2: 4).
وهذا درس لنا أن نذكر محاسن الناس أولًا قبل أن نتعرض لشيء من مساوئهم. وليكن هذا هو الأسلوب الممتدح في النقد. أذكر أولًا النقاط السليمة ووفيها حقها، قبل أن نذكر الأخطاء أو النقائص.
وكان هذا هو الأسلوب الذي استخدمه الرب مع المرأة السامرية: قال لها: "حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ" قبل أن يقول لها: "لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ". وختم ذلك بعبارة: "هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ" (يو4: 17، 18).
وأسلوب مدح الناس كان أسلوب الرب مع قائد المئة (مت8: 10)، ومع زكا العشار (لو19: 9). ومع المرأة الخاطئة في بيت سمعان الفريسي (لو7: 47). بل حتى هذا هو ما فعله مع الفريسي الخاطئ: امتدحه الرب بعبارة: "بِالصَّوَابِ حَكَمْتَ" (لو7: 43) قبل أن يُظهر له أن الخاطئة كانت أفضل منه!
عجيب أن ملاك كنيسة أفسس على الرغم من تعبه وصبره. كان قد ترك محبته الأولى، واعتبره الرب أنه قد سقط!!
إن الله يريد محبتك له أكثر من تعبك لأجله...
يقول عن مريم التي جلست عند قدميه تنصت إلى كلامه، إنها اختارت النصيب الصالح الذي لن ينزع منها، أكثر من مرثا التي كانت تتعب في الخدمة (لو10: 39- 42)
الابن الكبير كان يتعب كثيرًا من أجل الأب، بغير حب. وقد قال لأبيه: "هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هذَا عَدَدُهَا، وَقَطُّ لَمْ أَتَجَاوَزْ وَصِيَّتَكَ، وَجَدْيًا لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي!" (لو15: 29) وانتقد أباه، وكان تصرفه ضد مشيئة أبيه، على الرغم من أنه كان يخدمه سنين كثيرة! وبرهن على أنه ينقصه الحب، سواء لأبيه أو لأخيه.
ومن أجل عظمة هذه المحبة، قال القديس بولس الرسول: "إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ... وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا" (1كو13: 1، 3).
ما فائدة التعب الكثير لأجل الله، بدون محبتنا لله؟!
ألا نكون كماكينات تتحرك وتتحرك، بدون عاطفة ولا حبّ؟!
ينطبق هذا حتى على الإنسان المشغول بالخدمة وميدانها، يتعب في اجتماعات وفي افتقاد، وفي تنظيم للخدمة وتحضير للدروس، كل ذلك بدون حب لله وللناس. بينما يقول الكتاب: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ" (تث6: 5) (مت22: 37) وأيضًا: "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (مت22: 39).
ما أجمل قول السيد المسيح للآب عن خدمته المشبعة للحب: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يو17: 26).
مشكلة ملاك كنيسة أفسس، أنه تعب كثيرًا في الخدمة ولم يكلّ. وفي نفس الوقت ترك محبته الأولى!!
هل شغلته الخدمة عن محبة الآب، كما حدث للابن الكبير (لو15)؟ هل تحوّل إلى مكوك في الخدمة بدون حب؟ هل تحولت خدمته إلى روتين بلا عاطفة؟ مثال ذلك الذي يقوم بخدمة الفقراء، ويبدأ أولًا بمحبتهم. ثم تبرد محبته بمرور الوقت. ويتحول من خادم روحي إلى باحث اجتماعي. ويصبح كل همه هو فحص من يستحق ومن لا يستحق. وبالوقت ينتهر الفقراء ويتهمهم أحيانًا بالكذب أو التحايل أي أنهم محتالون! ويفقد محبته الأولى.
قديمًا كان يعطي المحتاجين وقلبه مملوء بالحب والحنو عليهم. أما الآن فيعطيهم وقلبه مملوء بالتذمر عليهم! وقد لا يعطيهم!
ترك المحبة الأولى، ربما يكون لونًا من الفتور الروحي. وقد اعتبره الرب سقوطًا. فقال له: "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ" (رؤ2: 5).
مثال ذلك: إنسان حينما يبدأ علاقته مع الله، يكون ملتهبًا بالنار. الحرارة في صلواته، وفي خدمته، وفي محبته لله. بحماس شديد، يدقق في حياته الروحية. يتحمس جدًا في ممارسة كل وسائط النعمة، من صلوات ومزامير وألحان، وتأمل وخدمة. عيناه مملوءة بالدموع، وصلواته ممزوجة بالخشوع، وقلبه عامر بالحب، وكلماته كلها ذات تأثير عجيب في نفوس سامعيه.
ثم يأتي وقت تبرد فيه حرارته، وتتحول صلواته إلى روتين، وتتحول خدمته إلى مجرد نشاط!! ويفقد محبته الأولى...!
هذا الفتور يعتبر سقوطًا ويحتاج إلى توبة.
وإذ بالكتاب المقدس قد تحول إلى معلومات في فكره، وليس إلى مشاعر في قلبه، ولا إلى مناخس في ضميره!
وبعد أن كان يذهب إلى الكنيسة في فرح وهو يرتل: "فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ" (مز122: 1). وبعد أن كان يدخل إلى بيت الرب في انسحاق قلب وهو يقول للرب: "أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ، وَأَسْجُدُ قُدَّام هَيْكَلِ قُدْسِكَ بمَخَافَتكَ" (مز5: 7). أصبح يدخل كمجرد عادة، بلا مشاعر!
يدخل إلى بيت الله لا حبًا ولا فرحًا، ولا رغبة في نوال بركة روحية ونعمة. إنما خوفًا من مجرد البعد عن الكنيسة، لئلا يكون عثرة للآخرين.
اُذكر مِن أيْن سَقطت وَتُب مَنْ له أذن للسَمع... مَنْ يغلب
اُذكر مِن أيْن سَقطت وَتُب مَنْ له أذن للسَمع... مَنْ يغلب
قال الرب في تكملة الرسالة إلى ملاك كنيسة أفسس:
"فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ.
وَلكِنْ عِنْدَكَ هذَا: أَنَّكَ تُبْغِضُ أَعْمَالَ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّتِي أُبْغِضُهَا أَنَا أَيْضًا.
مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ.
مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ" (رؤ2: 5- 7).
ها هي ذي الدعوة إلى التوبة توجه حتى إلى ملاك الكنيسة!
الكل معرض للسقوط. وما دام قد سقط، إذًا فهو محتاج إلى توبة. وإن لم يتب، تتزحزح منارته من مكانها.
مقدونيوس بطريرك القسطنطينية، مركز هذه الكنائس السبع، سقط في الهرطقة، وحكم عليه المجمع المسكوني الثاني سنة 381م. وأيضًا نسطور بطريرك نفس الكنيسة، وقع أيضًا في هرطقة. وإذ لم يتب حكم عليه المجمع المسكوني الثالث المنعقد في أفسس سنة 431م. ونفس الوضع بالنسبة إلى أساقفة من رعاة الكنائس. وأيضًا بالنسبة إلى القسوس الذين كانوا ملائكة لكنائسهم.
إذًا فليحترس الكل، متذكرين عبارة "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ".
بل هذه العبارة موجهة أيضًا إلى كل فرد، إلى كل نفس... إن الله يفتح باب التوبة لكل من سقط. وكذلك: "أَعْطَى اللهُ الأُمَمَ أَيْضًا التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ" (أع11: 18). منح التوبة للكل، وقال: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ" (لو13: 3، 5).
وهنا لم يذكر السقطة والهلاك، بل السقطة والتوبة.
فقال: "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ". ابحث عن الأسباب التي أوصلتك إلى ما أنت فيه. الأسباب التي جعلتك تترك محبتك الأولى. الأسباب التي جعلت الفتور يدخل إلى حياتك ويفقدك حرارتك. اِبحث ماذا كانت نقطة التحول في حياتك؟ ما هي المشاعر والعواطف التي غيرتك؟ ما هي الصلات والصداقات التي أثرت عليك؟ وما هي المشاكل الجديدة التي شغلتك عن الله؟
كل إنسان له أسبابه الخاصة في الفتور وفي السقوط.
لذلك فإن أب الاعتراف لا يعطي علاجًا واحدًا للكل. إنما يبحث مع كل خاطئ معترف: من أين سقط، لكي يتوب.
تذكّر محبتك الأولى، فإن هذا يساعدك على القيام من سقطتك.
أنت تركت محبتك الأولى. فماذا كانت محبتك الأولى؟ كيف كنت تحيا في تلك الأيام مع الله؟ ماذا كانت صلتك القلبية معه في تلك الأيام الحلوة. ارجع إلى نوتة تأملاتك وقتذاك، وإلى أجبيتك وكتابك المقدس، وما فيهما من تخطيطات وملاحظاتك.
حينئذ تجد مشاعرك الأولى قد عادت إليك، وأصبحت تشتاق إلى تلك الأيام، وتصرخ إلى الله قائلًا: ارجعني يا رب إليك "توبني فأتوب" (إر31: 18). "يا الذي بارك في ذلك الزمان، الآن أيضًا بارك". اسكب محبتك في قلبي، بروحك القدوس.
يقول الرب: "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ". وماذا أيضًا؟
"وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا".
ارجع إلى محبتك الأولى: "وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى" (رؤ2: 5). لأن المحبة ليست مجرد مشاعر مبهمة، أو مجرد كلام. بل كما يقول الرسول: "لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ" (1يو3: 18).
إذًا، ارجع إلى محبتك التي تظهر في أعمالك الأولى، أو ارجع إلى أعمالك الأولى التي تدل على محبتك. وإلا...
ما أصعب كلمة "وَإِلاَّ..."! معناها إن الله يبدأ في العقوبة. وكما يقول القديس بولس الرسول: "هُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ" (رو11: 22). ويستخدم عبارة "وَإِلاَّ...".
إنها حاليًا فترة مقدمة للتوبة، بطول أناة الله وإلا...
أنت تركت محبتك الأولى، وتركت أعمالك الأولى، وسقطت والله صابر عليك حتى الآن، لكيما ترجع إليه. فهل سترجع؟! "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ، غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ؟" (رو2: 4).
فاعلم إذًا أن طول أناة الله، ليس معناها تنازلًا دائمًا منه عما ينبغي لك أن تفعله!! وكما يقول عن إيزابل الخاطئة: "وَأَعْطَيْتُهَا زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ عَنْ زِنَاهَا وَلَمْ تَتُبْ" (رؤ2: 21). وبعدها يقول: "أَنِّي أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ" (رؤ2: 23).
الآن "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى". فإن أهملت هذه الفرصة وهذا الإنذار، فانتظر ما يأتي عليك.
وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا.
ولعل قائلًا يقول: لقد أخطأ هذا الراعي وترك محبته الأولى، واستوجب عقوبة. ولكن ما ذنب منارته حتى تُزحزح من مكانها؟!
ألا يذكرنا هذا عندما ضرب الله الشعب بسبب خطيئة داود. فقال داود للرب: "هَا أَنَا أَخْطَأْتُ، وَأَنَا أَذْنَبْتُ، وَأَمَّا هؤُلاَءِ الْخِرَافُ فَمَاذَا فَعَلُوا؟ فَلْتَكُنْ يَدُكَ عَلَيَّ وَعَلَى بَيْتِ أَبِي" (2صم24: 17).
هنا ونذكر الصلاة التى يقولها الأب الكاهن قرب نهاية القداس الإلهي: "من أجل خطاياي ونجاسات قلبي، لا تمنع شعبك نعمة روحك القدوس".
ولكن واضح أن الرعية تتأثر بخطية الراعي، كقول الكتاب:
"أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ" (مت26: 31).
حقًا حينما يضيع الراعي، تضيع معه الرعية. بفتوره يفتر الشعب معه، وبسقوطه تضل جماهير كثيرة. لذلك فإن دينونة الراعي رهيبة أمام الله. هوذا الرب يقول له: "أزحزح منارتك من مكانها، إن لم تتب"...
آه أيها السيد الرب، لقد زحزت منارة أفسس من مكانها...
أين كنيسة أفسس الآن في خريطة آسيا الصغرى؟! لقد ضاعت.
لم تُبقِ الدولة العثمانية منها شيئًا مع بعض من باقي المنارات السبع أيضًا. كلها تزحزحت من مكانها...
لهذا يريد منا الله أن تكون منارتنا مضيئة باستمرار. يرى الناس نورها، فيمجدوا الآب الذي في السموات (مت5: 16). وقد أمرنا بقوله: "لِتَكُنْ... سُرُجُكُمْ مُوقَدَةً" (لو12: 35).
كم من كنائس اختفت بسبب أخطاء رعاتها!
على أن السيد الرب بعد أن شرح لملاك كنيسة أفسس أخطاءه، لم يشأ أن ينهي رسالته إليه بالعقوبة. ما أعمق حنوه!
قال له: إنك تركت محبتك الأولى، وإنك سقطت، وتحتاج إلى توبة، وإنك معرض لأن تزحزح منارتك من مكانها إن لم تتب. ومع كل هذا، ذكر له بعد ذلك شيئًا فاضلًا عنده. فما هو؟
قال له: "عِنْدَكَ هذَا: أَنَّكَ تُبْغِضُ أَعْمَالَ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّتِي أُبْغِضُهَا أَنَا" (رؤ2: 6).
أي أنه من فضائله أنه يكره البدع الموجودة في أيامه.
أما النيقولاويين فهم أتباع نيقولاوس. ويُقال إنه واحد من الشمامسة السبعة الذين اختيروا أيام الآباء الرسل (أع6: 5) وكان دخيلًا أنطاكيًا، ووقع في بدعة انتشرت، وتبعه فيها قوم تسموا باسم النيقولاويين. وقد وقف أسقف كنيسة أفسس ضدهم.
وذكر له الرب هذه الغيرة في الدفاع عن الإيمان ضد البدع، على الرغم من سقوطه واحتياجه إلى التوبة. يقول بعدها:
"مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ" (رؤ2: 7).
وقد كرر الرب هذه العبارة، في كل رسالة من رسائله إلى ملائكة الكنائس السبع (رؤ2: 11، 17، 29) (رؤ3: 6، 13، 22).
ولعل هذا يعني أن التعليم موجه إلى كل الكنائس، وليت الكل يميلون آذانهم للسمع.
ذلك لأن هناك أشخاصًا لهم آذان ولكنها لا تسمع (مت13: 13، 15).
أهل سادوم كانت لهم آذان لا تسمع. ولذلك عندما سمعوا إنذار لوط لهم، قيل عنه إنه "فَكَانَ كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارِهِ" (تك19: 14). وبالمثل كان فلاسفة أثينا، حينما سمعوا تبشير القديس بولس الرسول، فقالوا: "تُرَى مَاذَا يُرِيدُ هذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟" (أع17: 18).
وهكذا كانت آذان الكتبة والفريسيين بالنسبة إلى تعليم المسيح.
على العكس كان رسل السيد المسيح الذين قال لهم:
أما أنتم "طُوبَى... َلآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ" (مت13: 16).
هذه الآذان التي تسمع، لما سمع بها الرسولان قول الرب: "هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ. فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا الشِّبَاكَ وَتَبِعَاهُ" (مت4: 19، 20). واثنان آخران لما سمعاه: "فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ" (مت4: 22).
شاول الطرسوسي أيضًا كانت له أذن تسمع. فلما كلمه الرب، قال: "يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟" (أع9: 6). واستجاب للفور.
يذكرنا هذا أيضًا باليهود في يوم الخمسين، لما سمعوا عظة القديس بطرس، يقول الكتاب: "فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا لِبُطْرُسَ وَلِسَائِرَ الرُّسُلِ: مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟" "فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ" (أع2: 37، 41). آذانهم سمعت وقبلت ما يقوله الروح للكنائس.
وما يقوله الروح للكنائس، يصل إليك بأنواع وطرق شتى:
يصل إليك عن طريق الكتاب المقدس، وعن طريق أقوال الآباء القديسين معلمي البيعة، وربما عن طريق عظة مؤثرة من شخص فيه روح الله.
وربما عن طريق حادثة معينة أو وفاة إنسان ما، كما حدث مع القديس العظيم الأنبا أنطونيوس. المهم أن نستجيب للصوت.
إن الله يحاسبنا عن كل صوت سمعناه. ويحاسبنا عن رفض السماع.
قال الرب بعد هذا لملاك كنيسة أفسس:
"مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ..." (رؤ2: 7).
عبارة "مَنْ يَغْلِبُ" وردت في باقي الرسائل إلى ملائكة الكنائس السبع (رؤ2: 11، 17، 26) (رؤ3: 5، 12، 21). مع مكافأة معينة تختلف من شخص لآخر.
إن حياتنا على الأرض هي فترة اختبار لنا. وهي فترة جهاد وصراع مع المادة والجسد والشيطان. هي مصارعة – كما يقول الرسول – "مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ" (أف6: 12). ويلزمنا أن نطفئ "جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ" (أف6: 16).
وهذا الصراع ليس سهلًا. فالقديس بطرس الرسول يقول: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ" (1بط5: 8، 9). والسماء ترقب صراعنا هذا، وتشجعنا، وتفرح بمن يغلب (لو15: 7). وتعدّ لنا الأكاليل والمكافأة الإلهية. فما هي المكافأة؟
يقول الرب: "أُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ" (رؤ2: 7).
وشجرة الحياة ليست شجرة مادية. والأكل ليس ماديًا.
وكما يقول الكتاب إن "لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا" (رو14: 17). كما أننا في الملكوت، سوف لا تكون لنا أجساد مادية، بل أجساد روحانية (1كو15: 44، 50). إذًا الأكل من شجرة الحياة، يعني الغذاء الروحي لنا. فسوف نتغذى بالحياة الحقيقية في الفردوس.
والبعض يقول إن شجرة الحياة هي السيد المسيح نفسه. وإننا سوف نتغذى بالحياة معه، كما يقول بولس الرسول: "لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ" (في1: 21).
والغذاء به يذكرنا بقول داود النبي: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!" (مز34: 8). والمسيح هو خبز الحياة (يو6: 48).
وفردوس الله، ليس هو الجنة القديمة. ولا شجرة الحياة هي تلك الشجرة التي كانت في وسط الجنة (تك2: 9).
والقديس بولس الرسول يحكي لنا عن الفردوس الذي هو السماء الثالثة التي اُختطف إليها (2كو12: 2، 4). فشجرة الحياة إذًا تؤخذ بمعنى رمزي، هذه التي حُرمنا منها بسبب الخطية الأولى (تك3: 24). ونكافأ بها في العالم الآخر، بعد أن نلنا الحياة بالفداء. وهي في وسط الفردوس أي أنها في مركزه وفي عمقه.
اُكتب إلىَ مَلاك كَنيسَة سميرنَا
اُكتب إلىَ مَلاك كَنيسَة سميرنَا
قال الرب للقديس يوحنا الرائي:
"اكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ سِمِيرْنَا: هذَا يَقُولُهُ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَعَاشَ: أَنَا أَعْرِفُ أَعْمَالَكَ وَضِيْقَتَكَ وَفَقْرَكَ مَعَ أَنَّكَ غَنِيٌّ. وَتَجْدِيفَ الْقَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ هُمْ مَجْمَعُ الشَّيْطَانِ. لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ. هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا، وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ. مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي" (رؤ2: 8- 11).
مدينة سميرنا هي مدينة أزمير في آسيا الصغرى. وكان أسقفها القديس بوليكاربوس أحد الآباء الرسوليين، تلميذ القديس يوحنا الحبيب. وقد استشهد وهو شيخ كبير السن. وقد حاولوا أن يغروه لكي يترك السيد المسيح، فرفض وقال إنه عاش في عشرة المسيح أكثر من ثمانين سنة، ولم يرَ منه شيئًا رديًا، فكيف يتركه؟!
وقد نال القديس بوليكاربوس إكليل الشهادة. وغالبًا كان هو ملاك كنيسة سميرنا وقت كتابة سفر الرؤيا.
وكلمة سميرنا تعني المرّ. وهي ترمز إلى الألم وإلى الاضطهاد.
والرسالة إلى سميرنا تعني بالدرجة الأولى فترة الاضطهاد الذي وقع على المسيحية. وعبارة (عشرة أيام) تعني عشرة عهود لأباطرة عشرة من أيام نيرون إلى قسطنطين حيث قاسى المسيحيون اضطهادًا وعذابًا مرًا. وكلمة يوم هنا لا تعني المعنى الحرفي، إنما تعني عهدًا. وعشرة أيام تعني عشرة عهودًا.
بدأت الرسائل السبع بالرسالة إلى أفسس التي تعني المحبوبة، ثم إلى سميرنا التي تمثل الكنيسة في آلامها وعذاباتها. وهذا تدرج منطقي، لأن العلاقة مع الله تبدأ بالحب.
ثم يرينا الله كم ينبغي أن نتألم من أجل اسمه (أع9: 16).
نلاحظ أن لقب المسيح في هذه الرسالة له معنى مناسب:
فبالنسبة إلى ملاك كنيسة أفسس الذي ترك محبته الأولى، وكان يلزمه أن يعرف من أين سقط ويتوب. استخدم الرب لقب: "الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ" (رؤ2: 1) ليشجعه بأنه في يمين الرب مهما ترك محبته الأولى.
أما بالنسبة إلى ملاك كنيسة سميرنا المعرض للاضطهاد والألم والموت، فقد استخدم الرب لنفسه لقب "الأَوَّلُ وَالآخِرُ، الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَعَاشَ" (رؤ2: 8) لكي يذكّره بأنه حتى لو مات في الاضطهاد، فسوف يعيش بعد ذلك كما حدث للسيد المسيح في قيامته "إذ كان ميتًا فعاش".
وكأنه يقول لكنيسة سميرنا وكل من في ظروفها: "كما أنني قهرت الموت، وكنت ميتًا فقمت، فسوف تقومون معى أنتم أيضًا إن متّم في الاضطهاد.
يذكرنا هذا بقوله لمرثا أخت لعازر الذي مات: "مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو11: 25). وفعلًا أقامه من الموت...
الرسالة إلى سميرنا هي رسالة التشجيع في الضيقة والألم والاضطهاد.
إن السيد الرب لا يخفي على أولاده وتلاميذه أنه: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ" (يو16: 33). بل قال لهم: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ" (يو16: 2).
وهنا في الرسالة إلى ملاك كنيسة سميرنا، يقول له: "لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ"، "لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ". ومع كل ذلك عبارة "لا تخف".
والرب في هذه الرسالة يرى أنه أمام هذه الكنيسة ثلاثة أعداء: اليهود، والأباطرة العشرة، وإبليس. ويطمئن ملاك هذه الكنيسة بقوله: "أَنَا أَعْرِفُ أَعْمَالَكَ وَضِيْقَتَكَ وَفَقْرَكَ".
ويقول عن العدو الأول للكنيسة: اليهود:
"وَتَجْدِيفَ الْقَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ هُمْ مَجْمَعُ الشَّيْطَانِ" (رؤ2: 9). فكما أن اليهود اضطهدوا السيد نفسه. كذلك اضطهدوا رسله القديسين. وقيل من جهة بطرس ويوحنا الرسولين: "وَبَيْنَمَا هُمَا يُخَاطِبَانِ الشَّعْبَ، أَقْبَلَ عَلَيْهِمَا الْكَهَنَةُ وَقَائِدُ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَالصَّدُّوقِيُّونَ، مُتَضَجِّرِينَ مِنْ تَعْلِيمِهِمَا الشَّعْبَ... فَأَلْقَوْا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ وَوَضَعُوهُمَا فِي حَبْسٍ إِلَى الْغَدِ" (أع4: 1، 2). وبالنسبة إلى باقي الرسل: "جَعَلُوا يَتَشَاوَرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ" "وَجَلَدُوهُمْ، وَأَوْصَوْهُمْ أَنْ لاَ يَتَكَلَّمُوا بِاسْمِ يَسُوعَ" (أع5: 33، 40).
هؤلاء هم اليهود الذين كانوا يهيجون الحكام ضد الرسل وضد المسيحيين. والذين أكثر من أربعين رجلًا منهم حرموا أنفسهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا شيئًا حتى يقتلوا القديس بولس الرسول (أع23: 14، 21).
ما المقصود بعبارة "تَجْدِيفَ الْقَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ هُمْ مَجْمَعُ الشَّيْطَانِ" (رؤ2: 9)؟
هم القائلون إنهم شعب الله المختار، وليسوا هم شعب الله ولا هم مختارون منه، بل يقاومون مشيئة الله وشعبه المسيحيين. هم القائلون إنهم أبناء إبراهيم ويفتخرون بانتسابهم له. وليسوا هم كذلك لأنهم كما قال لهم الرب من قبل: "لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ!" "أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ" (يو8: 39، 44).
من أجل هذا دعاهم الرب "مَجْمَعُ الشَّيْطَانِ" لأنهم صاروا من أعوان الشيطان وجنده ينفذون مشيئته. وهكذا أصبح كل منهم شيطانًا، وهم في اجتماعهم معًا على الشر مجمع شياطين.
أما عن تجديفهم فهو كثير...
هم الذين جدفوا على السيد المسيح، وقالوا عنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين، وأنه كاسر للسبت وناقض للشريعة، وأن به شيطانًا قائلين له: "إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ" (يو8: 48، 52). وقالوا إنه ضال ومضل ومستحق للموت. بل قال رئيس كهنتهم في محاكمته: "قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟!" (مت26: 65).
وما أكثر التجاديف الأخرى التي نادوا بها.
إن الرب يطمئن هذا الملاك (الراعي) بأنه يعرف ضيقته، فيقول له:
"أَنَا أَعْرِفُ أَعْمَالَكَ وَضِيْقَتَكَ وَفَقْرَكَ مَعَ أَنَّكَ غَنِيٌّ. وَتَجْدِيفَ الْقَائِلِينَ: إِنَّهُمْ يَهُودٌ" (رؤ2: 9). وكان ملاك هذه الكنيسة يقول في قلبه: يكفي أن الرب يعرف ما أنا فيه من ضيق. ولا شك أنه سيتصرف حسب كثرة تحننه وعمق رعايته. ولا حاجة لي أن أشكو أو أن أطلب. أو أن أصرخ مع داود النبي: "يَا رَبُّ لمَاذَا كَثُرَ الَّذِينَ يُحْزِنُونَني. كَثِيرُونَ قَامُوا عَلَيَّ" (مز3: 1). يكفي أنه يعرف. فلأكن أنا مطمئنًا.
إن الرب يعرف عمله، ويعرف ضيقته، ويعرف فقره مع أنه غني. وكأنه يقول مع القديس بولس الرسول: "خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، وَأُوجَدَ فِيهِ" (في3: 8).
ومع أنه من أجل الرب صار فقيرًا، لعله أيضًا يرتل مع نفس الرسول وجماعته: "كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ" (2كو6: 10).
الرب يطمئنه بأنه يعرف ضيقته، ثم يقول له:
"لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ" (رؤ2: 10)
الله لا يمنع الألم عن أولاده، ولا يمنع التجارب ولا الضيقات. ولا المؤمرات. ولكنه في كل ذلك يقول عبارة: "لا تخف". سوف تأتي الضيقة. ولكن أنا سأكون معكم، كما كنت مع الثلاثة فتية في أتون النار. لذلك تشدد وتشجع، ولا تخف: "فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُنْقِذَكَ" (إر1: 19). "يَسْقطُ عَنْ يَساركَ أُلوفٌ وعَنْ يَمينكَ رِبْواتٌ، وأمّا أنْتَ فَلا يقْتَربُ إليْكَ الشَّرُّ. بَلْ بِعَيْنيْكَ تَتَأَمَّلُ ومُجازاةُ الخُطاةِ تُبْصرُ" (مز91: 7، 8).
إن المسيحية ديانة شجاعة وجرأة، وأيضًا ديانة رجاء في عمل الله معك، وفي وعده المشجع "لاَ تَخَفِ".
ليتكم تتبعون عبارة "لاَ تَخَفِ" في الكتاب المقدس.
ما أجمل قول داود النبي في المزمور: "إنْ يُحارِبَنِي جَيشٌ فلَنْ يَخافَ قَلْبي. وَإنْ قامَ عَليَّ قِتالٌ فَفي هَذا أنَا أطَمْئنُّ" (مز27: 3).
"لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ". (رؤ2: 10) ومثال ذلك:
"هُوَذَا إِبْلِيسُ مُزْمِعٌ أَنْ يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا، وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ" (رؤ2: 10). لم يقل: هوذا الإمبراطور أو الأمير أو الوالي، سيلقي بعضًا منكم في السجن. بل قال: "هُوَذَا إِبْلِيسُ...".
إبليس هو المحرض. وحربنا معه، وليس مع البشر. كما قال القديس بولس الرسول: "فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ... مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ" (أف6: 12، 13). وكما قال القديس بطرس الرسول: "إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ" (1بط5: 8، 9).
الرسالة إلى سميرنا هي رسالة إلى الذين يضطهدهم إبليس، سواء في الناحية الإيمانية، أو في حياتهم السلوكية الشخصية.
هؤلاء يشجعهم الرب حتى لا ييأسوا، وإنما يكونون أمناء حتى الموت وإن كان رقم (عشرة أيام) هنا يشير إلى عهود الأباطرة العشرة الذين قاموا باضطهاد المسيحية قبل قسطنطين. فمن الناحية الرمزية يشير هنا إلى كمال الأيام. أي إلى أي مدى زمني مهما طال.
فعلى الإنسان أن يقاوم حروب إبليس كما قال الرب:
"كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 10).
من جهة الإيمان عبارة "إِلَى الْمَوْتِ" تعني الأمانة إلى حد الاستشهاد. ومن جهة الأمانة في السلوك الروحي، فقد وبخ القديس بولس الرسول الخطاة من العبرانيين قائلًا: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4). هنا تظهر الأمانة الكاملة.
ومن الناحية العكسية يكون الاستسلام للخطية وعدم مقاومة إبليس، هو لون من خيانتنا لله، الذي ائتمننا على أن نكون هياكل لروحه القدوس (1كو3: 16).
نكون أمناء لله إلى آخر رمق من إرادتنا وعزيمتنا، وإلى آخر رمق من جهادنا الروحي.
وفي كل ذلك نكون معتمدين على الله الذي يعمل فينا، ويعمل معنا، من أجلنا... ولا تكون أمانتنا حتى الموت مجرد عمل بشري وإنما شركة مع الروح القدس (2كو13: 14) واستجابة لعمله الإلهي فينا.
مرتلين مع المزمور: "لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء" "نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا. عَوْنُنا باِسْمِ الرَّبِّ، الَّذي صَنَعَ السَّماءَ والأرْضَ" (مز124: 2، 3؛ 7، 8).
وفي كل ذلك لا نيأس، مهما جُرحنا في حرب، ومهما سقطنا في خطية.
ففي الحروب الروحية من كل نوع، نقول: "الْحَرْبَ لِلرَّبِّ" (1صم17: 47). وفي حالة السقوط لا نيأس. بل نقول مع النبي: "لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ" (مي7: 8) و"الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ" (أم24: 16).
وبالإيمان نحيا في الرجاء. ويذكرني هذا بقصة ذلك الفنان الذي تقطعت كل أوتار قيثارته، ولم يبق فيها سوى وتر واحد، فأكمل عزفه بهذا الوتر الواحد، في لوحة فنية ترمز إلى الرجاء.
"كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 10).
ففي ساعة التجربة، تذكّر هذا الإكليل الذي ينتظرك. وتمسك به واحرص على أن تناله. وإكليل الحياة يعني الحياة الأبدية، التي تحيا فيها مع الله وقديسيه في النعيم الأبدي.
يختم الرب رسالته إلى هذا الراعي بقوله: "مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ". فماذا يقول للكنائس؟ إنه يقول: "مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي" (رؤ2: 11).
الموت الأول هو موت الجسد، بانفصال الروح عن الجسد.
أما الموت الثاني فهو الموت الأبدي بانفصال الروح عن الله. وبه يلقى الإنسان "فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ" (رؤ21: 8). أما الذي يغلب فلا قدرة لهذا الموت الثاني عليه.
الموت الأول يقوم منه الإنسان بالقيامة في اليوم الأخير. أما الموت الثاني فهو المرعب، ولا ينجو منه إلا الغالبون.
اكتب إلـىَ مـَــلاك كَنيسَة برغَاموُس
اكتب إلـىَ مـَــلاك كَنيسَة برغَاموُس
قال السيد الرب للقديس يوحنا الرائي:
"اكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَرْغَامُسَ: هذَا يَقُولُهُ الَّذِي لَهُ السَّيْفُ الْمَاضِي ذُو الْحَدَّيْنِ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، وَأَيْنَ تَسْكُنُ حَيْثُ كُرْسِيُّ الشَّيْطَانِ، وَأَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بِاسْمِي، وَلَمْ تُنْكِرْ إِيمَانِي حَتَّى فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا كَانَ أَنْتِيبَاسُ شَهِيدِي الأَمِينُ الَّذِي قُتِلَ عِنْدَكُمْ حَيْثُ الشَّيْطَانُ يَسْكُنُ. وَلكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ، الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ بَالاَقَ أَنْ يُلْقِيَ مَعْثَرَةً أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ، وَيَزْنُوا. هكَذَا عِنْدَكَ أَنْتَ أَيْضًا قَوْمٌ مُتَمَسِّكُونَ بِتَعْلِيمِ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّذِي أُبْغِضُهُ. فَتُبْ وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ سَرِيعًا وَأُحَارِبُهُمْ بِسَيْفِ فَمِي. مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى، وَأُعْطِيهِ حَصَاةً بَيْضَاءَ، وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الَّذِي يَأْخُذُ" (رؤ2: 12- 17).
"اكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَرْغَامُسَ".
وكلمة "برغاموس" معناها الزواج أو الاقتران. وإذا أخذنا هذه الكنيسة بطريقة التتابع التاريخي، فهي إذًا تشير إلى عصر اقتران الكنيسة والدولة.
وذلك من بداية سنة 313م حينما أصدر قسطنطين الملك مرسوم ميلان الذي يسمح بالحرية الدينية، وبمقتضاه انتهت فترة الاضطهاد الديني، التي فيها كان المسيحيون يعذبون ويسجنون ويقتلون بسبب تمسكهم بدينهم. وأصبحوا أحرارًا من جهة عبادتهم...
بل أن قسطنطين الملك نفسه صار مسيحيًا، والدولة الرومانية صارت دولة مسيحية. وهكذا اِقترنت الدولة والمسيحية معًا.
الكنيسة استراحت من الاضطهاد الديني بمرسوم ميلان. ولكن الراحة قادت إلى ضرر من نوع آخر. وكان عهد "سميرنا" في الألم أفضل.
حينما كانت الكنيسة في آلام ومرارة الاضطهاد، كان إيمانها أعمق. وكان المؤمنون يفرحون بالاستشهاد ويسعون إليه. وكانت الصلوات أكثر حرارة، والتدقيق في الحياة الروحية أفضل. وكان الناس أمناء حتى الموت في علاقتهم بالله. واُعتبر الألم هبة من الله كما قال الرسول: "قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ" (في1: 29) لأنه "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو8: 17).
وكثيرًا ما يحدث أن الإنسان عندما يبعد عن بركة الألم، قد يقع في قلة الحرص أو في الفتور أو التسيب. لذلك قال القديس يعقوب الرسول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2).
إن الشيطان جرّب الكنيسة بالضيق عشرة أيام (رؤ2: 10).
فلما اِنتهت العشرة أيام، غيّر الشيطان أسلوبه، لكي يتعب الكنيسة بالهرطقات وبالعثرات، بتعاليم النيقولاويين، وتعليم بلعام.
وربما تعاليم النيقولاويين تشير إلى كل البدع والانحرافات العقائدية التي ظهرت بعد الحصول على الحرية الدينية. فبعد أن كان الاهتمام مركزًا في التمسك بالإيمان المسيحي، صار الناس في ظل الحرية الدينية يبحثون في تفاصيل ذلك الإيمان. وادخل الشيطان في عقول البعض تفسيرات منحرفة تحولت إلى هرطقات.
حقًا إن الكنيسة في كل عصر لها نوعية من الحروب تُحارَب بها...
أما عن بلعام فتوجد قصته في سفر العدد (عد22- 25).
وقد حاول بالاق أن يدعوه إلى لعن الشعب، فرفض ذلك، وقال لعبيده: "وَلَوْ أَعْطَانِي بَالاَقُ مِلْءَ بَيْتِهِ فِضَّةً وَذَهَبًا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَتَجَاوَزَ قَوْلَ الرَّبِّ إِلهِي" (عدد22: 18). ولكنه أخيرًا إذ: "أَحَبَّ أُجْرَةَ الإِثْمِ" (2بط2: 15). بدلًا من أن يلعن الشعب بلسانه، قدّم لبالاق الطريقة التي ينال بها ذلك الشعب غضب الله عليهم. وذلك بأن: "يُلْقِيَ مَعْثَرَةً أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ، وَيَزْنُوا" (رؤ2: 14).
وهكذا قيل في نهاية قصة علاقة بلعام وبالاق: "وَأَقَامَ إِسْرَائِيلُ فِي شِطِّيمَ، وَابْتَدَأَ الشَّعْبُ يَزْنُونَ مَعَ بَنَاتِ مُوآبَ. فَدَعَوْنَ الشَّعْبَ إِلَى ذَبَائِحِ آلِهَتِهِنَّ، فَأَكَلَ الشَّعْبُ وَسَجَدُوا لآلِهَتِهِنَّ" (عد25: 1، 2).
وهكذا كان أسلوب بلعام ملتويًا وفيه رياء: لم يلعن الشعب بشفتيه. ولكنه وصل إلى لعنتهم بإلقائهم في المعثرة!!
وبالهرطقة "من النيقولاويين" والعثرة "من تعليم بلعام" سيطر الشيطان.
وقال الرب لملاك كنيسة برغاموس: إنك "تَسْكُنُ حَيْثُ كُرْسِيُّ الشَّيْطَانِ".
وكرر الرب هذه العبارة: "عِنْدَكُمْ حَيْثُ الشَّيْطَانُ يَسْكُنُ" (رؤ2: 13).
نحن نعلم من اعتراف الشيطان في قصة أيوب الصديق إنه يأتي: "مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا" (أي1: 7) (أي2: 2). فإن كان قد اِستقر في مكان، وسكن فيه، وجعل فيه كرسيه، فلا شك أن هذا المكان يكون أكثر الأمكنة خطورة من جهة عمل الشيطان!
وهكذا كان وضعه الخطير بالنسبة إلى برغاموس... وبالأكثر عمله ضد من قال له الرب: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ... وَأَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بِاسْمِي، وَلَمْ تُنْكِرْ إِيمَانِي حَتَّى فِي الأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا كَانَ أَنْتِيبَاسُ شَهِيدِي".
واسم انتيباس هذا، قد يكون اسم شهيد في العصر الرسولي وقت كتابة سفر الرؤيا أو رمزًا للشهداء بصفة عامة.
على أن كرسي الشيطان وعمله وسكناه، يجعلنا نتأمل بعض الشيء في صفات الشيطان ومقدراته ومواهبه بصفة عامة.
1- إنه متعدد الأساليب:
تارة "يُلْقِيَ بَعْضًا مِنْكُمْ فِي السِّجْنِ لِكَيْ تُجَرَّبُوا، وَيَكُونَ لَكُمْ ضِيْقٌ عَشَرَةَ أَيَّامٍ" (رؤ2: 10) كما فعل مع سميرنا. وتارة يحارب بالهرطقات والعثرة كما فعل مع برغاموس (رؤ2: 14، 15). فهو يحاربهم بالحكام والولاة في عصور الاستشهاد. فإن مضى عصر الاستشهاد الديني، يحاربهم بالإغراء والانحراف الفكري.
فإن كان القديس بولس الرسول قد قال: "صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا" (1كو9: 22)، فإن الشيطان يكون لكل أحد كل شيء، لكي يهلك على كل حال قومًا.
2- ومن صفات الشيطان أنه لا ييأس:
إنه يحارب ملاك برغاموس، ويجعل عنده كرسيه، على الرغم من علمه أنه متمسك باسم الرب، ولم ينكر إيمانه حتى في عصر الاستشهاد (رؤ2: 13). وهو يُسقط ملاك كنيسة أفسس ويجعله يترك محبته الأولى، على الرغم من أن ذلك الملاك اِحتمل وصبر، وتعب من أجل اسم الرب ولم يكل (رؤ2: 3- 5).
وفي العهد القديم لم ييأس من محاربة أيوب الصديق، على الرغم من شهادة الرب له إنه "رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" (أي1: 8) و"لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ" (أي2: 3).
ولم ييأس من محاربة سليمان الحكيم الذي أخذ الحكمة من الله نفسه. ولم يكن مثله في الحكمة، ولا قام بعده نظيره (1مل3: 12). فإذا به في أيام شيخوخته، جعل "نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ" (1مل11: 4).
3- ومن صفات الشيطان الحكمة وطول البال.
وقد وصفه الرب بالحكمة في قوله: "كُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ" (مت10: 16).
والحية اسم من أسماء الشيطان (رؤ20: 2). وقيل عنها في إسقاط أبوينا الأولين: "وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ" (تك3: 1). فهو (أي الشيطان) يتخير الوقت المناسب، والحروب المناسبة لكل شخص. ويتخير أعوانه المناسبين: نيقولاوس أو بلعام (رؤ2: 14، 15). وإيزابل (رؤ2: 20). وسائر أولئك الذين سماهم الرب "مَجْمَعُ الشَّيْطَانِ" (رؤ2: 9) (رؤ3: 9).
4- ويتميز الشيطان أيضًا بالخبرة والمعرفة.
له في حربه مع الإنسان حوالي سبعة آلاف سنة من الزمان. مرّت عليه فيها أنواع من عقول البشر ونفسياتهم وظروفهم، وأوقات ثباتهم، وأوقات فتورهم أو سقوطهم. فصارت له في محاربته خبرة واسعة...
يضاف إلى ذلك طبيعته كملاك من طغمة الكاروبيم، قال عنه الله في سفر حزقيال النبي: "أَنْتَ خَاتِمُ الْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً... أَنْتَ كَامِلٌ فِي طُرُقِكَ مِنْ يَوْمَ خُلِقْتَ حَتَّى وُجِدَ فِيكَ إِثْمٌ" (حز28: 12، 15).
وبالخبرة والمعرفة أمكنه أن يسقط كثيرين، وملايين.
5- ويتميز أيضًا بالقدرة على الخداع والتخفي والكذب.
قال عنه القديس بولس الرسول: "لاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ! فَلَيْسَ عَظِيمًا إِنْ كَانَ خُدَّامُهُ أَيْضًا يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ" (2كو11: 14، 15). وكم ظهر للآباء في هيئة أنبياء وسوّاح!
وقيل عن ضد المسيح الذي يسبب الارتداد العام في نهاية الزمان: "الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا أَوْ مَعْبُودًا" إن "مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ" (2تس2: 4، 10). وقد قال عنه الرب إنه: "كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ" (يو8: 44).
6- ومن صفاته أيضًا أنه ثابت على غرضه، ويحتمل فيه كل شيء.
غرضه هو أن يضل الناس. ولم يتزحزح عن هذا الهدف طوال تاريخه. حتى أنه بعد أن قيده الله ألف سنة، قيل عن نهايتها: "ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ الأَلْفُ السَّنَةِ يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ" (رؤ20: 7، 8).
وهو قد يحارب قديسًا خمسين سنة، ثابتًا في محاربته، لا يملّ حتى يسقطه. وقد يتعبه هذا القديس بصلواته وأصوامه ومزاميره ونسكه، فيحتمل كل ذلك، ويظل ثابتًا على غرضه أن يسقطه!
إن حاولت أن تهرب منه إلى مكان بعيد عن العثرات، يقول لك: أنا معك حيثما تذهب، أينما حللت أحلّ، أظل ملازمًا لك، لا أفارقك. وسأظل ملاصقًا لك أكثر من ظلك.
7- والشيطان أيضًا يؤمن بالتطوير والتجديد.
يجدد أساليبه ويطورها، حسب الظروف المتاحة، بالطريقة التي تساعده على أداء مهمته. في عصر التكنولوجيا يستخدم أحدث أساليب التكنولوجيا. وهو مستعد أن يلقي على خدامه Advanced Courses يدربهم فيها على أحدث الطرق التي تناسب العصر في إسقاط البشر، وفي الإيقاع بين الدول والشعوب. وفي محاربة المؤمنين عن طريق التقدم العلمي والاكتشافات الحديثة.
وإن كان في سفر الرؤيا قد هاجم المؤمنين عن طريق بدع النيقولاويين وتعاليم بلعام، ففي أيامنا هذه من جهة الأمور اللاهوتية يستخدم شهود يهوه والسبتيين والمورمون، ورجال النقد الكتابي، وعلاقة الكتاب بالعلم والتاريخ، وما أشبه...
نلاحظ في قول الرب لملاك برغاموس "عِنْدِي عَلَيْكَ" أنه لم يذكر له أخطاء شخصية لهذا الراعي، وإنما أخطاء شعبه.
فقال له: "أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ... هكَذَا عِنْدَكَ أَنْتَ أَيْضًا قَوْمٌ مُتَمَسِّكُونَ بِتَعْلِيمِ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّذِي أُبْغِضُهُ" (رؤ2: 14، 15).
بعكس ملاك كنيسة أفسس الذي حدثه عن أخطائه الشخصية، بقوله له: "عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى" (رؤ2: 4).
ونفهم من هذا أن الأسقف أو الراعي عمومًا مسئول عن الأمرين معًا: عن أخطائه، وعن أخطاء الشعب أيضًا، وبخاصة إن كانت من جهة الوقوع في بدع وهرطقات لم يقم الراعي بحمايتهم منها.
لهذا طوباه القديس أثناسيوس الرسولي الذي خلال 45 من سني حبريته كان ينقذ شعبه من الهرطقة الأريوسية، بل ينقذ العالم المسيحي كله، بالرد على كل نقطة حاول بها الأريوسيون إثبات هرطقتهم. ومع القديس أثناسيوس نذكر أيضًا القديس باسيليوس الكبير، والقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات، والقديس أمبروسيوس أسقف ميلان، والقديس إيلاري أسقف بواتييه، وغيرهم من الرعاة في عصرهم الذين تعتبرهم الكنيسة من أبطال الإيمان، وأمثالهم في باقي العصور.
ولذلك فإن الرب يقول لراعي برغاموس "تُبْ وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ سَرِيعًا وَأُحَارِبُهُمْ بِسَيْفِ فَمِي..." (رؤ2: 16).
عجيبة كلمة "تب" هذه تقال لهذا الراعي الذي شهد له الرب قائلًا: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ". "وَأَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بِاسْمِي، وَلَمْ تُنْكِرْ إِيمَانِي حَتَّى فِي الأَيَّامِ... حَيْثُ الشَّيْطَانُ يَسْكُنُ" (رؤ2: 13).
عن أي شيء يتوب؟! عن أخطاء الشعب التي لم يحمهم منها هنا مشكلة الرعاية ومشكلة المسئولية، في أن الراعي يحمل خطايا شعبه، ويعمل على إنقاذه منها.
مخيف هذا الأمر: الشعب يخطئ، فيحاسب الله الراعي.
قال السيد الرب للقديس يوحنا الرائي:
"اكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَرْغَامُسَ: هذَا يَقُولُهُ الَّذِي لَهُ السَّيْفُ الْمَاضِي ذُو الْحَدَّيْنِ" (رؤ2: 12).
"فَتُبْ وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ سَرِيعًا وَأُحَارِبُهُمْ بِسَيْفِ فَمِي. مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى، وَأُعْطِيهِ حَصَاةً بَيْضَاءَ، وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الَّذِي يَأْخُذُ" (رؤ2: 16، 17).
عجيب هو الرب، يعطي نفسه أسماء تتغير بتغير الحالة.
هنا، فيما يتكلم من جهة بدعة النيقولاويين، وتعاليم بلعام المفسدة، ذكر أن له السيف الماضي ذي الحدين. وكرر عبارة السيف.
إن الله مستعد أن يعطيك صورة له تناسب حالتك: تأتيه وأنت منسحق القلب في دموع التوبة، يعطيك صورته وهو يمسح كل دمعة من عينيك (رؤ21: 4). تأتيه وأنت مستهتر، يعطيك صورته وهو ممسك بالسوط، ويطرد الباعة من الهيكل (يو2: 15).
فإن أردت أن تتمتع بصورة جميلة لله، أسلك بما يناسبها.
وهنا مع الهراطقة والمفسدين تلزم صورة السيف الماضي ذي الحدين.
ما المقصود بعبارة "السَّيْفُ الْمَاضِي ذُو الْحَدَّيْنِ"؟!
يقول معلمنا القديس بولس الرسول: "كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ" (عب4: 12).
هذا هو سيف فمه القاطع الذي يميز الأمور، وله قوته. بالنسبة إلى الخطايا، له حدّ يعاقب على الأرض أو يوبخ. وله حدّ يمثل الدينونة في السماء. أو له حدّ يقطع، وحدّ يعالج.
السيف ذو الحدين هو كلمة الله: التي مرة تقول: "لاَ تَخَفْ... أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع18: 9، 10). ومرة تقول: "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!" (مت7: 23).
خذ من كلمة الله الحدّ الذي يرشدك ويحذرك لكي لا تخطئ.
إذا كنت غير محترس في كلامك، تجد سيف فمه يقول لك: "بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" "كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ" (مت12: 37، 36). فتجد السيف القاطع قد قطع الكلمة البطالة من فمك.
وإن جرحت إنسانًا وأهنته، ثم دخلت إلى الكنيسة لكي تتناول، تجد أمامك السيف الماضي يقول لك: "إِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ" (مت5: 23، 24).
وهكذا بالنسبة إلى كل خطية، ضع أمامها وصية، كسيف ماضٍ.
نحن نريد أن يكون ذلك السيف الماضي معنا لا علينا.
ما دام سيفًا ذي حدين، نأخذ الحد الذي يقودنا إلى التوبة، وليس الحد الآخر الذي فيه العقوبة. نأخذ القوة التي في الكلمة، قوة الروح وقوة الإرشاد، وقوة التحذير.
وما دام السيف قاطعًا، نقول للرب: فليكن سيفك قاطعًا لجذور الشر التي فينا. ولكن لا تقطع كلمتك أملنا في الخلاص، فأنت تريد "جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي2: 4).
يقول الرب: "وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ سَرِيعًا وَأُحَارِبُهُمْ بِسَيْفِ فَمِي".
في الواقع إنه أمر متعب ومخيف أن يشعر إنسان أن الله يحاربه!
هذا الإنسان يبدو وكأن ليس له خلاص! إننا إذا حاربنا الناس الأشرار، أو الأعداء الخفيون والظاهرون، أو حتى لو الشيطان نفسه حاربنا. يكون لنا رجاء في معونة تأتي لنا من فوق. أما إن كان الله هو الذي يحاربنا، وبسيف فمه، فمن يستطيع أن يثبت؟!
نلاحظ هنا تواضع الرب: إنه قال: "أُحَارِبُهُمْ" ولم يقل أبيدهم!
لأننا إن نزلنا في حرب أمام الرب فسنباد. قال الرسول: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" (عب10: 31).
إن كلمة "أحاربهم" تدل على مرحلة سبقتها مراحل كثيرة.
فالله لا يبدأ إطلاقًا بالمحاربة. إنه في الأول يطيل أناته ويصبر على الخطاة، لعله بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته، إنما يقتادهم إلى التوبة (رو2: 4). ويحاول أن يخلص نفوس الناس. لأن الله لا يسرّ بموت الخاطئ، بل بأن يرجع فيحيا (حز18: 23). ويحاول أن يجتذبه بوسائل عدة. فإن لم يستجب، يلجأ الرب إلى طريقة التخلي الجزئي فيمنع نعمته عنه إلى حد ما، حتى يشعر بضعفه وعجزه فيرجع إلى الله.
فإن اجتاز الخاطئ كل مراحل المعونة والصبر والتخلي وباقي الوسائل، ولم يرتدع، حينئذ تأتي مرحلة المحاربة.
لقد اجتاز فرعون موسى مراحل عديدة، ولم يضربه الله الضربة الأخيرة إلا بعد أن رفض فرعون كل الصبر عليه.
أما أنت أيها القارئ العزيز فاستجب من الخطوة الأولى. ولا تجعل النعمة العاملة معك لأجلك، ترتد عنك وتتركك.
ولا تصل في علاقتك مع الله إلى عبارة "أُحَارِبُهُمْ"!
وإن حاربك الله بسبب قسوة قلبك، فلا تقاوم ولا تحارب. قل له: "أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ" (إر12: 1).
أمام الله "يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ" (رو3: 19). والحكيم من الناس، هو الذي ينسحق قلبه، ويرجع إلى الله بالتوبة. وإن لم يقدر على التوبة، يقول للسيد الرب: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ، لأَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ إِلهِي" (أر31: 18). قف في موقف المعترف بخطيته، والمعترف بعجزه، وقل كما قال العشار: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" (لو18: 13).
يقول الرب: "فَتُبْ وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ سَرِيعًا وَأُحَارِبُهُمْ...".
لملاك الكنيسة يقول: "تب". مع أن الذين أخطأوا هم قوم متمسكون بتعاليم النيقولاويين التي يبغضها الرب، وقوم متمسكون بتعاليم بلعام (رؤ12: 14، 15). ذلك لأن الأسقف يحمل خطايا رعيته. وكأنه يقول الرب: اغفر تقصيري في رعايتهم، وتقصيري في قيادتهم إلى التوبة.
ولكن لماذا تقول يا رب: آتيك سريعًا وأحاربهم؟!
لماذا "سريعًا" وأنت الطويل الأناة، البطيء الغضب (يون4: 3).
حقًا يا رب إنه قد وُضعت الفأس على أصل الشجرة، وكل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا، تُقطع وتلقى في النار (مت3: 10). ولكن مهلًا يا رب. ارفع فأسك قليلًا عن أصل الشجرة. "اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا". ربما تصنع ثمرًا. "وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا" (لو13: 8، 9).
يقول الرب بعد هذا:
"مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ" (رؤ2: 17).
من له أذن للسمع. لأن هناك أذنًا لا تريد أن تسمع، أو أنها تسمع وتهمل ما تسمعه. أو هي غير متفرغة لأن تسمع ما يقوله الروح للكنائس، إذ هي مشغولة بما يقوله العالم وأهل العالم أو هي تسمع ولا تتأثر. أو تتأثر ولا تعمل بما سمعته...!
هذه الأذن يمر عليها كلام الروح كأنه ريح عابرة، يجوز مقابلها، ولا يستقر فيها. لأنه ليس من خاصتها، ولا هي من خاصته!
وهناك أذن أخرى تسمع الكلمة، بل تلتقطها ولو من بعيد. ويدخل الكلام من الأذن إلى العقل، وينحدر من الفكر إلى القلب، وتتحول الكلمة إلى مشاعر، وإلى حوافز ودوافع، ثم إلى أعمال. وتتحول الأعمال إلى حياة. هذه هي الأذن التي للسمع.
بالأذن التي للسمع، يأخذ الإنسان الكلمة ويخبئها في قلبه (مز119) وتصبح له "رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو6: 63). وينتفع بها.
كبذرة نزلت على أرض جيدة. فبدأت تتفتح، وتمد جذورها إلى العمق، وترفع جذعها إلى فوق، وتنتشر فيها الحياة.
الشاب الغني سمع الكلمة من فم المسيح نفسه، ومضى حزينًا لأنه كان ذا أموال كثيرة (مت19: 22). أما القديس الأنبا أنطونيوس فكانت له أذن للسمع. فسمع الكلمة في الكنيسة وذهب ونفذها وباع كل ماله.
الكتبة والفريسيون سمعوا كلامًا من السيد المسيح، ولم يقبلوه بل كانوا يجادلونه رافضين ما يقول. لم تكن لهم آذان للسمع.
هناك أشخاص آذانهم ليست للسمع، لأن هناك موانع تمنعها من السماع.
إما كبرياء في القلب، أو عناد، أو شهوات تمنعها من قبول الكلمة. أو عدم تعود، أو عدم استعداد في الداخل. أو لأنه ليست لهم علاقة سابقة بالروح، ولا بما يقوله الروح للكنائس...
وهناك آذان تسبيها فلسفة العالم الحاضر وأفكاره، فتجد ما يقوله الروح غريبًا عليها. هو لغة أخرى لم تتعود على مفرداتها...
وقد تسمع كلام الروح فيدركها الملل منه...
قال أحد الآباء: كنت أكلّم بعض الأخوة كلامًا روحيًا، فثقلت عيونهم حتى كاد يدركهم النعاس. فأردت أن أظهر عمل الشيطان معهم، فغيرت حديثي إلى كلام مزاح ولهو، فاستيقظوا وتنبهت مشاعرهم!! ذلك لأنهم ما كانوا يريدون سماع كلمة الرب. ليست لهم آذان للسمع.
صدق ذلك الأديب الذي قال: "لكل كلمة أذن. ولعل أذنك ليست لكلماتي. فلا تتهمني بالغموض".
الأذن التي للسمع، لها صفات كثيرة:
فهي التي تشتاق إلى سماع الكلمة. وتبحث عن الكلام المقدس في كل مكان. إن لم يأتِ إليها، تسعى إليه.
بل تشعر أن سماعها ما يقوله الروح، هو شرف لها لا تستحقه. كما نقول في أوشية الإنجيل: "اجعلنا مستحقين أن نسمع ونعمل بأناجيلك المقدسة"... نطلب أن نكون مستحقين أن نسمع.
والأذن التي للسمع تسمع وتفهم، وتسمع وتعمل...
وهي أيضًا تستطيع أن تميز كلام الرب من كلام غيره: "لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ... لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ" (يو10: 4، 5).
والأذن المقدسة هي التي تسمع ما يقوله الروح للكنائس.
وعبارة "مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ" تعني أن هذه الرسالة وإن كانت موجهة إلى ملاك كنيسة برغاموس، إلا أنه تنتفع بها باقي الكنائس.
إن كلام الروح هو للكنائس، لكل أعضاء جسد المسيح. نقرأ نحن الرسائل المرسلة إلى الكنائس السبع التي في آسيا، فننتفع جميعًا بها. فكل منها تختم بعبارة "مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ".
فهي كلام من الروح لكل الكنائس من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها. وليست لكنيسة واحدة محلية. وعلى الرغم من اِحتوائها بعض أخبار محلية، إلا أنه يمكن الانتفاع بها للكل.
ما يقوله الروح هو التعليم الإلهي، ويتصف بالشمولية.
والمهم الآن: هل نسمع ما يقوله الروح؟ وهل نعمل به؟
وهل كل ما يُقال على منابر كنائسنا هو ما يقوله الروح للكنائس؟ أم أن البعض يقولون تعليمهم الخاص، أو ما قرأوه في كتب غريبة ويرددونه ظانين في وهم أنه ما يقوله الروح للكنائس!
والعجيب أن البعض يصرّح بعبارة "قال لي الروح"!! ولا نعرف أي روح قد كلمه، إن كان قد كلمه روح! أو قد خيّل إليه أن ما يجول بفكره هو كلام الروح!! هوذا القديس يوحنا الرسول يقول:
"لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟" (1يو4: 1).
أليس هذا هو السبب الذي من أجله كثرت المذاهب في المسيحية وتعددت! وكل منها يرى أن ما يعتقد به هو ما يقوله الروح للكنائس!! وربما يكون بعضها هو تفسير خاص وفكر خاص.
إننا نعاني من أن بعض أصحاب الفكر الخاص، يحاولون أن يجعلوه فكرًا عامًا، وينشروه كما لو كان عقيدة.
إن ما يقوله الروح للكنائس هو حق خالص.
والحق لا يتناقض كما في أفكار الكثيرين.
مَـن يغـلب...
مَـن يغـلب...
قال السيد الرب لملائكة الكنائس السبع:
"مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ" (رؤ2: 7).
"مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي" (رؤ2: 11).
"مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى، وَأُعْطِيهِ حَصَاةً بَيْضَاءَ، وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الَّذِي يَأْخُذُ" (رؤ2: 17).
"وَمَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، فَيَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ... وَأُعْطِيهِ كَوْكَبَ الصُّبْحِ" (رؤ2: 26-28).
"مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ" (رؤ3: 5).
"مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ... وَاسْمِي الْجَدِيدَ" (رؤ3: 12).
" مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ " (رؤ3: 21).
كل هذه المكافآت السمائية لمن يغلب. وكما قال أحد الآباء:
لا يكافأ إلا الذي اِنتصر. ولا ينتصر إلا الذي حارب وغلب.
وفي الحقيقة إن فترة حياتنا على الأرض، هي فترة صراع وجهاد، يقف فيها الإنسان ضد العالم والشيطان والجسد، وضد إغراءات كثيرة. وقد قال القديس بولس الرسول: "إِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ... مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ... مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ..." (أف6: 12- 13).
وقال القديس بطرس الرسول: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ، عَالِمِينَ أَنَّ نَفْسَ هذِهِ الآلاَمِ تُجْرَى عَلَى إِخْوَتِكُمُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ" (1بط5: 8، 9).
إن الرب يريدنا أن نغلب، وأعطانا نفسه كمثال، فقال:
"ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ" (يو16: 33).
نعم، إن السيد المسيح كان أول الغالبين ومثالًا للغالبين. لقد غلب العالم، وغلب الشيطان في كل تجاربه، وغلب الناس الأشرار في كل حواراتهم معه. وأخيرًا غلب الموت.
القديس بولس الرسول لما تكلم عن مكافأته في اليوم الأخير وأسبابها، قال: "جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا" (2تي4: 7، 8).
هذا الرسول إذًا قد جاهد وغلب، وقصّ علينا صور جهاده وغلبته.
والقديس يوحنا الحبيب، في رسالته الأولى، يكتب للشباب فيقول: "كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ" (1يو2: 14). وهكذا طوّب وامتدح الأقوياء والغالبين.
أقول هذا لئلا يركز البعض على الإيمان فقط، وينسى كل الآيات التي وردت عن الانتصار والغلبة!!
فيقول لك: آمن فقط... "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع16: 31). ثق أنك تضمن الملكوت ما دمت مغسولًا بالدم الكريم... يكفيك أن تكون مختبئًا وراء الأبواب المرشوشة بالدم، فتخلص من يد المهلك (خر12)! كل هذا هو أسلوب استخدام الآية الواحدة، وإهمال باقي الآيات التي تدعو إلى الجهاد ومقاومة الشر، والتي تدعو إلى الغلبة والانتصار. وليس هذا هو أسلوب السيد المسيح الذي كرر عبارة "مَنْ يَغْلِبُ..." في كل رسالة من رسائله إلى ملائكة الكنائس السبع، جاعلًا إياها شرطًا لمكافأته السمائية، وسابقًا إياها بعبارة "مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ".
إنها حرب إذًا، مفروض علينا أن نجتازها، ونجاهد ونغلب.
نلاحظ أيضًا أن السيد المسيح، أعطى رجاء في الغلبة للكل، مهما كانت حالتهم سيئة جدًا...
قال: "مَنْ يَغْلِبُ" عن الذي ترك محبته الأولى. وأصبح محتاجًا أن يذكر من أين سقط ويتوب (رؤ2: 4- 7).
وقال: "مَنْ يَغْلِبُ" عن الفاتر الذي لا هو حار ولا بارد، والرب مزمع أن يتقيأه من فمه (رؤ3: 16 - 21).
بل قال: "مَنْ يَغْلِبُ"، حتى للذي كان له اسم أنه حي وهو ميت! ولم تكن أعماله كاملة أمام الله، وكان محتاجًا إلى التوبة (رؤ3: 1، 2، 5).
وقال: "مَنْ يَغْلِبُ" حتى للذي يسكن حيث كرسي الشيطان (رؤ2: 13، 17).
كل ذلك يعطينا رجاء في الغلبة وإمكانيتها.
إن الله لا يطلب منا أن نغلب، إلا لو كانت الغلبة ممكنة.
وهي ممكنة لأن "وَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً" كما يقول القديس يوحنا الرسول (1يو5: 3). ولأن معنا نعمة الله العاملة فينا (1كو15: 10) ومعنا أيضًا عمل الروح القدس الذي هو فينا، ويبكتنا على خطية (يو16: 15).
ونحن نقدر أن نغلب بالرب، الذي قال: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5). والذي قال عنه القديس بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13).
علينا إذًا أن نحارب. ونثق أننا سنغلب في الحرب، لأنه كما قال داود النبي أمام جليات: "الْحَرْبَ لِلرَّبِّ وَهُوَ يَدْفَعُكُمْ لِيَدِنَا" (1صم17: 47). المهم أننا نكون مستعدين أن نحارب وأن نغلب.
إنها وصية لكل أحد أن يغلب، على الرغم من أن كلًا منا له حروبه الخاصة. فما يحارب به إنسان، ربما يكون غير ما يحارب به إنسان آخر. ولكن على كل منا أن يصمد في صراعه ضد الشر ولا يستسلم، كما قال الرسول: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
إذًا لكي نغلب، علينا أن نقاوم الخطية، ولو أدّى الأمر إلى سفك دمنا. وهذا نفسه هو ما يقوله الرب في رسالته في سفر الرؤيا:
"كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 10).
ويشجعنا القديس بولس الرسول بقوله: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 21). فلنجاهد إذًا لكي نغلب، ولنثق أن كل القوات السمائية ترقب جهادنا، وتصلي لأجلنا لكي ننتصر، وتفرح بانتصارنا (لو15: 10).
تأمل آخر في قول السيد الرب: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ...".
إنها عبارة تدل بكل تأكيد على لاهوت السيد الرب.
فهو في كل تلك الرسائل يقف موقف الديان الذي يحاسب ويعطي. الذي يقول لكل إنسان: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ" (رؤ2، 3). ويقول إنه: "الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ" (رؤ3: 7).
حقًا، من هو هذا الذي يعطي إكليل الحياة، ويعطي الأكل من شجرة الحياة، ويعطي أحدًا أن يكون عمودًا في هيكل الله، ويجعله يجلس معه في عرشه، ولا يمحى اسمه من سفر الحياة؟! ومن هذا الذي يعطي سلطانًا على الأمم؟ ومن ذا الذي بسلطانه أن ينقذ من الموت الثاني؟
أليست كلها دلائل على لاهوته؟ إنها لكذلك...
رسائل الرب في سفر الرؤيا تدل على لاهوته، وكذلك باقي السفر، وكل إنجيل يوحنا ورسائله، لمن يتأمل.
يقول: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ" (رؤ2: 7). فما هي شجرة الحياة؟ وما هو فردوس الله؟
إن هذا يذكرنا بما ورد في الأصحاحين 2، 3 في سفر التكوين. وردت شجرة الحياة، ثم قيل بعد خطية أبوينا الأولين إن الله: "وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ" (تك3: 24). وما عدنا نسمع عن الجنة ولا عن شجرة الحياة. ولكننا الآن – في سفر الرؤيا – نسمع عن شجرة الحياة وفردوس الله.
إن ما فقده الإنسان الأول بحرمانه من شجرة الحياة، وعد السيد المسيح بأن يعيده إلينا في مكافأته للغالبين.
إن شجرة الحياة في سفر التكوين كانت رمزًا لشجرة الحياة في سفر الرؤيا.
عندما خلق الله آدم، لم يعطه وصية بعدم الأكل من شجرة الحياة. لكنه منعه عنها لما أخطأ. ووعد الرب بالأكل منها لمن يغلب.
إن كان الأكل من شجرة الحياة يعني الحياة إلى الأبد، إذًا ما كان ممكنًا أن يحيا الإنسان الأول إلى الأبد وهو في حالة الخطية. فكان لزامًا إذًا حراسة الطريق إلى شجرة الحياة بسيف من نار، إلى أن يتم الفداء. ثم يأخذ الإنسان استحقاقات الفداء بالإيمان وبالتوبة، وبأن يغلب.
الأكل من شجرة الحياة، لا يعني مجرد الحياة، إنما يعني الحياة في النعيم الأبدي.
وفي ذلك كان الرب يقول عن عمل الخير: "افعل هذا فتحيا". وفي آخر سفر التثنية يقول الرب: "قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ، إِذْ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْمَعُ لِصَوْتِهِ" (تث30: 19، 20).
ليس المهم أن يحيا الإنسان مجرد حياة. إنما الأكل من شجرة الحياة يعني الحياة الأفضل، الحياة السعيدة، الحياة المقدسة، الحياة التي لا تنتهي. الحياة الأبدية. حياة من نوع آخر. من النوع السامي الممجد، لأننا سنقوم من الموت على شبه جسد مجده (أف3: 21). سنقوم بأجساد روحانية، في مجد، وفي قوة (1كو15: 43، 44). ولكن كل واحد يتميز عن الآخر حسب درجته. "لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1كو15: 41).
والبعض يقول إن شجرة الحياة ترمز إلى السيد المسيح.
لأن "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ" (يو1: 4) وهو قال عن نفسه: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو11: 25) "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6). والقديس بولس الرسول يقول: "لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ" (في1: 21).
فإن كانت شجرة الحياة هي المسيح، فما معنى الأكل من شجرة الحياة في مثل هذه الحياة؟ معناه أن تتغذى به. بحبه، بنوره، بحياته فيك كما قال بولس الرسول: "أَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غلا2: 20).
وكما قال داود النبي في المزمور: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!" (مز34: 8). وهكذا يكون – بهذا المعني – الأكل من شجرة الحياة، أي التمتع بالله في النعيم الأبدي. هذا بالمعنى الروحي، لأن ملكوت الله ليس أكلًا وشربًا.
يقول: "شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله".
فما هو فردوس الله هذا؟
ليس الفردوس هو جنة عدن التي اختفت وانتهت، كما أن تلك الجنة كانت أرضية، وفيها أشجار وثمار وترويها أربعة أنهار (تك2).
أما الفردوس فهو سماوي. قال عنه بولس الرسول إنه: السماء الثالثة.
إذ قال إنه اُختطف إلى السماء الثالثة... إلى الفردوس (2كو12: 3، 4). والسيد المسيح حينما قال للص المصلوب معه: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43) لم يقصد تكون معي في جنة على الأرض، إنما تكون معي في فردوس في السماء.
هذا الفردوس السماوي هو مسكن الأبرار، تكون فيه أرواح الأبرار بعد الموت،
مع المسيح، إلى أن ينتقلوا إلى الملكوت، إلى أورشليم السمائية، مسكن الله مع الناس (رؤ21: 2، 3).
والمتع هناك ليست متعًا أرضية أو جسدية.
قال: "مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي".
وعبارة "الثَّانِي" تعني أن هناك موتًا يسبقه. فما هما هذان الموتان؟
الموت الأول هو انفصال الروح عن الجسد، وانفصال الإنسان عن العالم الحاضر. أما الموت الثاني فهو انفصال الإنسان عن الله، وعن مجمع الأبرار، ويعني أيضًا إلقاؤه في الظلمة الخارجية، في أتون النار حيث يكون البكاء وصرير الأسنان (مت13: 42، 50).
وورد في (رؤ20: 14) "وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي". وطبيعي أن الذي يغلب لا يؤذيه هذا المصير أي الموت الثاني.
اكتب إلىَ مَلاك الكَنيسَة التي في ثيَاتيرا
اكتب إلىَ مَلاك الكَنيسَة التي في ثيَاتيرا
قال السيد الرب للقديس يوحنا الرائي:
"وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي ثَيَاتِيرَا: «هذَا يَقُولُهُ ابْنُ اللهِ، الَّذِي لَهُ عَيْنَانِ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَرِجْلاَهُ مِثْلُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّ أَعْمَالَكَ الأَخِيرَةَ أَكْثَرُ مِنَ الأُولَى. لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّكَ تُسَيِّبُ الْمَرْأَةَ إِيزَابَلَ الَّتِي تَقُولُ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ، حَتَّى تُعَلِّمَ وَتُغْوِيَ عَبِيدِي أَنْ يَزْنُوا وَيَأْكُلُوا مَا ذُبحَ لِلأَوْثَانِ. وَأَعْطَيْتُهَا زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ عَنْ زِنَاهَا وَلَمْ تَتُبْ. هَا أَنَا أُلْقِيهَا فِي فِرَاشٍ، وَالَّذِينَ يَزْنُونَ مَعَهَا فِي ضِيقَةٍ عَظِيمَةٍ، إِنْ كَانُوا لاَ يَتُوبُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ. وَأَوْلاَدُهَا أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْتِ. فَسَتَعْرِفُ جَمِيعُ الْكَنَائِسِ أَنِّي أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ" (رؤ2: 18- 23).
كلمة ثياتيرا معناها مسرح. وهي بالإنجليزية Theatre. وباللغة العامية (تياتروا). وهي ترمز إلى اللهو والشر...
كان أهل هذه الكنيسة يعيشون في الخطية والإثم، وفيهم بقية من عبادة الأصنام ومن الزنا. وعُبّر عن فسادهم بوجود المرأة إيزابل الخاطئة التي تذكرنا بإيزابل الوثنية زوجة أخآب الملك التي كان يأكل على مائدتها أربعمائة وخمسون من أنبياء البعل، وأربعمائة أنبياء السواري (1مل18: 19). وهي التي هددت إيليا النبي بقتله فهرب منها (1مل19: 2، 3). وقتلت كثيرًا من الأنبياء. فصارت رمزًا.
إن صورة تلك الأيام الشريرة ومعها إيزابل تعود في كنيسة ثياتيرا.
نفس الفساد والزنا وعبادة الأصنام. ومع ذلك فإن الزنا يُعني الالتصاق بغير الله. إن النفس البشرية هي عروس المسيح. فإذا التصقت بغير المسيح، يعتبر هذا زنا. ذلك لأن كلمة زنا Adultery مشتقة من اللاتينية Ad Ulter. ومعناها إلى آخر to another أي تعني إعطاء النفس لآخر "غير التي هي له، أي الله" فتعتبر زانية روحيًا.
أما عبادة الأصنام، فقد تعني أيضًا محبة العالم وما فيه من أصنام المال والشهرة والمديح والعظمة والكبرياء والشهوة، كما يقول الرسول: "فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ" (أف5: 5).
كنيسة ثياتيرا إذًا كانت كنيسة خاطئة. ولكي يريها الرب موقفه من خطيئتها قال في رسالته إليها:
"هذَا يَقُولُهُ ابْنُ اللهِ، الَّذِي لَهُ عَيْنَانِ كَلَهِيبِ نَارٍ" (رؤ2: 18).
وهذا يعيد إلينا المنظر الذي ظهر به الرب أولًا في سفر الرؤيا (1: 14). المنظر المخيف الذي ما رآه يوحنا، قال: "فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ" (رؤ1: 17). إن الله هنا في موقف القاضي الديان. يراه الخطاة في ثياتيرا فيخافون، إذ يرون عينيه كلهيب من نار.
الصفة التي أعطاها لنفسه هنا، غير الصفة التي أعطاها في رسالته إلى كنيسة أفسس "الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ" (رؤ2: 1). حقًا إن كل إنسان ينظر إلى الله الديان، من خلال تذكر هذا الإنسان لأعماله.
المهم أن كنيسة ثياتيرا كانت خاطئة، على الرغم من أن ملاكها "راعيها" كان رجلًا بارًا امتدحه الرب.
قال له الرب: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّ أَعْمَالَكَ الأَخِيرَةَ أَكْثَرُ مِنَ الأُولَى" (رؤ2: 19). ويبدو هنا أنه كان أفضل من ملاك كنيسة أفسس، الذي قال له الرب: "عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى" (رؤ2: 4).
جميل جدًا أن هذا الراعي يسمع كلمة المديح من فم الرب نفسه... وجميل أيضًا أنه احتفظ ببره وهو في وسط تلك البيئة الفاسدة. وأكثر من هذا جمالًا أنه كان ينمو في حياة البر، إذ يقول له الرب: "أَعْمَالَكَ الأَخِيرَةَ أَكْثَرُ مِنَ الأُولَى".
ومع ذلك كان هناك ما يؤخذ عليه. فما هو؟
يقول له الرب: "لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ قَلِيلٌ: أَنَّكَ تُسَيِّبُ الْمَرْأَةَ إِيزَابَلَ الَّتِي تَقُولُ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ، حَتَّى تُعَلِّمَ وَتُغْوِيَ عَبِيدِي".
حقًا إنه أمام الله "يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ" (رو3: 19) مهما كانت حياته بارة، ومهما كانت محبته وخدمته وإيمانه وصبره... حقًا أنت كفرد لك فضائلك، لكنك تسيّب الفساد يسري من حولك. تاركًا الفساد يرعى ولم تقدر أن تضبطه. مثل أب يكون طيب القلب، ولكنه ترك الفساد في أولاده أو في أهل بيته... إسحاق أبو الآباء كان بارًا. ولكن ابنه عيسو كان زانيًا ومستبيحًا (عب12: 16).
إن الله سوف لا يسألنا فقط عن خطايانا، بل أيضًا عن الذين تحت سلطاننا، إن كان بإمكاننا أن نضبطهم...
إن عالي الكاهن عاقبه الله بسبب خطية أولاده (1صم3: 13).
الرب يقول لملاك كنيسة ثياتيرا "عِنْدِي عَلَيْكَ" ثم لا يذكر له خطية خاصة، بل خطايا إيزابل والذين معها.
ليتنا نهتم بهذا أن عقوبة الله لا تصدر فقط بسبب خطايانا، بل بسبب المجتمع المحيط بنا أيضًا. إن يشوع البار انهزم في عاي ليس بسبب خطية له، بل بسبب خطية عخان بن كرمي. لذلك فسّر له الله سبب الهزيمة بقوله: "فِي وَسَطِكَ حَرَامٌ يَا إِسْرَائِيلُ، فَلاَ تَتَمَكَّنُ لِلثُّبُوتِ أَمَامَ أَعْدَائِكَ" (يش7: 13). ولم يرتفع غضب الله عنهم، إلا بعد أن أزالوا الحرام من بينهم. وأهل كورنثوس وبخهم القديس بولس الرسول بسبب شاب فاسد بينهم، وقال لهم: "اعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ" (1كو5: 13).
إننا مسئولون أمام الله مسئولية مباشرة عن أنفسنا، ومسئولية غير مباشرة عمن هم حولنا إن كانوا تحت سلطاننا. مثل مسئولية الأب عن ابنته إن كانت تلبس ملابس خليعة، أو عن ابنه إن كان لا يسلك في مخافة الله. لذلك أعطى الله سلطانًا للأب للتأديب والتقويم.
مثال ذلك أيضًا أي رئيس في عمل، قد يكون نزيهًا كشخص ولكنه يترك مرؤوسيه يخطئون دون أن يردعهم.
وكذلك كل صاحب مسئولية، سواء كانت كهنوتية أم علمانية. هو مسئول عن كل الذين تحت سلطانه، يُحاسب على أخطائهم. لذلك فإن الكتاب يأمرنا أن نصلي من أجل الذين لهم سلطة، لأن وراءها حسابًا.
ليس واجبك فقط أنك لا ترتكب الشر، إنما أيضًا أن تمنع ارتكاب الشر من حولك، إن كان ذلك بإمكانك أو في حدود سلطانك... أو على الأقل عليك أن تنبه أو تحذر...
وهنا يوبخ ملاك كنيسة ثياتيرا، لأنه يسيّب المرأة إيزابل.
يقول له: "تُسَيِّبُ الْمَرْأَةَ إِيزَابَلَ الَّتِي تَقُولُ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ، حَتَّى تُعَلِّمَ وَتُغْوِيَ عَبِيدِي أَنْ يَزْنُوا وَيَأْكُلُوا مَا ذُبحَ لِلأَوْثَانِ".
إنها عادة عند الخطاة يا إخوتي، - إذا سقطوا - يحاولون باستمرار أن يجذبوا غيرهم للسقوط معهم..!
بدأ الأمر منذ أن سقط الشيطان، فلم يكتفِ بهذا، وإنما جذب ملائكة آخرين فسقطوا معه وصاروا ملائكته في (رؤ12: 7، 9).
ولم يكتفِ بإسقاط كل ذلك العدد الهائل من الملائكة، وإنما أيضًا عمل على إسقاط الإنسان الأول آدم وحواء (تك3). واستمر في إسقاط البشر في الفساد والعصيان والوثنية والشكوك.
حتى بعد أن قيده الله ألف سنة، قيل عنه في آخر الزمان: "ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ الأَلْفُ السَّنَةِ يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ... الَّذِينَ عَدَدُهُمْ مِثْلُ رَمْلِ الْبَحْرِ" (رؤ20: 7، 8).
وهذه هي عادة الأشرار جميعًا، أنهم يضلون غيرهم معهم، وليس فقط إيزابل التي تعلّم وتغوي عبيد الله أن يزنوا ويأكلوا ما ذُبح للأوثان.
نذكر أن هذه كانت أيضًا خطية بلعام: "الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ بَالاَقَ أَنْ يُلْقِيَ مَعْثَرَةً أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ، وَيَزْنُوا" (رؤ2: 14) (عد24: 25) (عد25: 1، 2).
كذلك بعض الذين يقعون في عادات شريرة أن يدعوا غيرهم لكي يشتركوا معهم في خطاياهم، كالواقعين تحت عادة التدخين، أو المدمنين للمخدرات أو شرب الخمر، أو الفاسدين في الشذوذ الجنسي وفي الزنا بصفة عامة، أو لاعبي القمار، أو مجالس المستهزئين. كلهم يدعون غيرهم للاشتراك معهم ويسقطونهم. ويعتبرون من النوعية التي قال عنها الرب: "تُعَلِّمَ وَتُغْوِيَ عَبِيدِي".
هذه الغيرة السوداء في جذب الآخرين، وهذا النشاط الذي عند الشيطان وأتباعه، ليس موجودًا في مجال البر عند كل أولاد الله وخدامه!! للأسف الشديد...
إن الشيطان في حماسه العجيب يكثر من أتباعه كل يوم بأنواع وطرق شتى. وبالمثل نرى الهراطقة والمبتدعين ينتشرون ويكثرون بحماس ونشاط. وانظروا إلى شهود يهوه: كم أصدروا من عشرات الكتب، وكم ترجموها إلى عشرات اللغات، وانتشر أتباعهم يمرون على البيوت ويوزعون مطبوعاتهم، بإلحاح شديد... وكذلك ينتشر السبتيون الأدفنتست ويكتبون النبذات ويوزعونها مجانًا. ويبذلون كل الجهود ليعلّموها ويغووا عبيد الله. ومن قبل هؤلاء وأولئك، كان نشاط الأريوسيين في القرن الرابع الذين لا تزال ذيولهم قائمة إلى يومنا هذا.
ليت أولاد الله عندهم مثل هذا النشاط، ولكن من خدمة الملكوت!
العجيب أن إيزابل الخاطئة التي كانت تمثل شعب ثياتيرا، كانت تدعي أنها نبية (رؤ2: 20). ومثلها كثير من الهراطقة والمبتدعين...
أيضًا بلعام الذي جعل بني إسرائيل يخطئون كان في نظر الناس نبيًا. وكان يقول عن نفسه: "وَحْيُ بَلْعَامَ بْنِ بَعُورَ. وَحْيُ الرَّجُلِ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنَيْنِ... الَّذِي يَرَى رُؤْيَا الْقَدِيرِ، مَطْرُوحًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ" (عد24: 3، 4).
والذين يقول لهم الرب في اليوم الأخير: "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ" هؤلاء قالوا له: "يَا رَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ" (مت7: 22، 23).
ومرشدة الأدفنتست الكبري (إلين هوايت) يسمونها نبية أيضًا.
لذلك لا نستغرب إن قيل عن إيزابل إنها تدعي أنها نبية.
بل أكثر من هذا أنه قيل عن ضد المسيح الذي يسبب الارتداد العام في آخر الزمان إنه: "يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلهٍ" (2تس2: 4).
من الكلام الصعب الذي قاله الرب عن إيزابل هذه:
"وَأَعْطَيْتُهَا زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ عَنْ زِنَاهَا وَلَمْ تَتُبْ" (رؤ2: 21).
يظن البعض أن طول أناة الله على الخطاة لا حدود لها. لذلك فالإنسان في مفهومه يظل يخطئ إلى غير حدّ معتمدًا على طول أناة الله ولطفه وصبره: "غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ" (رو2: 4). فإذا لم يتب الإنسان، واستغل طول أناة الله لكي يرتكب مزيدًا من الشرور، ولكي يسقط غيره، حينئذ "تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ" (رو2: 5).
انظروا ماذا يقول الرب: "وَأَعْطَيْتُهَا زَمَانًا لِكَيْ تَتُوبَ... وَلَمْ تَتُبْ". ولم يقل مدى الدهر، بل زمانًا...
إن فرعون موسى، أعطاه الله زمانًا لكي يتوب. كان مداه عشر ضربات. فلما لم يتم تعرض للهلاك، فهلك.
كان كأس الغضب عليه قد امتلأ.
كذلك كأس الأموريين لما صار كاملًا، أسلمهم الله للهلاك...
إن الله يعطي زمانًا للتوبة، يعطي فرصًا عديدة، يعطي معونة من النعمة وعملًا من الروح القدس. أما إذا رفض الإنسان تمامًا، ولم تصدر منه أية استجابة، حينئذ ينطبق عليهم قول الكتاب: "أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ" (رو1: 28).
أي أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض من النعمة. وتخلى عنهم.
هكذا أعطى شاول الملك زمانًا لكي يتوب فلم يتب. فقيل عنه: "وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (1صم16: 14).
احترس إذًا من عبارة: "أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ" (رو2: 4). وضع أمامك قول الكتاب:
"هُوَذَا لُطْفُ اللهِ وَصَرَامَتُهُ: أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا، وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ، وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ" (رو11: 22). فليرحمنا الله كعظيم رحمته.
قال السيد الرب عن إيزابل، إن لم تتب:
"هَا أَنَا أُلْقِيهَا فِي فِرَاشٍ، وَالَّذِينَ يَزْنُونَ مَعَهَا فِي ضِيقَةٍ عَظِيمَةٍ، إِنْ كَانُوا لاَ يَتُوبُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ. وَأَوْلاَدُهَا أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْتِ. فَسَتَعْرِفُ جَمِيعُ الْكَنَائِسِ أَنِّي أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. وَلكِنَّنِي أَقُولُ لَكُمْ وَلِلْبَاقِينَ فِي ثَيَاتِيرَا، كُلِّ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ هذَا التَّعْلِيمُ، وَالَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا أَعْمَاقَ الشَّيْطَانِ، كَمَا يَقُولُونَ: إِنِّي لاَ أُلْقِي عَلَيْكُمْ ثِقْلاً آخَرَ، وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْدَكُمْ تَمَسَّكُوا بِهِ إِلَى أَنْ أَجِيءَ. وَمَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، فَيَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ، كَمَا تُكْسَرُ آنِيَةٌ مِنْ خَزَفٍ، كَمَا أَخَذْتُ أَنَا أَيْضًا مِنْ عِنْدِ أَبِي، وَأُعْطِيهِ كَوْكَبَ الصُّبْحِ. مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ" (رؤ2: 22- 29).
كان الرب قد أعطى الخاطئة إيزابل زمانًا لكي تتوب. وهو أيضًا يعطينا جميعًا زمانًا لكي نتوب. وفي هذا الزمان لا يتركنا بدون مساعدة، بل تفتقدنا فيه النعمة "فِي وَقْتٍ مَقْبُول... وَفِي يَوْمِ خَلاَصٍ" (2كو6: 2). فليتنا نتوب في هذا الزمان، قبل أن تضيع الفرصة، قبل سماع تلك العبارة الرهيبة: "يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ..." (لو12: 20). نعم، قبل أن يمتلئ الكأس، أو قبل أن يأتي الرب ويزحزح المنارة من مكانها (رؤ2: 5).
إنها فرصة يعطينا الرب إياها لكي نتوب، فلا يأخذنا الآن بغتة. فليتنا نفكر في أبديتنا. ونذكر قول ذلك الشاعر:
قبورنا تُبنى، وما تبنا يا ليتنا تبنا قبل أن تُبنى
الخاطئة إيزابل سببت فسادًا وسط الشعب، ولم يقاومها ملاك الكنيسة. فتدخل الرب لكي يقاومها بنفسه.
وهكذا قال: "هَا أَنَا أُلْقِيهَا فِي فِرَاشٍ، (أي أطرحها أرضًا) وَالَّذِينَ يَزْنُونَ مَعَهَا فِي ضِيقَةٍ عَظِيمَةٍ، إِنْ كَانُوا لاَ يَتُوبُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ. وَأَوْلاَدُهَا أَقْتُلُهُمْ بِالْمَوْتِ" (رؤ2: 22، 23). هنا تحلّ ساعة العقوبة، ولا منقذ...
وهنا تُعاقب الخاطئة وكل من ينتمي إليها: المحرض والشريك والثمرة. الضربة الإلهية تصيب الكل، ولا ينجو أحد. هي وأولادها وشركاؤها في الإثم. في خطية يونان، كانت الضربة على السفينة وكل من فيها (يون1). وفي عقوبة الطوفان، قال الرب: "أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ، الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ... لأُهْلِكَ كُلَّ جَسَدٍ فِيهِ رُوحُ..." (تك6: 7، 17). الكل...
وقال الرب: "فَسَتَعْرِفُ جَمِيعُ الْكَنَائِسِ أَنِّي أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ" (رؤ2: 23).
إن عبارة "الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ" عبارة مخيفة. فليست الأعمال فقط هي التي تقع تحت دينونة، بل ما في داخل الإنسان أيضًا. كل فكر وكل شهوة وكل نية، هي تحت فحص الله ورقابته وحكمه، لا يترك شيئًا. فما دام الله فاحص القلوب، ليتنا ننقي قلوبنا، حتى حينما يفحصها الله يجدها حسب مرضاته.
أما عبارة "سَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ" فنفهم منها:
أن جزاء الناس في النعيم أو الجحيم ليس واحدًا.
بل النعيم درجات، والجحيم درجات. فالأعمال تختلف من واحد لآخر.
يقول القديس بولس الرسول: "لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا" (2كو5: 10). والناس تتفاوت فيما تفعله من خير أو شر.
فمن جهة المكافأة للناس الخيرين: يقول الرسول نفسه: "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو3: 8). ويقول عن مكافأة الأبرار بعد القيامة: "لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1كو15: 41).
أما عن دينونة الأشرار: فقد قال الرب عن كفر ناحوم التي رفضته ولم تتب: "إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ" (مت11: 24). وقال نفس العبارة عن صور وصيدا (مت11: 22). وكلمة "أَكْثَرُ احْتِمَالاً" تعني أن هناك عقوبة لا تُحتمل أكثر من غيرها.
أما عن قبول أصحاب الساعة الحادية عشرة وإعطائهم دينارًا كالباقين:
فتعني أن الذين يتوبون في آخر أيامهم سيدخلون الملكوت كالآخرين. ولكن داخل الملكوت تختلف درجتهم عن غيرهم بحسب أعمالهم.
وعبارة "سأعطي كل واحد منكم بحسب أعماله" فيها ردّ على الذين يركزون على الإيمان فقط، ولا يعطون أهمية للأعمال!!
ويقولون "آمن فقط"!! كما لو كان مجرد الإيمان بدون أعمال يخلص الإنسان. ولكن الرب هنا يركز على الأعمال، فيما يذكر الفساد التي سببته إيزابل وشركاؤها وأولادها. كلهم سيلقون في الدينونة، وبخاصة من أغرى غيره وكان سبب عثرة له. لأنه يقول في موضع آخر: "وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ" (مت18: 7). فهؤلاء الذين يتسببون في إسقاط غيرهم، لهم دينونة أعظم بسبب أعمالهم.
ولكن على الرغم من الفساد الذي سببته إيزابل في ثياتيرا، كانت هناك بقية لم تنحرف في ذلك التيار. هؤلاء ذكرهم الرب.
فقال عن: "وَلِلْبَاقِينَ فِي ثَيَاتِيرَا، كُلِّ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ هذَا التَّعْلِيمُ، وَالَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا أَعْمَاقَ الشَّيْطَانِ... إِنِّي لاَ أُلْقِي عَلَيْكُمْ ثِقْلاً آخَرَ" (رؤ2: 24). حسن أن الله أبقى له بقية وسط ذلك الفساد لم تنجرف في ذلك الطريق، ولا في ذلك التيار. هؤلاء يذكرهم الرب بمعاملة خاصة.
على الرغم من فساد المدينة، حفظ الله له مجموعة مختارة، كما حفظ نوحًا وبنيه أيام الطوفان، وخلصهم في الفلك، فلم تغرقهم المياه (تك6). وأيضًا كما حفظ لوطًا وقت حرق سادوم، وأرسل ملاكًا فأخرجه منها مع بنتيه فنجوا (تك19).
وأيضًا في أيام أخآب الملك الشرير وزوجته إيزابل، لم ينسَ الله أن له سبعة آلاف ركبة لم تنحنِ للبعل ولم تعبده (1مل19: 18).
إن الله يعرف خاصته التي تسمع صوته وتتبعه، ولا تعرف صوت الغرباء بل تهرب منهم (يو10: 5).
قال عنهم إنهم "لَمْ يَعْرِفُوا أَعْمَاقَ الشَّيْطَانِ" (رؤ2: 24).
حسن أن الإنسان الذي يحارب الشيطان، لا يدخل معه إلى الأعماق، ولا يعرف أعماقه. مثال ذلك: شخص يلقي الشيطان في عقله فكرًا شريرًا، أو يلقي في قلبه شهوة رديئة. فيتساهل مع الفكر ويستمر معه ليرى إلى أين ينتهي. وهكذا يدخل إلى أعماقه. فإذا بالفكر يسيطر عليه فلا يستطيع منه فكاكًا. وبالمثل الذي دخل إلى أعماق الشيطان في الشهوة، فدخلت هي إلى أعماقه...
إن الذي يحاول أن يعرف أعماق الشيطان، إنما يقع في حبائله. وكان الأجدر به أن يطرد الفكر والشهوة من بادئ الأمر. فإن مبادئهما تدل على نهايتهما دون التعرف على الأعماق. فليست كل معرفة نافعة. بل إن معرفة أعماق الشيطان ينطبق عليها قول الكتاب: إن "الَّذِي يَزِيدُ عِلْمًا يَزِيدُ حُزْنًا" (جا1: 18).
يقول الرب للذين لم يجرفهم تيار الفساد: "إِنِّي لاَ أُلْقِي عَلَيْكُمْ ثِقْلاً آخَرَ، وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْدَكُمْ تَمَسَّكُوا بِهِ إِلَى أَنْ أَجِيءَ" (رؤ2، 24، 25).
يكفيكم أنكم لم تسلكوا مثلهم، ولم تقولوا هل نشذ عن الجو العام؟! كل الناس هكذا!
يكفيكم أنكم تحملتم انتقاداتهم لكم لأنكم متدينون، ووصفهم لكم بأنكم رجعيون غير عصريين وغير متحضرين! وأنكم متزمتون لم تذوقوا الحياة بعد! يكفيكم أن هذه الانتقادات وسائر الشتائم لم تستطع أن تحطم معنوياتكم وتغيّر أسلوبكم الصالح. لا أريد أن أزيد عليكم ثقلًا.
إنما تمسكوا بما عندكم إلى أن أجيء.
لا تغركم ولا تخدعكم تلك الأغلبية الخاطئة والخائبة. ولا تسيروا وراء التيارات الإباحية والمادية والإلحادية التي تنشرها إيزابل وأمثالها. بل تمسكوا بمبادئكم وقيمكم السامية إلى أن أجيء.
وهنا أود أن أقدم لكم تشبيهًا بسيطًا. سفينة تحطمت في البحر، وكل من فيها غرقوا، ما عدا ثلاثة أو أربعة قد نجوا. وتمسك كل منهم بلوح من الخشب، تجرفه الأمواج، فيعلو ويهبط معها، ويكاد يغرق ثم يرتفع فوق الموج. وقارب النجاة قادم من بعيد، يقول لهؤلاء الناجين لا تيأسوا ولا تستسلموا للغرق. تمسكوا بما عندكم إلى أن أجيء. بينما يصرخ أحدهم: خارت قواي. تعبت كلّت يداي. أكاد أغوص، أغرق. بينما صوت قارب النجاة يشجعه: اصبر قليلًا. اِحتمل، بكل مقاومة، إلى أن أجيء.
آه يا رب، تعالَ ولا تبطئ. "الذينَ يُحْزنُونَنِي يَتهلَّلُونَ إنْ أنَا زَلَلْتُ" (مز13: 4). فيجيبه الرب: لا تخف. تكفيك نعمتي. "نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعًا" (رؤ22: 20).
يقول الرب: "مَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، فَيَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ...!" (رؤ2: 26، 27)
"مَنْ يَغْلِبُ"... إذًا هناك احتمال للغلبة، على الرغم من كل تلك الأجواء المضادة، بل هناك رجاء وتشجيع، ووعود.
وعبارة "مَنْ يَغْلِبُ" تعني من يحفظ أعمالي إلى النهاية. إذًا عليك أن تحفظ أعمال الرب أي تعمل عمله، وتحفظ ذلك إلى النهاية.
لأن هناك أشخاصًا بدأوا ولم يكملوا. أو بدأوا بالروح وكملوا بالجسد! (غلا3: 3). هوذا ديماس تلميذ بولس الرسول وشريكه في الخدمة، لم يكمل حتى النهاية. بل يقول عنه القديس بولس: "دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي4: 10). ونيقولاوس الشماس (أع6: 5) بدأ بالروح، ولم يكمل وهلك (رؤ2: 15).
لهذا يقول الرب: "الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ" (مت24: 13). إنسان تضغط عليه الضيقة، أو تضغط عليه الحرب الروحية، فيصبر. ثم يزداد عليه الضغط، فيصبر أيضًا. وبعد ذلك يشتد الضغط بالأكثر وتطول مدته، فيخور هذا الإنسان ويضعف ولكن يشجعه الرب على أن يصبر إلى المنتهى ليخلص...
لعله يقول: صبرت إلى أن يجيء الرب. والرب لم يأتِ!
كلا يا أخي. الرب لا بد سيجيء، ولو في الهزيع الرابع من الليل. ربما ما تظنه تأخيرًا، هو اختبار لإيمانك واختبار لصبرك. ليتك تذكر قول الشاعر: صبرتُ حتى ملّني الصبر! أو اذكر قول داود في المزمور: "اِنْتظَرَتْ نَفسي الرّبَّ مِن مَحرسَ الصُبّحِ إِلىَ الْلَيلِ" (مز130: 6). وقوله أيضًا: "انْتَظِرِ الرَّبّ. تَقوَّ وليتَشَدَّدْ قلْبكَ وانْتَظِر الرَّبِّ" (مز27: 14).
على أن عبارة "يَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ" ربما يقصد بها النوعية، نوعية العمل، وليس الوقت. أي يحفظها إلى درجة الكمال. ويشبه هذا قول الرب: "كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 10).
فما هي مكافأة هذه الأمانة، وحفظ أعماله إلى النهاية؟
يقول: "سَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، فَيَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ، كَمَا تُكْسَرُ آنِيَةٌ مِنْ خَزَفٍ، كَمَا أَخَذْتُ أَنَا أَيْضًا مِنْ عِنْدِ أَبِي".
الأمم هم الغرباء، الأجناس الأخرى Gentiles. ونريد أن نأخذ هذه الكلمة هنا بمعناها الرمزي أو الروحي، أي كل ما هو غريب عن ملكوت الله وروحانية طريقه. كل فكر غريب، كل شهوة غريبة، كل تعليم غريب... هذا يعطيك الله سلطانًا عليه.
"فَيَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ" ليس معناها الرعاية، إنما معناها يطردهم. وهذا يتفق مع قوله: "كَمَا تُكْسَرُ آنِيَةٌ مِنْ خَزَفٍ".
وهذا يتفق أيضًا مع قوله: "كَمَا أَخَذْتُ أَنَا أَيْضًا مِنْ عِنْدِ أَبِي". وأين أخذ؟ نقرأ هذا في المزمور الثاني: "أَنْتَ ابْنِي. وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. اِسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ وَسُلطَانكَ إِلَّى أَقْطَاِر الأَرْضِ" (مز2: 7، 8).
فهل أنت يا أخي تطرد الأمم من فكرك وقلبك. وتطردهم بكل شدة وحزم، تكسرهم كآنية الفخار. أم أنت تصرخ إلى الرب وتقول: "اَلَّلهُمَّ، إِنَّ الأُمَمَ قَدْ دَخَلُوا مِيرَاثَكَ. نَجَّسُوا هَيْكَلَ قُدْسِكَ" (مز79: 1)! إذًا أين السلطان الذي أعطاك الله إياه، لتطردهم بقضيب من حديد؟!
إذا وجدت نقاوتك مهددة، فاستخدم قضيبًا من حديد، وأطرد من هيكلك كل فكر يتعارض مع مشيئة الله، لأنه فكر غريب.
يقول الرب عن هذا المجاهد: "وَأُعْطِيهِ كَوْكَبَ الصُّبْحِ" (رؤ2: 28).
هذا الكوكب الذي يظهر في آخر الليل، ليكون أول بشائر النور والصباح. أي أنقذه من الظلمة المحيطة به، ويشرق النور على حياته.
"كَوْكَبَ الصُّبْحِ" هو أيضًا لقب من ألقاب السيد المسيح. كما يقول في آخر سفر الرؤيا: "أَنَا أَصْلُ وَذُرِّيَّةُ دَاوُدَ. كَوْكَبُ الصُّبْحِ الْمُنِيرُ" (رؤ22: 16). إذًا عبارة "أعطيه كوكب الصبح" تعني هنا: أعطيه ذاتي. أي أدخل إلى حياته، أغيرها، أحولها من الظلمة إلى النور.
لا تيأس إذًا إن ضغطت عليك الظلمة. إن فقدت كل صلواتك ومزاميرك وقراءاتك. ولم تبقِ لك سوى عبارتين فقط: "يا رب نجّ نفسي. يا رب لا تسمح أن أنفصل عنك". الرب سيقبل منك هاتين العبارتين ويقول لك في رجاء "تمسك بما عندك إلى أن آجيء". وحينئذ سوف أردك إلى رتبتك الأولى.
اكتب إلَى مَلاك الكنيسَة التي في سَاردس
اكتب إلَى مَلاك الكنيسَة التي في سَاردس
قال السيد الرب للقديس يوحنا الرائي:
"اكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي سَارْدِسَ: هذَا يَقُولُهُ الَّذِي لَهُ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ وَالسَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ. كُنْ سَاهِرًا وَشَدِّدْ مَا بَقِيَ، الَّذِي هُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَمُوتَ، لأَنِّي لَمْ أَجِدْ أَعْمَالَكَ كَامِلَةً أَمَامَ اللهِ. كُنْ سَاهِرًا وَشَدِّدْ مَا بَقِيَ، الَّذِي هُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَمُوتَ، لأَنِّي لَمْ أَجِدْ أَعْمَالَكَ كَامِلَةً أَمَامَ اللهِ. عِنْدَكَ أَسْمَاءٌ قَلِيلَةٌ فِي سَارْدِسَ لَمْ يُنَجِّسُوا ثِيَابَهُمْ، فَسَيَمْشُونَ مَعِي فِي ثِيَابٍ بِيضٍ لأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ. مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ. مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ" (رؤ3: 1- 6).
هذَا يَقُولُهُ الَّذِي لَهُ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ وَالسَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ.
عبارة "سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ" أي السبعة أرواح التي لله، التي تخدمه، وتأتمر بأمره وتنفذ مشيئته. ونضع أمام هذه العبارة قول الكتاب: "الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا" (مز104: 4).
إذا هم سبعة ملائكة، أي هم رؤساء الملائكة السبعة: ميخائيل وغبريـال ورافائيل وسوريـال، وباقي السبعة. وقد ورد في الأصحاح الثامن في سفر الرؤيا: "وَرَأَيْتُ السَّبْعَةَ الْمَلاَئِكَةَ الَّذِينَ يَقِفُونَ أَمَامَ اللهِ" (رؤ8: 2). هؤلاء هم من أطلق عليهم "سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ" أي السبعة الأرواح التي له، يرسلها في مهام أساسية كما ورد في مواضيع كثيرة من هذا السفر.
أما السبعة الكواكب فهم ملائكة الكنائس السبع (رؤ1: 20).
إذًا يقصد بالمجموعتين: خدامه السمائيين والأرضيين.
يقول لملاك كنيسة ساردس: أنا عارف أعمالك.
إن لك اسمًا أنك حي وأنت ميت!
وعبارة "مَيْتٌ" تعني ميت بالخطية. كما يقول الكتاب: "كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا" (أف2: 1) "وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ" (أف2: 5). وكما قال الآب في عودة ابنه الضال: "ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ" (لو15: 24، 32). إذًا فهذه الرسالة مرسلة إلى شخص خاطئ.
هنا وأعجب كيف يدعوه الرب ملاكًا على الرغم من أنه خاطئ!
بل وصلت درجة خطيئته إلى مستوى ميت. والرب في رسالته إليه يدعوه إلى التوبة، وينذره إن لم يتب (رؤ3: 3). ويقول له: "لَمْ أَجِدْ أَعْمَالَكَ كَامِلَةً أَمَامَ اللهِ".
عجيب هو الرب في حفظه لكرامة الرعاة التابعين له!
ما زال يدعو راعي ساردس ملاكًا، ويعهد إليه بمهام يقوم بها، ويريه أن التوبة ممكنة، وكذلك إمكانية أن يغلب. مبارك أنت يا رب...
لكن ما معنى "أَنَّ لَكَ اسْمًا أَنَّكَ حَيٌّ وَأَنْتَ مَيْتٌ"؟
معناها إنك حيّ أمام الناس بشكل من الرياء تظهر فيه بغير حقيقتك الداخلية. أو بسبب أن الناس يحكمون حسب الظاهر الذي يرونك فيه حيًا. بينما الله الفاحص القلوب، والعارف الخفايا والعيوب، يراك ميتًا. وهنا يقول له الرب: ربما لك اسم، لك شهرة، لك سمعة طيبة وسط الناس. ولكني لا آخذ بأحكام الناس التي قد تكون عن جهل، أو عن مجاملة... أنت ميت.
يذكرنا هذا بما يُقال في الجنازات أو التعزيات:
يقف أحد الوعاظ ويشيد بحياة المتوفي، ويقول: اليوم قد اِنتقل إلى الأمجاد السماوية!! أو إلى الفردوس، أو إلى مجمع القديسين والأبرار، إنسان خسرته الكنيسة المجاهدة، وإن كانت قد ربحته الكنيسة المنتصرة في السماء! اليوم فُتحت أبواب السماء لتقبل هذه النفس التي تزفها الملائكة في تهليل وفرح!
يضاف إلى هذا، ما يُنشر في الجرائد في صفحة التعزيات عن وصول روح الميت إلى أحضان آبائنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب. وما يقال لأهل الميت: لماذا تحزنون عليه، وهو الآن في فرح ونعيم؟!
كل ذلك يُقال للتعزية أو للمجاملة، بينما الله يعرف حقيقة الأمر، وهل وصل الميت إلى ما يدعيه المجاملون أم لم يصل...
ومع أن الرب يرى أن راعي كنيسة ساردس هو شخص ميت، إلا أنه يرسل له رسالة، ويقول له: "كُنْ سَاهِرًا وَشَدِّدْ مَا بَقِيَ" (3: 2).
كيف يكون ساهرًا، وهو ميت؟! وكيف يشدد ما بقيَّ ممن هو عتيد أن يموت، بينما هو محتاج إلى من يشدده؟
يذكرني هذا الأمر بما قاله الرب لبطرس الرسول في موقف مشابه: قال له: "سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ. وَأَنْتَ مَتَى رَجَعْتَ ثَبِّتْ إِخْوَتَكَ" (لو22: 31، 32).
كيف أن هذا الرسول الذي يحتاج إلى طلبة من الرب لكي لا يفنى إيمانه، والذي سينكر المسيح ثلاث مرات، وقد غربله الشيطان كالحنطة... كيف إذا رجع يثبّت إخوته؟!
ربما بأن يأخذوا درسًا بقبول الرب لتوبته، وبحنوه عليه. وبقوله له: – على الرغم من سقطته – تثبّت أخوتك.
ما أعجب الرب في معاملته لملائكة الكنائس السبع، حتى في سقوطهم!
يقول له: أنت ميت، ولكنك لا تزال من ملائكة الكنائس السبع! وأنا لا أزال ممسكًا بك في يميني (رؤ1: 1). "لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ" (يش1: 5).
احتفظ لك بكرامتك ومكانتك، واحتفظ لك بوظيفتك. على الرغم من أنك محتاج إلى توبة. ولكنك لا تزال في ذاكرتي وتحت رعايتي. وأمامك مجال أن تتوب. وأنت الذي أعهد إليه بأن يشدد ما بقى الذي هو عتيد أن يموت... ما أعجب هذا التشجيع من جانب الرب!
إنه يشجع هذا الميت، وينفخ فيه نسمة حياة.
إن معجزاته في إقامة الموتى، ليست لموتى الأجساد فقط، بل أيضًا للموتى بالذنوب والخطايا.
أليس هو القائل لمرثا: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو11: 25). وكأنه يقول لملاك كنيسة ساردس: أنت ميت، ولكني سأعطيك حياة من عندي. ثم أقول عنك: "ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ" (لو15: 24). إن ملاك ساردس يذكرنا بقول السيد الرب عن ابنة يايرس إنها لم تمت ولكنها نائمة (لو8: 52). قال لها: قُومِي! فَرَجَعَتْ رُوحُهَا وَقَامَتْ فِي الْحَالِ (لو8: 54، 55).
يعلمنا ربنا بهذا، أننا لا نيأس مهما كانت حالتنا.
حتى إن يأسنا بسبب موتنا، لا نيأس من قدرته على إعادة الحياة إلينا.
وكما نؤمن بقيامة الأموات، نؤمن بمحبة الله القادر على كل شيء، الذي يستطيع أن يدير دفة حياتنا ويحولها إليه، كما فعل من قبل مع أغسطينوس وموسى الأسود ومريم القبطية وآخرين وأخريات.
وبكلامه إلى ملاك كنيسة ساردس، برهن عمليًا على أنه: "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 20) (إش42: 3).
ملاك كنيسة ساردس، كان هنا مثل يهوشع الكاهن العظيم الذي كان الشيطان قائمًا ليقاومه، وتحنن عليه ملاك من طائفة الأرباب وقال عنه: "أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟" (زك3: 1، 2). وحينئذ وضعوا على رأسه عمامة طاهرة وألبسوه ثيابًا مزخرفة (زك3: 4، 5).
نعم، كان هذا الإنسان على وشك أن يحترق، ولكنه انتشل من النار.
يقول له الرب: كن ساهرًا وشدد ما بقى العتيد أن يموت.
السيد الرب نفسه كان يفعل هكذا، ويسهر على حياة وخلاص البشرية، ويشدد ما بقى. كان العالم قد فسد كله وانتشر الفساد في الأرض، حتى باد الكل بالطوفان. ولكن الله شدد ما بقى، وأقام له بقية في نوح وبنيه. وكذلك فسدت سادوم واستحقت حرقها بالنار. ولكن الرب شدد ما بقى، وحفظ لنفسه لوطًا وأسرته (تك19).
وجاء وقت قال فيه الرب لإرميا النبي: "طُوفُوا فِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ وَانْظُرُوا، وَاعْرِفُوا وَفَتِّشُوا فِي سَاحَاتِهَا، هَلْ تَجِدُونَ إِنْسَانًا أَوْ يُوجَدُ عَامِلٌ بِالْعَدْلِ طَالِبُ الْحَقِّ، فَأَصْفَحَ عَنْهَا؟" (أر5: 1). مجرد إنسان واحد يا رب!!
وغضب الرب على الشعب، فألقاه في السبي. ومع ذلك شدّد له بقية حتى داخل السبي، منها دانيال والثلاثة فتية، وحزقيال وزربابل.
ووقت القبض على السيد المسيح، هرب الكل. ولكن الرب أبقى له بقية، وشددها فوقفت حول الصليب: منها القديسة العذراء، ويوحنا الحبيب، ومريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية (يو19: 25). وأبقى له يوسف الرامي ونيقوديموس، وشددهما ليكفنا الجسد المقدس ويدفناه (يو19: 38- 42).
ثم يقول الرب لملاك كنيسة ساردس:
"فَاذْكُرْ كَيْفَ أَخَذْتَ وَسَمِعْتَ، وَاحْفَظْ وَتُبْ" (رؤ3: 3).
عجيب أن هذا الإنسان - كغيره من المحتاجين إلى توبة - قد سبق له أنه أخذ وسمع! أخذ هذه المسئولية، وأخذ الكثير من مواهب الله وعطاياه: أخذ الولادة الجديدة في المعمودية (يو3: 5) (تي3: 5). وأخذ الروح القدس في المسحة المقدسة، وأخذ المغفرة في سرّ التوبة، وأخذ الثبات في المسيح في سرّ الإفخارستيا (يو6: 56) ... وأخذ معونات من الله لا تُحصى، وبدونه ما كان يستطيع أن يعمل شيئًا (يو15: 5).
وكما أخذ سمع أيضًا: سمع وصاياه وأقواله، في الكنيسة وفي الإنجيل. وسمع أخبار القديسين ودالتهم مع الله. وعلى الرغم من كل ذلك، هو محتاج إلى التوبة...
إنه يذكرنا بسليمان الملك: أخذ من الله حكمة إلهية، وأخذ جلالًا ملوكيًا لم يكن لأحد مثله، وأخذ غنى وكرامة (1مل3، 4). ومع كل ذلك سقط (1مل11: 4). وكان محتاجًا إلى توبة..
عبارة "اذْكُرْ" يقولها الرب لنا، لأننا كثيرًا ما ننسى إحساناته إلينا ونعصاه...
اذكر، وتب. فكل نعمة تأخذها، تقابلها مسئولية عليك.
أبونا آدم لم يذكر أن الله خلقه على صورته، ووضعه في جنة عدن، وباركه، وسلّطه على كل طيور السماء وسمك البحر وحيوانات البرية... ومن أجل ثمرة واحدة، نسى كل إحسانات الله، ونسى وصيته أيضًا.
وداود النبي نسى أيضًا إحسانات الله إليه، وما منحه من جمال ومن موهبة في الموسيقى والشعر، واختاره دون كل إخوته ليمسحه ملكًا بيد النبي صموئيل... وكان محتاجًا أن يذّكره الرب بكل هذا على فم ناثان النبي. فقال له الرب: "أَنَا أَخَذْتُكَ مِنَ الْمَرْبَضِ مِنْ وَرَاءِ الْغَنَمِ لِتَكُونَ رَئِيسًا عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ. وَكُنْتُ مَعَكَ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ، وَقَرَضْتُ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ مِنْ أَمَامِكَ، وَعَمِلْتُ لَكَ اسْمًا عَظِيمًا كَاسْمِ الْعُظَمَاءِ الَّذِينَ فِي الأَرْضِ..." (2صم7: 8، 9).
ليتنا إذًا نذكر، لأن خطايا كثيرة سببها النسيان...
يقول: اسهر واذكر، لأنك "لاَ تَعْلَمُ أَيَّةَ سَاعَةٍ أُقْدِمُ عَلَيْكَ".
إن الله يطلب من الراعي أن يسهر، ليس فقط من أجل رعيته، بل أيضًا من أجل خلاص نفسه. وما أكثر الآيات عن وجوب السهر:
يقول الرب: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ" (مت26: 41).
ويعاتب تلاميذه قائلًا: "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟" (مت26: 40). ويقول: "اِسْهَرُوا وَصَلُّوا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ... لِئَلاَّ يَأْتِيَ بَغْتَةً فَيَجِدَكُمْ نِيَامًا!" (مر13: 33، 36). لذلك يقول: "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ" (لو12: 37).
ويقول القديس بطرس الرسول: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ" (1بط5: 8).
حقًا، إن الذي يسهر على خلاص نفسه، وتكون له باستمرار اليقظة الروحية، هذا يكون أمينًا في علاقته بالله، وأمينًا على أبديته.
هذا لا يجعل ضميره ينام، ولا قلبه ينام...
صدق أحد الآباء حينما قال في صلاته: "لا تأخذني يا رب في ساعة غفلة" أي وأنا غير ملتفت إلى روحياتي، وغير سهران على خلاص نفسي.
قال الرب لملاك تلك الكنيسة:
"فَإِنِّي إِنْ لَمْ تَسْهَرْ، أُقْدِمْ عَلَيْكَ كَلِصٍّ، وَلاَ تَعْلَمُ أَيَّةَ سَاعَةٍ أُقْدِمُ عَلَيْكَ. عِنْدَكَ أَسْمَاءٌ قَلِيلَةٌ فِي سَارْدِسَ لَمْ يُنَجِّسُوا ثِيَابَهُمْ، فَسَيَمْشُونَ مَعِي فِي ثِيَابٍ بِيضٍ لأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ. مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ. مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ" (رؤ3: 3- 6).
يقول له: "إِنْ لَمْ تَسْهَرْ، أُقْدِمْ عَلَيْكَ كَلِصٍّ".
عجيب هنا أن يشبه الرب نفسه بلص! ولكن في أوجه شبه معينة فقط. منها أنه يقدم عليه في ساعة لا يتوقعها. وهكذا قال له: "وَلاَ تَعْلَمُ أَيَّةَ سَاعَةٍ أُقْدِمُ عَلَيْكَ". إنه الموت. من يعلم ساعته؟!
واللص يأتي ليأخذ. وهكذا الموت يأتي ليأخذ الروح، كما قال الرب للغني الغبي: "هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ" (لو12: 20). غير أن اللص يأخذ ما لا حق له فيه. ولكن الله يأخذ الروح التي قد أعطاها (جا12: 7).
اللص يأتي لغير الساهرين. أما الساهرون فلا يطرق بيوتهم. لذلك قال الرب لراعي كنيسة ساردس: "إِنْ لَمْ تَسْهَرْ، أُقْدِمْ عَلَيْكَ كَلِصٍّ".
ليتنا نكون دائمًا ساهرين على خلاص نفوسنا. كما قال الرب: "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ" (لو12: 37).
الرب بعد ما بكْت ملاك كنيسة ساردس، بأن أعماله ليست كاملة أمام الله، وأن له اسمًا أنه حي وهو ميت، عاد يطمئنه بنقطة بيضاء في كنيسته، بقوله: "عِنْدَكَ أَسْمَاءٌ قَلِيلَةٌ فِي سَارْدِسَ لَمْ يُنَجِّسُوا ثِيَابَهُمْ".
إنه درس لنا في عدم التركيز على النقط السوداء في أي إنسان أو أية جماعة، وإنما نذكر النقط البيضاء أيضًا، إن وُجدت.
فهذا هو أسلوب الرب حتى مع أشر الخطاة. كما في حديثه مع المرأة السامرية، التي كان لها "خمسة أزواج، والذي لها الآن ليس هو زوجها". هذه امتدح فيها شيئًا، فقال لها: "حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ... هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ" (يو4: 17، 18). والمرأة الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها في بيت الفريسي، إلى جوار خطاياها الكثيرة، وجد فيها شيئًا صالحًا وهو أنها "أحبت كثيرًا". فقال: "قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا" (لو7: 47).
حقًا إن ذكر الشيء الحسن في حياة الإنسان الشرير، يدل على مبدأين هامين هما: العدل وعدم التركيز على أنصاف الحقائق من جهة، وعلى تشجيعه للتوبة من جهة أخرى. وبناء على هذا، ماذا قال الرب لملاك كنيسة ساردس؟
قال له: "عِنْدَكَ أَسْمَاءٌ قَلِيلَةٌ فِي سَارْدِسَ لَمْ يُنَجِّسُوا ثِيَابَهُمْ" (رؤ3: 4).
هؤلاء القليلون يعرفهم الرب بأسمائهم. حقًا كما قال الرب في العظة على الجبل: "مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!" (مت7: 14) من هؤلاء القليلين الأسماء التي في ساردس التي لم تتنجس.
هذه الأسماء القليلة لم يجرفها التيار العام الشرير، ولم تتبع الأقلية المخطئة. كانوا مثل دانيال والثلاثة فتية في أرض السبي (دا3: 6). وكانوا مثل إيليا وعوبديا أيام أخآب الملك الشرير وزوجته إيزابل (1مل18). وكانوا مثل موسى ويشوع في برية سيناء (خر32).
إن العبرة ليست بالكثرة، بل المهم في الأقلية المخلصة للرب.
في وقت الصلب، ركزّ الكتاب على الأقلية التي وقفت حول الصليب (يو19: 25)، وانضم إلى تلك الأسماء القلائل يوسف الرامي، ونيقوديموس.
وتلك الأسماء القليلة، كان الرب يعرفها بأسمائها.
الأسماء القليلة التي في ساردس لم ينجسوا ثيابهم.
إن الخطية نجاسة. حتى الكلمة البطالة التي تخرج من فم الإنسان، تنجس الإنسان (مر7: 15). والنجاسة تمنع من دخول الملكوت.
وهنا نسأل: حقًا من منا لم يتنجس؟! ولم ينجس ثيابه؟!
إننا نقول كل يوم في صلاة المزمور الخمسين: " تَنضَحُ عَليَّ بِزُوفَاكَ فأطَّهَّرُ، تَغْسلُنِي فَأبْيضُّ أكْثَر مِنَ الثَّلجِ" (مز51: 7). ولماذا نقول ذلك؟ أليس لأننا نجسنا ثيابنا؟! ونقول في القداس الإلهي: "طهرّ نفوسنا وأجسادنا وأرواحنا". ولماذا نطلب هذا؟ أليس لأنها كلها قد تنجست بالخطية؟! وتنجست مرات عديدة لا تُحصى!
والقديس يوحنا الحبيب يقول في رسالته الأولى: "إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (1يو1: 9). فما معنى يطهرنا من كل إثم؟ إلا أن كل إثم هو نجاسة تحتاج إلى تطهير! وهكذا أيضًا قوله: "وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (1يو1: 7).
نعترف أمامك أيها السيد الرب: لقد أعطيتنا ثوبًا أبيض يوم معموديتنا، ولكننا نجسناه. وأعطيتنا ثوبًا أبيض آخر في ساعة التوبة والندم وانسكاب النفس أمام الله. وهذا أيضًا نجسناه. وأعطيتنا ثوبًا يوم نضحت علينا بزوفاك فطهرنا. ولكننا رجعنا مرة أخرى فاتسخنا وتنجست ثيابنا!!
أما تلك الأسماء القليلة في ساردس، فلم ينجسوا ثيابهم، بل هم الذين قد احتفظوا بطهارتهم وقداستهم وبتوليتهم. هؤلاء هم المعروفون منك بالاسم، كما تقول: أعرف خرافي وأناديها بأسمائها (يو10).
هؤلاء سيمشون معك في ثياب بيض، لأنهم مستحقون.
ولكن ماذا يفعل يا رب كل من قد نجس ثيابه؟
هل سوف يُحرم من دخول الملكوت مثل هؤلاء المستحقين أصحاب الثياب البيض؟! كلا يا رب، فأنت لا تشاء موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا (حز18: 23).
هذا الذي تنجست ثيابه، يصرخ إليك قائلًا: أعطني ثيابًا أخرى نقية. "قَلْبًا نَقيًا أخْلقْ في يَا الله، ورُوحًا مُسْتَقيمًا جدِّدهُ في أحْشَائِي" (مز51: 10). أعطنا ثوبًا أبيض من عندك، وأعطنا أن نحتفظ بنقاوته، فلا يتنجس مرة أخرى. نريد أن نحتفظ بنقاوة ثيابنا حتى نمشي معك مع أولئك المستحقين. ليس كمستحقين، بل كمحتاجين. لأننا نسجد في اِنسحاق عند قدميك ونعترف:
من منا منذ أن وُلد مرة أخرى في المعمودية، قد اِحتفظ ببياض ثوبه حتى الآن، وسيحتفظ بالثوب الأبيض حتى الوفاة!! بل من منا اِستطاع أن يحتفظ بثوبه الأبيض منذ توبته، فلم يتنجس مرة أخرى.
يقول الرب: "فَسَيَمْشُونَ مَعِي فِي ثِيَابٍ بِيضٍ لأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ" (رؤ3: 4).
ويقول: "مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا" (رؤ3: 5).
فما هو رمز تلك الثياب البيض؟
الملابس البيض تذكّرنا بثياب الملائكة الذين كانوا يظهرون في ثياب بيض، كما قيل عن ملائكة القيامة الذين رآهم النسوة في ثياب بيض. فالملاك الذي دحرج الحجر عن فم القبر كان: "لِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ" (مت28: 3). والنسوة حاملات الطيب، لما دخلن القبر رأين ملاكًا: "جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ" (مر16: 5). ومريم المجدلية لما اِنحنت لتنظر القبر: "نَظَرَتْ مَلاَكَيْنِ بِثِيَابٍ بِيضٍ جَالِسَيْنِ وَاحِدًا عِنْدَ الرَّأْسِ وَالآخَرَ عِنْدَ الرِّجْلَيْنِ" (يو20: 12).
ويوحنا الرائي رأى الرب في السماء: "وَالأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ عَلَى خَيْل بِيضٍ، لاَبِسِينَ بَزًّا أَبْيَضَ وَنَقِيًّا" (رؤ19: 14).
والثياب البيض كما هي ثياب الملائكة هي أيضًا ثياب الآباء الكهنة، والثياب التي ظهر بها الشهداء، والأبرار الذين بيضّوا ثيابهم في دم الخروف (رؤ7: 14).
فيقول القديس يوحنا في سفر الرؤيا عن الأربعة والعشرين قسيسًا حول العرش الإلهي: "وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ" (رؤ4: 4).
وقال عن نفوس الشهداء الذين قتلوا من أجل كلمة الله، وكانوا تحت المذبح: إنهم "أُعْطُوا كُلُّ وَاحِدٍ ثِيَابًا بِيضًا، وَقِيلَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَرِيحُوا زَمَانًا يَسِيرًا أَيْضًا حَتَّى يَكْمَلَ الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُمْ، وَإِخْوَتُهُمْ أَيْضًا، الْعَتِيدُونَ أَنْ يُقْتَلُوا مِثْلَهُمْ" (رؤ6: 11).
ويقول القديس يوحنا الرائي: "بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا جَمْعٌ كَثِيرٌ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّهُ، مِنْ كُلِّ الأُمَمِ وَالْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَالأَلْسِنَةِ، وَاقِفُونَ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ، مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ وَفِي أَيْدِيهِمْ سَعَفُ النَّخْلِ" (رؤ7: 9) وقيل له: "هؤُلاَءِ الْمُتَسَرْبِلُونَ بِالثِّيَابِ الْبِيضِ... هُمُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنَ الضِّيقَةِ الْعَظِيمَةِ، وَقَدْ غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ" (رؤ7: 13، 14).
فهل أنت يا أخي متسربل بثوب أبيض كهؤلاء؟ ليت كل واحد منا يتأمل ثوبه، ويرى هل هو أبيض، أم كثرت فيه البقع، أم اِتسخ؟ أم تنجس؟
قال الرب "سَيَمْشُونَ مَعِي... لأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ".
عجبًا. من ذا الذي يكون مستحقًا أن يمشي مع الرب، هذا الذي قيل عنه أنه: "سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ" (1تي6: 16) هذا الذي عندما سلّم الوصايا، كان الشعب مرتعدًا من أن يكلمه، فقالوا لموسى النبي: "تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ" (خر20: 19).
نسمع عن أخنوخ: "وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ" (تك5: 24). ولكن من مثل أخنوخ. ونسمع عن إيليا النبي الذي صعد إلى السماء في مركبة نارية (2مل2: 11). وعن موسى النبي الذي قضى أربعين يومًا مع الله على الجبل. نسمع عن هذين الاثنين أنهما ظهرا على جبل التجلي يتكلمان مع الرب (مر9: 4). ولكن مَنْ مِن الناس في درجة موسى أو إيليا، اللذين ظهرا مع الرب.
ويشهد الرب لأصحاب هذه الأسماء القليلة أنهم مستحقون.
إنها شهادة من فم الرب نفسه، حقيقية وغالية جدًا.
كثير من الناس يشهدون بكلمات مديح أو مجاملة، ولكنهم لا يعرفون حقيقة من يمدحونه وما في قلبه، ولكن يعرفها حقًا: "الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ" (رؤ2: 23). فإن كان فاحص القلوب يقول عن جماعة: إنهم مستحقون، فما أغلاها شهادة وما أصدقها.
لقد شهد الرب شهادات مماثلة لبعض قديسيه.
شهد ليوحنا المعمدان أنه أفضل من نبي، وأنه ملاك، وأنه أعظم من قد ولدته النساء (مت11: 9- 11). وشهد في العهد القديم عن أيوب الصديق أنه رجل كامل ومستقيم، يتقي الله ويحيد عن الشر، وليس مثله في الأرض (أي1: 8) (أي2: 3). وشهد الرب لصاحب الخمس وزنات ولصاحب الوزنتين بقوله لكل منهما: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ" (مت25: 21، 23).
ليتنا نهتم بشهادة الرب عنا في يوم الدين، وليس بشهادات البشر الذين يحكمون حسب الظاهر! أما القلب فيعرفه الله فاحص القلوب...
صدقوني، إنه تواضع من الرب أن يقول عن البعض إنهم مستحقون!
من فينا مستحق؟! ألم يقل الكتاب: "الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز14: 3). وفي العهد الجديد يقول الرسول: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو1: 8). ونحن نقول في صلواتنا: "كرحمتك يا رب ولا كخطايانا"! ودخولنا إلى الملكوت يكون إذًا برحمة من الله، لا باستحقاق منا.
يقينًا إن الله، لو حاسبنا بموازينه العالية، لا يخلص منا أحد. لكنه يقول عبارة: "لأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ"، بدافع من رأفته وحنانه، ناظرًا إلى ضعف طبيعتنا، لا إلى سمو مقاييسه، كما يقول المرتل في المزمور: "كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ" (مز103: 13، 14).
يقول: "مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ" (رؤ3: 5).
إن الذين سيلبسون ثيابًا بيضًا في السماء، من الغالبين، إنما هم كانوا يمشون على الأرض بثياب بيض، لم ينجسوها...
إذًا لتحتفظ بهذه البركة، عليك أن تحفظ ثيابك بيضاء على الأرض.
أما عبارة "لَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ".
فتعني إمكانية محو الاسم بالنسبة إلى البعض!! شيء مخيف...
كم من أناس كانوا أعضاء في الكنيسة وخدامًا ومبشرين، ثم محيت أسماؤهم. منهم ديماس زميل القديس بولس الرسول في الخدمة. وقد نعاه الرسول القديس بقوله: "دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي4: 10).
وقال عن آخرين: "لأَنَّ كَثِيرِينَ... مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا، وَالآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضًا بَاكِيًا، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ" (في3: 18، 19).
ونحن هل تكتب أسماؤنا في سفر الحياة حينما ننال الميلاد الجديد في المعمودية، وحينما نسلك في حياة التوبة. ونتعرض لأن تمحى أسماؤنا حينما نرتد، لا سمح الله. إن الذي يرتد، إنما يمحو اسمه بنفسه من سفر الحياة.
يقول الرب عن الذي يغلب: "وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ".
أعترف باسمه فأقول هذا من خرافي، من تلاميذي، من جندي على الأرض. نعم سأعترف به بعكس الذين قلت عنهم: "مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت10: 33).
نعم أعترف به قدام أبي وملائكته، لكي ينضم إلى مسكن الله مع الناس (رؤ21: 3)، حيث الله مع ملائكته وقديسيه. نعم، آمين.
اكتب إلىَ مَلاك الكنيسَة التي في فيلادلفيا
اكتب إلىَ مَلاك الكنيسَة التي في فيلادلفيا
قال الرب للقديس يوحنا الرائي:
"اكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي فِيلاَدَلْفِيَا: هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ. هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ، لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي. هنَذَا أَجْعَلُ الَّذِينَ مِنْ مَجْمَعِ الشَّيْطَانِ، مِنَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ يَكْذِبُونَ هنَذَا أُصَيِّرُهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَ رِجْلَيْكَ، وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا أَحْبَبْتُكَ. لأَنَّكَ حَفِظْتَ كَلِمَةَ صَبْرِي، أَنَا أَيْضًا سَأَحْفَظُكَ مِنْ سَاعَةِ التَّجْرِبَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ لِتُجَرِّبَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ. هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا. تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَك" (رؤ3: 7- 11).
هذا يقوله القدوس الحق، الذي له مفتاح داود.
إن الرب في كل رسالة من الرسائل السبع، يذكر له اسمًا خاصًا ولقبًا. وهنا يقول إنه القدوس الحق.
ولا شك أن هذا اللقب يدل على لاهوته. وكيف ذلك؟
إن الله - تبارك اسمه – يدعوه السارافيم في سفر إشعياء: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ" (إش6: 3).
وفي سفر الرؤيا تحدد هذه الصفة في الله وحده. إذ يدعوه الغالبون قائلين: "مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ؟ لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ" (رؤ15: 4). إذ أنه كما قال الرب: "لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" (مت19: 17). "الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز14: 3).
فإن كان القدوس هو الله وحده. والمسيح قدوس، يثبت من هذا أن السيد المسيح هو الله.
فهنا يقول عن نفسه إنه: "الْقُدُّوسُ الْحَقُّ" (رؤ3: 7).
والملاك الذي بشر العذراء بولادته، قال لها عنه: "لِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1:35). ونحن في تسبحة الثلاثة تقديسات نقول له: "قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الحي الذي لا يموت، الذي وُلد من العذراء ارحمنا".
ويقول عنه القديس بولس الرسول: "لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب7: 26).
والقديس بطرس الرسول وبخ اليهود الذين أسلموه للصلب قائلًا: "أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ" (أع3: 14). والشعب في صلاته استخدم لقب "القدوس" عن الرب يسوع (أع4: 27).
من لقب "القدوس" يثبت لاهوت السيد المسيح، لأن الله وحده هو القدوس (رؤ15: 4).
هو القدوس الحق. والحق أيضًا من أسماء الله.
ونفوس الشهداء الذين كانوا تحت المذبح، سمعهم القديس يوحنا الرائي يصرخون بصوت عظيم قائلين: "حَتَّى مَتَى أَيُّهَا السَّيِّدُ الْقُدُّوسُ وَالْحَقُّ، لاَ تَقْضِي وَتَنْتَقِمُ لِدِمَائِنَا مِنَ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ؟" (رؤ6: 10). إنهم صرخوا إلى الله الديان "الْقُدُّوسُ وَالْحَقُّ". وهذا نفس اللقب الذي وصف به ربنا يسوع المسيح نفسه بقوله: "هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ" (رؤ3: 7).
وقبل صلبه قال أيضًا: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6). ومن المعروف أن كلمة الحق من أسماء الله. وروح الله قيل إنه: "رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ" (يو15: 26) أيضًا (يو14: 17).
تعبير إن المسيح هو الحق إثبات آخر للاهوته.
الذي يفتح ولا أحَد يغلق ويغلق ولا أحَد يفتح (رؤ3: 7)
الذي يفتح ولا أحَد يغلق ويغلق ولا أحَد يفتح (رؤ3: 7)
قال الذي له مفتاح دواد. واسم داود هنا له معنى رمزي.
بل أطلق هذا الاسم على السيد المسيح نفسه بطريقة رمزية. كما يقول الله عن رعيته في سفر حزقيال النبي: "وَأُقِيمُ عَلَيْهَا رَاعِيًا وَاحِدًا فَيَرْعَاهَا عَبْدِي دَاوُدُ، هُوَ يَرْعَاهَا وَهُوَ يَكُونُ لَهَا رَاعِيًا" (حز34: 23).
من هنا تكون عبارة "مفتاح داود" تعني مفتاح الرب نفسه.
وقد ورد اسم داود كثيرًا في سفر الرؤيا، فقيل عن الرب إنه: "أَصْلُ دَاوُدَ" (رؤ5: 5). وقال في آخر سفر الرؤيا: "أَنَا أَصْلُ وَذُرِّيَّةُ دَاوُدَ" (رؤ22: 16).
الله هو الذي يفتح، ولا أحد يغلق.
إنها عبارة معزية جدًا. تعني أن الله إذا فتح لك بابًا، لا يهمك إن قامت الدنيا كلها عليك. فلن يستطيع أحد أن يغلق هذا الباب.
مثال بسيط: كان الله قد فتح بابًا أمام داود الشاب. وقد قام ضده شاول الملك، وحاول أن يقتله بأنواع وطرق شتى، وبمؤمرات كثيرة، وبمطاردته من برية إلى أخرى. ولم يقدر عليه. وما استطاع بكل قوته وكل قسوته، أن يغلق الباب الذي فتحه الله أمام داود. بل استطاع داود أن يغني في المزمور: "الرَّبُّ عَوْني فَلا أخْشَى، ماذا يَصْنعُ بي الإنْسانُ؟!" (مز118: 6).
مثال آخر: كان الله قد فتح بابًا أمام يعقوب. فما كان بإمكان عيسو أخيه أن يقتله. قال: "قَرُبَتْ أَيَّامُ مَنَاحَةِ أَبِي، فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي" (تك27: 41). ولم يستطع، وهرب منه يعقوب. وعند عودة يعقوب بعد عشرين عامًا، قابله عيسو ومعه أربع مئة رجل، ولم يقدر أن يقتله. بل: "رَكَضَ عِيسُو لِلِقَائِهِ وَعَانَقَهُ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ، وَبَكَيَا" (تك33: 4). وظل الباب أمام يعقوب مفتوحًا. حقًا إن الله يفتح، ولا أحد يغلق...
إذًا لا تخف. لا تقل: فلان سيضرني، أو يمنعني، أو يفعل بي كذا...
كلا. "لاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" كما قال الرب للقديس بولس (أع18: 10). المهم أن تنال رضا الرب عليك، وتتأكد أنه سيفتح لك بابًا. وإن فتح لك الرب بابًا، فلن يستطيع أحد أن يغلقه. إن كل قوة العالم محدودة وضعيفة. وقوة الشيطان محدودة وضعيفة. وكذلك كل قوة الناس الأشرار.
هوذا داود يقول في المزمور: "أَحاطوا بي مِثْلَ النَّحْلِ حَولَ الشَّهْدِ، والْتَهَبوا كَنارٍ في شَوْكٍ". ومع ذلك لم يقدروا عليَّ (مز118: 12).
وقال أيضًا: "إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23: 4).
وقال: "نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا. عَوْنُنا باِسْمِ الرَّبِّ، الَّذي صَنَعَ السَّماءَ والأرْضَ" (مز124: 7، 8).
كثيرون فتح لهم الله أبوابًا، فلم يقدر عليهم شيء...
الثلاثة فتية جعل الله لهم بابًا مفتوحًا للحياة، فلم يقدر على غلقه أتون النار المشتعل، وكانوا يتمشون وسط النار في سلام. لم تحترق ثيابهم، و"لَمْ تَكُنْ لِلنَّارِ قُوَّةٌ عَلَى أَجْسَامِهِمْ، وَشَعْرَةٌ مِنْ رُؤُوسِهِمْ لَمْ تَحْتَرِقْ" (دا3: 27).
ويونان النبي: كان الله قد فتح له بابًا للنجاة. فلما ابتلعه الحوت، ظل حيًا في داخله، وسجد وصلى، ولفظه الحوت بعد ثلاثة أيام، لكي يذهب إلى نينوى فيقودها إلى التوبة (يون2، 3). كان أمامه الباب مفتوحًا.
والمسيحية في مبدأها: فتح لها الله بابًا للانتشار، فلم تقوَّ على غلقه الدولة الرومانية بكل سطوتها وقسوتها، ولا المؤامرات اليهودية بكل حيلها ودسائسها. كما لم تقوَ عليها الفلسفات والديانات الوثنية. وهكذا انتشرت المسيحية على الرغم من كل المعوقات، حتى صارت الدولة نفسها مسيحية. كل ذلك لأن الله كان قد فتح بابًا لم يستطع أحد أن يغلقه...
انطبق هذا الوضع الإلهي أيضًا على الفردوس:
أخطأ الإنسان الأول، فطرده الله من الجنة. وأغلق الله باب الفردوس، ولم يستطع أحد أن يفتحه.
كما أغلق أيضًا الطريق إلى شجرة الحياة، وأقام عليها الكاروبيم بلهيب سيف (تك3: 24). ومرت آلاف السنين والطريق مغلق، وباب الفردوس كذلك. لأن الله يغلق ولا أحد يفتح.
ولما أتمّ الرب عمل الفداء، فتح باب الفردوس. ووعد قائلًا: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ" (رؤ2: 7). وها هو الفردوس مفتوح يدخله كل من يغلب. وقد دخله اللص التائب وكل الذين رقدوا على الرجاء. ولم يستطع الشيطان أن يغلقه...
"قَامَ مُلُوكُ الأَرْضِ وَتَآمَرَ الرُّؤَسَاءُ مَعًا عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ: لِنَقْطَعْ أَغْلَالَهُمَا وَلْنَطْرَحْ عَنَّا نَيرَهُمَا" (مز2: 2، 3). فهل استطاعوا؟!
كلا، يجيب الكتاب: "اَلسَّاكِنُ فِي السَّمَاوَاتِ يَضْحَكُ بِهِمْ. الرَّبُّ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ. حِينَئِذٍ يُكَلِّمَهُم بِغَضَبِهِ وَبرِجْزِه يَرْجفُهُمْ" (مز2: 4، 5). لقد كان الباب مفتوحًا للخلاص، وقد تم ولم يستطع أحد أن يغلق.
ولقد أغلقوا على المسيح المصلوب في القبر، وسدوه بحجر عظيم، وحوله الحراس المدججون بالسلاح. ولكن الله يفتح ولا أحد يغلق. وخرج السيد المسيح من القبر المغلق، وبشر تلاميذه بالقيامة. وفتح أمامهم باب الكرازة الذي كان يبدو مغلقًا. فكرزوا في كل مكان، وتحدوا رؤساء اليهود قائلين: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع5: 29). واستمر باب الكرازة مفتوحًا، ولا ولن يستطيع أحد أن يغلقه.
وهكذا، في كل ما تنوي أن تفعله، أسأل الله أولًا:
هل ستفتح يا رب أمامي بابًا، لأدخل في هذا المشروع؟
إن فتح الله أمامك بابًا، فادخل واعمل واستمر: "لاَ يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ" (يش1: 5، 6).
لن تقف أمامك عقبات ولا صعوبات ولا مقاومات، ولا أناس أشرار، ولا حتى حيل شياطين... ما دام الله قد فتح، فلن يقدر أحد أن يغلق.
تمامًا، مثلما يفتح المرور أمامك الضوء الأخضر، يمكنك أن تسير وأنت مطمئن.
إن فُتح خزان الماء أمام السد العالي، حيئنذ ستندفع المياه في طريقها، ولا تقف في طريقها أية جسور بل تتخطاها وتستمر في سيرها.
هكذا المعونة الإلهية إن فتحت أمامك بابًا، لا يستطيع أحد أن يغلقه.
لتكن لك هذه الصلاة باستمرار: افتح لي يا رب بابًا.
لقد فتح الرب بابًا أمام جهال العالم، فأخزوا الحكماء بكرازتهم (1كو1: 27). جماعة من الصيادين البسطاء، إلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم (مز20: 3، 4).
عبارة "يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ" تنطبق على بعض العواقر في التاريخ.
راحيل امرأة يعقوب كانت عاقرًا، لأن الله قد أغلق رحمها. لدرجة أنها بكت وقالت ليعقوب: "هَبْ لِي بَنِينَ، وَإِلاَّ فَأَنَا أَمُوتُ!" فانتهرها يعقوب وقال: "أَلَعَلِّي مَكَانَ اللهِ الَّذِي مَنَعَ عَنْكِ ثَمْرَةَ الْبَطْنِ؟" (تك30: 1، 2). ثم يقول الكتاب: "وَذَكَرَ اللهُ رَاحِيلَ، وَسَمِعَ لَهَا اللهُ وَفَتَحَ رَحِمَهَا، فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتِ ابْنًا" (تك30: 22). ودعت اسمه يوسف.
وحنة امرأة ألقانة لم تنجب لأن: "الرَّبَّ كَانَ قَدْ أَغْلَقَ رَحِمَهَا" (1صم1: 5). فبكت وصلّت ونذرت نذرًا. وذكرها الرب فحبلت وولدت صموئيل.
وفتح الرب رحم أليصابات، فولدت يوحنا المعمدان بعد أن كانت عاقرًا.
ما دام الله هو الذي يفتح ولا أحد يغلق، اطلب منه أن يفتح قلبك له، فتتوب وتحيا حياة روحية.
إن فتحت يا رب قلبي لك، لن تستطيع أية شهوة أو أية خطية أن تقوى عليَّ. أما إن رفضتني نعمتك وأغلقت بابها، فباطل كل جهادي لأحيا حسنًا! لماذا تقول يا رب: "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ3: 20)؟ كيف تطلب مني يا رب أن أفتح لك؟ والمفتاح في يدك! ومفتاحك هو عمل روحك القدوس. مفتاحك هو عمل نعمتك. اِفتح يا رب قلبي هذا، وادخله دخول الفاتحين الظافرين، لأنه لك. وإن فتحته، لا يستطيع أحد أن يغلق. وحينئذ لا يمكن أن تقف إرادتي ضدك...
إن كان الله هو الذي يفتح، فماذا نفعله نحن لكي ندعوه إلى التدخل في حياتنا، ويفتح الفكر والقلب له، ويدخل؟
إننا ندعوه بلجاجة. عيبنا هو أننا نيأس ونترك الصلاة، إذا لم يستجب لنا بسرعة. ليتنا نضع أمامنا مثل إيليا النبي، الذي صلّى من أجل نزول المطر، ست صلوات متتابعة ولم ينزل. فلم ييأس ولم يملّ. بل صلى للمرة السابعة، "هُوَذَا غَيْمَةٌ صَغِيرَةٌ قَدْرُ كَفِّ إِنْسَانٍ صَاعِدَةٌ مِنَ الْبَحْرِ" (1مل18: 44) فعرف أن الله قد استجاب. وإذا "السَّمَاءَ اسْوَدَّتْ مِنَ الْغَيْمِ وَالرِّيحِ، وَكَانَ مَطَرٌ عَظِيمٌ"...
نستطيع بالانسحاق والتذلل، أن ندعو الله لكي يفتح لنا. كما تذللت أم صموئيل وبكت. وكما فعل العشار، إذ وقف من بعيد، لا يجرؤ أن يرفع عينيه إلى السماء. وقرع صدره قائلًا: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ". وهكذا "نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ" الفريسي المتكبر (لو18: 13، 14).
أيوب الصديق لما كان "بَارًّا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ" (أي32: 1) لا يعرف لنفسه خطية، بقى في تجربته. ولكنه لما انسحق في قلبه وقال للرب: "هَا أَنَا حَقِيرٌ، فَمَاذَا أُجَاوِبُكَ؟ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى فَمِي" (أي40: 4) "قَدْ نَطَقْتُ بِمَا لَمْ أَفْهَمْ. بِعَجَائِبَ فَوْقِي لَمْ أَعْرِفْهَا... لِذلِكَ أَرْفُضُ وَأَنْدَمُ فِي التُّرَابِ وَالرَّمَادِ" (أي42: 3، 6). لما وصل إلى التراب والرماد، حينئذ اِنتهت تجربته، واستعاد صحته وكرامته.
يمكننا أيضًا أن ندعو الله ليفتح لنا، بطلبنا لشفاعة القديسين.
وكذلك نطلبه بالتوبة. فنصطلح بها مع الله (2كو5: 20)، ويستجيب.
جعلت أمَامك بَابًا مفتوحًا... ويعرفون أني أحببتك
جعلت أمَامك بَابًا مفتوحًا...
ويعرفون أني أحببتك
قال الرب لملاك كنيسة فيلادلفيا:
"هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ".
لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي. هنَذَا أَجْعَلُ الَّذِينَ مِنْ مَجْمَعِ الشَّيْطَانِ، مِنَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ يَكْذِبُونَ هنَذَا أُصَيِّرُهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَ رِجْلَيْكَ، وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا أَحْبَبْتُكَ" (رؤ3: 8، 9).
من أجل هذا كان أولاد الله باستمرار أقوياء. يسيرون في طريقهم باطمئنان وثقة، لأنهم يعرفون ويؤمنون أن الله قد جعل أمامهم بابًا مفتوحًا، لا يستطيع أحد أن يغلقه.
هكذا قال الرب لراعي كنيسة فيلادلفيا، وقال له أيضًا.
"لأَنَّ لَكَ قُوَّةً يَسِيرَةً، وَقَدْ حَفِظْتَ كَلِمَتِي وَلَمْ تُنْكِرِ اسْمِي".
لأنك ضعيف وقوتك قليلة، ومع ذلك حفظت كلمتي: "لم تنكر اسمي، لذلك أنا جعلت أمامك بابًا مفتوحًا، من أجل ضعفك وحاجتك إلى المعونة، ولأني أنا الذي "أُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ" و"أَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ" (إش61: 1)، لذلك جعلت أمامك بابًا مفتوحًا. وبذلك أمكنك أن تحفظ كلمتي ولا تنكر اسمي.
ونلاحظ أن ملاك كنيسة فيلادلفيا، لم يوجه الرب إليه أية توبيخات أو عقوبات مثل ملائكة خمس كنائس أخرى من الكنائس السبع.
ولا حتى إنذارات، إلا مجرد تحذير واحد قال له فيه: "تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ" (رؤ3: 11).
لكنه منحه كلمة بركة وتشجيع "جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ". وكم قد منح الرب كلمات البركة والتشجيع لأولاده.
هكذا قال لبولس الرسول: "تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع18: 9، 10). ونفس الكلام تقريبًا، قاله الرب ليشوع: "لاَ يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ... لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ. تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ" (يش1: 5، 6).
وأيضًا نفس البركة والتشجيع قالها الرب لإرميا: "هأَنَذَا قَدْ جَعَلْتُكَ الْيَوْمَ مَدِينَةً حَصِينَةً وَعَمُودَ حَدِيدٍ وَأَسْوَارَ نُحَاسٍ... فَيُحَارِبُونَكَ وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ، لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأُنْقِذَكَ" (إر1: 18، 19).
إنه باب مفتوح أمام كل هؤلاء لا يستطيع أحد أن يغلقه.
نفس الباب المفتوح، كان أمام القديس مار مرقس، وأمام الآباء الرسل، وأمام الشهداء...
أتى مار مرقس إلى مصر، وكانت هناك عقبات كثيرة أمامه: فضده قوة الديانات القديمة في مصر، وقوة الدولة الرومانية، ودسائس اليهود، وقوة الفلسفة الوثنية ومدارس الفلسفة... ومع ذلك كان أمامه باب مفتوح للكرازة، لم تستطع كل تلك القوات المضادة له أن تغلقه. فأمكنه أن يكرز ويملأ الدنيا إيمانًا بدون مانع ولا عائق.
وهكذا حدث مع باقي الرسل أيضًا... نفس الباب المفتوح. فكرزوا وبشروا بالمسيحية للخليقة كلها (مر16: 15). وظل الباب مفتوحًا. والقديسون الشهداء فتح الرب أمامهم باب الفردوس، فدخلوه، ولم تستطع أن تغلقه أمامهم كافة التهديدات والتعذيبات بكل قسوتها.
تعجبني في قصة لعازر الدمشقي الذي ذهب ليختار خطيبة لأسحاق، قوله لأسرة لابان: "لاَ تُعَوِّقُونِي وَالرَّبُّ قَدْ أَنْجَحَ طَرِيقِي" (تك24: 56).
كان الرب قد جعل أمام لعازر الدمشقي بابًا مفتوحًا، تحقق به هدفه من رحلته ونجح طريقه، وما عوقه أحد...
هكذا أنت كل الذي يمكنك أن تفعله، أن تطلب من الله أن يفتح الباب أمامك، أن يسهل طريقك... قل له: اِفتح لي يا رب باب نعمتك، اِفتح لي باب روحك القدوس وعمله فيَّ ومعونته لي. عندئذ سوف لا تقوى عليَّ كل إغراءات الخطية وكل العثرات وكل المعوقات التي تعترض طريقي الروحي. إن فتحت لي بابك هذا، سوف لا تقوى عليَّ شهوة الجسد ولا شهوة العين ولا تعظم المعيشة (1يو2: 16).
قد يقول البعض: إن لم يكن أمامي باب مفتوح. فماذا أفعل؟!
إن كان الله قد أغلق أمامي، وليس أحد يفتح! فماذا أفعل؟
إن كانت طرقك مسدودة، فلا تنسب الأمر إلى الله، فالله لا يسد طريق أحد. الأمر بلا شك راجع إليك أنت، وبسببك أصبحت الطرق مسدودة. غالبًا حياتك لا ترضي الله، أو الأمر الذي تطلبه لا يوافق مشيئة الله.
ويحدث أحيانًا أن الله يفتح لنا، ولكننا نحن نغلق. أو أن النعمة تخرج من عند الله، ونحن نمنع وصولها إلينا.
هو يفتح، ولا أحد من الخارج يغلق. ولكن إن أردنا نحن أن نغلق، فإن الله لا يرغمنا على الفتح إرغامًا. غير أن الله قد يتدخل أحيانًا إن كان الإنسان منجرفًا في طريق الخطية بلا وعي. فيغلق له الله هذه الطرق التي تقوده إلى الخطية، رحمة به. أي ينقذه من نفسه.
إن الأبرار دائمًا ما يفتح الله الأبواب أمامهم.
لذلك نجد كثيرًا من الناس. إن تعقدت الأمور أمامهم يقولون: نُدخل فلانًا من الأبرار معنا في الموضوع، لعله ببركته تنفتح الأبواب وتسهل الطرق. أو يُدخلون في موضوعهم أحد القديسين، حتى أن الله بشفاعة هذا القديس يفتح لهم ما قد اِنغلق أمامهم.
عمومًا، الأبواب لا تنفتح بذكائنا ومهارتنا إنما بالإيمان نثق أن الله يتدخل ويفتح. فليس التوفيق راجعًا إلينا أو إلى وساطة بشرية.
وإنما يتوقف الأمر أولًا وأخيرًا على الله وهل هو يريد أم لا يريد.
إذًا علينا أن نكون على علاقة طيبة بالله، حتى يفتح لنا باستمرار. وأيضًا بالنسبة إلى الكنيسة، نصلي باستمرار ونقول: "يا رب اِجعل باب بيتك مفتوحًا أمامنا في كل زمان، وإلى آخر الأزمان، ولا تغلق باب بيعتك في وجوهنا"، نقول هذا ونحن نسدل الستر على باب الهيكل.
يقول الرب أيضًا لملاك كنيسة فيلادلفيا:
"هنَذَا أَجْعَلُ الَّذِينَ مِنْ مَجْمَعِ الشَّيْطَانِ، مِنَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ يَكْذِبُونَ هنَذَا أُصَيِّرُهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَ رِجْلَيْكَ..." (رؤ3: 9).
في الحقيقة إنه مصير مؤثر... تصوروا أناسًا اِختارهم الله دون شعوب الأرض كلها، وأطلق عليهم هذا اللقب المحبوب: "شعب الله"، وأعطاهم المواعيد وأعطاهم الشريعة، وبارك أباهم وجعلهم أمة مختارة وشعبًا مقدسًا (1بط2: 9).
وأجرى من أجلهم معجزات كثيرة وينتهي بهم الأمر إلى أن يدعوهم الرب: "مَجْمَعِ الشَّيْطَانِ"! يا للهول، بل ويكرر الله هذا اللقب: مرة أخرى في رسالته إلى ملاك كنيسة سميرنا (رؤ2: 9). وهذه المرة في رسالته إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا.
حقًا لا يكفي أن الإنسان يجد نعمة عند الله، بل يجب أن يحافظ عليها.
ما أصعب أن نعمة نالوها بأن صاروا "شعب الله"، فيتطور الأمر إلى أن يلقبهم الله بأنهم مجمع شياطين! ليسوا مجرد أتباع الشياطين، بل هم أنفسهم صاروا مجمع شياطين. أين إذًا ذلك الماضي الجميل؟ إنهم لم يحافظوا عليه ففقدوه.
وكأن الله يقول لهم: أنا أردت لكم الخير. ولكنكم أردتم لأنفسكم الشر والهلاك. "ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ" (غلا3: 3). وهكذا ضاع منكم لقب شعب الله، وضاعت المكانة العظيمة التي كانت لكم أيام الآباء: إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأيام الأنبياء موسى وداود.
هؤلاء "الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ يَكْذِبُونَ".
كان لهم لقب إسرائيل القديم، واليوم أصبح لهذا الاسم معانٍ أخرى فهو يرمز إلى الكنيسة المسيحية الجديدة، فأعضاؤها هم أبناء إبراهيم بالروح، حسب الإيمان، وليس حسب الجسد. لأن الذين من إيمان إبراهيم، أولئك هم أبناء إبراهيم (غلا3: 7). هم إسرائيل حسب الجسد. ولكن ليس حسب الروح. لذلك قال عنهم الرب: إنهم ليسوا يهودًا، بل يكذبون. لم يعودوا شعب الله.
ينطبق عليهم قول الرب: الحق أقول لكم "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ" (مت7: 23). كانوا خاصته و"إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو1: 11). فقدوا هذا اللقب أيضًا. وأصبح خاصته هم الذين آمنوا به.
كانوا يهودًا، وهم الآن ليسوا يهودًا. لأنهم كانوا في بدء أمرهم مؤمنين.
ثم صاروا أعداء للإيمان وقاوموا المسيح بكل الطرق.
قاوموا المسيحية منذ نشأتها، قدموا السيد المسيح للوالي الروماني، وصرخوا بكل أصواتهم: "اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ" (يو19: 6)، "دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا" (مت27: 25). وهم الذين قاوموا رسل المسيح، وألقوهم في السجن، وحاولوا منعهم من الكلام (أع4، 5). هم الذين رجموا أول شهيد في المسيحية، القديس اسطفانوس (أع7). وكانوا برسائل من رئيس الكهنة، يجرّون من المسيحيين رجالًا ونساءً إلى السجن، كما كان يفعل شاول الطرسوسي حينما كان واحدًا منهم (أع9: 2).
واستمروا في اِضطهاد المسيحية إلى النهاية، فغضب الرب عليهم. إنهم درس لكل من يرتد ويستحق العقوبة. كما قال القديس بولس الرسول: "إِنْ كَانَ اللهُ لَمْ يُشْفِقْ عَلَى الأَغْصَانِ الطَّبِيعِيَّةِ فَلَعَلَّهُ لاَ يُشْفِقُ عَلَيْكَ أَيْضًا! (على التي طُعمت)" (رو11: 21).
يقول الرب: "أُصَيِّرُهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَ رِجْلَيْكَ" (رؤ3: 9).
ما أعظم هذه النصرة على الأعداء التي يعطيها الرب لأحبائه! كنا قديمًا نفرح بالآية التي تقول: "إِذَا أَرْضَتِ الرَّبَّ طُرُقُ إِنْسَانٍ، جَعَلَ أَعْدَاءَهُ أَيْضًا يُسَالِمُونَهُ" (أم16: 7). فكم بالأكثر قول الرب هنا أنه يجعلهم يأتون ويسجدون أمام رجليه! ولكن أليس هو القائل: "لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مت4: 10). فكيف يجعل هؤلاء الأعداء يسجدون أمام راعي فيلادلفيا؟!
إنه سجود الاحترام والخشوع، وليس سجود العبادة.
ولعل هذه الآية تذكرنا بالبركة التى نالها يعقوب أبو الآباء:
"لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ، وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ، وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ" (تك27: 29).
وأيضًا البركة التي نالها يوسف، إذ يسجد له إخوته، كما في الحلمين اللذين أظهرهما له الله (تك37: 5- 8). وقد كان (تك44: 14).
وقد سجد أبونا إبراهيم أمام بني حث (تك23: 7) وسجد يعقوب وزوجته وأبناؤه أمام عيسو (تك33) وسجد كثيرون أمام داود الملك (1مل1).
ولم يكن شيء من هذا كله وأمثاله سجود عبادة بل سجود احترام.
إن وعد الرب لراعي كنيسة فيلادلفيا ردّ صريح وواضح للذين يلومننا على السجود أمام أجساد القديسين وأمام رؤساء الكهنوت.
فهنا ليس مجرد سماح من الله بالسجود، بل أمر منه بذلك وهذا السجود المسموح به على نوعين: نوع الاحترام والتوقير، والنوع الآخر هو سجود الخضوع. كما حدث ليوسف بعد الإذلال السابق الذي ناله من إخوته، وكما يحدث لراعي كنيسة فيلادلفيا من اليهود الذين اِضطهدوا الكنيسة وهذا أيضًا يذكرنا بالطلبة التي تطلبها الكنيسة من أجل الأب البطريرك أو الأسقف أن يخضع الرب أعداء الكنيسة عند قدميه.
على الأقل - في هذا السجود - لا نطلب مجرد خضوع الأعداء من البشر، بل بالأكثر نطلب إخضاع الشياطين وقوى الشر.
إن كان المطلوب هو خضوع الأعداء تحت أقدام الكنيسة، فإن أخطر عدو منهم هو الشيطان: نطلب من الرب أن يخضعه ويبعده ويقول له عبارته الخالدة: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ" (مت4: 10). نحن لا نريد منه خضوعًا تحت أقدامنا، إنما يكفي بُعده عنا.
ولو أن قديسين كبارًا كانوا يطردون الشياطين، بل يعذبونهم: قديس منهم كان في قلايته، فجاء الشيطان يحاربه، فربطه خارج القلاية، وجاء شيطان آخر فربطه أيضًا، وكذلك فعل بشياطين آخرين، فظلوا يصرخون، فقال لهم: "أمضوا وأخزوا". فمضوا في خزي شديد أما أنت فعليك أن تصلي، نجني يا رب من هؤلاء الذين يضطهدونني، "فإنَّ الغُرَباءَ قَدْ قاموا عَلَيَّ والأقْوياءَ طَلبوا نَفْسي، لَمْ يَجْعلوا اللَّه أمامَهُم" (مز54: 3).
وقال الرب في اِخضاعهم: "وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا أَحْبَبْتُكَ".
لم يقل: فيعرفون أنك قوي أو شجاع أو صامد في محاربتهم، وإنما قال: "فيعرفون أني أنا أحببتك. محبة الله لنا هي التي تخضع عدو مقاوم. ذلك لأن الحب للرب. وداود عندما وقف أمام جليات الجبار قال له: "الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي، فَأَقْتُلُكَ... فَتَعْلَمُ كُلُّ الأَرْضِ أَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ" (1صم17: 46). ما أكثر القصص في سير القديسين عن علاقة الرب بهم، وكثرة إحساناته إلى الناس بسببهم، يكفي قوله في قصة حرق سادوم: إن وُجد عشرة أبرار في المدينة "لاَ أُهْلِكُ (المدينة) مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ" (تك18: 32).
اكتب إلىَ مَلاك كَنيسَة اللاوديكيين
اكتب إلىَ مَلاك كَنيسَة اللاوديكيين
قال الرب للقديس يوحنا الرائي:
"وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ الّلاَوُدِكِيِّينَ: هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأَمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ: أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي. لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ. أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ، وَثِيَابًا بِيضًا لِكَيْ تَلْبَسَ، فَلاَ يَظْهَرُ خِزْيُ عُرْيَتِكَ. وَكَحِّلْ عَيْنَيْكَ بِكُحْل لِكَيْ تُبْصِرَ" (رؤ3: 14- 18).
يبدو أن راعي كنيسة لاوديكية هذا، كان من أسوأ الرعاة.
يكفي أنه وصل إلى الحالة التي يقول له فيها الرب: "أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي"! ولا أحد يتقيأ إلا الشيء الذي لا يتقبله جوفه على الإطلاق. ويكون ما يتقيأه شيئًا قذرًا وكريه الرائحة جدًا، ويسبقه غثيان. أي أن هذا الراعي قد وصل إلى أسوأ حالاته.
إنه أيضًا يعطينا فكرة عن عدم عصمة البشر، أيًا كانت درجاتهم.
إنه واحد من الكواكب السبعة الذين كان الرب يمسكهم في يمينه (رؤ1). ولُقب باسم ملاك. وقد ائتمنه الله على رعاية شعب. ومع ذلك وصل إلى حالة يقول فيها الرب: "أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي"!!
وهنا نلاحظ رقة الرب ولطفه: إنه ما زال يحتفظ له بلقبه ووظيفته فيدعوه ملاك الكنيسة، مع أنه لا يحمل أية صفة من صفات الملاك الروحية! بل على العكس هو شقي وبائس وفقير وأعمى وعريان...!! أي أن غالبية الأوصاف الرديئة قد تركزت فيه...
إن الرب بهذا يعلمنا آداب الحديث، وأسلوب التخاطب حتى مع الساقطين، مهما كانت حالتهم سيئة. إنه الأسلوب المهذب الذي يتحدث به الرب، وطريقة معاملة رجال الكهنوت مهما ساء وضعهم، بدلًا من العنف الذي يتكلم به البعض...
إن أخطاء ملاك كنيسة اللاوديكيين لم تسقط عنه رتبته. فهو ما زال ملاك الكنيسة وراعيها حتى لو كان شقيًا وبائسًا وفقيرًا، وأعمى وعريانًا...
يتحدث الرب في هذه الرسالة عن بعض صفاته فيقول:
هذا يقوله الأمين، الشاهد الأمين الصادق.
وكلمة "آمين" كلمة عبرانية معناها "الحق". ووردت هذه الآية في بعض الترجمات هكذا... وهو يقول الحق. والحق اسم من أسماء الله. والسيد المسيح قد قال عن نفسه: "أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو14: 6). وقد سمى نفسه الأمين، أو الحق، لأن هذا لقبه كأقنوم.
وعبارة "الشَّاهِدُ الأَمِينُ" يقولها بصفته البشرية، باعتباره أنه شاهد على كل وصايا الله، وشاهد على كل أعمال البشر، وبكل أمانة. فحينما يقول لأي ملاك من ملائكة الكنائس السبع: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ"، بما في ذلك ملاك كنيسة لاوديكية، إنما يقولها كشاهد أمين.
أما عبارة "بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ"، فتحتاج إلى شرح دقيق.
إن كلمة أركي أو أرشي (Arx3) المستعملة هنا تحمل معنيين هما البداءة أو الرئاسة. كما نقول "أرشيدياكون" بمعنى أول الشمامسة أو رئيس شمامسة. كذلك "أرشي إيرفس" بمعنى الكاهن الأول أو رئيس الكهنة. وأيضًا "إت أركي أنتي صوفيا" بمعنى بدء الحكمة أو رأس الحكمة. كما في الآيتين: "بدء الحكمة مخافة الله"، "رأس الحكمة مخافة الله".
فيمكن ترجمة الآية (رؤ3: 14) "رئيس خليقة الله" باعتبار أن المسيح له الرئاسة على كل الخليقة. أو أنها لو ترجمت بمعنى البداية، يكون المقصود أنه هو الذي بدأ خلق كل الخليقة. كما قيل في أول إنجيل يوحنا: "كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو1: 3).
ليس أنه هو الذي بدأ، بل الخليقة بدأت به، بخلقه لها. أي أنه كان السبب في بدايتها.
يقول بعدها: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ".
وهي عبارة توحي بلاهوته، على اعتبار أنه يعرف أعمال كل أحد. فهذا الراعي، الذي أمام الناس كانت له كرامته وله وقاره، كان الرب يعرف أعماله ويكشف حقيقته إنه الشقي البائس الفقير الأعمى والعريان!
إنها عبارة تكشف كل أحد، ربما يكون مستورًا أمام الناس. أما أمام الله فهو عريان ومسكين. ليتنا نضع أمامنا هذه الآية التي تكشف رياءنا. ولا يظن أحد منا أنه غير ظاهر، مهما كانت أخطاؤه في الخفاء، ولا يعرفها أحد! لكن الله يقول له: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ".
أنا عارف أعمالك أنك لست باردًا أو حارًا.
أي في حالة فتور. ليتك كنت باردًا أو حارًا. فأنا مزمع أن أتقيأك من فمي. فما معنى هذا؟ الإنسان الذي في حالة حرارة روحية، هو مقبول أمام الله. وكذلك فإن البارد، تدفعه البرودة إلى التوبة، إذ تشعره بسوء حالته.
اثنان دموعهما حاضرة: إما إنسان حار في الروح. فمن حرارته تنسكب دموعه. أو إنسان في خطيته، يرى نفسه مذلولًا ومهزومًا، وحقيرًا أمام نفسه، مزدرى في عيني ذاته. ومن احتقاره لنفسه وسقوطه، يبكي أمام الله. فبرودته تعطيه حرارة من نوع آخر، حرارة الحزن والندم على حالته.
أما الشخص الذي ليست له حرارة النشطاء في الروح، ولا شعور الساقط الحزين على برودته. لا عنده جمال الحياة الروحية، ولا جمال الإحساس بالحاجة إلى التوبة. إنما هو ماشٍ في الطريق. له مزموران يقولهما برغبة أو بغير رغبة! وبعض قراءات من الكتاب، يقرأها بفهم وتأمل، أو بغير فهم ولا تأمل! وهو يذهب إلى الكنيسة، ولو بغير مشاعر في قلبه. هذا إنسان فاتر، يتصرف بروتين في روحياته. لا هو بارد، مبتعد تمامًا عن الكنيسة. ولا يشعر هو بحرارة الحياة مع الله. إنما هو فاتر. يقول له الرب: "أنا مزمع أن أتقيأك من فمي"!
إنه كإنسان: لا تعرف هل هو لابس أم عريان! إنه يتغطى بأشياء، لا هي لبس كامل، ولا عري كامل. يمثل حالة الفاتر.
هناك أشخاص وصلوا إلى الله في عمق حرارتهم، كالقديسين الكبار. وآخرين وصلوا إلى الله في عمق برودة حياتهم:
كالمرأة التي ضُبطت في ذات الفعل (يو8). وكالعشار الذي وقف من بعيد، لا يجرؤ أن يرفع عينيه إلى فوق (لو18). وكالمرأة الخاطئة التي بللت قدمي المسيح بدموعها، ومسحتهما بشعر رأسها (لو7).
كثير من هؤلاء كانوا في حالة برودة شديدة، دفعتهم دفعة كبيرة إلى قدام، فوصلوا إلى الله في مشاعر التوبة والخزي والانسحاق.
لا نقصد برودة مستمرة. بل برودة تدفع إلى تغيير الحياة.
هذا الملاك راعي كنيسة لاوديكية، يقول له الرب:
"لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي".
على أن عبارة "مُزْمِعٌ" تحمل لونًا من ألوان الرحمة.
لم يقل له: ها قد لفظتك من فمي إلى خارج. إنما أنا مُزمع أن أفعل هذا. إنه مجرد إنذار له بسوء حالته، وما ينتظره من خطر. مثل شخص له شعور بالقيء. ومع ذلك هناك مجال أن يأخذ دواء يمنع القيء والغثيان، ولم يتم القيء بعد. هناك فرصة لإيقافه. هناك رجاء.
وهكذا يفتح أمامه بابًا للرجاء، فيقول له في آخر الرسالة: "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ أَحَدٌ فَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ3: 20). وماذا يقول أيضًا؟
يقول له: "أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى".
صدقوني، وقفت أمام هذه العبارة في أول مرة مرتبكًا ومتحيرًا.
كيف يا رب يمكن أن يحدث هذا؟! تقول له أن يشتري ذهبًا مصفى!! وتقول لمن؟ لشخص قلت عنه إنه شقي وبائس وفقير!! ألعله يبيع ثيابه لكي يشتري منك ذهبًا مصفى؟! ما أبعد هذا الإنسان عن الذهب!
لعله يقول: كيف يا رب أشتري منك، وأنا لا أملك شيئًا؟! وكأن الرب يجيبه: يكفي أنك تملك هذه العبارة "أنا لا أملك شيئًا". أنا سأفيض عليك بنعمتي، فتستغني، وتشتري مني دون أن تدفع شيئًا...
حقًا، إن الله هو الوحيد الذي تشتري منه، بلا مقابل...!
ما يعيطك إياه هو مجرد منحة مجانية منه. ولكنه لكي يرفع معنوياتك، لا يقول إنها منحة، بل يقول: "تشتري مني"! ما أرقك يا رب! أشتري منك ولا أدفع شيئًا! بل ستدفع أنت. ولكن ماذا يا رب يمكنني أن أدفع؟
اشترِ مني ذهبًا مصفى بانسحاق روحك. اشترِه بتواضع قلبك.
أشير عليك أن تشتري هذا الذهب المصفى بانكسار قلبك وشعورك بالذنب بسبب خطاياك. بنظرك إلى تلك المرآة الروحية، التي ترى فيها نفسك إنك بائس وعريان. وبالبصيرة الروحية ترى أنك أعمى.
حينئذ سوف لا تشتري ذهبًا مصفى بالنار، بل ستصير أنت نفسك ذهبًا مصفى بالنار.
بالنار التي تشتعل فيك كمحرقة سرور للرب (لا1: 9، 13، 17). نار دائمة لا تطفأ (لا6: 12، 13) وكأن الله يقول له ما ينبغي أن يكون عليه. ولكنه كان غير ذلك تمامًا! فماذا كان إذًا؟ يقول له الرب:
"لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ".
إن أصعب ما في الحياة الروحية هو هذا: أن يكون الإنسان فقيرًا، ولا يشعر بفقره! ويكون عريانًا من الفضائل، ولا يشعر بعريه! إنه يثق بنفسه أنه قد وصل، وهو لم يصل إلى شيء! يقول: أنا أستغنيت، ولا حاجة لي إلى شيء! لذلك هو لا يقرع على باب الله، ولا يسأل ولا يطلب!
هنا نرى أن مقاييس الله غير مقاييس البشر.
مقياس البشر يقول: "أنا غني، وقد أستغنيت، ولم تعد لي حاجة إلى شيء!"، ومقياس الله يقول: "إنك فقير وبائس وعريان، ولا تعلم".
سعيد هو الإنسان الذي يشعر بفقره في حياة الروح، ويمد يده إلى الله لكي يعطيه. يشعر أنه خاطئ، ويطلب من الله مغفرة.
اِعترف لله بفقرك وبعريك. وانزع عنك ورقة التين التي تغطيك. واطلب من الله أن يصنع لك ثيابًا من جلد، ويغطيك.
بل يعطيك ثيابًا بيضًا، لكي تلبس، ولا يظهر خزي عريتك.
وهنا يظهر تواضع الرب في قوله "أُشِيرُ عَلَيْكَ".
لم يقل له: أنا آمرك. وإنما سأقدم لك نصيحة أو مشورة. ما أعجبه من تواضع! يقول له: "أُشِيرُ عَلَيْكَ". إنها مجرد مشورة، تنفذها أو لا تنفذها. أنت لا تزال في حرية إرادتك، تفعل ما تشاء.
أنا لكي أعطيك نعمة النقاوة، لا أسحب منك نعمة الحرية.
إنه نفس كلام الرب، كما ورد في آخر سفر التثنية، بعد أن منح الرب الشريعة للشعب. قال له: "قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا" (تث30: 19).
أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى، أي أثمن الأشياء.
إنك اشتريت من العالم أمجاده ومديحه، فلم تستفد شيئًا. فاشترِ مني ذهبًا مصفى بالنار. والنار هنا للتنقية وليس للعقوبة.
ويفتح الرب أمامه أملًا بأنه سيلبس ثيابًا بيضًا، رمزًا للستر وللنقاوة. وأيضًا سيكحل عينيه لكي يبصر.
ثم يرطب الله قلب هذا الراعي، بعد الكلمات الشديدة التي سمعها. وكأنه يربت على كتفيه ويقول له:
"إِنِّي كُلُّ مَنْ أُحِبُّهُ أُوَبِّخُهُ وَأُؤَدِّبُهُ. فَكُنْ غَيُورًا وَتُبْ" (رؤ3: 19).
لا تظن أن عبارة "أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي" تدل على أني قد رفضتك! كلا، بل أنا أحبك. وعبارة التوبيخ كانت لمجرد قيادتك إلى التوبة.
وفي هذه التوبة، قال له: "لست أنت الذي ستسعى ورائي، بل أنا الذي سأسعى إليك". وهأنذا واقف على بابك وأقرع.
وأخيرًا يضع أمامه اِحتمال أن يغلب، فتكون له المكافأة:
"مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" (رؤ3: 21).
غريبة وعجيبة محبتك يا رب، وغير محدود هو كرمك في العطاء! كنت أظن أنني في توبتي، تسمح لي أن أجلس عند قدميك، وتكون هذه منك بركة عظيمة. ولكن أن أجلس معك، فهذا كرم غير محدود. أما أن أجلس معك في عرشك، فهذا ما يفوق خيالي وتصوري...!
وليست هناك أية أوجه للمقارنة بين غلبتك الدائمة المعصومة عن كل خطأ، وبين أن أغلب أنا بعد كفاح مرير وبعد سقطة تحتاج إلى توبة.
لك المجد في كل ما تعطيه، ليس عن اِستحقاق منا، بل هو كرم منك.
رسَائل الربّ إلىَ الكَنائس السَـبع
رسَائل الربّ إلىَ الكَنائس السَـبع
في وقت ما، لم يكن يتوقعه القديس يوحنا، ولا ملائكة تلك الكنائس ظهر الرب، وأرسل لهم رسالة، لكل واحد منهم.
كانت كل كنيسة تحتاج إلى رسالة معينة، في ذلك الوقت الذي اِختاره الرب، وكلّف به قديسه يوحنا الرسول. كلّفه أن يكتب إلى ملاك كل كنيسة يبلغه ما يقوله الروح للكنائس.
حقًا "لاَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللهِ بِمُرَاقَبَةٍ" (لو17: 20). نحن لا نعلم متى يصل إلينا صوت الرب، ولا كيف يصل، ولا أين؟ والقديس يوحنا الرسول كان وقتذاك منفيًا في جزيرة بطمس. ولا شك أنه كان في حاجة إلى شيء من التعزية. وقد جاءته عن طريق ظهور الرب له هناك، وتكليفه بمهمة.
قد يظن الإنسان وهو في المنفي أن عمله قد توقف.
أو هكذا أراد له الحاكم الذي نفاه. ولكن الرب كانت له مشيئة أخرى. إنه لا يستغنى عن أولاده، حتى ولو كانوا خارج دائرة عملهم الرسمي، أو لو بدوا بلا قوة! إنه يعطي المعيى قوة. ويشعر العاجز أنه يستطيع أن يعمل عملًا. بل أنه أعطى يوحنا فرصة لعملين: أحدهما بالنسبة إلى الأرض: من جهة الكنائس السبع ورعاتها وأخبارها، ومعرفة "مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ" (رؤ1: 1). والعمل الثاني أن يصعد إلى السماء ويرى (رؤ4: 1). وكان ذلك هو إعلان الرب الذي أراه إياه، والذي أوصله يوحنا إلى جميع المسيحيين في الأرض كلها.
مبارك هو الرب في تعزيته لأولاده، وافتقادهم في ضيقتهم، وتعزيتهم بأنواع وطرق شتى.
ولقد قدّم الرب نفسه لتلميذه يوحنا، ولملائكة الكنائس السبع بأسماء وألقاب معينة، يعلن فيها نفسه لكل واحد بما يناسبه:
فبالنسبة إلى يوحنا، قال له: "أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ" (رؤ1: 11). وقال له أيضًا: "لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ" (رؤ1: 17، 18). وهنا يعلن لاهوته وناسوته وسلطانه: لاهوته من حيث هو الألف والياء، الأول والآخر. وهذا هو اللقب الذي لقب به الله ذاته أكثر من مرة، في سفر إشعياء في العهد القديم.
وأعلن ناسوته في قوله عن نفسه: "الْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا" أي أنه شخص السيد المسيح القائم من الأموات الذي ظهر شبه ابن الإنسان (رؤ1: 18).
وأعلن سلطانه بقوله: "وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ"...
ولملاك كنيسة أفسس قال عن نفسه إنه "الْمُمْسِكُ السَّبْعَةَ الْكَوَاكِبَ فِي يَمِينِهِ، الْمَاشِي فِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ الذَّهَبِيَّةِ" (رؤ2: 2).
وهنا يعلن الرب عمله الرعوي من جهة الكنائس ورعايتها.
فهو ليس بعيدًا عن الكنائس، لأنه الماشي في وسطها، يفتقدها. وهو مركز لها. كما أنه ليس بعيدًا عن رعاتها، بل هو ممسك بهم في يمينه. ليس فقط النشيط منهم الذي قال له: "قَدِ احْتَمَلْتَ وَلَكَ صَبْرٌ، وَتَعِبْتَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلَمْ تَكِلَّ" (رؤ2: 3)، وليس فقط المجتهد في عمله الذي قال له: "أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَمَحَبَّتَكَ وَخِدْمَتَكَ وَإِيمَانَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّ أَعْمَالَكَ الأَخِيرَةَ أَكْثَرُ مِنَ الأُولَى" (رؤ2: 19) ... بل حتى الذي يسكن حيث كرسي الشيطان (رؤ2: 13)، وحتى الفاتر (رؤ3: 6)، والذي له قوة يسيرة (رؤ3: 8).
كلهم في يمين الرب، وهو ممسك بهم. وكما قال مرة أخرى عن خاصته هؤلاء: "وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي" (يو10: 28). بلا شك أنه كلام معزّ للكل، حتى للضعفاء أيضًا...
ولملاك كنيسة سميرنا، كرر لقبه الذي ذكره لتلميذه يوحنا بعبارة:
"هذَا يَقُولُهُ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَعَاشَ" (رؤ2: 8).
إنه للإنسان الذي في مرارة الاضطهاد والضيق، يعلن لاهوته وقيامته.
لكي يعرف أنه في رعاية هذا الإله الذي هو الأول والآخر. وأنه حتى إن مات في ذلك الاضطهاد، فسوف يقوم كما قام المسيح "الَّذِي كَانَ مَيْتًا فَعَاشَ" أو كما قال قبلًا: "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو11: 25). إنه كلام مشجع ومعزِ...
ولملاك كنيسة برغاموس التي فيها هرطقات يعلن نفسه بعبارة:
"هذَا يَقُولُهُ الَّذِي لَهُ السَّيْفُ الْمَاضِي ذُو الْحَدَّيْنِ" (رؤ2: 12).
هنا يعلن قوته وجزاءه لمن ينكر الإيمان كأولئك الهراطقة.
أولئك الذين كان بينهم النيقولاويون، والمتمسكون بتعاليم بلعام. لذلك قال عنهم أيضًا: "وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ سَرِيعًا وَأُحَارِبُهُمْ بِسَيْفِ فَمِي" (رؤ2: 16).
ولملاك كنيسة ثياتيرا، الذي عنده الخاطئة إيزابل التي تغوي عبيد الرب، أعلن عن نفسه بعبارة: "هذَا يَقُولُهُ ابْنُ اللهِ، الَّذِي لَهُ عَيْنَانِ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَرِجْلاَهُ مِثْلُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ" (رؤ2: 18).
هنا يعلن الرب غضبه على الخطية. فعيناه كلهيب نار من حدة غضبه. وليس كما قيل عنه في سفر النشيد: "عَيْنَاهُ كَالْحَمَامِ... مَغْسُولَتَانِ بِاللَّبَنِ" (نش5: 12).
في سفر النشيد تتكلم الكنيسة عن الرب حبيبها. أما هنا فيظهر الرب حزمه في معاملة الخطاة الذين لا يتوبون. هؤلاء الذين قال لهم القديس بولس الرسول: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" (عب10: 31).
إنه هو ابن الله القدوس (لو1: 35) وأيضًا العادل، الذي يقول عن نفسه في نفس الرسالة إلى ملاك كنيسة ثياتيرا:
"فَسَتَعْرِفُ جَمِيعُ الْكَنَائِسِ أَنِّي أَنَا هُوَ الْفَاحِصُ الْكُلَى وَالْقُلُوبِ، وَسَأُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ" (رؤ2: 32)
وهذا لقب آخر، وإعلان عن لاهوته، وأنه هو الديان.
ولملاك الكنيسة التي في ساردس المحتاج إلى توبة، يعلن عن ذاته بعبارة: "هذَا يَقُولُهُ الَّذِي لَهُ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ وَالسَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ" (رؤ3: 1).
أي أنه الذي له رؤساء الملائكة السبعة الذين في السماء، وملائكة الكنائس السبع الذين على الأرض، أي ملك السمائيين والأرضيين.
ولملاك الكنيسة التي في فلادلفيا، الذي لم يوبخه على شيء، يعلن نفسه بعبارة: "هذَا يَقُولُهُ الْقُدُّوسُ الْحَقُّ، الَّذِي لَهُ مِفْتَاحُ دَاوُدَ، الَّذِي يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلاَ أَحَدٌ يَفْتَحُ" (رؤ3: 7).
وهنا يعلن لاهوته: لأنه هو القدوس، بل هو وحده القدوس كما ورد أيضًا في سفر الرؤيا (رؤ15: 4). وأنه هو الحق، ومنه المواهب. هو الذي يمنح ويمنع. وهذا يثبت لاهوته أيضًا.
وبالنسبة إلى ملاك كنيسة اللاوديكيين الذي كان فاترًا، أعلن الرب نفسه له بقوله: "هذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأَمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ" (رؤ3: 14).
كلّمه كشاهد أمين صادق على حالته.
وسفر الرؤيا في رسائل الرب السبع إلى الكنائس، أرانا أن رعاتها كان بينهم الكثير من التنوع، وحالة كل واحد منهم غير حالة غيره، على الرغم من أنهم دعوا ملائكة.
بعضهم كانوا أبرياء مجاهدين لأجل الكنيسة. والبعض على الرغم من تعبهم واحتمالهم، نرى من بينهم من قد ترك محبته الأولى وسقط ويحتاج إلى توبة، كملاك كنيسة أفسس (رؤ2: 4، 5).
والبعض يلومه الرب على وجود هراطقة في كنيسته.
مثال ذلك ملاك كنيسة برغاموس الذي يقول له الرب: "أَنَّ عِنْدَكَ هُنَاكَ قَوْمًا مُتَمَسِّكِينَ بِتَعْلِيمِ بَلْعَامَ، الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُ بَالاَقَ أَنْ يُلْقِيَ مَعْثَرَةً أَمَامَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنْ يَأْكُلُوا مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ، وَيَزْنُوا. هكَذَا عِنْدَكَ أَنْتَ أَيْضًا قَوْمٌ مُتَمَسِّكُونَ بِتَعْلِيمِ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّذِي أُبْغِضُهُ" (رؤ2: 14، 15). بينما يقول لملاك كنيسة أفسس: "عِنْدَكَ هذَا: أَنَّكَ تُبْغِضُ أَعْمَالَ النُّقُولاَوِيِّينَ الَّتِي أُبْغِضُهَا أَنَا أَيْضًا" (أف2: 6).
وملاك كنيسة ثياتيرا، على الرغم من محبته وإيمانه وصبره، وأن أعماله الأخيرة كانت أكثر من الأولى، إلا أن الرب أخذ عليه تسيّب المرأة إيزابل التي تغوي الناس أن يزنوا ويأكلوا ما ذُبح للأوثان (رؤ2: 20).
وملاك كنيسة ساردس كانت حالته سيئة جدًا: أن له اسمًا أنه حيّ وهو ميت (رؤ3: 1). ومع ذلك كانت عنده أسماء في ساردس لم ينجسوا ثيابهم.
وملاك كنيسة لاوديكية كانت حالته أيضًا سيئة جدًا. ما كان حارًا ولا باردًا، بل كان فاترًا. والرب مزمع أن يتقيأه من فمه. وكان أيضًا شقيًا وبائسًا وفقيرًا وأعمى وعريانًا. ومع ذلك يقول: "إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ" (رؤ3: 17).
وقد وجه الرب إنذارات ونصائح لملائكة هذه الكنائس:
فقال لملاك كنيسة أفسس: "اذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ" (رؤ2: 5).
ونصح ملاك كنيسة سميرنا قائلًا: "لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ" وقال له أيضًا: "كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ" (رؤ2: 10).
وقال لملاك كنيسة برغاموس: "تُبْ وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ سَرِيعًا وَأُحَارِبُهُمْ) أي الهراطقة(، بِسَيْفِ فَمِي" (رؤ2: 16).
ولملاك كنيسة ثياتيرا، وجه الإنذارات إلى الخاطئة إيزابل مع عقوبة. وقال إنه الفاحص الكلى والقلوب وسيعطي كل واحد حسب أعماله (رؤ2: 22، 23). أما عن الباقين، فقال لهم: "لاَ أُلْقِي عَلَيْكُمْ ثِقْلاً آخَرَ، وَإِنَّمَا الَّذِي عِنْدَكُمْ تَمَسَّكُوا بِهِ إِلَى أَنْ أَجِيءَ" (رؤ2: 24، 25).
ولملاك كنيسة ساردس، قال له: "اذْكُرْ كَيْفَ أَخَذْتَ وَسَمِعْتَ، وَاحْفَظْ وَتُبْ، فَإِنِّي إِنْ لَمْ تَسْهَرْ، أُقْدِمْ عَلَيْكَ كَلِصٍّ، وَلاَ تَعْلَمُ أَيَّةَ سَاعَةٍ أُقْدِمُ عَلَيْكَ" (رؤ3: 3).
ولملاك كنيسة فلادلفيا، قال له: "هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا. تَمَسَّكْ بِمَا عِنْدَكَ لِئَلاَّ يَأْخُذَ أَحَدٌ إِكْلِيلَكَ" (رؤ3: 11).
ونلاحظ أن الرب لم يوبخ ملاك فيلادلفيا على شيء، بل على العكس اِمتدحه وباركه، بأنه سيجعل أعداءه يأتون ويسجدون أمام رجليه. وقال له أيضًا: "هَنَذَا قَدْ جَعَلْتُ أَمَامَكَ بَابًا مَفْتُوحًا وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغْلِقَهُ" (رؤ3: 8، 9). كما وعده بأنه سوف يحفظه من ساعة التجربة العتيدة أن تأتي على العالم كله (رؤ3: 10).
وملاك كنيسة اللاوديكيين نصحه الرب أن يشتري منه ذهبًا مصفى بالنار، وثيابًا بيضًا لكي يلبس ولا يظهر خزي عريته (رؤ3: 18). وأراه أن من يحبه الرب يؤدبه (رؤ3: 19).
نلاحظ في رسائل الرب إلى السبع الكنائس عنصر الرجاء في إمكانية الغلبة. فقال لكل منهم "مَنْ يَغْلِبُ" وأتبعها بمكافأة.
حتى بالنسبة إلى كل من سقط ويحتاج إلى التوبة، حتى للذي له اسم أنه حي وهو ميت. وأيضًا بالنسبة إلى الفاتر الذي الرب مُزمع أن يتقيأه من فمه.
وفي الرجاء قال عن عمله في الخاطئين: "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي" (رؤ3: 20).
ما أعظم رقة الرب في أنه يفتح باب الغلبة للكل...
أما عن المكافأة التي وعد بها الرب في تلك الرسائل فهي كثيرة.
قال لملاك كنيسة أفسس: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ" (رؤ2: 7).
وقال لملاك كنيسة سميرنا: "مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي" (رؤ2: 11).
وقال لملاك كنيسة برغاموس: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى، وَأُعْطِيهِ حَصَاةً بَيْضَاءَ، وَعَلَى الْحَصَاةِ اسْمٌ جَدِيدٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ غَيْرُ الَّذِي يَأْخُذُ" (رؤ2: 17).
ولملاك كنيسة ثياتيرا، قال: "مَنْ يَغْلِبُ وَيَحْفَظُ أَعْمَالِي إِلَى النِّهَايَةِ فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ، فَيَرْعَاهُمْ بِقَضِيبٍ مِنْ حَدِيدٍ... وَأُعْطِيهِ كَوْكَبَ الصُّبْحِ" (رؤ2: 26- 28).
ولملاك كنيسة ساردس، قال: "مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ" (رؤ3: 5، 6).
ولملاك كنيسة فيلادلفيا، قال: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ" (رؤ3: 12).
ولملاك كنيسة اللاوديكيين، قال: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" (رؤ3: 21).
بَابٌ مَفتوح في السَماء...
بَابٌ مَفتوح في السَماء...
قال القديس يوحنا الرائي:
"بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ، وَالصَّوْتُ الأَوَّلُ الَّذِي سَمِعْتُهُ كَبُوق يَتَكَلَّمُ مَعِي قَائِلاً: «اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بَعْدَ هذَا».. وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا (كاهنًا) جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ. وَمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ. وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ" (رؤ4: 1- 5).
لقد تدرج الرب مع رسوله يوحنا. ولم ينقله دفعة واحدة إلى السماء.
إنما في الأول ظهر له على الأرض وهو في جزيرة بطمس. ولم يظهر له في عرشه، وإنما "شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ" (رؤ1: 13). ولكن في رؤيا عجيبة: "رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأَبْيَضِ كَالثَّلْجِ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ... وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا" (رؤ1: 14، 16). وبعدما تكلم مع يوحنا، ونما يوحنا في الروح، فتح له بابًا في السماء لكي ينظر. ثم قال له كلمة عجيبة وعميقة، احترت في فهمها، وهي: "اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بَعْدَ هذَا" (رؤ4: 1).
حقًا كيف يمكنه أن يصعد من الأرض إلى السماء، ويدخل من ذلك الباب المفتوح في السماء؟ هنا يقول القديس يوحنا: "وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ".
إن القديس بولس الرسول، حينما صعد إلى السماء الثالثة، وسمع كلمات لا يُنطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها، قال عن حالته وقتذاك: "أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ" (2كو12: 2، 3). لم يكن القديس بولس يعرف كيف تم ذلك؟ وكيف كانت حالته الروحية في ذلك الوقت.
كذلك القديس يوحنا الرائي، "صِرْتُ فِي الرُّوحِ". ولم يقل بعدها "صعدت إلى السماء ورأيت". إنما من تواضعه اكتفى بأن قال: "وللوقت إذا أمامى عرش". طبعًا هذا الذي رآه حينما صعد إلى السماء، بناءً على قول الرب له "اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ"...
ليتنا نلاحظ هذا التدرج في العلاقة بالروح:
في الرؤيا الأولى قال عن نفسه: "كُنْتُ فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ" (رؤ1: 10) والآن يقول: "صِرْتُ فِي الرُّوحِ" (رؤ4: 2). فما الفرق بينهما؟
هنا سيكون في إعلانات أسمى، وفي مناظر أعظم وأعلى وأعمق.
لذلك يحتاج إلى دفعة روحانية أخرى، تعطيه قامة روحية أعلى، يستطيع بها أن يصعد إلى السماء، ويرى أشياء عالية جدًا، ويكتبها.
من أجل هذا قال: "فصرت في الروح" أي أخذت دفعة روحية أكبر. الرب بعد القيامة نفخ في وجوه تلاميذه القديسين، وقال لهم: "اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ" (يو20: 22، 23). فأخذوا سلطان الكهنوت. وفي يوم الخمسين، حل الروح القدس عليهم كألسنة من نار (أع2) فأخذوا موهبة التكلم بألسنة، وكرزوا ونجحوا في الكرازة.
ثم بعد ذلك كانت لهم عطايا أخرى من الروح. فنسمع كلمة الامتلاء من الروح، وعبارة القديس يوحنا الرائي "صِرْتُ فِي الرُّوحِ".
لقد أخذوا نفخة الروح، وحلّ عليهم الروح، وامتلأوا من الروح، وصاروا يأخذون من الروح أكثر. ونحن ما هو وضعنا؟
نقرأ عن هؤلاء الآباء الرسل، فتصغر نفوسنا بالمقارنة...
إن القديس بولس الرسول، على الرغم من كل ما أخذه من الروح، وعلى الرغم من اختطافه إلى السماء الثالثة، فإنه يقول: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ" (في3: 13، 14).
ما هو هذا السعي إلى قدام، الذي يسعاه هذا الرسول العظيم؟!
ونحن ههنا قابعون على الأرض: لم نصعد إلى شيء مما صعده أولئك الآباء، ولم ننال شيئًا مما نالوه. لكننا نقرأ عن سيرهم، ونتأمل...
يقول القديس يوحنا الرسول: "نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ".
إن أول شخص رأى هذا الباب المفتوح في السماء هو يعقوب أبو الآباء.
وذلك حينما رأى سلمًا بين السماء والأرض، ورأى الملائكة صاعدين ونازلين عليه، من أعلاه كلمة الله. فقال أبونا يعقوب: "مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ" (تك28: 17).
إنها أول مرة نقرأ فيها عبارة "بَابُ السَّمَاءِ". وهوذا القديس يوحنا الرائي يقول: "نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ".
أما نحن فإننا ننظر إلى السماء، ولا نرى إلا السحب والغيوم، وقد نرى الشمس والقمر والنجوم، وليس أكثر. أما القديس يوحنا، فرأى بابًا مفتوحًا في السماء. وأي سماء؟ إنها التي قيل عنها: "السَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ" (مت5: 34) أي عرش الله.
وكان القديس يوحنا أول من شرح لنا ما هو داخل باب السماء...
إنه شرح ذلك، بعد أن قال الرب: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" (رؤ3: 21).
وهنا يبدو التتابع بين آخر الأصحاح الثالث من سفر الرؤيا، وأول الأصحاح الرابع منه.
القديس يوحنا رأى عرش الله ووصفه، وتمتع بمذاقة الملكوت.
كثير من القديسين يتمتعون بمذاقة الملكوت وهم على الأرض. بل لقد قال بعض الآباء: "الذي لا يذوق ملكوت الله على الأرض، لا يمكن أن يتمتع به في السماء". لاحظوا أنه قال: "ملكوت الله، وليس ملكوت السماوات". ذلك لأن: "مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ" (لو17: 21) في القلب وفي العقل.
وما أجمل ما قاله داود النبي في مزاميره عن مذاقة الملكوت، قوله: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!" (مز34: 8).
أخشى ما أخشاه أيها الأحباء أن نذهب إلى السماء كغرباء، ليست لنا علاقة بها، لم نذق شيئًا من أمورها السماوية! ولم نعرف أهلها!
بينما يقول القديس بولس الرسول: "فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ" (أف2: 19).
فهل لكلٍ منا صداقة مع هؤلاء القديسين وأهل بيت الله؟ هل لنا معرفة عميقة وعلاقة وطيدة مع أهل بيت الله من الملائكة الرسل والأنبياء والشهداء وأبطال الإيمان وآباء البرية ورعاة الكنيسة؟ حتى إذا ما صعدنا إلى السماء، لا نجد أنفسنا غرباء عنهم، ولا هم غرباء عنا، بل نجد أنفسنا أهل بيت الله...
ليت كل واحد منا يكوّن له علاقة بالسماء قبل ذهابه إليها. من الآن، كوّنوا علاقة وصداقة مع سكان السماء.
إن قول يوحنا الرسول: "نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ" تذكرنا بعتاب ضمني في قول الرب: "هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ" (رؤ3: 20).
إن الرب واقف يقرع على أبوابنا المغلقة، لعلنا نفتح له فيدخل ويتعشى معنا، بينما بابه مفتوح أمامنا في السماء، كما رآه يوحنا. إن معاملتنا لله، غير معاملته هو لنا. هذا الذي يأتي: "طَافِرًا عَلَى الْجِبَالِ، قَافِزًا عَلَى التِّلاَلِ" (نش2: 8). يقول لكل نفس من نفوسنا: "اِفْتَحِي لِي يَا أُخْتِي، يَا حَبِيبَتِي، يَا حَمَامَتِي، يَا كَامِلَتِي! لأَنَّ رَأْسِي امْتَلأَ مِنَ الطَّلِّ، وَقُصَصِي مِنْ نُدَى اللَّيْلِ" (نش5: 2)، وهو يقرع على أبوابنا المغلقة أمامه!!
وهكذا يقول الرب: "إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْه" (رؤ3: 20) "إن سمع، إن فتح" إنها عبارة عتاب عميقة ومؤثرة...
جميل هو قول القديس يوحنا الرائي: "نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ" وقول الرب له: "اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ". عبارات معزية بلا شك.
إن الله هنا، هو الذي يبدأ معنا، وهو الذي يدعو...
لذلك يا أخي، إن سرت في الأرض، ووجدت أبواب الناس مغلقة في وجهك، فتذكر أن هناك بابًا مفتوحًا في السماء.
إن ضاقت الدنيا أمامك، وأوصدت كل السبل على الأرض... إن دعوت وليس من مجيب، وبحثت وليس من صديق... اذكر هذه العبارة فتتعزى "نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ".
إنها عبارة يقولها كل إنسان في ضيقة، أو هي مرسلة لكل إنسان في ضيقة...
بل إن كنت خاطئًا، ولم تُفتح لك أبواب التوبة، ولم تستطع أن تتخلص من الخطية، فاذكر الباب المفتوح في السماء.
وقل للرب الذي يفتح ولا أحد يغلق (رؤ3: 7). قل له بكل إيمان وتضرع: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ" يا رب (إر31: 18). حينئذ سترى بابًا مفتوحًا في السماء، من الله الذي لا يشاء موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا (حز18: 23).
صحيح إن عبارة الباب المفتوح في السماء، قد قيلت من القديس يوحنا في مجال آخر، ولكن لها معنى معزّ ننتفع به.
المهم أننا نرفع أنظارنا إلى السماء، لنرى بابها المفتوح لنا.
لأننا للأسف، كلما نقع في مشاكل أو ضيقات، نلتفت باستمرار إلى الأبواب التي على الأرض، ونادرًا ما ننظر إلى باب مفتوح في السماء! وهكذا نضيّع رجاءنا عبثًا، بينما إن رفعنا نظرنا إلى فوق إلى السماء، يزول منا القلق واليأس، ونتخلص من التعب والضيقة.
والأمثلة كثيرة في الكتاب المقدس وفي تاريخ الكنيسة:
كان الشعب في قلق أمام البحر الأحمر، والعدو خلفه. ولكن موسى النبي نظر وإذا باب مفتوح في السماء. فطمأن الشعب قائلًا: "الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 14). ونفس الوضع عندما نزل لهم المن من السماء، وحينما ضرب الصخرة فتفجر منها الماء.
أيضًا حينما ألقوا دانيال النبي في جب الأسود، كان أمامه باب مفتوح في السماء، نزل منه ملاك فسدّ أفواه الأسود (دا6: 22).
كان هناك أيضًا باب مفتوح في السماء، خرج منه ملاك فأنقذ بطرس الرسول من السجن (أع12: 7- 9). وحدثت معجزة مماثلة مع بولس الرسول (أع16: 25- 27).
كذلك كم حدث مع القديس أثناسيوس الرسولي من مرات انفتح فيها باب في السماء، فأنقذه فيما لاقاه من اضطهادات لأجل الإيمان.
القديس يوحنا الرائي انفتح أمامه باب في السماء دون أن يطلب.
لا هو طلب هذا الباب المفتوح، ولا طلب أن يرى كل ما رآه من الإعلانات السمائية. وهكذا غالبية عطايا الله يعطيها لنا دون أن نطلب. يقول لنا: "وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (مت6: 33) "لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ" (مت6: 8).
هذا هو الباب المفتوح في السماء، الذي يقول صاحبه إنه "يَفْتَحُ وَلاَ أَحَدٌ يُغْلِقُ"، وبهذا الباب المفتوح يرى المؤمن أن كل أموره أصبحت متيسرة وسهلة وموفقة. لذلك أفضل شيء لنا أننا لا نحفر لنا في الأرض "أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر2: 13). بل نبحث عن الباب السماوي المفتوح لنا.
المهم أن نحتفظ بهذا الباب مفتوحًا أمامنا على الدوام.
وهكذا يصلي الكاهن وهو يسدل ستر الهيكل، ويقول: "اجعل يا رب باب بيعتك مفتوحًا أمامنا في كل زمان، وإلى آخر الزمان. ولا تغلق باب بيعتك في وجوهنا". وهذه البيعة المقدسة تشّبه بالسماء. بابها باب السماء.
قال الرب ليوحنا الرائي: "اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ".
ولقد احترت كثيرًا أمام هذه العبارة! كيف يمكن يا رب أن يصعد إنسان إلى السماء، ويدخل من الباب المفتوح في السماء! والعجيب أن الرب قال هذه العبارة لإنسان منفي في جزيرة نائية، لم يجد حنانًا على الأرض، ولم يجد عدلًا على الأرض. وربما أي إنسان في مثل موقفه يظن أن الرب قد تخلى عنه وأسلمه إلى أيدي أعدائه...!
هذا الأسير المنفي أغلقت أمامه أبواب الأرض، ففتح له الله بابًا في السماء. وقال له: "اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ"... ويريه العرش الإلهي والقوات السمائية المحيطة بعرش الله... ولم يظهر له هذه الرؤيا وهو في أورشليم أو في الهيكل، بل في جزيرة بطمس، في النفي!
حقًا إن ملكوت الله لا يأتي بمراقبة. لا نعرف متى يكلمنا الروح، ولا متى يدعونا. ولكن المهم أن نكون مستعدين لنداء الروح ولعمله فينا. نفتح له قلوبنا، فيفتح لنا الرب بابًا في السماء.
نكون مستعدين أننا نصعد في مستوانا الروحي، حتى يقول الرب لنا: "اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ...". وهكذا يصعدنا إلى فوق، إن صرنا في الروح.
عَرش اللَـه
عَرش اللَـه
قال القديس يوحنا الرائي:
"وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. وَكَانَ الْجَالِسُ فِي الْمَنْظَرِ شِبْهَ حَجَرِ الْيَشْبِ وَالْعَقِيقِ، وَقَوْسُ قُزَحَ حَوْلَ الْعَرْشِ فِي الْمَنْظَرِ شِبْهُ الزُّمُرُّدِ. وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ. وَمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ. وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ" (رؤ4: 2- 5).
هناك عبارة لم أستطع يا أخوتي أن أفهمها، ولا أظن أنني سأفهمها في يوم من الأيام، لأن فهمها فوق طاقة عقلي...!
من الجائز أن الروح يعطي شيئًا من المعرفة، أما فهم العقل، فلا. اُنظروا ماذا يقول القديس في رؤياه: "وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ".
أما الذي لم أفهمه في هذه العبارة فهو هذا:
كيف استطاع يوحنا أن يرى الله، ويصفه لنا؟!
وأن يراه وهو جالس على عرشه! هذا أمر فوق طاقتي أن أفهمه. القديس يوحنا نفسه، يقول في إنجيله: "اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو1: 18). أي أنه لم ير أحد الله الآب. ولما أراد أن يعطينا فكرة عنه، قدم لنا ابنه في الجسد، هذا الذي قال: "اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ" (يو14: 9).
فكيف رأيت الله على عرشه أيها الرسول القديس؟!
لقد قال الرب لموسى النبي: "لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ" (خر33: 20).
وقال الرب لموسى: "فَتَقِفُ عَلَى الصَّخْرَةِ. وَيَكُونُ مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي، أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ، وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي حَتَّى أَجْتَازَ. ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي، وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى" (خر33: 21 – 23).
موسى العظيم الذي قضى أربعين يومًا مع الله. موسى أعظم نبي في العهد القديم، لم يستطع أن يرى وجه الله. ولما رأى بكل احتياط شيئًا من مجد الله، صار وجهه يلمع، حتى أن بني إسرائيل خافوا أن يقتربوا إليه، فجعل على وجهه برقعًا (خر34: 29- 33).
وأنت يا أبي يوحنا، كيف صعدت إلى السماء، ورأيت الله جالسًا على عرشه، وأخذت تصفه لنا؟! لست أفهم...
إن القديس يوحنا نفسه في أول سفر الرؤيا، قال إنه لما رأى الرب، وهو شبه ابن إنسان: "سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ" (رؤ1: 13- 17).
ذلك لأنه على الرغم من ظهوره شبه ابن إنسان، كان "وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا... وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَار"ٍ.
"وَأَمَّا رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأَبْيَضِ كَالثَّلْجِ" (رؤ1: 16، 14). فخاف يوحنا ووقع كميت.
إذًا كيف في هذه الرؤيا، استطاع أن يرى عرش الله، ويصف هذا الجالس على عرشه؟! أنا في حيرة من أمري ومن أمره...
هل قوله: "صِرْتُ فِي الرُّوحِ" (رؤ4: 2)، تعني أنه صار في حالة روحية فائقة يمكن فيها أن يرى الله، لأن الإنسان في الجسد لا يستطيع أن يرى الله ويعيش؟!
إن الآية الوحيدة التي تفتح لي طاقة من النور لأفهم هي:
"الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ" (1كو2: 10).
وقد كان يوحنا: "فِي الرُّوحِ فِي يَوْمِ الرَّبِّ" (رؤ1: 10). وقال أيضًا: "صِرْتُ فِي الرُّوحِ" (رؤ4: 2) قبل أن يرى عرش الله.
أما قول الرب لموسى إن الإنسان لا يمكن أن يراني ويعيش، فتعني أن الإنسان في هذا الجسد المادي الهيولي لا يستطيع أن يرى وجه الله. ولكن عندما تنطلق الروح من هيولية هذا الجسد، ولو على الأرض، وتصعد إلى فوق، حينئذ تفحص كل شيء حتى أعماق الله!
مبارك هو الرب الذي أعطانا مثل هذه الروح، في كل قوتها وفي إمكانياتها. وفي كل ما يصبغه عليها من النعمة، حتى تستطيع أن ترى ما لا يُرى، وأن ترى الرب وتعيش.
هناك طريقة أخرى نستطيع أن نرى الله، وهي قوله:
"طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ" (مت5: 8).
يعاينون الله غير المرئي، غير المدرك، غير المفحوص، الذي هو "نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ" (1تي6: 16). فبنقاوة القلب يمكن أن نراه.
أما ونحن في النجاسة والدنس وفي وسخ الخطية، أما ونحن في الجسد الخاطئ الذي أذلته خطايا العالم، فلن نستطيع أن نرى الله. خطايانا مثل حائط كثيف يفصل بيننا وبين الله، ومثل غشاوة حول العينين تحجب الرؤية لا نستطيع أن نبصر الله، لأننا في الجسد، نسلك حسب الجسد.
أما القديس يوحنا الرائي، فقال عبارته العميقة "صِرْتُ فِي الرُّوحِ" أي أنه تخلى عن كثافة الجسد الهيولي، وصار نقيًا في الروح، واستطاع في روحانية أن يصعد إلى السماء. ويرى عرش الله...
وهنا سؤال أوجهه إلى أبي القديس: ما هو العرش الذي رأيته؟ أليست السماء هي عرش الله، أو هي كرسي الله؟
كما قال السيد الرب: "لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ" (مت5: 34). وكرسي الله أي عرشه.
وما دام الله غير محدود، يكون عرشه أيضًا غير محدود. السماء أيضًا لا تسعه. كما نقرأ هذا في صلاة سليمان الملك عند تدشين الهيكل، حينما قال للرب: "هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ، فَكَمْ بِالأَقَلِّ هذَا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَيْتُ؟" (1مل8: 27).
فإن كانت السماء هي عرش الله، وإن كانت سماء السماوات لا تسعه فما هو ذلك العرش الذي رآه يوحنا الرسول؟
ما رآه يوحنا كان مجرد رمز لعظمة الله، كان قبسًا بسيطًا من عظمته، فالله أعظم وأكبر من أن يراه إنسان محدود.
لقد أراد الله أن يعطينا شيئًا من المعرفة عن ذاته، بما تستطيع عقولنا أن تدركه، وكفى... مجرد فكرة بسيطة.
ولكي نفهم هذا الأمر بأسلوب بسيط أضرب مثلًا، لنفرض أن عالمًا عظيمًا في الرياضيات كأينشتاين مثلًا، أتاه تلميذ في التعليم الابتدائي يسأله سؤالًا: هل يستطيع أينشتاين العظيم أن يفرغ علمه في الرياضيات في عقل طفل كهذا؟! كلا، بل لكي يفهم هذا الطفل، يظل أينشتاين ينزل إلى مستواه، وينزل إلى الحد الذي يفهمه هذا الصغير.
وعلى هذا القياس، عندما يكشف لنا الله ذاته، يكشف لنا شيئًا بسيطًا من نوره ومن مجده ومن جلاله، ومن كمال صفاته، على قدر ما تحتمل قلوبنا الرضيعة أن تنهل ولو قطرة من لبن معرفته.
قال يوحنا: نظرت وإذا عرش في السماء وعلى العرش جالس.
هذا الجالس لا أستطيع أن أدركه، فإدراكه فوق طاقتي.
وطبعًا لا يوجد في السماء عرش يجلس عليه أحد سوى الله. هنا نرى الله في السماء ملكًا يجلس على عرشه. وليس كما رأيناه عندما أخلى ذاته وتجسد: في مزود، أو على جبل التجلي، أو على شاطئ البحيرة، أو على جبل الجلجثة وعلى خشبة الصليب. "لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ... وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ" (إش53: 2).
إنما نراه هنا على عرشه مثل صورة الله الـــ PANTOKRATOR ضابط الكل الذي نراه في شرقية الهيكل، وعرشه محمول على الأربعة أحياء: الأول شبه أسد، والثاني شبه الثور، والثالث شبه نسر، والرابع شبه إنسان، محمولًا على الشاوربيم.
يقول القديس يوحنا: "وَكَانَ الْجَالِسُ فِي الْمَنْظَرِ شِبْهَ حَجَرِ الْيَشْبِ وَالْعَقِيقِ، وَقَوْسُ قُزَحَ حَوْلَ الْعَرْشِ فِي الْمَنْظَرِ شِبْهُ الزُّمُرُّدِ" (رؤ4: 3).
اليشب والعقيق والزمرد. كلها أحجار كريمة ثمينة جدًا، لست أدري كيف وصل القديس يوحنا الرسول إلى معرفتها، وقد كان صيادًا فقيرًا بعيدًا عن هذه الجواهر. لعله كشف من الله له.
وهكذا نرى سفر الرؤيا فيه إشارات كثيرة إلى هذه الأحجار الكريمة، وبخاصة حينما تحدث عن المدينة المقدسة أورشليم الجديدة في الأصحاح الحادي والعشرين. فذكر اثني عشر نوعًا من الجواهر في أساسات المدينة، وقال إن كل باب من أبوابها الاثني عشر من لؤلؤة واحدة، والمدينة ذهب نقي (رؤ21: 18- 21). هذا ما رآه وما كشفه له الله.
منظر الجالس شبه حجر اليشب والعقيق، تذكرنا بسفر النشيد حيث تقول العروس عن الرب: "حَبِيبِي أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ" (نش5: 10).
فحجر اليشب حجر شديد الشفافية، والعقيق حجر كريم أحمر اللون، وهكذا يكون وصف الجالس على العرش كما في سفر النشيد، أبيض وأحمر. أبيض في نقاوته، وأحمر في فدائه. أبيض في نوره، وأيضًا أحمر في ناره. لأن إلهنا نور ونار. ونقول عن السيد المسيح أنه: "نور من نور" نور مولود من نور. والله نار كما يقول الكتاب: "إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ" (عب12: 29) والروح القدس، روح الله، يشبه بالنار.
وقال القديس يوحنا: وَقَوْسُ قُزَحَ حَوْلَ الْعَرْشِ... شِبْهُ الزُّمُرُّدِ.
وحديثه عن قوس قزح يذكر بوعد الله بعد رسو فلك نوح.
أبونا نوح قدم محرقات، واشتم منها الله رائحة الرضا (تك8: 20، 21). وقال الله: "أُقِيمُ مِيثَاقِي مَعَكُمْ فَلاَ يَنْقَرِضُ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَيْضًا بِمِيَاهِ الطُّوفَانِ... وَضَعْتُ قَوْسِي فِي السَّحَابِ فَتَكُونُ عَلاَمَةَ مِيثَاق بَيْنِي وَبَيْنَ الأَرْضِ. فَمَتَى كَانَتِ الْقَوْسُ فِي السَّحَابِ، أُبْصِرُهَا لأَذْكُرَ مِيثَاقًا أَبَدِيًّا بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ فِي كُلِّ جَسَدٍ عَلَى الأَرْضِ... فَلاَ تَكُونُ أَيْضًا الْمِيَاهُ طُوفَانًا لِتُهْلِكَ كُلَّ ذِي جَسَدٍ" (تك9: 11- 16).
إذًا قوس قزح هو رمز أنه لا يكون فناء للبشرية فيما بعد. وحسن أن القديس يوحنا رآه حول عرش الله، ليذكرنا بميثاق الله الذي يرمز إلى الخلاص من الفناء. وهو شبه الزمرد. والزمرد لونه أخضر. والخضرة رمز للهدوء وللسلام.
ثم تحدث القديس يوحنا عن الأربعة والعشرين كاهنًا الجلوس عند عرش الله على كراسيهم، وعن أربعة وعشرين إكليلًا من ذهب على رؤوسهم.
حقًا إن كان مجد ليوحنا الرسول أن يصعد ويرى عرش الله، فكم هو أعظم بالأكثر أولئك المقيمون بصفة مستمرة حول العرش الإلهي، ولهم عروش حوله، ويتمتعون بصحبة الرب على الدوام، وليس بلقاء عابر كما حدث ليوحنا في رؤياه في يوم ما صعد فيه إلى السماء.
إنني أشعر بهيبة كبيرة أمام هؤلاء القديسين الأربعة والعشرين قسيسًا، الجالسين على عروشهم في حضرة الله.
وعجيب أنهم جلوس بينما نقول للرب: "أنت هو القيام حولك (أي الوقوف) الملائكة ورؤساء الملائكة والسلاطين والأرباب".
إذًا ما أعظم هؤلاء الجالسين حول عرش الله.
ومما يزيد عظمتهم أن لهم أكاليلًا من ذهب على رؤوسهم.
أي يلبسون تيجانًا. فهم إذًا ملوك، أو هي تيجان الكهنوت. أو هم بذلك ملوك وكهنة، كما قيل في أول سفر الرؤيا: "وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً" (رؤ1: 6). هم ملوك لأنهم يجلسون على عروش، ولأنهم يلبسون تيجانًا، بل قيل عن تيجانهم إنها من ذهب، رمزًا إلى عظمتها. أما عن كونهم كهنة، فلأنه قيل عنهم: "وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ" (رؤ5: 8).
وقد اِحتار البعض في من يكونون هؤلاء الأربعة والعشرين؟
قيل إن رقم 24 يرمز إلى 12 سبطًا في العهد القديم، و12 رسولًا في العهد الجديد، أي إلى القيادات الدينية في العهدين.
وقد وعد الرب تلاميذه بأنهم يجلسون على كراسي ليدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر (لو22: 30) وفي سفر الرؤيا ذكر عن أورشليم السمائية إن لها 12 بابًا وعليها أسماء مكتوبة هي أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر.
بينما أساسات المدينة الــ 12 عليها أسماء رسل المسيح الاثني عشر (رؤ21: 12، 14). الأبواب لأن المدخل إلى العهد الجديد هو العهد القديم، والأساسات في العهد الجديد. لأن الرسل هم الذين أسسوا الكنيسة، كما قيل: "مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ" (أف2: 30).
حَــول العَـــرش
حَــول العَـــرش
قال القديس يوحنا الرائي:
"وَمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ. وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ. وَقُدَّامَ الْعَرْشِ بَحْرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّورِ. وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ: وَالْحَيَوَانُ الأَوَّلُ شِبْهُ أَسَدٍ، وَالْحَيَوَانُ الثَّانِي شِبْهُ عِجْل، وَالْحَيَوَانُ الثَّالِثُ لَهُ وَجْهٌ مِثْلُ وَجْهِ إِنْسَانٍ، وَالْحَيَوَانُ الرَّابِعُ شِبْهُ نَسْرٍ طَائِرٍ. وَالأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ حَوْلَهَا، وَمِنْ دَاخِل مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا، وَلاَ تَزَالُ نَهَارًا وَلَيْلاً قَائِلَةً: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأْتِي" (رؤ4: 5- 8).
يقول: "وَمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ".
هذا كله دلائل على قوة الله، وهيبة الله، ومجد الله.
هذا المنظر ظهر حينما نزل الله على الجبل ليعطي الوصايا العشر. إذ ورد في سفر الخروج: "وَحَدَثَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ أَنَّهُ صَارَتْ رُعُودٌ وَبُرُوقٌ وَسَحَابٌ ثَقِيلٌ عَلَى الْجَبَلِ، وَصَوْتُ بُوقٍ شَدِيدٌ جِدًّا. فَارْتَعَدَ كُلُّ الشَّعْبِ الَّذِي فِي الْمَحَلَّةِ. وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ، وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ، وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا" (خر19: 16- 18).
لاحظوا أن المنظر الذي رآه القديس يوحنا، هو عن الأيام الأخيرة والدينونة. ولكن عندما جاء المسيح في تجسده، لم يأتِ ببروق ورعود. أما في الدينونة، فالبروق والرعود إشارة إلى هيبة الجالس على العرش وجلاله كملك السماء. فالسماء تظهر إجلالها له بالرعود والبروق.
يقول: "وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ".
"سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ" تعني السبعة أرواح التي لله، أي السبعة رؤساء الملائكة، لأن الملائكة أرواح. كما قيل في المزمور: "الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً" (مز104: 4). ولأنهم نار تلتهب، قيل عنهم: "سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ". وكلمة "نار" هنا، لا تعني نارًا مادية، إنما هي رمز لقوتهم ونشاطهم.
وتفسير هذه الأرواح بأنهم رؤساء الملائكة، لأن الحديث كله في - هذا الفصل - هو عن القوات السمائية المحيطة بعرش الله.
وقد ورد من أسماء رؤساء الملائكة هؤلاء: ميخائيل في سفر دانيال النبي (دا10) وفي سفر الرؤيا (رؤ12)، وغبريـال أي جبرائيل في البشارة بميلاد السيد المسيح، وميلاد يوحنا المعمدان (لو1) ورافائيل في سفر طوبيا.
وقال أيضًا: "وَقُدَّامَ الْعَرْشِ بَحْرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّورِ".
يرى البعض أن بحر الزجاج هذا يرمز إلى التطهر قبل الوصول إلى عرش الله. لأنه إن كان قد قيل في المزمور الخمسين: "اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ" (مز51: 7)، فإن البلّور أكثر بياضًا ولمعانًا من الثلج.
ومن الناحية الأخرى، فإن بحر البلّور هذا، يعكس جمال العرش الإلهي، وجمال القوات السمائية المحيطة به.
وقد يرمز بحر الزجاج هذا إلى الاغتسال قبل الاقتراب إلى العرش، كما قيل: "لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا" (1كو6: 11). وقيل أيضًا: "لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ... مُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ" (عب10: 22).
فأنت على الأرض بالتوبة تبيض أكثر من الثلج. أما في الملكوت، فتكون لك شفافية ولمعان البلّور، بعد أن تطرح الجسد المادي.
قال: "وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ".
هذه الأربعة حيوانات، أو الأربعة أحياء غير المتجسدين، ترمز إلى الكاروبيم، وتذكرنا بنفس الرؤيا التي رآها حزقيال النبي (حز1) عند نهر خابور، بنفس الوجوه الأربعة، وهي ملآنة عيونًا (حز1: 10، 18).
إنها حول العرش ووسط العرش، أي قريبة منه جدًا، وبالتالي فهم يعرفون الله أكثر من غيرهم، ويدركون جلاله ويدركون جماله.
وكثرة عيونهم، تعني معرفتهم الواسعة. وكون العيون من قدام ومن وراء، يعني أنهم ينظرون في كل اِتجاه، ويرون الأمور من كافة نواحيها. ولهذا فإن البعض فسّر الكاروبيم بأنهم يرمزون إلى ملء المعرفة.
إنها ترى من قدام ومن وراء. بعكسنا نحن البشر الذين نرى من قدام فقط.
نرى من الشيء ما يظهر منه، ولا ندرك ما يختفي وراءه، أو ننظر إلى الأمور من زاوية واحدة دون أن نلّم بالكل. أو نسمع الكلام من وجهة نظر واحدة، دون معرفة وجهة النظر الأخرى التي ترد عليه.
إن الإنسان الذي له فقط عيون من قدام، إنما يؤثر عليه ما يراه وما يسمعه، دون أن يدرك خلفياته. وينطبق عليه قول الشاعر:
أثرّ البهتـــــان فيــــه وأنطـــــوى الزور عليــــهِ
يا لـه من ببغــــــــــــاءِ عقله في أذنيـــــــــــــــــــــهِ
أما الكاروبيم، أو هؤلاء الحيوانات الأربعة، فلهم عيون من قدام ومن وراء، يدركون الأمور من كل ناحية.
الحيوان الأول شبه أسد، والثاني شبه الثور. والثالث له وجه مثل وجه إنسان. والرابع شبه نسر طائر.
الحيوان الأول شبه أسد، يمثل القوة والشجاعة والجرأة.
والثاني شبه الثور، يمثل الاحتمال والصبر والجلَد.
والثالث له وجه شبه إنسان، يمثل الحكمة والعقل والمعرفة.
والرابع شبه النسر، يمثل النشاط والانطلاق إلى فوق، والعلو وعدم السقوط. فالحيوانات الأربعة إذًا تمثل كل هذه الصفات...
ومن هنا نأخذ درسًا: أن الخدام الذين يريدهم الله، يكونون من هذا النوع. لهم الشجاعة التي يحملون بها رسالته، ويتكلمون بكلمته بغير خوف. ولهم صبر واِحتمال في كل ما يصيبهم. وأيضًا لهم حكمة بها ينشرون الكلمة بعقل ومعرفة. ولهم نشاط وسموٍ في خدمتهم.
على أن الحيوانات الأربعة تمثل أمورًا أخرى.
الحيوان الأول شبه الأسد، يمثل الله كملك، وأولاد الله أيضًا كملوك. والثاني شبه الثور يمثل الذبائح التي كانت تقدم لله، وكذلك يمثل الكهنوت. كما قيل في سفر الرؤيا: "وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً" (رؤ1: 6). أما الذي له وجه إنسان فيمثل العبادة. والذي له وجه نسر طائر، فأنه في تحليقه العالي المرتفع إلى السماء، فيمثل القلب المتسامي إلى فوق، في علوه نحو الله.
وأيضًا هذه الحيوانات الأربعة ترمز إلى الإنجيليين الأربعة.
فكل واحد من الإنجيليين الأربعة نضع أمامه صورة أحد هذه الحيوانات الأربعة. فالأول شبه أسد، لأن أول إنجيل قد كُتب هو إنجيل مار مرقس الذي يمثله الأسد، والذي يبدأ بصوت صارخ في البرية كصوت أسد.
والثاني شبه الثور، يرمز إلى إنجيل معلمنا لوقا الذي يبدأ بكهنوت زكريا وبالذبائح التي قدمت عن السيد المسيح (لو1: 8) (لو2: 11- 24).
والثالث شبه إنسان، يرمز إلى إنجيل متى الذي بدأ بنسب السيد المسيح كإنسان ابن داود ابن إبراهيم (مت1: 1).
والرابع شبه نسر، يمثل يوحنا الذي اِرتفع بالحديث عن لاهوت الابن الكلمة، الذي به كان كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان.
والحيوانات الأربعة ترمز أيضًا إلى السيد المسيح وعمله لأجل رعيته.
فالحيوان الأول شبه الأسد يرمز إلى المسيح الملك، الذي قيل إنه: "مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ" (رؤ19: 16) والذي قيل عنه أيضًا: "هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ" (رؤ5: 5).
والثاني شبه الثور، يرمز إلى السيد المسيح كذبيحة عن خطايانا، هذا الذي بذل ذاته عنا، فأصبح يمثل الذبائح القديمة.
والثالث شبه إنسان، لأن السيد المسيح لما أراد أن يفدينا: "أخلى ذاته وصار في الهيئة كإنسان" (في2: 7، 8). ودُعي ابن الإنسان.
والرابع شبه النسر، يمثل السيد المسيح في صعوده إلى السماء، وفي أنه رفع الناس بفدائه إلى السماء. كما قال: "وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ... أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ" (يو12: 32).
والأربعة حيوانات، لكل واحد منها ستة أجنحة (رؤ4: 8).
وكما نقول في القداس الإلهي عن هذه الأجنحة الستة: "بجناحين يغطون وجوههم، وباثنين يغطون أرجلهم، ويطيرون باثنين". ولعل هذا الوصف مأخوذ من سفر إشعياء النبي (إش6: 2).
يغطون وجوهم بمشاعر من الخشوع. فهؤلاء الممتلئون أعينًا يعطون أعينهم خشوعًا، حتى لا يتفرسون في مجد الله. وهذا درس لنا، حتى لا تتشاغل حواسنا بشيء أثناء الصلاة، وبخاصة في الكنيسة.
وبجناحين يغطون أرجهلم كناية عن الحشمة. وهو درس للفتيات اللائي يكشفن أرجلهن. فإن كان الملائكة يغطون أرجلهم، فكم بالأولى البشر.
ويطيرون بجناحين، وهم مغطون وجوههم وأرجلهم، أي من فوق ومن تحت. وبهذا الخشوع وهذه الحشمة يسبحون الله.
ويقولون: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأْتِي".
القديس يوحنا، بعد ما رأى عرش الله، ووصفه لنا، يتحدث الآن عن تسبيح الكائنات السمائية المحيطة بالعرش.
فهؤلاء الأحياء الأربعة، بعد أن رأوا جمال الله، وارتووا من محبته، لم يستطيعوا أن يسكتوا. كانوا في ملء الفرح والإحساس بجلال الله، فلم يقدروا أن يكتموا مشاعرهم، ولا أن يكبتوا إحساسهم الجواني. فأصبحوا "نَهَارًا وَلَيْلاً قَائِلَةً: قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ".
وعبارة "نَهَارًا وَلَيْلاً" تعني الاستمرارية والدوام، لأنه لا يوجد ليل في السماء (رؤ21: 25). إنما عُبّر هنا عن تتابع الوقت.
وتسبحة الثلاثة تقديسات هذه التي صدرت من الكاروبيم، إنما تذكرنا أيضًا بتسبحة السارافيم، كما وردت في سفر إشعياء (إش6).
إنهم يسبحون الله في قداسته، وفي قدرته على كل شيء، وفي كينونته أيضًا: في الماضي، والحاضر والمستقبل.
أنا متعجب كيف اِستطاع هؤلاء الأحياء الأربعة، أن يحتملوا النظر إلى الله وعرشه! كثيرون لا يستطيعون النظر إلى الشمس في قوتها، فكيف يمكن النظر إلى الله وعرشه؟! لعله من أجل هذا، قيل إنهم بجناحين يغطون وجوههم...
إنهم يسبحون الله. لعلنا نلاحظ أنهم لم يطلبوا شيئًا، كما نفعل نحن كلما وقفنا للصلاة!
بل هم يسبحون فقط، متأملين في صفات الله الجميلة... الله القدوس، القادر على كل شيء. الكائن والذي كان، والذي يأتي...
نحن نسبح الله "الذي يأتي"، لأننا ننتظر مجيئه. أما الملائكة الذين حول العرش، فلا ينتظرون مجيئه. لأنه معهم في كل حين...
لكنهم في هذه العبارة، ينوبون عنا، ويعبرون عن مشاعرنا نحن، ويذكرون أن الله سوف يأتي، إلينا نحن، وليس إليهم هم القائمين أمامه، الذين هم "وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ".
إن قداسة الله هي موضع تسبيح الملائكة، الكاروبيم والسارافيم. وقد أعطينا نحن البشر أن نشترك معهم بتسبحة الثلاثة تقديسات، التي نقولها كل يوم في صلواتنا، كما نقول له في قداساتنا أيضًا: قدوس قدوس قدوس. ذلك لأنه وحده قدوس (رؤ15: 4).
وكما أنه هو وحده قدوس، كذلك هو وحده القادر على كل شيء Almighty. وهذا اللقب يُعطى للآب وللابن أيضًا.
لأنه "مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهذَا يَعْمَلُهُ الابْنُ كَذلِكَ" (يو5: 19).
وما دام الكاروبين قد قالوا: "الَّذِي يَأْتِي... الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (رؤ4: 8)، والذي يأتي هو الابن. إذًا الابن قادر على كل شيء. وهذا نفس ما ورد في (رؤ11: 17). "نَشْكُرُكَ أَيُّهَا الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي" وما أكثر الأمثلة في سفر الرؤيا.
التمجيد والخشوع والسِفر المختوم
التمجيد والخشوع والسِفر المختوم
قال القديس يوحنا الرائي:
"وَحِينَمَا تُعْطِي الْحَيَوَانَاتُ مَجْدًا وَكَرَامَةً وَشُكْرًا لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، الْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ قَائِلِين: أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ" (رؤ4: 9- 11).
كلمة "تعطي مجدًا" معناها تعترف بمجده.
فالله لا ينقصه مجدًا يأخذه من أحد، ولا يحتاج إلى مجد من أي أحد من مخلوقاته. إنما مخلوقاته من القوات السمائية ومن البشر. تشعر بمجد الله، وتعترف بهذا المجد، أو تنطق بهذا المجد، فيُقال إنها تمجده.
ونحن في الكنيسة نعطي مجدًا لله، أي نعترف بمجده، فنقول: "المجد للآب والابن والروح القدس" "المجد لك يا محب البشر" كما هتفت الملائكة عند ميلاد السيد المسيح قائلة: "المجد لله في الأعالي". كلها تمجيد تسمى في التسبحة "ذكصولوجيات".
وما نقوله عن المجد نقوله عن الكرامة. فتعطي لله كرامة أي تعترف بكرامته أو تنطق بكرامته.
فالأحياء الأربعة في تمجيد الله قالوا: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ" (رؤ4: 8).
وهذا مجرد اعتراف بطبيعة الله الكلية القداسة، وإجلال لهذه القدسية. وكذلك قولهم: "الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ...".
إنه تأمل في صفات الله الجميلة، يشبع النفس حين تنطق به...
يقول الرائي: "إن الأحياء الأربعة تعطي الله مَجْدًا وَكَرَامَةً وَشُكْرًا".
وهذا الشكر له أسباب عديدة بلا شك. يكفي أنه أنعم عليها بالوجود إذ خلقها. ولم يكتفِ بهذا، وإنما جعلها أيضًا حول عرشه، وأعطاها التنعم بعشرته وجماله ومجده.
تسبيح الأحياء الأربعة ترك تأثيره في الأربعة والعشرين شيخًا الجلوس على كراسيهم، وأربعة وعشرين إكليلًا من ذهب على رؤوسهم.
أي كائن يشعر أنه تافه، حينما يتذكر عظمة الله ومجده، فحينما سمع الشيوخ تمجيده، خروا ساجدين قدام الجالس على العرش.
شعروا أنهم لا يستحقون الجلوس على كراسيهم قدام عرشه، وأنهم لا يستحقون لبس التيجان في حضرته، فقاموا عن كراسيهم وخروا ساجدين وطرحوا أكاليلهم أمام العرش. فلا يلبس شخصًا تاجًا أمام الكبير بل يخلعه. كم بالأولى أمام الله الجالس على عرشه.
ولم يكتفِ الشيوخ بهذا، بل نطقوا هم أيضًا بتسبيحهم قائلين: "أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ".
إنه درس لنا في تمجيد الله، وفي الخشوع قدامه:
إنه درس للذين يصلون وهم جلوس، وللذين يسمعون الإنجيل في الكنيسة وهم جلوس. بينما يصيح الشماس قائلًا: قفوا بخوف من الله، وأنصتوا لسماع الإنجيل المقدس.
وهو درس للذين يجلسون أثناء تقديس سر الإفخارستيا المقدس، وأثناء توزيعه، وينسون قول الأب الكاهن للرب أنت هو القيام حولك "أي الوقوف" الشاروبيم والسارافيم.
كل هؤلاء وأمثالهم لا يكونون شاعرين بعظمة الله وجلاله. فإن الذي يشعر بهذا تتملكه الهيبة والخشية، لأنه أمام الله...
ومن هنا كان الوقوف في الصلاة والركوع، والسجود، ورفع الأيدي وعدم انشغال الحواس أثناء الصلاة... هوذا الشماس يقول أثناء القداس الإلهي: "اسجدوا أمام الله بخوف ورعدة". ويقول المرتل في المزمور: "في اللَّيالي. ارْفَعوا أيْديَكُم إلَى القُدسِ، وبارِكوا الرَّبَّ" (مز134: 1، 2).
والذي يشعر بهيبة الله، يشعر بالهيبة أمام كل ما يخص الله.
يشعر بهيبة نحو بيت الله، فيقول مع المرتل في المزمور: "أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ، وَأَسْجُدُ قُدَّام هَيْكَلِ قُدْسِكَ بمَخَافَتكَ" (مز5: 7) ويشعر بهيبة أمام مذبح الله، ويخشع أمامه وأمام الذبيحة المقدسة عليه. فلا يتكلم أثناء الصلاة، ولا يدير ظهره للمذبح.
ويشعر بهيبة أيضًا أمام كتاب الله المقدس، فلا يصنع شيئًا فوق كتاب الله سوى الصليب، ويقرأ الكتاب بما يليق به من التوقير.
ويشعر بهيبة أيضًا أمام كهنة الله ومسحائه، كما قال داود النبي عن شاول الملك - على الرغم من أخطائه – "حَاشَا لِي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ بِسَيِّدِي، بِمَسِيحِ الرَّبِّ، فَأَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ، لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هُوَ" (1صم24: 6).
قال الأربعة والعشرين شيخًا في تسبحتهم:
"أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ".
ونحن نتذكر مجد الرب في كل صلواتنا. فالصلاة الربية التي نقولها كل يوم وكل ساعة، نختمها بقولنا: "لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد، آمين".
وفي صلاة نصف الليل نكرر عبارة "المجد لك يا محب البشر".
وباستمرار نقول نحن: " ذوكصابتري...": المجد للآب والابن والروح القدس.
وفي تسبحة البصخة طوال أسبوع الآلام نقول للرب: "لأن لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين".
إن مجد الله أمام أعيننا باستمرار كما تعلمنا الكنيسة. ليته إذًا يكون ظاهرًا في كل أفعالنا وتصرفاتنا، وليس فقط في صلواتنا وأقوالنا.
"أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ".
لحن أكسيوس "مستحق" نقوله للرب في مناسبات عديدة، لأنه هو الوحيد المستحق. ومع ذلك نقول: "أكسيوس" لكثير من القديسين والآباء، لأن الله جعلهم مستحقين. ونحن نصلي كثيرًا ونقول: "اجعلنا مستحقين" أما الله فهو مستحق بطبيعته، لأن له القدرة التي خلق بها كل الأشياء فهو الخالق وحده. وكل ما في الكون من صنعة يديه. كل الكائنات به قد كانت، "وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو1: 3).
هو أراد فكانت. هي إذًا كائنة بإرادته، وبه قد خلقت. ليتنا نسبحه، لأنه خلق كل شيء لراحتنا، ولم يدعنا معوزين شيئًا من أعمال وكرامته.
هنا وينتهي الأصحاح الرابع من سفر الرؤيا.
السِفر المختـوم
السِفر المختـوم
ويبدأ الأصحاح الخامس بقول القديس يوحنا الرائي:
"وَرَأَيْتُ عَلَى يَمِينِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ سِفْراً مَكْتُوبًا مِنْ دَاخِلٍ وَمِنْ وَرَاءٍ، َخْتُومًا بِسَبْعَةِ خُتُومٍ. وَرَأَيْتُ مَلاَكًا قَوِيًّا يُنَادِي بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: مَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ؟ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ فِي السَّمَاءِ وَلاَ عَلَى الأَرْضِ وَلاَ تَحْتَ الأَرْضِ أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَلاَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ. فَصِرْتُ أَنَا أَبْكِي كَثِيرًا، لأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مُسْتَحِقّا أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَقْرَأَهُ وَلاَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ. فَقَالَ لِي وَاحِدٌ مِنَ الشُّيُوخِ: لاَ تَبْكِ. هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ السَّبْعَةَ".
قال: وَرَأَيْتُ عَلَى يَمِينِ... الْعَرْشِ سِفْرًا... مَخْتُومًا بِسَبْعَةِ خُتُومٍ.
كون هذا السفر على يمين الجالس على العرش، معناه أهمية السفر أهمية قصوى. أما عن كونه مكتوبًا من داخل ومن وراء، فقد قال البعض إنه يمثل النبوات الواردة في العهد القديم، وفي العهد الجديد أيضًا.
وقال البعض إن عبارة مكتوب من الناحيتين تعني أنه مملوء كتابة...
أما كونه مختومًا بسبعة ختوم. تعني أنه في منتهى السرية. بحيث لم يستطع أحد من القوات السمائية ولا من سكان الأرض أن يفك ختومه. فإن كان قد قيل شيء من هذا عن بعض من سفر الرؤيا، فهذا يعني أنه ليس كل شيء في هذا السفر واضحًا أمامنا. وليس عيبًا أن يقول الحكيم: "لا أعرف". فالقديس يوحنا الحبيب نفسه وقف أمامه وهو لا يعرف، وتساوى معه في عدم المعرفة الأربعة والعشرون كاهنًا في كل ما يمثلونه من رموز.
ومعنى هذا أنه ليس في مقدورنا أن نعرف ونفسر كل شيء وإلا كان الواحد منا "يَرْتَئِيَ فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ" (رو12: 3).
فلا نحاول - بالحق وبالباطل - أن ندعي تفسير كل ما في سفر الرؤيا. وبالتالي يكون لنا معرفة الغيب والمستقبل!!
من المفروض أن بعض نبوءات سفر الرؤيا مختومة بسبعة ختوم، لأنها في علم الله وحده، مهما حاول البشر بأنواع وطرق شتى أن يتنبأوا بشيء عن المستقبل بغير وحي من الله.
يقول الرائي: "لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ فِي السَّمَاءِ وَلاَ عَلَى الأَرْضِ وَلاَ تَحْتَ الأَرْضِ أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ". أي ليس الأمر في مقدور السمائيين ولا الأرضيين، ولا الشياطين الذين تحت الأرض. فلا يجوز إطلاقًا أن ندعي معرفة أمور هي فوق قدرتنا.
يقول القديس يوحنا الرائي: "فَصِرْتُ أَنَا أَبْكِي كَثِيرًا، لأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مُسْتَحِقًّا أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَقْرَأَهُ وَلاَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ".
القديس يوحنا يصل به التأثر الشديد، إلى البكاء بشدة. هذا يدل بلا شك على مقدار حساسية هذا الرسول، ومقدار عاطفته وحنوه، ومقدار تقديره للموقف وانفعاله به. لقد كتب القديس يوحنا كثيرًا عن المحبة، مما يدل على أنه كان رقيقًا ولطيفًا للغاية. فلما وجد كل الذين أمامه عاجزين تمامًا، تأثر وظل يبكي كثيرًا. ولم يستطع أن يخفي انفعاله.
هناك من يرون غيرهم عاجزين، فينتقدونهم، ويقولون كيف أنهم غير قادرين؟ وكيف أنهم لا يعرفون؟! أما يوحنا فبكى.
وكان غريبًا أن يبكي أحد في السماء، بالقرب من عرش النعمة، في الموضع الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد، في مواضع القديسين؟
مفروض أن سعادة القرب من عرش الله تطغي على كل حزن. على أن القديس يوحنا لم يكن يبكي من أجل نفسه. وإنما من أجل أنه لم يوجد أحد مستحق أن يفك ختوم السفر أو حتى أن ينظر إليه.
إننا في انفعالنا الأرضي من أجل الآخرين، نبكي من أجل أخوتنا الأرضيين. ولكن العجيب أن يوحنا بكى لأجل السمائيين العاجزين!! إذ يرى كل الملائكة والقوات السمائية في عجز أمام السفر المختوم.
على أن بكاء القديس يوحنا، قد ترك تأثيره في أحد الشيوخ. فقال له: "لاَ تَبْكِ. هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا".
هذا الشيخ عزاه، بأن هناك من سوف يفك ختوم السفر. وهذا يظهر لنا حنو أهل السماء على غيرهم. فذلك الشيخ لم يحتمل بكاء يوحنا فعزاه بأن المسيح قادر أن يغلب. إن عجز السمائيون والأرضيون ومن تحت الأرض، إن وقع أحد منكم أيها الأخوة في مشكلة، ولم يجد من يحلها وكأنها قد ختمت بختوم سبعة، فليتذكر الأسد الخارج من سبط يهوذا.
مشكلة القديس يوحنا على الرغم من قلبه الواسع ومن قداسته العظيمة، أنه جعل تفكيره وقتذاك في المخلوقات التي في السماء وعلى الأرض وما تحت الأرض!!
ولم يفكر وقتذاك في من أعلى من كل هؤلاء، القادر على كل شيء... فنبهه ذلك الشيخ إلى الأسد الخارج من سبط يهوذا.
وهذه شهادة أن الأسد الخارج من سبط يهوذا، كان أعلى من جميع السمائيين، ومن جميع الأرضيين، ومن تحت الأرض.
هذا الذي كان من نسل داود، وهو أيضًا أصل داود (رؤ5: 5) (رؤ22: 16)... نلاحظ أن الشيخ الذي ساعد يوحنا وعزاه، فعل ذلك دون أن يطلب منه يوحنا، لأن السمائيين يحسون بإحساساتنا. وأنهم أيضًا أرواح عطوفة وخدومة ترقب البشر وتحن عليهم...
لقد غلب الأسد الخارج من سبط يهوذا، لأنه سبق فغلب العالم أيضًا (يو16: 23).
السيد المسيح أسد، وفي نفس الوقت كان كأنه مذبوح.
أسَد وحَمل... وجَامات وبخور وقيثارات
أسَد وحَمل...
وجَامات وبخور وقيثارات
كتب القديس يوحنا الرائي يقول:
"فَقَالَ لِي وَاحِدٌ مِنَ الشُّيُوخِ: لاَ تَبْكِ. هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ السَّبْعَةَ.
وَرَأَيْتُ فَإِذَا فِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ الأَرْبَعَةِ وَفِي وَسَطِ الشُّيُوخِ حَمَلٌ قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ، لَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ وَسَبْعُ أَعْيُنٍ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ الْمُرْسَلَةُ إِلَى كُلِّ الأَرْضِ. فَأَتَى وَأَخَذَ السِّفْرَ مِنْ يَمِينِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ. وَلَمَّا أَخَذَ السِّفْرَ خَرَّتِ الأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا أَمَامَ الْحَمَلِ، وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ. وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا لِلَّهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ وَجَعَلْتَنَا لِإِلَهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ" (رؤ5: 5- 10).
قال: هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا، أصل داود ليفتح السفر، ويفك ختومه السبعة.
كان لا يمكن أن يفتح السفر ويفك ختومه، إلا شخص قد غلب. والسيد المسيح هو الذي غلب العالم والخطية. وغلب الموت أيضًا. غلب العالم إذ قال: "ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ" (يو16: 33).
وغلب الخطية، لأنه قدوس (لو1: 35). وقد تحدى اليهود قائلًا: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟" (يو8: 46). وغلب الشيطان إذ قال: "رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ" (لو10: 18). وكذلك غلب الموت بقيامته هذا الذي: "أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ" (2تي1: 10). وقال في سفر الرؤيا: "وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ" (رؤ1: 18).
لقد غلب لأنه الأسد، وهو من سبط يهوذا الذي هو سبط الملك أصل داود الملك، وكملك قد غلب...
هو أسد، وفي نفس الوقت شُبه بخروف كأنه مذبوح.
لقد شبه بأسد في القوة والرئاسة، وفي الهيبة والملك، وليس مثل الشيطان الذي شبه بأسد في وحشيته، لأنه: "زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ" (1بط5: 8). وفي التشبيه يؤخذ وجه الشبه المناسب.
والمسيح أسد كملك، كابن داود، من سبط الملك يهوذا، قيل في البشارة به: "وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ" (لو1: 32، 33)
وفي نفس الوقت يقول القديس يوحنا الرائي: "وَرَأَيْتُ فَإِذَا فِي وَسَطِ الْعَرْشِ... خَرُوفٌ قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ..." (رؤ5: 6).
فما معنى قائم، كأنه مذبوح؟ وله سبعة قرون؟
إننا لا ننسى ذبيحة المسيح، حتى في السماء، فهو الذبيحة التي تشفع فينا فوق السماء، عبارة "كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ" تشير إلى موته عنا. أما عبارة "قَائِمٌ" فتشير إلى حياته وإلى انتصاره على الموت.
العبارتان معًا "قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ" فهو ذبيح، ولكن الموت لم ينتصر عليه. وماذا عن صفاته أيضًا؟ "لَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ".
القرن يرمز إلى القوة ورقم سبعة يرمز إلى الكمال.
إذًا عبارة "لَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ" ترمز إلى كمال قوته.
فما دامت له كل هذه القوة والقدرة، فلماذا عبارة "كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ"؟ إنها تعني بلا شك أنه تقدم إلى الذبح بإرادته، كما سبق وقال عن نفسه: "لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي" (يو10: 18).
قيل عنه أيضًا "لَهُ سَبْعَةُ قُرُونٍ وَسَبْعُ أَعْيُنٍ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ الْمُرْسَلَةُ إِلَى كُلِّ الأَرْضِ" (رؤ5: 6). فما هي هذه الأعين؟
وعبارة "سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ" سبق أن تكررت في (رؤ4: 5) إذ قيل: "وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ". أو الأرواح المرسلة من الله...
وقلنا وقتذاك إنها ترمز إلى رؤساء الملائكة السبعة، فالملائكة أرواح فإن كانت العيون ترمز إلى الرؤية أي إلى المعرفة، والرقم سبعة يرمز إلى الكمال، فهل السبع أعين ترمز إلى كمال المعرفة، فالسيد الرب يرى كل شيء ويعرف كل شيء. وهو أقنوم المعرفة وقد قيل عنه أنه: "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" (كو2: 3) وأنه "حِكْمَةِ اللهِ" (1كو1: 24).
"فَأَتَى وَأَخَذَ السِّفْرَ مِنْ يَمِينِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ"، وفك ختومه.
لا شك أن هذا السفر كان يحوي الأمور الخاصة بالمستقبل، أو بما "لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ" (رؤ1: 1). وهذه الأمور العتيدة أن تكون معرفتها في يد الله وحده، لذلك قيل إن السفر كان عن يمين الجالس على العرش، ولا يمكن أن يعرف إلا بإعلان من الله ولهذا: "فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ فِي السَّمَاءِ وَلاَ عَلَى الأَرْضِ وَلاَ تَحْتَ الأَرْضِ أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ" (رؤ5: 3).
أي لم يستطع أحد من الملائكة لا في السماء، ولا من البشر على الأرض، ولا من الأرواح التي تحت الأرض، أن يفتح السفر. فكان لا يمكن أن يتم ذلك إلا عن طريق ابن الله، أقنوم المعرفة، المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم...
حينئذ سجد الأربعة والعشرين شيخًا أمام الخروف لا شك أن هؤلاء الأربعة والعشرين شيخًا كانوا بشرًا مثلنا.
ذلك لأنهم قالوا للرب في تسبحتهم: "مُسْتَحِق أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً" (رؤ5: 9، 10) ... فهذا كلام لا يقوله إلا بشر، من كل القبائل والشعوب والأمم.
ثم أنهم كانت لهم جامات من ذهب مملوءة بخورًا، أي أنهم كانوا كهنة. وهذا دليل آخر على أنهم بشر، كما أنهم ينوبون عن البشر في قولهم: "ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ".
أما سجودهم، فيدل على خشوعهم أمام الله، كما يدل على رهبتهم في موقف تفك فيه الختوم، وتعلن أسرار الله الخاصة بالمستقبل.
ويقول الرائي أيضًا عن هؤلاء الشيوخ الأربعة والعشرين "وَلَهُمْ... جَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ".
وهنا نسأل كيف يمكن أن صلوات القديسين تصعد إلى فوق، في المجامر التي في أيدي هؤلاء الشيوخ؟ لماذا لم تصعد إلى عرش الله مباشرة، وإنما تذهب إلى جامات هؤلاء الشيوخ أولًا لكي يوصلوها إلى عرش الله؟!
ألا يدل هذا في وضوح على شفاعة هؤلاء الشيوخ الذين أمام العرش في توصيل الصلوات إلى الله.
ألا يذكرنا هذا أيضًا بما يفعله الأب الكاهن، حينما يمر بالبخور أثناء قراءة البولس على الشعب، ثم يعود إلى الهيكل ويقول: "يا الله الذي قبل اعتراف اللص على الصليب، اِقبل إليك اعترافات شعبك"، فيا ليت كل واحد أثناء مرور الأب الكاهن بالبخور، يقدم طلباته إلى الله، لكي تجمع هي أيضًا وتدخل في الجامات الأربع والعشرين.
ثم ما معنى أن صلوات القديسين تصعد إلى الله كرائحة بخور؟
رائحة البخور دائمًا تصعد إلى فوق، وكذلك صلوات القديسين.
ليس كذلك الأشرار، ليسوا كذلك. فالكتاب يقول: "ذَبِيحَةُ الأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم15: 8). أما صلوات القديسين فهي التي تصعد إلى فوق.
وتصعد كرائحة بخور، لأن البخور رائحته زكية، تدخل إلى السماء كنسيم عطر، يتنسم الرب منها رائحة الرضا (تك8: 21).
وصلوات القديسين تشبه برائحة البخور، لأن البخور يحترق بالنار أولًا ثم يصعد إلى فوق، ولا يمكن أن يصعد إلى فوق إلا إذا احترق أولًا.
هكذا القديسون يسكبون ذواتهم سكيبًا، والمحبة التي في قلوبهم مثل النار، تحول صلواتهم إلى بخور، فتشتعل وتفوح وتصعد وتنتشر.
فهل صلاتك أيها القارئ العزيز تصعد إلى فوق، كرائحة بخور، مثل صلوات القديسين؟ أم هي لا تصعد أبدًا؟!
هل هي "مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟" (نش3: 6)؟
أعني هل فيها الإيمان والحب والخشوع والفهم والاتضاع، وباقي هذه الصفات التي تصعدها كرائحة بخور...؟
اهتم جدًا بهذه النقطة، لأنك تقول لله في صلاتك: لتدخل طلبتي إلى حضرتك، ولتكن صلواتي مقبولة. "لِتَسْتَقِمْ صَلاتي كالْبَخور قُدّامِكَ، ولِيَكُن رَفْعُ يَدي كذبيحَةٍ مَسائِيَّةٍ" (مز141: 2).
نقول هذا، لأنه ليست كل صلاة تصعد إلى فوق...
بل هناك خطايا تجذب صلوات البعض إلى أسفل، فلا تصعد.
مثال ذلك صلوات المرائين، الذين: "يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ" (مت6: 5). حقًا إن كل صلاة مخلوطة بالبر الذاتي لا يقبلها الله، كصلاة الفريسي في مثال الفريسي والعشار (لو18: 11، 12).
كذلك صلاة الحقد التي تطلب فيها ضررًا لعدوك، هذه يجذبها الحقد إلى أسفل، فلا يمكن أن تصعد إلى فوق، عكس ذلك صلاة القديس اسطفانوس الشماس الذي قال أثناء رجمه: "يَا رَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ" (أع7: 60).
هذه بلا شك قد صعدت إلى السماء كرائحة بخور، لأنها كانت مخلوطة بمحبة الأعداء، حسب وصية الرب: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ" (مت5: 44).
هناك صلوات أخرى يرفضها الله.
كصلوات أولئك الخطاة الذين قال لهم الرب: "حِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 15).
وأيضًا مثل الذين قال عنهم الرب: "يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مت15: 8). إن الصلاة التي تخرج من الفم فقط، وليس من القلب لا يمكن أن تصعد إلى فوق.
أيضًا الصلاة الخالية من التوبة ومن الاتضاع هي مرفوضة من الله. عكسها صلاة العشار الذي قال بكل انسحاق: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" (لو18: 13).
وكذلك صلاة اللص التائب حينما قال: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ" (لو23: 42). إن صلاة التوبة والاتضاع، هي التي تصعد كرائحة بخور.
هناك أشخاص لم تكن صلواتهم فقط كرائحة بخور، بل حياتهم كلها رائحة بخور.
مثال ذلك ما قلناه في تأملاتنا في سفر النشيد عن الآية التي تقول: "مَنْ هذِهِ الطَّالِعَةُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كَأَعْمِدَةٍ مِنْ دُخَانٍ، مُعَطَّرَةً بِالْمُرِّ وَاللُّبَانِ وَبِكُلِّ أَذِرَّةِ التَّاجِرِ؟" (نش3: 6).
الشيوخ الأربعة والعشرون لم تكن لهم فقط جامات من ذهب مملوءة بخورًا، إذ كانت لهم أيضًا قيثارات من ذهب، وهم يترنمون ترنيمة جديدة.
كل واحد منهم له قيثارة، يعزف عليها لحنًا جديدًا، ويغني للرب أغنية جديدة. يشدو بجمال الرب وجمال ملكوته.
إن كنت أيها القارئ العزيز لم تعرف الموسيقى على الأرض، ولم تعرف القيثارة والمزمار والعشرة الأوتار، فسوف تتعلم الموسيقى فوق في السماء. بل ستجد حياتك كلها أنشودة موسيقية ولحنًا. أتخيل قديسًا مثل داود النبي وهو موسيقي ممتاز يقف فوق في السماء وهو يقول لجماعة المفديين: "رَنِّمُوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً" (مز96: 1) (مز98: 1).
بل يقف وينشد أمام الله أنشودة من كل القلب، ممزوجة بكل المشاعر العميقة، وبكل عواطف الحب. والرب يسمعها ويقول: "لأَجْلِ دَاوُدَ عَبْدِي" (1مل11: 13).
هذه الموسيقى هي التي دعا إليها القديس بولس الرسول.
فقال: "بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ... مُتَرَنِّمِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ" (كو3: 16).
وقال نفس العبارة في (أفسس5: 19).
بل أنا أتصور السماء كلها كفرقة موسيقية تغني للرب وتسبح وقد ذكر سفر الرؤيا فرقة موسيقية أخرى متخصصة في ترنيمة جديدة، "يَتَرَنَّمُونَ كَتَرْنِيمَةٍ جَدِيدَةٍ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ. وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّرْنِيمَةَ إِّلاَّ الْمِئَةُ وَالأَرْبَعَةُ وَالأَرْبَعُونَ أَلْفًا" (رؤ14: 2، 3). "وكان صوتهم "كَصَوْتِ ضَارِبِينَ بِالْقِيثَارَةِ يَضْرِبُونَ بِقِيثَارَاتِهِمْ".
قيثارات وتسبحَة
قيثارات وتسبحَة
قال القديس يوحنا الرائي عن الأربعة والعشرين شيخًا:
"وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ... وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا لِلَّهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لِإِلَهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ".
"وَنَظَرْتُ وَسَمِعْتُ صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْحَمَلُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَة.َ وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً: لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْحَمَلِ الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ".
"وَكَانَتِ الْحَيَوَانَاتُ الأَرْبَعَةُ تَقُولُ آمِينَ. وَالشُّيُوخُ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ خَرُّوا وَسَجَدُوا لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ5: 8- 14).
X X X
نرى من كل هذا: أنه يوجد في السماء موسيقى وترتيل وإنشاد.
ومن البدء أرانا الله أنه يحب الموسيقى والغناء. فقد خلق طيورًا لها أصوات تغني، وبلابل لها صوت موسيقى. وكل طير له من صوته نغمة خاصة. ومن جميعها معًا تتكون سيمفونية طبيعية، عجيبة في صوتها.
وأعطى الرب للملائكة نعمة التسبيح، بأصواتهم الملائكية الجميلة.
وفي سفر الرؤيا، يقول القديس يوحنا الرائي: "وَسَمِعْتُ صَوْتًا كَصَوْتِ ضَارِبِينَ بِالْقِيثَارَةِ يَضْرِبُونَ بِقِيثَارَاتِهِمْ، وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ كَتَرْنِيمَةٍ جَدِيدَةٍ أَمَامَ الْعَرْشِ وَأَمَامَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ. وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ التَّرْنِيمَةَ إِّلاَّ الْمِئَةُ وَالأَرْبَعَةُ وَالأَرْبَعُونَ أَلْفًا الَّذِينَ اشْتُرُوا مِنَ الأَرْضِ" (رؤ14: 2، 3).
في السماء توجد الأغاني، ولكنها أغاني روحية.
فيها التسابيح والتراتيل. وتعبر عن مشاعر الفرح، كما يقول الكتاب: "أَمَسْرُورٌ أَحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ" (يع5: 13). وفي السماء يوجد فرح بالرب وبالخلاص، لذلك يكثر الترتيل والتسبيح. كذلك قد يعبر هذا التسبيح عن الخشوع في حضرة الرب، مثل تسبحة الثلاثة تقديسات.
وفي الأرض يهتف المرتل قائلًا: "غَنُّوا ِللهِ. رَنِّمُوا" (مز68: 4، 32). "اِهْتِفِي لِلرَّبِّ يَا كُلَّ الأَرْضِ. اهْتِفُوا وَرَنِّمُوا وَغَنُّوا. رَنِّمُوا لِلرَّبِّ بِعُودٍ. بِعُودٍ وَصَوْتِ نَشِيدٍ. بِالأَبْوَاقِ وَصَوْتِ الصُّورِ" (مز98: 4- 6).
ويقول أيضًا: "سَبِّحوا الرَّبَّ فإنَّ المزْمورَ جَيِّدٌ، لإلَهِنا يَلذُّ التَّسْبيحُ" (مز147: 1). ويسرد المرتل أعمال الرب التي يليق بها التسبيح.
X X X
بل الطبيعة كلها مدعوة إلى تسبيح الله.
فيقول المرتل في المزمور: "لِيَعِجَّ الْبَحْرُ وَمِلْؤُهُ الْمَسْكُونَةُ وَالسَّاكِنُونَ فِيهَا. الأَنْهَارُ لِتُصَفِّقْ بِالأَيَادِي الْجِبَالُ لِتُرَنِّمْ مَعاً. أَمَامَ الرَّبِّ" (مز98: 7- 9).
ويقول سفر إشعياء النبي: "تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ... اِهْتِفِي يَا أَسَافِلَ الأَرْضِ. أَشِيدِي أَيَّتُهَا الْجِبَالُ تَرَنُّمًا، الْوَعْرُ وَكُلُّ شَجَرَةٍ فِيهِ" (إش44: 23).
وفي سفر أيوب: "تَرَنَّمَتْ كَوَاكِبُ الصُّبْحِ مَعًا" (أي38: 7).
وفي سفر المزامير: "لِتَفْرَحِ السَّمَاوَاتُ وَلْتَبْتَهِجِ الأَرْضُ، لِيَعِجَّ الْبَحْرُ وَمِلْؤُهُ. لِيَجْذَلِ الْحَقْلُ وَكُلُّ مَا فِيهِ، لِتَتَرَنَّمْ حِينَئِذٍ كُلُّ أَشْجَارِ الْوَعْرِ أَمَامَ الرَّبِّ" (مز96: 11- 13). وما أكثر ما نقول عن تسبيح الطبيعة في الإبصلمودية المقدسة.
ولعل هذا يذكرني ببعض أبيات قلتها وأنا ساكن في الجبل:
هدوء الليل موسيقـى .:. وأنغـــــــام تداعبنــي
وصوت الريح في رفق .:. يصب اللحن في أذني
نلاحظ في تسبحة الشيوخ عبارة: "وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً" (رؤ5: 9).
إنها جديدة في نغماتها وموسيقاها، وجديدة في مشاعرها وعواطفها، وأيضًا في ألفاظها ومعانيها. وليست مجرد كلام مكرر، أو روتين معاد.
وهذا ما نلاحظه أيضًا في تسابيح المزامير: إذ يقول المرتل: "رَنِّمُوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً. رَنِّمِي لِلرَّبِّ يَا كُلَّ الأَرْضِ. رَنِّمُوا لِلرَّبِّ، بَارِكُوا اسْمَهُ، بَشِّرُوا مِنْ يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ بِخَلاَصِهِ. حَدِّثُوا بَيْنَ الأُمَمِ بِمَجْدِهِ، بَيْنَ جَمِيعِ الشُّعُوبِ بِعَجَائِبِهِ" (مز96: 1- 3). هذه موضوعات للترنيمة الجديدة.
ويقول في مزمور آخر: "رَنِّمُوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً، لأَنَّهُ صَنَعَ عَجَائِبَ... أَعْلَنَ الرَّبُّ خَلاَصَهُ. لِعُيُونِ الأُمَمِ كَشَفَ بِرَّهُ" (مز98: 1، 2).
وأحيانًا نقول: "سَبِّحوا الرَّبَّ تَسْبيحًا جَديدًا".
وأحيانًا يترجمونها "غنوا للرب أغنية جديدة".
“Sing unto the LORD a new song” (Ps.96: 1) NIV
ويقول المزمور: "احْمَدُوا الرَّبَّ بِالْعُودِ. بِرَبَابَةٍ ذَاتِ عَشَرَةِ أَوْتَارٍ رَنِّمُوا لَهُ. غَنُّوا لَهُ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً. أَحْسِنُوا الْعَزْفَ بِهُتَافٍ" (مز33: 2، 3). وفي سفر إشعياء النبي: "غَنُّوا لِلرَّبِّ أُغْنِيَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَهُ مِنْ أَقْصَى الأَرْضِ" (إش42: 10).
وهذه الأغاني الروحية ورد ذكرها في رسالتي بولس الرسول إلى أفسس وإلى كولوسي. فقال: "بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ" (أف5: 19) (كو3: 16).
وقيل إن داود النبي وشعبه أصعدوا تابوت الله: "بِكُلِّ عِزّ وَبِأَغَانِيَّ وَعِيدَانٍ وَرَبَابٍ وَدُفُوفٍ وَصُنُوجٍ وَأَبْوَاق" (1أي13: 8).
والله الذي أوجد هذا الغناء الروحي وأحبه، خلق للإنسان في جسده آلة موسيقية عجيبة في حنجرته تفوق كل الآلات الموسيقية.
وهي تعبر عن عواطفه ومشاعره، وترتبط بقلبه كل الارتباط.
ولهذا، فإن الكنيسة في ألحانها، تهتم بالصوت البشري أكثر من صوت الآلات الموسيقية. وحينما تستخدم الدف والتريانتو، فإن ذلك يكون لمجرد ضبط النغمة. ولكن لا تقبل أن يسيطر صوت الآلة على الصوت البشري، كما يستخدم في الغرب في استخدام الأورج.
ولا يجوز لبعض الشمامسة أن يستخدموا الدف بطريقة تغطي على الصوت. الموسيقى الصوتية هي أجمل من صوت القيثار. والأوتار الصوتية التي خلقها الله للإنسان، هي أجمل وأوقع من أوتار أية آلة موسيقية أخرى. طبعًا ليس جميع الناس يملكون هذه الموهبة.
ولكن في السماء: أية كلمة يقولها للرب إنسان روحي، هي أجمل عنده من أية موسيقى.
إنها موسيقي الروح كما يقول القديس: "أُرَتِّلُ بِالرُّوحِ، وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ أَيْضًا" (1كو14: 15).
تصوروا أمًا لها طفل رضيع يناغيها بكلمات ربما لا تكون مفهومة، ولكنها في أذن أمه أجمل من أي لحن في الدنيا، وأجمل عندها من أية أغنية لأحد مشاهير المغنيين. كذلك الإنسان الذي في عمق قلبه يصلي إلى الله، تكون صلاته عبارة عن نغمة موسيقية جميلة. لا يهم فيها الصوت الطبيعي، إنما هي تخرج من فمه كلحن.
لحنها ليس مثل السوليفيج الموسيقي. إنما هزة منها فيها خشوع، وأخرى هزة حب، وثالثة هزة تأمل، ورابعة هزة تواضع، وهكذا... وكل هذه الهزات تكوّن سلمًا موسيقيًا يصعد إلى الله.
يقول القديس الرائي إن الأربعة والعشرين قسيسًا كانت لهم قيثارات من ذهب، وهم يترنمون بترنيمة جديدة.
وكأن السماء كلها فرقة موسيقية، كل فريق منها له دوره في لحن سماوي، وبعضهم يقول آمين. والجو كله يموج بالتسبيح والترتيل.
بينما الذين في الجحيم يكونون في حزن شديد، وهم يرون أولئك المفديين يسبحون وينشدون ويغنون ويرتلون، وفي أيديهم القيثارات، وفي قلوبهم الفرح... بينما أهم ما يحزن سكان الجحيم أنهم محرومون من فرح ذلك الجو الروحي، الذي في مجمع القديسين. إنهم يذكروننا بالذين كانوا في سبي بابل:
قالوا: "عَلَى الصِّفْصافِ... عَلَّقنا قيثاراتنا. لأنَّهُ هُناكَ سَألَنا الَّذينَ سَبَوْنا سَبِّحوا لَنا تَسْبِحَةً مِنْ تَسابيحِ صِهْيونَ. كَيفَ نُسَبِّحُ تَسْبِحَةَ الرَّبِّ في أرْضٍ غَريبَةٍ؟!" (مز137).
النفس الخاطئة هي نفس حزينة كئيبة لا تستطيع أن تغني أو تسبح أو ترتل! بعكس ما يظنه البعض من كثرة الغناء عند الخطاة!
إن غناءهم يشغل الحواس من الخارج. ولكنهم إذا ما خلوا إلى أنفسهم، يجدون في القلب فراغًا، لا يغنيه غناؤه، حتى إن غنى على ليلاه... أو غنى على بلواه.
بعكس ذلك الإنسان الروحي، الذي يغني للرب أغنية جديدة، ويفرح بالرب فرحًا حقيقيًا (في4: 4). ومن فرحه يغني...
لقد اِنهمك أغسطينوس بالعالم وشهواته، ولم يجد في ذلك سعادته. إلى أن تاب. ومن جهة حياته الأولى الطائشة، قال في صلاته للرب: "سيظل قلبي قلقًا، إلى أن يجد راحته فيك".
يا أخوتي، حاولوا أن تصنعوا لكم قيثارات ذهبية، أعني قيثارات روحية، تغنون بها أغنيات محبة للرب.
وتتغنون فيها بصفات الله الجميلة التي تشبع قلوبهم، وبأعمال الله العجيبة التي تشعرون فيها بقوته وذراعه الحصينة. بل تتغنون أيضًا بعمل الله في حياتكم. وتقولون مع المرتل في المزمور: "بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَكُلُّ مَا فِي بَاطِنِي لِيُبَارِكِ اسْمَهُ الْقُدُّوسَ. بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (مز103: 1، 2).
إن الفرح العالمي الجسداني لا يفرح القلب ولا الروح ولا العقل فرحًا حقيقيًا. بل الفرح الحقيقي هو الفرح بالرب. الذي يبدأ معنا هنا، ويستمر في الأبدية أيضًا.
إن الشيوخ، عندما سبحوا الرب على قيثاراتهم، تذكروا عمل الخلاص والفداء، الذي قام به من أجل العالم.
فقالوا له: "مُسْتَحِق أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً" (رؤ5: 9، 10).
نحن لا ننسى مطلقًا الدم الذي سُفك من أجلنا، نيابة عنا، لكي يفدينا من حكم الموت، ويهبنا الحياة الأبدية. ولذلك فإننا نذكر هذا الخلاص وهذا الفداء، كل يوم، في صلاة الساعة السادسة.
وبهذا الدم المسفوك، نذكر محبة الله لنا، ونذكر قيمة الإنسان عند الله حتى افتداه. ونظل نلهج بالشكر لهذا الفداء الشامل الذي خلص به الرب كل قبيلة ولسان وشعب وأمة. أي العالم كله...
أما عبارة "وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً"، فقد تكررت في الأصحاح الأول.
إذ قال القديس يوحنا أيضًا: "الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ" (رؤ1: 5، 6). إنها عبارة يقولها المفديون من البشر.
وهي تدل على أن الشيوخ الأربعة والعشرين هم أيضًا بشر استحقوا الوجود في السماء. وهم هناك يذكرون خلاصهم وفداءهم.
ويذكرون أن الله جعلهم ملوكًا وكهنة: ملوكًا بمعنى أنهم يملكون مع الله في ملكوته، وليس بالمعنى الأرضي الحرفي. كذلك جعلهم كهنة بالمعنى الروحي أيضًا. وإن كان أعضاء منهم كهنة فعلًا.
غير أن الكهنوت في السماء لا يقدم ذبائح، لأنه لا يوجد مذبح هناك ولا هيكل (رؤ21: 22)، ولا ذبائح لمغفرة الخطايا.
وفي السماء يشترك الكل في التسبيح والتمجيد:
فما أن قال الشيوخ تسبحتهم هذه وتمجيدهم، حتى نظر يوحنا وسمع: "صَوْتَ مَلاَئِكَةٍ كَثِيرِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالشُّيُوخِ، وَكَانَ عَدَدُهُمْ رَبَوَاتِ رَبَوَاتٍ وَأُلُوفَ أُلُوفٍ، قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ" (رؤ5: 11، 12). ولا شك أن هذه الصفات السبع من صفات الرب، تحتاج وحدها إلى كتاب خاص للتأمل فيها. وليس هذا وقته.
ولم يتقصر الأمر في التمجيد على القوات الملائكية، بل يقول القديس الرائي: "وَكُلُّ خَلِيقَةٍ مِمَّا فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ وَتَحْتَ الأَرْضِ، وَمَا عَلَى الْبَحْرِ، كُلُّ مَا فِيهَا، سَمِعْتُهَا قَائِلَةً" وذكر تمجيدها أيضًا "وَكَانَتِ الْحَيَوَانَاتُ الأَرْبَعَةُ تَقُولُ: آمِينَ".
فكّ ختوم السِفر
فكّ ختوم السِفر
قال القديس يوحنا الرائي:
"وَنَظَرْتُ لَمَّا فَتَحَ الْحَمَلُ وَاحِدًا مِنَ الْخُتُومِ السَّبْعَةِ، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا مِنَ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ قَائِلًا كَصَوْتِ رَعْدٍ: هَلُمَّ وَانْظُرْ!... فَنَظَرْتُ، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ مَعَهُ قَوْسٌ، وَقَدْ أُعْطِيَ إِكْلِيلًا، وَخَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ. وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الثَّانِيَ، سَمِعْتُ الْحَيَوَانَ الثَّانِيَ قَائِلاً: هَلُمَّ وَانْظُرْ. فَخَرَجَ فَرَسٌ آخَرُ أَحْمَرُ، وَأُعْطِيَ لِلْجَالِسِ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ السَّلاَمَ مِنَ الأَرْضِ، وَأَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأُعْطِيَ سَيْفًا عَظِيمًا.
"وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الثَّالِثَ، سَمِعْتُ الْحَيَوَانَ الثَّالِثَ قَائِلاً: هَلُمَّ وَانْظُرْ! فَنَظَرْتُ وَإِذَا فَرَسٌ أَسْوَدُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ مَعَهُ مِيزَانٌ فِي يَدِهِ. وَسَمِعْتُ صَوْتًا فِي وَسَطِ الأَرْبَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ قَائِلاً: ثُمْنِيَّةُ قَمْحٍ بِدِينَارٍ، وَثَلاَثُ ثَمَانِيِّ شَعِيرٍ بِدِينَارٍ. وَأَمَّا الزَّيْتُ وَالْخَمْرُ فَلاَ تَضُرَّهُمَا".
"وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الرَّابِعَ، سَمِعْتُ صَوْتَ الْحَيَوَانِ الرَّابِعِ قَائِلاً: هَلُمَّ وَانْظُر. فَنَظَرْتُ وَإِذَا فَرَسٌ أَخْضَرُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ اسْمُهُ الْمَوْتُ، وَالْهَاوِيَةُ تَتْبَعُهُ، وَأُعْطِيَا سُلْطَانًاعَلَى رُبْعِ الأَرْضِ أَنْ يَقْتُلاَ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْمَوْتِ وَبِوُحُوشِ الأَرْضِ" (رؤ6: 1- 8).
ما هو السفر المختوم بسبعة ختوم؟
كلمة "سفر" معناها كتاب. وربما كان دَرَجًا أي لفة من لفات البردي مكتوبة من أمام ومن خلف، أي أن كلامًا كثيرًا كان مكتوبًا فيها.
وكان هذا السفر مختومًا بسبعة ختوم. والختوم ترمز إلى السرية. ورمز 7 يرمز إلى الكمال. إذًا الختوم السبعة ترمز إلى كمال السرية، أي إلى سرية كاملة. بحيث لم يستطع أحد أن يفك ختومه، لا من في السماء ولا على الأرض، ولا تحت الأرض. فعدم المعرفة شملت الجميع، حتى أن القديس يوحنا بكى. أما الذي استطاع أن يفك ختوم السفر فهو الأسد الخارج من سبط يهوذا، أي السيد المسيح. لذلك هللت له كل الطغمات السمائية، وسجدت له في خشوع.
في فتح الختوم الأربعة الأولى، كان واحد من الحيوانات الأربعة، يصرخ عند فتح كل ختم منها، ويصيح قائلًا: "هَلُمَّ وَانْظُرْ".
فالحيوان الأول الذي هو شبه أسد صرخ بصوت كأنه الرعد، يليق به كأسد، ليعلن ماذا نتج عن فتح الختم الأول. وإذا فرس أبيض، والجالس عليه معه قوس، وقد أعطى إكليلًا. وخرج غالبًا ولكي يغلب.
وقد اختلف المفسرون في الفرس الأبيض والجالس عليه: هل هو السيد المسيح أم لا؟ مقارنين بين هذا الفرس، وما ورد في (رؤ19: 11- 16).
واضح في (رؤ19) أن الجالس على الفرس الأبيض هو السيد المسيح، لأنه "مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ، وَيُدْعَى اسْمُهُ: كَلِمَةَ اللهِ" كذلك لأنه "يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ. وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تِيجَانٌ كَثِيرَةٌ". أما الفرس الأبيض في فتح الختم الأول، فلم يرد عنه شيء من هذه الأوصاف كلها. فإلى أي شيء يرمز؟!
ربما الأفراس الأربعة في فتح الختوم الأربعة الأولى، ترمز إلى أربعة عصور مرت أو تمر على البشرية.
وقد يرمز الفرس الأبيض على عصر الآباء الرسل في بدء المسيحية.
اللون الأبيض يرمز إلى نقاوة التعليم، ونقاوة الإيمان، وقداسة السيرة. وقيل إن الجالس على الفرس الأبيض "مَعَهُ قَوْسٌ". ولم يرد أن معه سهامًا يضربها. فقد دخل الآباء حربًا في ذلك الحين، يحتملون ولا يضربون أحدًا.
ومع ذلك فإن الجالس على الفرس الأبيض "قَدْ أُعْطِيَ إِكْلِيلاً".
إنه "إكليل البر" كما قال القديس بولس الرسول: "جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ" (2تي4: 7، 8).
وقد يكون الإكليل في نفس الوقت هو إكليل الجهاد.
قيل أيضًا عن الفرس الأبيض: "وَخَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ".
على الرغم من التعرض لاستشهاد مرّ ولأنواع اِضطهادات كثيرة، إلا أن العصر الرسولي خرج منها غالبًا. فاستطاع الآباء بصمودهم وكرازتهم، أن يغلبوا مؤمرات اليهود، وقسوة الدولة الرومانية ومحاكماتها وسجونها وسيفها. كما أنهم غلبوا أيضًا الوثنية السائدة وكل الفلسفات المعاصرة. واستمرت غلبتهم ظاهرة من عهد نيرون إلى عهد دقلديانوس، وما قبل ذلك. وتُوجت بإعلان قسطنطين الملك مرسوم ميلان للتسامح الديني سنة 313م.
وهكذا صارت المسيحية هي الديانة الرسمية للدولة الرومانية. وخرجت المسيحية غالبة. ولكي تغلب فيما بعد أيضًا.
والسيد المسيح نفسه، قال لتلاميذه القديسين: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ" (يو16: 33).
قال القديس يوحنا الرائي إنه عند فتح الختم الثاني "خَرَجَ فَرَسٌ آخَرُ أَحْمَرُ، وَلِلْجَالِسِ عَلَيْهِ أُعْطِيَ أَنْ يَنْزِعَ السَّلاَمَ مِنَ الأَرْضِ، وَأَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا".
يتحدث القديس يوحنا عن الأيام التالية "عما هو عتيد أن يكون". ويرمز هذا الفرس إلى الحروب وعمليات القتل التي تشمل الأرض كلها.
ولعل بدء الدماء التي سفكت، كانت في عصر الاستشهاد، حيث حاول الحكام أن ينزعوا السلام من الأرض، ولكنهم لم يستطيعوا أن ينزعوا السلام من القلوب. فتقبل المسيحيون عصر الاستشهاد بكل فرح. وما أكثر الكتب التي كتبها الآباء وقتذاك بعنوان "حث على الاستشهاد".
وفي الاستشهاد المسيحي، كان السلام ينزع من الخارج، وليس من الداخل. بل كانت توجد شهوة في القلوب هي شهوة الاستشهاد. وكان المؤمنون يذهبون بأنفسهم إلى ساحات الاستشهاد وهم يغنون، معلنين إيمانهم.
على أن النبوءة في الكتاب يمكن أن تتحقق في عصور متعددة.
فلا يعني الفرس الأحمر حالة الاستشهاد في بدء المسيحية، بل أيضًا على مدى العصور.
وربما يعني أيضًا ما حدث من الهراطقة والمبتدعين من محاولة نزع السلام من الأرض. كما قيل للقديس أثناسيوس الرسولي، أثناء الهرطقة الأريوسية، "العالم كله ضدك يا أثناسيوس"... ونذكر ما لاقاه هذا القديس من نفي واضطهاد، وكذلك ما لاقاه القديس ساويرس الأنطاكي من نفي أيام حكم الإمبراطور جستنيان، وما لاقاه القديس ديسقورس، وغيرهم.
كذلك ما يفعله أعداء الإيمان في كل زمان ومكان...
سواء بنزع السلام عن طريق الاضطهادات والانقسامات، أو عن طريق نشر الشكوك وبلبلة الأفكار، ومحاولة زعزعة الإيمان.
وربما يرمز الفرس الأحمر إلى ما سوف يحدث في الأيام الأخيرة.
حيث يقول السيد الرب: "سوف تسمعون بحروب وأخبار حروب. تقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة"، "إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ" "سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا". وقال أيضًا: "لأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْعَالَمِ إِلَى الآنَ وَلَنْ يَكُونَ. وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. وَلكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ تُقَصَّرُ تِلْكَ الأَيَّامُ" (مت24: 5 - 24) (مر13: 6 - 22).
وقد يرمز الفرس الأحمر إلى أيام الارتداد العام، قبل المجيء الثاني. حيث يظهر ضد المسيح Anti Christ الذي يعتبر نفسه إلهًا.
وفي ذلك قال القديس بولس الرسول بخصوص مجيء المسيح ثانية:
"لأَنَّهُ لاَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الارْتِدَادُ أَوَّلاً، وَيُسْتَعْلَنْ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ، الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا أَوْ مَعْبُودًا، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلهٍ، مُظْهِرًا نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلهٌ." "الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ... الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ" (2تس2: 3- 10).
لا شك أن هذا المدعي الألوهية، بما يحدثه من ارتداد عام، سوف ينزع السلام من الأرض، إلى أن يبيده الرب في ظهور مجيئه.
يقول القديس الرائي عن هذا الجالس على الفرس الأحمر:
"أُعْطِيَ أَنْ يَنْزِعَ السَّلاَمَ مِنَ الأَرْضِ... وَأُعْطِيَ سَيْفًا عَظِيمًا".
إنه سماح من الله للشيطان وأعوانه، لأنها فرصتهم الأخيرة في الصراع مع البشرية، عالمين أنه لم تبقَ لهم سوى أيام قليلة، يُلقى بعدها الشيطان "فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ" (رؤ20: 10). لذلك يعمل الشيطان بكل قوة.
نعم، مخيفة تلك الفترة الخطيرة التى فيها "يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ، وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ" (رؤ20: 7، 8).
ومخيفة تلك الأيام التي قيل فيها عن الوحش إنه: "أُعْطِيَ أَنْ يَصْنَعَ حَرْبًا مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَيَغْلِبَهُمْ، وَأُعْطِيَ سُلْطَانًا عَلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَأُمَّةٍ" (رؤ13: 7).
إنها الأيام الأخيرة المرعبة، التي يُعطي فيه سيفًا عظيمًا، لكي يحارب ويقتل ويضلّ. قبل أن ينتهي.
يقول القديس يوحنا الرائي، عند فتح الختم الثالث:
"فَنَظَرْتُ وَإِذَا فَرَسٌ أَسْوَدُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ مَعَهُ مِيزَانٌ فِي يَدِهِ"...
إنه يمثل أيام المجاعات التي تحلّ على الأرض، ويقال فيها "ثُمْنِيَّةُ قَمْحٍ بِدِينَارٍ، وَثَلاَثُ ثَمَانِيِّ شَعِيرٍ بِدِينَار" (رؤ6: 6). أي أنه بالكاد يجد الناس القمح والشعير، أي بالكاد يجدون غذاءهم. إنها تذكرنا بنبوءة حزقيال النبي: "يَأْكُلُونَ الْخُبْزَ بِالْوَزْنِ وَبِالْغَمِّ، وَيَشْرَبُونَ الْمَاءَ بِالْكَيْلِ وَبِالْحَيْرَةِ" (حز4: 16، 11). وعبارة بالوزن وبالكيل هنا، تذكرنا بقول الرائي عن الجالس على هذا الفرس "مَعَهُ مِيزَانٌ فِي يَدِهِ" (رؤ6: 5).
إنها مجاعات كثيرة حدثت عبر التاريخ في عصور متعددة، وبعضها في أعقاب الحروب، أو خلال قحط. وستكون هناك مجاعات أيضًا في الأيام الأخيرة حسب قول الرب:
"وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ" (مت24: 7).
إذًا في أواخر الأيام سوف تحدث كوارث متعددة: حروب، مجاعات، نزع السلام من الأرض. ولكن الله وضع أيضًا حدودًا.
حسبما قال هنا: "وَأَمَّا الزَّيْتُ وَالْخَمْرُ فَلاَ تَضُرَّهُمَا" (رؤ6: 6).
وهذا يذكرنا بقصة أيوب الصديق: ففي كل تجربة من التجربتين، كان الله يضع حدودًا للشيطان لا يتعداها في ضربته (أي1: 12) (أي2: 6).
ولعل في حفظ الزيت والخمر رمزًا معينًا.
على أن الكوارث موجودة في كل عصر. ولكن حجمها وشدتها وتأثيراتها في الأيام الأخيرة تكون أشد بدرجة كبيرة، حسب قول الرب: "لأَنَّهُ يَكُونُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ ضِيقٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْخَلِيقَةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ إِلَى الآنَ، وَلَنْ يَكُونَ" (مر13: 19).
يقول القديس يوحنا الرائي، عند فتح الختم الرابع:
"نَظَرْتُ وَإِذَا فَرَسٌ أَخْضَرُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ اسْمُهُ الْمَوْتُ، وَالْهَاوِيَةُ تَتْبَعُهُ، وَأُعْطِيَا سُلْطَانًا عَلَى رُبْعِ الأَرْضِ أَنْ يَقْتُلاَ بِالسَّيْفِ وَالْجُوعِ وَالْمَوْتِ وَبِوُحُوشِ الأَرْضِ".
إنه خراب مدمر يشمل مئات الملايين من البشر. لأنه إن كان في الصين حاليًا أكثر 1100 مليونًا، وفي الهند أكثر من 700 مليون. فربع هاتين الدولتين فقط يكون حوالي 500 مليون. فكم بالأكثر يكون ربع الأرض كلها!
يبدو أنها ستكون ضربة من ضربات الإفناء والإهلاك. وستحدث بواسطة السيف والجوع والموت ووحوش الأرض.
ربما أراد الله بمثل هذه الضربة المخيفة أن يوقظ ضمائر الناس.
لأن الذين لا تستيقظ ضمائرهم بالضربات البسيطة، يمكن أن يوقظهم مثل هذا الهول، لكي يتوبوا. الذي ربما تزول فيه بعض الأقطار.
هنا أسباب كثيرة للموت: الذين لا يموتون في الحروب بالسيف، ربما يموتون بالمجاعات، أو بوحوش الأرض، أو بالموت الطبيعي...
وما أكثر ما نرى الآن أسبابًا للموت من أمراض يصعب علاجها، مع بلاد أخرى يموت أهلها بالجوع، وبالكوارث الطبيعية...
ويهمنا أن نقف عند عبارة: "وَأُعْطِيَا سُلْطَانًا" التي وردت بالنسبة إلى الموت والهاوية (رؤ6: 7). وعبارة: "أُعْطِيَ أَنْ يَنْزِعَ السَّلاَمَ مِنَ الأَرْضِ" (رؤ6: 4). فنرى أنه سماح من الله بهذه الضربات، مما يدل على غضب الله الذي سيسكب على الأرض بسبب خطايا سكانها.
الزلزلة والغضب
الزلزلة والغضب
قال القديس يوحنا الرائي:
"وَنَظَرْتُ لَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ السَّادِسَ، وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، وَالشَّمْسُ صَارَتْ سَوْدَاءَ كَمِسْحٍ مِنْ شَعْرٍ، وَالْقَمَرُ صَارَ كَالدَّمِ، وَنُجُومُ السَّمَاءِ سَقَطَتْ إِلَى الأَرْضِ كَمَا تَطْرَحُ شَجَرَةُ التِّينِ سُقَاطَهَا إِذَا هَزَّتْهَا رِيحٌ عَظِيمَةٌ. وَالسَّمَاءُ انْفَلَقَتْ كَدَرْجٍ مُلْتَفٍّ، وَكُلُّ جَبَلٍ وَجَزِيرَةٍ تَزَحْزَحَا مِنْ مَوْضِعِهِمَا. وَمُلُوكُ الأَرْضِ وَالْعُظَمَاءُ وَالأَغْنِيَاءُ وَالأُمَرَاءُ وَالأَقْوِيَاءُ وَكُلُّ عَبْدٍ وَكُلُّ حُرٍّ، أَخْفَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَغَايِرِ وَفِي صُخُورِ الْجِبَالِ. وَهُمْ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ وَالصُّخُورِ: اُسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَعَنْ غَضَبِ الْحَمَلِ. لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ يَوْمُ غَضَبِهِ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَسْتَطِيعُ الْوُقُوفَ؟!" (رؤ6: 12- 17).
حقًا، مخيف هو ذلك اليوم الرهيب، يوم الغضب، والدينونة.
الله الوديع اللطيف، الذي قيل عنه: "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 19، 20). في ذلك اليوم نسمع عن غضبه: وإذا الأرض تتزلزل، والشمس تفقد ضياءها، والقمر يصير كالدم، والنجوم تتساقط من السماء، والناس يصرخون في خوف، هاربين من غضب الحمل.
إذا خاف الناس من غضب الأسد، يكون الأمر معقولًا. أما أنهم يخافون من غضب الحمل، فهذا أمر عجيب...!
إننا أيها الأخوة نتمتع بمحبة الله على الأرض. أما في يوم ظهوره للدينونة، فيقول الرسول: "مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ" (عب10: 31). ونقول في القداس الإلهي "وظهوره الثاني الآتي من السماوات، المخوف، المملوء مجدًا".
هناك أناس أيها الأخوة، ينظرون إلى الله من زاوية واحدة، وهي زاوية الحنان والعطف. ولا ينظرون إليه من زاوية العدل والحق!
إن الحنان والعطف صفتان هامتان. ولكن لا يجوز أن يقودا إلى الاستهتار وعدم المبالاة بوصايا الله على اعتبار أنه حنون وشفوق.
ففتح الختم السادس، يظهر لنا عدل الله، ويظهر لنا أيضًا قوته وهيبته ومخافته. وكيف أن الأيام الأخيرة ستكون أيامًا صعبة، ويوم الرب سيكون يومًا مخيفًا.
يقول إن "الشَّمْسُ صَارَتْ سَوْدَاءَ كَمِسْحٍ مِنْ شَعْرٍ"...
أي أنها ستفقد ضياءها. وليس هذا ببعيد، فما حدث عند فتح الختم السادس، حدث شيء منه في اليوم السادس وفي الساعة السادسة، في وقت صلب المسيح إذ قيل: "وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ" (مت27: 45) (لو23: 44).
وسيأتي وقت تفقد فيه الشمس كل إضاءتها. والعلماء أنفسهم يقولون إنه ظهرت بقع سوداء على الشمس. ولا ندرى ماذا يحدث إذا انتشرت.
وطبعًا إذا فقدت الشمس ضياءها، سيحدث المثل للقمر أيضًا، لأنه يستمد نوره من الشمس. وسيكون ذلك كله إنذارًا بمجيء الرب، لأنه قال عن الحالة قبل مجيئه: "وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ... وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (مت24: 29، 30).
سيكون المنظر مرعبًا. والناس يخافون ويخفون نفوسهم في المغاير وشقوق الجبال... عن وجه الجالس على العرش.
يقولون للجبال والصخور اسقطي علينا وأخفينا...! ولكن هل تستطيع الجبال والصخور أن تخفي شيئًا عن وجه الله العالم بالخفيات والظاهرات؟! ومن قبل، هل اِستطاع آدم أن يختفي من وجه الله حين اختبأ وراء الشجر؟! (تك3: 8).
لعل هذا يذكرنا بقول داود النبي للرب: "أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟ إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ، وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ" (مز139: 7، 8).
لكن عبارة "يقولون للجبال والصخور: اسقطي علينا، وغطينا وأخفينا. إنما تدل على مقدار الرعب والخوف... وربما الخجل أيضًا...
عجيب هذا الأمر: أناس يشتهون أن يروا الله، وآخرون يهربون من وجهه!!
البعض يشتاق إلى الله. ويقول له: "طَلبْتُ وجْهَك، ووَجْهَك يَا رَبُّ ألْتمِسُ. لا تَحْجبْ وجْهَك عنِّي" "لا تَردَّ وَجْهكَ عَنْ مَسيحِكَ" "لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ" (مز27: 8، 9) (مز132: 10) (مز51: 11).
إن المحب لله، يعتبر البعد عن وجه الله أمرًا لا يُحتمل. أما الخطاة غير التائبين، فيخافون اللقاء بالله، ويخشون رؤية وجهه. ولا يستطيعون أن يرفعوا عيونهم إليه، خجلًا منه، ورعبًا من مواجهته. فلماذا تعرّضنا الخطية إلى الخوف وإلى الهروب من الله؟
أليس الأفضل لنا والأكثر أمنًا أن نقترب إلى الله بالحب. والقديس يوحنا يقول في رسالته الأولى: "لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو4: 18).
يقول: "وَمُلُوكُ الأَرْضِ وَالْعُظَمَاءُ وَالأَغْنِيَاءُ وَالأُمَرَاءُ وَالأَقْوِيَاءُ وَكُلُّ عَبْدٍ وَكُلُّ حُرّ، أَخْفَوْا أَنْفُسَهُمْ".
إن الخوف في ذلك اليوم سوف يشمل الجميع، يتساوى فيه الكل، العبد والحرّ. ولكنه ذكر أولًا الملوك والعظماء والأغنياء. لأنه ربما غرور العالم، وغرور الغنى والعظمة والقوة. كل ذلك قد أبعدهم عن الله، وشغلهم عنه، ولم يعطهم فرصة للتمتع بالله.
أنا لست أدري كيف اِحتمل القديس يوحنا هذا المنظر، وهو الإنسان المملوء حبًا، الذي علمنا أن "اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو4: 16). كيف اِستطاع صاحب هذا القلب المحب أن يرى هؤلاء الناس وهم يصرخون قائلين للجبال والصخور: اسقطي علينا وغطينا من وجه الجالس على العرش! ومن وجه الحمل، الذي هو المسيح، الذي كان يوحنا يحبه ويتكئ في صدره!
يذكر الرائي "غَضَبِ الْخَرُوفِ"، لأنه قد جاء يوم غضبه. ومن يستطيع الوقوف.
السيد المسيح الوديع المتواضع الطويل الروح، الجزيل التحنن: إذا ما غضب... فمعنى هذا أنه أطال أناته إلى أبعد الحدود. فلما لم يستفد منها الخاطئ، ولم يستغلها للتوبة، بل اِستمر مُعرضًا نفسه للغضب الذي تسببه الخطية... أخيرًا كان كأس غضبه قد امتلأ. فلم يستطع الوقوف...
فليتنا من الآن، نلجأ إلى التوبة، قبل أن يمتلئ كأس الغضب، وقبل أن يُغلق الباب، ونسمع تلك العبارة المخيفة: "إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي" (مت7: 23). وحينئذ نصرخ قائلين للجبال غطينا وأخفينا من غضب الجالس على العرش ومن غضب الحمل.
إن التوبة هي التي تغطينا. ولكنها لا تغطينا وتخفينا من وجه الله. وإنما هي تغطي خطايانا وتخفيها. والله لا يعود يذكرها (إر31: 34).
نحن نشكر الله الذي كشف لتلميذه يوحنا عن كل هذه الأسرار. وأعطاه أن يعرف الأمور الكائنة، والعتيدة أن تكون بعد حين (رؤ1: 1).
فأراه عرشه الإلهي، وأراه القوات السمائية: الأربعة الأحياء غير المتجسدين، والأربعة والعشرين شيخًا، والقيثارات والجامات. وأراه السبعة ختوم، وفتحها ختمًا ختمًا وما يحدث عن فتح كل ختم. وأراه الأربعة أفراس، وأرواح الشهداء الذين تحت المذبح. وقبل كل هذا كشف له عن الرسالة التي يرسلها الرب لكل كنيسة من الكنائس السبع التي في آسيا...
وقبل أن يتحدث القديس يوحنا عن فتح الختم السابع، وما سيحدث من الملائكة السبعة وأبواقهم المخفية، أراه الذين سوف يختمون على جباههم، والذين سينجون من الضربات التي تحدث بعد ضرب الأبواق.
ولكن قبل هذا كله، أود أن أتكلم عن موهبة الرؤى هذه:
لا شك أن القديس يوحنا الحبيب قد وهبه الله العين التي ترى ما لا يراه الإنسان بالعين المادية المجردة.
إنها الموهبة التي قال عنها الرب لتلاميذه: "وَلكِنْ طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ" (مت13: 16). وهي الموهبة التى كان قد أخذها بلعام في أوائل حياته قبل سقوطه حينما قال عن نفسه: "الرَّجُلِ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنَيْنِ... الَّذِي يَرَى رُؤْيَا الْقَدِيرِ، مَطْرُوحًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ" (عد24: 3، 4).
العين المبصرة هي مثل عين أليشع النبي حينما رأى قوات الرب محيطة بالمدينة لكي تنقذها من قوات الأعداء، وقال: "أَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ" (2مل6: 16). ثم صلى من أجل تلميذه جيحزي قائلًا: "يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ. فَفَتَحَ الرَّبُّ عَيْنَيِ الْغُلاَمِ فَأَبْصَرَ" (2مل6: 17).
نفس الوضع كان بالنسبة إلى شاول الطرسوسي في الرؤيا حينما ظهر له السيد الرب في طريق دمشق (أع9).
كان يرى الرب والذين معه لا يرونه: "يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلاَ يَنْظُرُونَ أَحَدًا" (أع9: 7). وكان هو وحده يسمع صوت الرب، وهم لا يسمعونه. لذلك قال: "وَالَّذِينَ كَانُوا مَعِي نَظَرُوا النُّورَ وَارْتَعَبُوا، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ الَّذِي كَلَّمَنِي" (أع22: 9). ما كانوا يستحقون سماع صوته...
ونفس بولس الرسول أعطاه الله فرصة أخرى حينما: "اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ... وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا" (2كو12: 2، 4). إنها الحواس المدربة روحيًا، والموهبة التي لها من الله: أن ترى وتسمع...
إن هذا كله يذكرنا بما قاله القديس أنطونيوس للقديس ديديموس الضرير.
قال له: لا تحزن يا ديديموس أنك فقدت بصرًا ماديًا تتساوى فيه الوحوش والحشرات، إنما ينبغي أن تفرح وتسرّ أن الله قد وهبك بصرًا روحيًا تستطيع أن تنظر به نور اللاهوت.
والقديس الأنبا أنطونيوس أيضًا كان له النظر الروحي الذي رأى به روح القديس أمونيوس صاعدة تزفها الملائكة فعرف بوفاته...
وقديسون آخرون كانوا يرون أرواحًا أو ملائكة. والمعروف أن ملائكة الرب حالة حول خائفيه، ولكن ليس الجميع يرونها.
وكثيرة هي ظهورات القديسين، مثلما ظهرت القديسة العذراء على قباب كنيستها في الزيتون. والبعض قد أبصرها، والبعض لم يبصروا.
السيد المسيح نفسه موجود حولنا ومعنا، ونحن لا نبصره.
لقد قال: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت18: 20). وها هي الآلاف تجتمع باسمه كل يوم في الاجتماعات، وفي كل أسبوع أثناء القداسات. ولكن من له الموهبة أن يراه، أو من تسمح حكمة الله له أن يراه، لغرض إلهي أو لرسالة تعطى له؟
ظهورات الله كثيرة في العهد القديم، كما لأبينا إبراهيم، ولموسى النبي، ولكثير من الأنبياء. وكثيرة أيضًا هي الرؤى التي أعلن بها الرب أمورًا أو نبوءات لهؤلاء، كما لدانيال النبي (د18). وكما حدث أيضًا لحزقيال النبي عند نهر خابور (حز1). وملائكة ظهروا لكثيرين في كلٍ من العهدين القديم والجديد، وبلغوهم رسالات.
ولكن ليس كل أحد يستحق أن يظهر له الرب أو يكلمه.
لا شك أن أمورًا كثيرة مما لا نستطيع أن نراها على الأرض، إذ ليست لنا الموهبة التي ترى، سوف نراها في السماء.
وقد قال بولس الرسول عن نفسه من جهة هذا الأمر، كمثال:
"فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ" (1كو13: 12).
نحن الآن لنا عيون مادية تنظر الماديات فقط. ولكننا في القيامة سوف نقوم بأجساد روحانية، ولها عيون روحية تستطيع أن ترى الأرواح والروحيات. تستطيع أن ترى الملائكة وكل القوات السمائية، بل وأكثر بكثير مما رآه القديس يوحنا في رؤياه.
سوف يكشف لنا الله الكثير في ملكوته. بل سوف نعيش في رؤيا دائمة، أو في كشف مستمر Revelation.
ما أجمل تلك الحياة في الرؤى السمائية.
إن الرؤى التي كشفها الله على الأرض، هي مجرد عربون للرؤى التي سوف نراها في ملكوته.
مبارك هو الرب في كل عطاياه.



