تأملات في العظة على الجبل

| الكتاب | تأملات في العظة على الجبل |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | الكلية الإكليريكية بالكاتدرائية الكبرى بالعباسية- القاهرة |
| الطبعة | مزيدة، أكتوبر 2017م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 14313/ 2008 |
| الترقيم الدولي | 978-977-467-000-8 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
قصَةَ هذا الكتاب
إنه ثمرة أربعون محاضرة سبق ألقيتها.
منها ستّ عشرة محاضرة ألقيتها حينما كنت أسقفًا للتعليم، عن (العظة على الجبل) - أو بالحريِّ عن جزء بسيط منها... وكان ذلك في القاعة المرقسية بدير الأنبا رويس، وفي فناء الكلية الإكليريكية، حينما ضاقت القاعة عن اتساع الاجتماع، وضاق غيرها.
ألقيت هذه المحاضرات في الفترة ما بين يوم الجمعة 30 يونيو 1967م، ويوم الجمعة 13 أكتوبر 1967م. وفي ذلك الوقت كان العمل جاريًا في وضع أساسات الكاتدرائية الكبرى، التي بدأت محاضرتنا فيها من أواخر فبراير 1969م.
وقد صدرت في كتاب يشمل التطويبات، وقول الرب: "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ... أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ..." (مت5). ووقفت عند هذا الحد في الجزء الأول من تأملاتنا في العظة على الجبل، لكي يبدأ الجزء الثاني بقول الرب: "فَلْيُضِيء نُورُكُمْ... لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ"، "مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ" (مت5: 16، 17).
وقد عدت للتأمل في هذه الموضوعات معكم في أيام الأربعاء بالكاتدرائية المرقسية الكبرى بالعباسية، حيث ألقيت أربع وعشرين محاضرة أخرى ابتداءً من "وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مت5: 19)، إلى عبارة "بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ" (مت7: 28).
وقد تم تجميع كل هذه المحاضرات لكي تصدر في كتاب واحد يشمل الجزئين الأول والثاني.
والآن أتركك أيها القارئ العزيز مع الكتاب لتتأمل وتحيا مع عظة السيد المسيح على الجبل.
البابا شنوده الثالث
مقدمة الجَبَــل
مقدمة الجَبَــل
العظة على الجبل - كما يقول البعض - هي دستور المسيحية. بل هي أسمى تعاليم عرفتها البشرية. والسيد المسيح خاطب بها جميع الناس، مما يدل على أن الكمال يمكن تقديمه للكل، وأن في قلب كل إنسان استعدادًا لأن يسمع أعمق المبادئ والقيم، ويحبها ويقتنع بها، مهما كانت الإرادة تقف عائقًا أحيانًا..
وهذه التعاليم العالية، كان يليق أن تُقال على جبل عالٍ. لكي فيما يرتفعون صاعدين بأجسادهم إلى الجبل، تكون أرواحهم مستعدة أيضًا أن تصعد إلى المستوى الذي تفهم فيه هذه التعاليم. كما أن الذي يصعد الجبل، يرى تحته العالم ضئيلًا.
ولا ننسى أيضًا أن شريعة العهد القديم أعطيت من على جبل، رأى فيه الناس علو الله وعظمته وهيبته.
فكان مناسبًا أن شريعة العهد الجديد يقدمها الرب إلى الناس من على جبل، يذكرهم بجبل الشريعة.
وقد قارن القديس بولس الرسول بين الجبلين في رسالته إلى العبرانيين فقال: "لأَنَّكُمْ لَمْ تَأْتُوا إِلَى جَبَل مَلْمُوسٍ مُضْطَرِمٍ بِالنَّارِ، وَإِلَى ضَبَابٍ وَظَلاَمٍ وَزَوْبَعَةٍ، وَهُتَافِ بُوق وَصَوْتِ كَلِمَاتٍ، اسْتَعْفَى الَّذِينَ سَمِعُوهُ مِنْ أَنْ تُزَادَ لَهُمْ كَلِمَةٌ... بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ. أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ... وَإِلَى وَسِيطِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ..." (عب12: 18- 24).
أعطيت شريعة العهد القديم في خوف، حتى قال موسى النبي: "أَنَا مُرْتَعِبٌ وَمُرْتَعِدٌ" (عب12: 21) بعكس العهد الجديد:
إذ تكلم السيد المسيح في وداعة. وكان تطويب الوداعة في مقدمة تطويباته. ولم يرتعب الناس من نار ولا من ضباب ولا من زلزلة. ولم يحتاجوا إلى وسيط كموسى ينقل إليهم كلام الرب. بل كان الرب في وسط أولاده، يكلمهم في حب كأب...
وكان يتكلم بتأثير شديد عليهم حتى قيل: "بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ" (مت7: 28- 29).
وحسن أن السيد المسيح قد كلمهم من على جبل، إذ لا يوجد هناك من يشغل حواسهم، فيتركز تفكيرهم فيما يقوله الرب لهم...
كلمهم هناك بعيدًا عن كل المعوقات، وبعيدًا عن بهجة المدينة وملاهيها ومتعها وزحامها ومشاغلها. حيث لا يجذبهم عنه شيء من مهام العمل أو البيت أو ألوان المسليات المتنوعة. إنما هنا الرب وحده. فلا يعطلهم شيء من جهة الحسّ أو من جهة الفكر. وصدق مار إسحاق حينما قال:
إن مجرد نظر القفر يميت من القلب الحركات العالمية.
وهكذا كان يأخذهم إلى الرب أحيانًا إلى موضع قفر أو موضع خلاء (لو9: 10)، وأحيانًا إلى شاطئ البحر، أو شاطئ البحيرة. المهم أن يبعدوا عن أمور العالم والمادة لكي يتفرغوا له، كما دعا أبرام من قبل، بعيدًا عن أرضه وعشيرته وبيت أبيه (تك12: 1).
وجميل أن الجموع تبعت المسيح إلى الجبل.
كانت جاذبيته قد شدّت الكل: شخصيته، وتعاليمه، وشهادة المعمدان له من قبل، وأحاديث تلاميذه الذين تبعوه، وبعض معجزاته... وظلت شخصية المسيح لها طابع "رجل الجماهير" إلى حين صلبه. تتبعه الآلاف باستمرار، ويحيطه الزحام في كل مكان. حتى قال عنه شيوخ الشعب "هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!" (يو12: 19). وقيل عنه أيضًا "الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ" (لو19: 48).
لقد أخذهم الجبل، كما أخذ موسى من قبل إلى الجبل.
وقد عاش إيليا من قبل حياة الجبل، جبل الكرمل، وكذلك أليشع وبنو الأنبياء ويوحنا المعمدان أيضًا كان رجل البراري، عاش كإيليا في البرية... ويعوزنا الوقت إن تحدثنا عن الجبال والبرية في حياة القديسين، وكل من عاش حياة الصلاة والتأمل من الرهبان والسواح.
وكان للجبل مكانته في حياة ربّ المجد نفسه.
منذ قيل عنه في سفر نشيد الأناشيد: "هُوَذَا آتٍ طَافِرًا عَلَى الْجِبَالِ، قَافِزًا عَلَى التِّلاَلِ" (نش2: 8).
قضى أربعين يومًا على الجبل، في صلاة، بعد عماده.
وبعد حلول الروح القدس عليه بهيئة حمامة، وقبل بدء خدمته... كانت فترة اعتكاف وخلوة. ووضع أمامه فيها المبادئ الأساسية الخاصة بمنهج خدمته. وكانت هذه المبادئ واضحة في مواجهته للشيطان على هذا الجبل، الذي عُرف باسم جبل التجربة.
ومن جبل التجربة، إلى جبل العظة، إلى جبل الزيتون.
وكان جبل الزيتون من الأماكن المحببة إليه. وكان موضع خلوته الذي يتردد عليه باستمرار، يقضي الوقت في تأمل وصلاة، في صلة عميقة بالآب. وما أجمل ما قيل عنه في إنجيل يوحنا:
"فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ. أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ" (يو7: 53؛ 8: 1).
وكان بستان جثسيماني، من أماكن خلوته المحببة. وفيه قضى وقت صراعه الروحي لأجلنا، قبل القبض عليه مباشرة. وقبل أن يمضي إلى جبل آخر، في رحلته إلى الصليب "طافرًا على الجبال".
ذلك هو جبل الجلجثة، الذي سجل الرب فيه أعظم قصة حب وبذل، لأجل خلاص العالم.
على هذا الجبل سفك دمه، وعلى هذا الجبل قال كلماته السبع المشهورة على الصليب. وعليه غفر للص اليمين، كما غفر للبشرية جمعاء. إنه جبل الألم، والحب.
وقد سبقه جبل آخر، أعطانا الرب فيه صورة من مجده، حتى تقوي إيمان الناس وقت صلبه.
كان ذلك على جبل طابور، جبل التجلي (مر9: 2، 3).
وقيل إن ذلك حدث على جبل عالٍ. وفيه ظهر معه موسى وإيليا، وهما أيضًا من رجال الجبل والبرية. وعلى هذا الجبل أيضًا شهد له الآب قائلًا: "هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا" (مر9: 7).
أما جبل الصعود، وهو أحد جبال مجده، فيُقال إنه جبل الزيتون (أع1: 12).
وأمام محبة المسيح للجبال، لم يكن غريبًا أن يُلقي عظته المشهورة هذه على الجبل... وأن يقول عنه متى الإنجيلي: "وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ... فَفتحَ فاهُ وعَلَّمَهُمْ قَائِلاً:..." (مت5: 1، 2).
وكان الناس على الجبل، لا يرون سوى السماء من فوق، ولا يعوقها عائق من بناء... والأفق الممتد أمامهم في اللانهائية.
ومع السماء، واللانهائية، والبعد عن المادية، استمعوا إلى صوت الرب الذي فتح فاه وخاطبهم.
فتح فـَــاه:
لعل البعض يسأل: ما معنى عبارة فتح فاه؟
قال القديس أغسطينوس: "إن السيد المسيح فتح فاه في هذه المرة، لأنه في المرات السابقة كان يفتح أفواه الأنبياء، لكي يكلموا الناس...".
لهذا قال معلمنا القديس بولس الرسول: "اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ... كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ" (عب1: 1، 2).
أي أنه في العظة على الجبل وغيرها، لم يكلمنا عن طريق الأنبياء، إنما فتح فاه وخاطبنا.
ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: "إن المسيح فتح فاه وكلمهم، لأنه في كل السنوات السابقة كان يكلمهم بالقدوة دون أن يفتح فاه بالتعليم".
ملاحظات علىَ محتويات العظة:
1- تكاد العظة على الجبل أن تكون ردًّا ضمنيًا على الذين يعلَّمون بالإيمان وحده قائلين: "آمن فقط"...
فكل العظة على الجبل عبارة عن سلوكيات روحية. ولم ترد فيها كلمة واحدة عن الإيمان!
فهي حديث عن الفضائل العظمى، ونقاوة القلب، والقدوة الحسنة، والمعاملات مع الناس، والصلاة والصوم، والمفهوم السليم لوصايا العهد القديم... وتختم بالثمر الروحي (أي الأعمال) وبعبارة "مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا..." (مت7: 24).
2- السيد كلَّم الناس عن الحياة العملية، وليس عن الطقوس وعن الممارسات والعادات التي كان يتحدث عنها معلمو الناموس بين اليهود. ودخل بهذا الكلام إلى العمق، إلى القلب.
3- أيضًا تحدث عن الكمال، وهو يكلم جميع المستويات:
وهو يكلم الرجال والنساء، والشيوخ والأطفال، وكل المستويات الروحية، وكل مستويات السن... إنه يعرض عليهم ما ينبغي أن يكون، ويصعد بهم إلى قمم السمو. وكل إنسان يتصرف حسبما يمكنه، وحسبما تكون له من نعمة... ولم يدعهم يقفون عند حد معين في الطريق الروحي، بل قال لهم: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).
4- وفي العظة على الجبل، قدم الله كأب سماوي:
وكرر عبارة "أبوكم السماوي" ومترادفاتها مرات عديدة.. حوالي إحدى عشرة مرة. كما علم الناس أن يصلوا قائلين: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ". وهنا تأكيد على مفهوم الحب بين الله والناس.
5- كذلك كرر عبارة "الملكوت" و"السموات" كثيرًا.
وبهذا نقلهم من اشتهاء ملك أرضي يدعو إليه اليهود، إلى ملكوت سماوي فوق مستوى العالم والمادة.
6- ولم يتملق مشاعر الناس، ومحبتهم للعظمة...
لم يتحدث إليهم كمَن يريد أن يخلصهم من عبودية الرومان. بل قال: "وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ"، "وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا"، "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ" (مت5: 41، 40، 39).
إنه يريد لهم النقاوة الداخلية، وليس العظمة الخارجية.
أيها السيد الرب: مَن سيتحمس لك عندما تقول: "طوبى للمساكين" أو حينما تقول: "حول الخد الآخر" و"لا تقاوموا الشر"؟
ولعله يقول: لم آت ليتحمس لي أحد... إنما لكي أطهر هذه القلوب، حتى لو صلبتني... لذلك لا مانع مطلقًا من أن أبدأ حديثي بعبارة:
"طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ...".
طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ
نتكلم في هذا المقال عن أولى التطويبات في العظة على الجبل، وهي:
طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ
التطويبَات
بدأ السيد المسيح عظته بالتطويبات التسع...
وكلمة طوبى تعني السعادة والبركة معًا وليست واحدة منها فقط، كما تفعل بعض الترجمات الحديثة، فتحذف نصف المعنى.
بعض الترجمات الإنجليزية تترجمهاBlessed والبعض تترجمها Happy والمفهوم السليم يجمع المعنيين معًا: السعادة التي هي نتيجة للبركة. والبركة التي تحمل في داخلها السعادة.
وهنا السيد المسيح يشرح للناس طريقة السعادة والبركة.
إن الله يريد السعادة لأولاده. ويبدأ العظة بشيء مفرح: تعالوا يا أولادي لأفتح لكم أبواب السعادة والبركة. فالإنجيل هو بشارة مفرحة. والملاك الذي بشر بميلاد المسيح، قال للرعاة: "هَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ" (لو2: 10).
ولكن الناس يختلفون في معنى السعادة والبركة. لذلك جلس السيد المسيح على الجبل يشرح المعنى السليم للطوبى.
يشرح الطوبى بمفهوم جديد، روحي.. غير مفهوم للمجتمع وقتذاك، سواء من الرومان أو من اليهود.
فالرومان في سلطة حكمهم، وفي كل ما يحيط بهم من فخامة وعظمة، ما كانوا يقبلون أن يكون طريق السعادة هو المسكنة بالروح! ولا اليهود المشتاقون إلى التخلص من عبودية الرومان، كانوا يقبلون أن يكون طريق البركة هو المسكنة. فالبركة التي منحت لإبراهيم، كانت السعة في الأرض، والكثرة في الأولاد، والوفرة في الخيرات.
ولم يباركه الله ولا أبناءه بالمسكنة... بل "أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً" (خر3: 8). وهكذا كانت البركة التي تتلى على الشعب من فوق جبل جرزيم (تث27: 11) والتي يُقال فيها: "يَأْمُرُ لَكَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ فِي خَزَائِنِكَ وَفِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ، وَيُبَارِكُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ" (تث28: 8).
ولكن السيد هنا يشرح بركات الروح، لا البركة المادية.
كانت البركة المادية في العهد القديم، رمزًا للبركات الروحية التي في العهد الجديد. والمفروض أن يصل الشعب إلى النضج الروحي الذي يفهم فيه البركة روحيًا... وفي مقدمة هذه البركة: المسكنة بالروح.
كانت المسكنة بالروح تحمل تخلصًا من خطية آدم وخطية الشيطان.
الشيطان أراد أن يكبر، وقال: "أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 14). وبنفس الخطية أغرى أبوينا الأولين: "وَتَكُونَانِ كَاللهِ..." (تك3: 5). وإذ فقدا المسكنة بالروح، فقدا أيضًا صورتهما الإلهية، وفقدا الفردوس. وجاء المسيح يعيدهما إلى رتبتهما الأولى، مصححًا الخطية الأولى، بقوله: "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ...".
إن الله الذي أخلى ذاته وأخذ شكل العبد (في2: 7) لا يحب الكبرياء، بل قيل إنه يقاوم المستكبرين (يع4: 6).
"وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً". لهذا قال في سفر إشعياء: "إِلَى هذَا أَنْظُرُ: إِلَى الْمِسْكِينِ وَالْمُنْسَحِقِ الرُّوحِ وَالْمُرْتَعِدِ مِنْ كَلاَمِي" (إش66: 2). وقال داود النبي: "مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إِلهِنَا السَّاكِنِ فِي الأَعَالِي؟ والناظر إلى المتواضعات... الْمُقِيمِ الْمِسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ، الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافٍ، مَعَ أَشْرَافِ شَعْبِهِ" رؤساء شعبه" (مز113: 5 - 7).
والمسكنة بالروح خط واضح صريح في تسبحة العذراء:
فتقول: "نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ... شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ" (لو1: 48- 52).
وهي أيضًا خط واضح في حياة داود وفي مزاميره.
إنه يتحدث كثيرًا عن مسكنته وحاجته إلى الله، وباستمرار يطلب منه المعونة والنصرة. انظروا كيف يقول للرب؟ "وأمَّا أنَا فمِسْكينٌ وفَقِيرٌ. اللَّهمَّ أعِنِّي. أنْتَ مُعيني ومُخلِّصِي يَا ربُّ فَلا تُبْطِئ" (مز69: 5).
يقول هذا: داود الملك العظيم، والقائد، والنبي، والقاضي.
الرجل الذي كان يسجد أمامه عظماء وأنبياء وملكات. ويرتعش من هيبته ملوك. ولكنه أمام الله مسكين وفقير. يقول له: "أَملْ يا رَبُّ أُذُنَك واسْتَمعْني لأنّي مسْكينٌ وبائِسٌ أَنا" (مز86: 1).
إنه على الرغم من عظمته أمام الناس، هو مسكين أمام نفسه، ومسكين أمام الله، ومسكين في حروبه الروحية!
والتاريخ المقدس يعطي أمثلة من المساكين المحبوبين من الله.
لعل أولهم كان هابيل البار الذي كان مسكينًا أمام أخيه قايين الجبار أول قاتل على الأرض. وقد وقف الله إلى جوار هابيل يدافع عنه بعد موته، ويدين قاتله بأول لعنة أصابت أحدًا من البشر (تك4: 11).
وبنفس الوضع وقف الله مع يعقوب الذي كان مسكينًا إذا قورن بأخيه عيسو الذي قال: "أَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي" (تك27: 41). وبارك الله يعقوب، وتجسد من نسله، وأنقذه من عيسو.
وكان الله مع يوسف، الذي ألقاه إخوته في بئر، وباعوه كعبد، واتهمته امرأة فوطيفار ظلمًا، وأُلقيَ في السجن وهو بريء. ولكن الله نصره على إخوته، ورفع اسمه جدًا، وجعله أبًا لفرعون، وثانيًا له في المملكة، وأعطاه نصيب سبطين في الاثني عشر.
إنه الرب الذي يقول: "مِنْ أجْل شَقَاءِ المسَاكِين وتَنهُّدِ البَائِسينَ الآنَ أقُومُ، يقُولُ الرَّبُّ، أصْنَعُ الَخَلاصَ عَلَانِيةً" (مز12: 5).
إن كنت مسكينًا، سيقف الله إلى جوارك. وإن كنت جبارًا على غيرك، تضرب وتظلم بلا مخافة، فإن الله يقف ضدك، بينما يعطي الطوبى للمساكين...
كان الله مع لعازر المسكين، ولم يكن مع الغني، لذلك قيل إن لعازر لما مات: "حَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ" أما الغني فمات ودفن، وكان يتعذب بينما لعازر يتعزى (لو16: 22).
وكان داود أيضًا مسكينًا بالنسبة إلى طغيان ابنه أبشالوم عليه، بخيانته له، وضمه الشعب إلى جانبه، ومحاربته لأبيه... وأخيرًا نصر الله داود الذي خرج حافيًا مشردًا من وجه أبشالوم، يعيره شمعي بن جيرا في الطريق.
وكان داود مسكينًا أيضًا مع يوآب قائد الجيش!
ووقف الله أيضًا مع الابن الضال، الذي عاد في مسكنة إلى بيت أبيه، يقول له: "وَلَسْتُ مُسْتَحِقًّا بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْنًا" (لو15: 19، 21).
بينما أخوه الأكبر الذي في كبرياء قلب، رفض الدخول إلى البيت، ورفض الاشتراك في الوليمة فرحًا بأخيه، وفي كبرياء أدان الآب أيضًا! هذا لم يكن مقبولًا. ولم يقل الكتاب إنه دخل إلى بيت الآب...
ووقف الله مع العشار المسكين، وليس مع الفريسي المتكبر.
وقال الكتاب عن العشار إنه "نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ" الفريسي المحتقر له، الذي قال: "اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ" (لو18: 14، 11).
ووقف الله مع اللص اليمين الذي قال: "نحن بعدل جوزينا" (لو23: 41)، بينما هلك اللص الآخر الذي نسى خطاياه، وكان يجدف بكبرياء!
ووقف الرب أيضًا مع الكنعانية المسكينة، التي قالت في انسحاق قلب: "وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!" (مت15: 27). ورأى الرب في مذلتها إيمانًا لم يجده في كل إسرائيل!
هكذا جاء الرب من أجل المساكين، وقال في ذلك:
"رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" (إش61: 1).
هؤلاء الذين من أجلهم جاء المسيح، وليس من أجل المتكبرين أو المنتفخين، أو الذين يظنون في أنفسهم أنهم أبرار! ويقارنون.
كن إذًا متواضعًا، مسكينًا بالروح، لأنه قريب هو الرب من المنسحقين بقلوبهم... وكن خادمًا للجميع.
في مرة أراد الشيطان أن يحارب أبًا بالمجد الباطل. فسأله قائلًا: "من هم الخراف، ومن هم الجداء؟"
فأجاب القديس: (كل ما أعلمه أني واحد من الجداء. والرب يعرف خرافه)! فلم يحتمل الشيطان تواضعه ومضى منهزمًا.
مقاييس المسكنَة:
في العهد القديم كانت لهم مقاييس مختلفة. ما كان أحد من خلال تلك المقاييس، يمكن أن يعتبر المسكين عظيمًا! ولكن المسيحية جاءت فغيرت المقاييس. ووقف السيد المسيح يقول: "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ".
وواضح جدًا أن المسكنة بالروح، هي غير المسكنة بالجسد...
فربما يوجد إنسان مسكين بالجسد، فقير، مريض، محطم جسديًا ومتعب... وعلى الرغم من هذه المسكنة بالجسد، قد تكون روحه متعالية ومنتفخة! وفي طباعه عجرفة، على الرغم من جسده المحطم.
أما المسكين بالروح، فروحه مسكينة، أي أنه متواضع ومنسحق. نفسه في التراب والرماد مهما كان في مركز كبير! لا يتعالى على غيره، ولا ينظر إليه من فوق، ولا يطلب أن يعامله الناس حسبما يستحق من تعظيم واحترام.
مثال ذلك، أبو الآباء إبراهيم...
كان من أعظم أهل زمانه، وفي حرب كدرلعومر، انتصر على أربعة ملوك أقوياء. وردّ سبي سدوم وخرج لاستقباله ملك سدوم، وملكي صادق ملك شاليم... (تك14: 17، 18). ومع ذلك فإنه لما اشترى من بني حث مغارة المكفيلة لدفن امرأته سارة، سجد أمامهم (تك23: 12) مع أنهم كانوا يقولون له: "أَنْتَ رَئِيسٌ مِنَ اللهِ بَيْنَنَا" (تك23: 6). وكذلك لما زاره ثلاثة ضيوف مع أنه لم يكن يعرف شخصياتهم المقدسة "رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ" (تك18: 2) مع كونه شيخًا في المائة من عمره. وكلمهم بأدب شديد "يا سيدي، مررتم على عبدكم".. إنه إنسان متواضع، مسكين بالروح، لا يرتفع روحه مهما كان مركزه.
داود النبي وهو ملك، يقول: "أمَّا أنَا فمِسْكينٌ وفَقِيرٌ" (مز70: 5).
التاج والعرش، وقيادة الجيش، وسجود الناس له، كل هذه لم ترفع قلبه إطلاقًا أمام الله. بل كان يبكي أمامه. ويقول: "اِرْحَمنِي يَا رَبُّ فإنِّي ضَعِيفٌ" (مز6: 2).
السيد المسيح إذًا يريد بمسكنة الروح أن تكون غير متعالية. وعندئذ سوف يتبعها الجسد، ويكون حاله كحالها.
إذا انتفخت الروح ينتفخ الجسد، وإذا تعالت يتعالى معها:
ملامحه تبدو فيها الكبرياء، نظراته، شكله، حركاته، طريقة جلوسه، مشيه... نبرات صوته فيها التشامخ... طريقة كلامه، وحتى صمته أيضًا... كل هذا تظهر فيه العظمة والشعور بالذات. وكما يقول المثل: "مناخيره في السماء". كبرياء الروح تولدت منها كبرياء في الجسد...
وبالعكس فإن المسكين بالروح، تكون ملامحه وديعة ومتواضعة... ونظراته منكسرة ومشيته هادئة، وطريقة جلوسه بأدب، وكلماته رقيقة، وفي صوته الوداعة والسلام وكما يُقال في البستان (صوت ليّن، ومشي هيِّن).
كل مسكنة بالروح لا بد تصحبها مسكنة بالجسد. ولكن ليست كل مسكنة بالجسد، دليلًا على أن صاحبها مسكين بالروح.
ما صفات المسكين بالروح، الذي له تطويب السيد المسيح؟
إنه إنسان منسحق أمام نفسه في الداخل، ومنسحق أمام الله، ومنسحق أمام الناس. وحتى أمام الشيطان أيضًا، تراه بالمثل منسحقًا!
مِسكين أمَام نفسهِ:
المسكين أمام نفسه، لا يكون عنده اعتداد بالذات، ولا انتفاخ، ولا يشعر أنه شيء. بل يرى نفسه خاطئًا وضعيفًا..
حتى ولو أخذ الناس عنه فكرة طيبة، لا يصدقهم، لأنه في داخله يعرف حقيقته جيدًا. ونقائصه واضحة تمامًا أمام عينيه. كل كلمة مديح تدخل إلى أذنيه، يشعر في داخله أنه لا يستحقها، وأن الناس مخدوعين فيه. ربما يكون بالنسبة إليهم كالقبور المبيضة من الخارج (مت23: 27).. مجرد منظر من الخارج!
ولا نقصد بمسكنة هذا الشخص، كلمات متضعة يقولها...
فما أكثر كلمات الاتضاع التي قد يلفظ بها إنسان، ولا تدل إطلاقًا على حالة قلبه... فقد يقول لك شخص: (أنا كلّي خطية)... ومع ذلك إن عاتبته في شيء، وأظهرت له أنه مخطئ فيه، قد لا يحتمل ويثور عليك. ولا شك أن مثل هذا الإنسان ليس مسكينًا بالروح، مهما حاول أن يظهر المسكنة بألفاظه!
أما المسكين بالروح، فيقول كلمة الاتضاع من كل قلبه.
يقولها وهو يعنيها ويقصدها، كحقيقة هو مقتنع بها، وليس بأسلوب الرياء أو التظاهر. يقول إنه ضعيف، أو خاطئ، أو غير مستحق... وهو في كل هذه الصفات صادق مع نفسه. قلبه مثل لسانه تمامًا.
وإن قيلت له هذه الألفاظ من آخرين لا يتضايق.
بل إنه يقول لنفسه، كما قال القديس موسى الأسود لنفسه لما طردوه: (حسنًا فعلوا بك هذا يا أسود الجلد يا رمادي اللون. وما دمت لست بإنسان. فلماذا تقف وسط الناس؟!).
يليق بك أن تكون مسكينًا بالروح، لأنك سقطت كثيرًا، كما إنك معرض للسقوط في المستقبل بسبب ضعفك. وقد استطاع الشيطان أن يهزمك حتى في خطايا تافهة استطاعت أن تسيطر عليك، وأصبحت عادات لم تتخلص منها على مدى سنوات!
المسكين بالروح: حتى إن لم يسقط، يشعر بمسكنة:
يقول لنفسه: لعل الشياطين لم تحاربني، لأنها لا تشعر بوجودي، أو لأنها تحتقر جهادي الروحي، وترى أنه لم يصل إلى المستوى الذي يستحق المحاربة! كمثال الراهب الشاب الذي اشتكى للقديس الأنبا بيشوي من ثقل محاربات الشياطين عليه، فاحتجت الشياطين قائلين: "من هو هذا الشاب؟! إننا لم نسمع بعد بأنه قد ترهب، لنحاربه!".
المسكين بالروح يقول لنفسه: إنها كبرياء مني أن أظن أن الشياطين تحاربني! فسقوطي بسبب نفسي وضعفها، وليس بسبب الشياطين.
ويكون مثل تلميذ راسب في امتحانه. لا تأتيه كبرياء، بل نفسه مكسورة بسبب هذا السقوط. ومهما قال له أحد أنه ذكي أو مجتهد، لا يصدق هذا الكلام... هكذا كن كلما تذكرت خطاياك...
وحتى في عدم سقوطك، احتفظ بروح المسكنة، خوفًا من السقوط، حسب قول الكتاب: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ" (أم16: 18). ذلك لأن بالكبرياء، قد تتخلى النعمة، فيضعف الإنسان أمام الشياطين ويسقط، حتى يشعر بضعفه ولا يعود ينتفخ. فالأفضل من الآن أن يشعر الإنسان بضعفه، حتى لا يسقط.
ذلك لأن المسكنة بالروح، هي في ذاتها وقاية من السقوط.
فالمسكين بالروح لا يعتمد مطلقًا على قوته الخاصة، إنما هو دائمًا يلتمس معونة من الله تسنده في ضعفه. وسريعًا ما تأتيه المعونة، حسب قول المزمور: "قَرِيبٌ هُوَ الرَّبُّ مِنَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ وَيُخَلِّصُ الْمُنْسَحِقِي الرُّوحِ" (مز34: 18). وإذ تسند النعمة هؤلاء على الدوام بسبب اتضاعهم، لذلك ينجون من حروب كثيرة...
المسكين بالروح: يظهر اتضاعه الداخلي في معاملاته مع الناس.
مِسكين أمَام الناس
الإنسان المسكين بالروح، إذ يشعر في داخله بضعفه وبخطيته، يعامل نفسه هكذا، ويتعامل مع الناس على هذا الأساس.
فهو لا يمكن أن يتعالى على أحد، بل يقول لنفسه: من أنا حتى أتعالى على غيري، وكل هؤلاء أفضل مني... أنا الذي فعلت كذا وكذا... لذلك فهو يعامل جميع الناس، بكل أدب، وبكل احترام وتوقير، حتى لو كانوا أصغر منه سنًا أو مركزًا.
وهو دائمًا يتخذ "المتكأ الأخير"، ليس فقط من أجل تنفيذ الوصية، إنما بالأكثر بسبب اقتناعه الداخلي بهذا.
إن دخل الكنيسة، يظن نفسه نشازًا في لحن جميل، ويرى نفسه في جماعة المؤمنين، كأنه لطعة تشوَّه صورتهم! لذلك فهو لا يتكلم مع أحد بسلطان، ولا يناقش أحدًا في مسئولية. وفي حياته عمومًا يضع نفسه آخر الكل، ويجعل من نفسه خادمًا للكل... وكما قال الشيخ الروحاني: في كل موضع وُجدت فيه، كن صغير إخوتك وخديمهم.
المسكين بالروح لا ينتهر أحدًا، ولا يغضب على أحد، ولا يحزن أحدًا، لأنه يطلب بركات وصلوات كل أحد.
لا ينتقد أحدًا، ولا يدين، ولا يشهر بأحد، ولا يتهكم على أي إنسان. ويضع أمامه باستمرار قول الرب:
"مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ" (يو8: 7).
وهو في انسحاق قلبه، لا يقيم نفسه معلمًا لأحد.
بعكس ذلك شاب عينوه في الكنيسة خادمًا لفصل من فصول مدارس الأحد. وكانت له فرصة أن يقرأ الكتاب ويعلمه للأطفال... تراه بكل جرأة يقيم نفسه معلمًا ومرشدًا لأسرته كلها، ورقيبًا على أفعالهم، ومؤدبًا لهم جميعًا! حتى في علاقته مع والديه أيضًا! يمكن أن ينتهر ويعنف والده أو والدته على بعض التصرفات، بدون احترام وبدون أدب! وينبههم إلى وصايا الله بعجرفة، وربما بإهانة أيضًا... كما لو كانت معرفته بالله، بدلًا من أن تدعوه إلى الاتضاع، قد قادته إلى العجرفة..!
وإن عاتبته يقول إنه يدافع عن الحق! وتتعجب: لماذا يكون الدفاع عن الحق بهذا الأسلوب المنفر وبغير اتضاع؟!
لا شك أن الإنسان المنسحق بروحه يمكنه أن يدافع عن الحق، ولكن بأسلوب متضع. وهو قبل كل شيء، يأخذ حق الله من نفسه هو، قبل أن يطالب الآخرين بحقوق الله عليهم. وما يريد أن ينصحهم به، ينفذه أولًا في حياته...
وقد يدافع عن الحق، بأن تكون حياته شهادة للحق.
وتكون حياته مُبكّتة للآخرين، دون أن يبكّت أحدًا بلسانه، وإنما هو يحتفظ بمسكنة الروح. وتقف قدوته الصالحة، الصامتة، لكي تبكت الآخرين في أخطائهم... إن الإنسان الذي يعرف الحق ويحب الحق، يعرف تمامًا أنه ليس من حقه أن يهين غيره بحجة الشهادة للحق.
المنسحق بالروح يفضّل أن يكون تلميذًا لا معلمًا...
إذا جلس في مجتمع، يكون آخر المتكلمين، وفي ذهنه قول الكتاب: "لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ" (يع1: 19). وهو يفعل هذا ليس من أجل فضيلة الصمت، وإنما من أجل رغبة قلبية حقيقية في أن يستفيد مما يُقال من حديث. وإن سألوه رأيه يقول "[البركة فيكم. أنا أحب أن أسمع وأن أستفيد].
والذي هكذا طبعًا، لا يمكن أن يقاطع غيره في الكلام.
فالذي يسكّت غيره ليتكلم هو، إنما يحتقر كلام غيره، ويشعر أن ما يقوله، هو الأصح وهو الأفضل... لذلك مثل هذا يقيم نفسه رقيبًا على الناس في أحاديثهم، ويقول هذا صح وهذا خطأ. وهكذا إذ فقد اتضاع قلبه، يفقد اتضاع لسانه أيضًا... والمطلوب هو الأمران معًا: اتضاع القلب، واتضاع اللسان.
فالبعض إذا أخطأ، يعتذر بلسانه فقط، وليس بقلبه.
قد يقول كلمة "أخطأت". ولا تكون مقبولة منه، لأنه يقولها بلا مبالاة، وبدون روح، وبدون اتضاع، وبغير شعور قلبي بأنه أخطأ. لذلك لا يقتنع بها المُساء إليه... وبنفس الوضع قد يضرب ميطانية، ولا تقبل به.
ذلك لأنه في الميطانية، انحنى جسده فقط وليست نفسه!
مجرد شكليات، عمل ظاهري بدون روح، لا يكون مقبولًا!
انظروا. هوذا المرتل يقول في المزمور: "لَصقتْ بالترابِ نَفْسي" (مز119: 25). "نفسي وليس جسدي". الذي تُلصق نفسه بالتراب، هو الذي يسجد "بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ" (يو4: 23).
مثل هذا الإنسان يفضّل جميع الناس عليه، باتضاع قلب.
وأقول باتضاع قلب، لأن هناك نوعًا من الناس يصرّ على أن يأخذ المتكأ الأخير في عناد شديد، وليس في مسكنة، بحيث لا بد أن يخضع غيره لرأيه. وهكذا يأخذ المتكأ الأخير في انتصار، وقد أطاعه غيره مرغمًا بعد وقت من الجدل! ولا يكون في كل هذا العناد والإصرار أي شيء من مسكنة الروح..!
المتكأ الأخير يعني الأخير في المكانة وليس في المكان.
وإن جعلت نفسك الأخير في المكانة، تكون أنت الذي تخضع والذي تطيع، ولا تكون الشخص الذي يرغم غيره إرغامًا أن يسبقه في المكان... بصلابة رأي! عليك أن تقدم غيرك في الكرامة. وتطلب إليه ذلك مرتين أو ثلاثًا. فإن أصر، اخضع أنت... ما دام ليس في ذلك كسر لقانون أو وصية.
مثال ذلك: إذا عرض عليك شخص سيجارة لكي تدخن معه، وأصررت على الرفض، فإن إصرارك حينئذ لا يكون عنادًا ضد المسكنة.
ويمكن أن ترفض في أدب وتقول: (اعذرني، فأنا إنسان ضعيف الإرادة، إذا دخنت مرة، سيتحول التدخين عندي إلى عادة لا أستطيع إبطالها. كما أن صحتي لا تحتمل، وماليتي لا تحتمل. والبعد بالنسبة إليَّ أفضل وأضمن. كذلك مجرد رائحة التدخين تتعبني). وهكذا تعتذر وترفض وتصرّ، في أدب وفي تواضع... أو قد تقول: (صدقني أنا سمعت عن التدخين أضرارًا تجعلني أخاف جدًا). فإن قالوا لك: (كن جريئًا ولا تخف). قل لهم: (إني من النوع الذي يخاف من التدخين. فصلوا من أجلي لكي استمر في خوفي ولا أدخن). هنا الإصرار لا يتعارض مع المسكنة.
ونفس الكلام نقوله عن أية خطية مشابهة..
فالإصرار على رفض الخطية والإغراء، ليس عنادًا ضد المسكنة. فالمسكنة بالروح ليس معناها الخضوع للخطية بأي نوع. وإنما فضيلة المسكنة من المفروض أن تكون مرتبطة أيضًا بالقداسة والنقاوة. لأن من الخطأ التدرب على فضيلة واحدة، مجردة عن باقي الفضائل، أو متعارضة مع باقي الفضائل. فالفضائل تتكامل دون أن تتعارض...
الذي يحتفظ بمسكنة الروح في تعامله مع الناس، لا يدافع عن نفسه في كل ما يُنسب إليه...
إنه لا يريد أن يبرر نفسه، لأنه يعرف عن نفسه أنه ليس بارًا. كما أنه لا يريد أن يتبرر أمام الناس، إذ لا يوافق ضميره أن يعطيهم فكرة عن نفسه هي غير حقيقته. لذلك يسمع ويصمت. وإن ناقش الموضوع في داخله، يقول: أيقولون إنني خاطئ؟ أنا خاطئ فعلًا... وحتى إن لم أكن مخطئًا في هذا الموضوع، فأنا مخطئ في غيره، ولا فارق كبير... المحصلة واحدة وهي الخطأ...
ولكنه قد يدافع أحيانًا، إن كان في ذلك تهدئة لغيره.
كأن يغضب منه إنسان في تصرف معين. وإن ثبت ظنه، يزداد غضبه، وقد يفقد محبته. لذلك فهو يشرح له الأمر، لا ليبرر نفسه، وإنما لكي يهدئ غضبه، ولكي لا يفقد محبته. ولا يتعارض هذا في شيء مع المسكنة بالروح.
كذلك فإن المسكين بالروح، لا يحكي للناس عن اختباراته!
وبخاصة الاختبارات التي ترفع من قدره أمام الناس. المفروض أن علاقته مع الله هي سر من أسراره الخاصة. وقد تحدث الرب عن أهمية إخفاء الفضائل (مت6). إن السيدة العذراء ولا شك قد حدثت معها وأمامها عجائب لم تدخل في اختبار أي إنسان على الأرض. ومع ذلك لم تكن تتكلم، وهي كنز من الأسرار، وكنز من الاختبارات، وإنما كانت "تَحْفَظُ جَمِيعَ هذِهِ الأُمُورِ فِي قَلْبِهَا" (لو2: 51).
والمسكين بالروح لا يقارن نفسه بغيره مقارنة ترفعه.
بل إن تحدث عن غيره - كما يروي البستان - يقول: هذا أبر مني، وهذا أكثر مني علمًا، وهذا أفضل مني في كل شيء. وهذا أكثر مني حرصًا وتدقيقًا...
وهو يعامل كل الناس بشفقة مهما أخطأوا، عارفًا أنه أيضًا قد أخطأ مثلهم، وشاعرًا بعنف حروب العدو...
والمسكين بالروح أمام نفسه وأمام الناس هو أيضًا:
مِسكين أمَام الله:
الشخص المسكين أمام الله، يشعر أنه غير مستحق الوقوف أمامه.
يظهر هذا الشعور في كلماته المنسحقة التي تشبه صلاة العشار. ولا يفتخر في صلاته كالفريسي. صلاته كلها انسحاق، مثل قول: مَن أنا يا رب حتى أقف أمامك وأتحدث إليك، أنت الذي تقف أمامه الملائكة ورؤساء الملائكة؟! إنه تواضع منك يا رب أن تستمع إلى تراب مثلي، وإلى خاطئ مثلي.
والمسكين بالروح لا يقف أمام الله لكي يطالب...!
لا يفعل مثل الذي يقف في صلاته، لكي يطالب بحقوقه كابن، وكوريث مع المسيح!! إن المنسحق القلب يقول: أية حقوق لي أنا المضبوط بالخطايا، الذي في كل يوم أرتكب خطايا توقعني تحت الدينونة؟! بل ما هي صفاته كابن، والرسول يقول: "مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً... يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ" (1يو3: 9) (1يو5: 18).
هل تظنون أن المسكين بالروح، يجرؤ أن يساعده قلبه، على أن يطالب الله بمواهب فائقة للطبيعة؟!
أو يفهم خطأ عبارة "جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى" (1كو12: 31)!
أترى هل يمكن لإنسان منسحق أن يتصور نفسه صانع عجائب أو قوات أو معجزات، أو متكلمًا بألسنة، أو ينظر إليه الناس كقديس صاحب مواهب؟! إن المواهب تحتاج إلى نفس منسحقة تحتملها: والنفس المنسحقة لا تطلبها. فإن وهبها الله إياها بدون طلب، يهبها معها الاتضاع الذي يمكنه أن يحتملها.
أما الذي يطلب المواهب، فإنه ما أسهل وقوعه في المجد الباطل! لأنه قبل أن يطلب، ظن في نفسه أنه شيء. لذلك احترسوا من هذه الخطورة... وهنا نقول أيضًا إن كلمة "يطالب" أصعب بكثير من كلمة يطلب.
الذي يطلب هو فقير يطلب مّمن هو أغنى منه. أما الذي يطالب فهو صاحب حق، يطالب به، دون تعطف ممن يعطيه!
ولا يمكن أن تنطبق كلمة "يطالب" على العلاقة بين الإنسان (المديون)، والله الذي يطالب بدينه، أو في رفق وفي حب يسامحه بجميع ديونه، إذ ليس له ما يوفيه (لو7: 42).
المسكين بالروح لا يدعي أنه تجدد وما عاد يخطئ!
فكلنا نخطئ كل يوم. و"إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (1يو1: 8)... وإن كنت قد خلصت وتجددت وتبررت وتقدست وما عدت تخطئ، فكيف تقف أمام الله في صلاتك وتقول: "اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا" (مت6: 12).
بانسحاق الروح، يمكنك أن تقول للرب: لست أنسى فضلك.
أنت يا رب حقًا تنضح عليَّ بزوفاك فأطهر. ولكنني على الرغم من هذا، أعود فأتدنس مرة أخرى...
الإنسان المسكين بالروح، كما أنه مسكين أمام نفسه، وأمام الله، وأمام الناس، هو أيضًا مسكين أمام الشيطان.
مسكين أمَام الشيَاطين:
إن الشياطين الذين سقطوا بالكبرياء، لا يمكنك أن تهزمهم بالكبرياء، بل بالاتضاع. وبهذا انتصر القديسون.
مثال ذلك القديس الأنبا أنطونيوس، الذي لما تجمعوا عليه، قال لهم: [أيها الأقوياء، ماذا تريدون مني أنا الضعيف؟! إنني أضعف من أن أقاتل أصغركم].
وكان يصرخ إلى الله ويقول: [أنقذني يا رب من هؤلاء الذين يظنون أنني شيء]. فلما كانوا يسمعون صلاته المملوءة اتضاعًا، كانوا ينصرفون عنه كالدخان.
ومرة قال القديس الأنبا أنطونيوس: [أبصرت فخاخ الشياطين مبسوطة على الأرض كلها. فصرخت إلى الله: يا رب مَن يفلت منها. فأتاني صوت من السماء: المتواضعون يفلتون منها].
وهذه المسكنة بالروح التي تغلب الشياطين، واضحة تمامًا فيما يحكيه لنا القديس مقاريوس الكبير:
ظهر له الشيطان وقال له: "أي شيء تفعله يا مقاره ونحن لا نفعله؟! أنت تصوم، ونحن لا نأكل. وأنت تسهر ونحن لا ننام. وأنت تسكن البراري والقفار ونحن كذلك. ولكن بشيء واحد تغلبنا... "فلما سأله القديس مقاريوس أجاب: "بتواضعك تغلبنا".
طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ
طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ
لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ
مجرد حديث الرب عن المسكنة فقط، قد لا يريح الناس، ولا يغريهم على التنفيذ. لذلك وضع لهم ما يشجعهم على ذلك، أعني المكافأة في الأبدية، ملكوت السموات.
"طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" ( مت5: 3).
هنا السيد المسيح يرفع أفكار سامعيه من الأرض إلى السماء، من الاهتمام بالملك الأرضي إلى الانشغال بالملك السمائي، وما يلزمه من صفات، حتى تكون الفضائل عالية تليق بهذا الجزاء المرتفع في علوه.
وهنا ينقل الرب أفكار الناس من العالم المادي، إلى ملكوت السموات. فلا مانع أن يعيشوا هنا بمسكنة، لكي يعيشوا في ملكوت السموات إلى الأبد، بطقس لعازر المسكين (لو16). وبالمثل قال لهم الرب: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ... بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ" (مت6: 19، 20). وبالمثل قال لهم أيضًا: "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يو6: 27).
بالنسبة إلى الأجر والجزاء، نقلهم أيضًا إلى السماء...
فلا تعملوا الخير أمام الناس لكي ينظروكم، كما يفعل المراؤون، هؤلاء استوفوا أجرهم على الأرض (مت6: 5). أما أنتم فاعملوا الخير في الخفاء، فيراه أبوكم الذي في السموات، ويجازيكم هناك، علانية. هنا على الأرض كونوا مساكين بالروح، وثقوا أنكم ستنالون المجازاة. وما هي؟ ملكوت السموات.
ومن جهة المسكن، كونوا غرباء ههنا، ولتسكنوا في السماء...
إن ابن الإنسان ههنا "لَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (لو9: 58) ولكنه ذاهب ليعد لكم مكانًا في السماء. ويقول لكم عن ذلك: "فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ" (يو14: 2). وهكذا قيل عن القديسين الذين "أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عَلَى الأَرْضِ" وكانوا "يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّ" (عب11: 13 ،16). لأنه ليست لنا هنا مدينة باقية.
السيد المسيح لا يريد أن يكون طموحك في الأرضيات، وإنما في السماويات. لذلك قيل: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ، لأن العالم يبيد وشهوته معه" (1يو2: 15، 17).
وهكذا من بدء عظته على الجبل، بدأ يوجه أنظار الناس إلى ملكوت السموات. وكأنه يعلن لهم أنه لم يأتِ ليؤسس لهم مملكة على الأرض كما يظن قادتهم! إنه جاء ليقول: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو18: 36) ولكي يعطي تلاميذه أن يعلّموا بأن "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يو4: 4) "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ" (1يو2: 15) .
إن عبارة ملكوت السموات تكررت كثيرًا في العظة على الجبل. وكذلك كلمة السماء، والآب السماوي. إنه تبشير بعالم جديد، وبملكوت جديد، وبمستوى جديد عالٍ ومرتفع.
ولماذا؟ لأنه "حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" (مت6: 21). هكذا قال لهم في العظة على الجبل. فهو يريد أن تكون قلوبهم في السماء، مرتفعة عن كل ما هو أرضي، سواء شهوات أو أمجاد أو آمال...
وبهذا يمكنهم احتمال المسكنة بالروح، وبالتالي احتمال الصليب.
لا يمكن أن يحتمل الصليب، مَن كانت كل آماله على الأرض، ومَن كان يبحث عن الكرامة على الأرض. لهذا نجد كل العظة على الجبل سائرة في هذا الطريق: الذي يحوَّل الخد الآخر، الذي يمشي ميلين مع مَن يسخره ميلًا، الذي يترك الرداء لمَن يريد أن يأخذ منه الثوب... الذي يبذل ويعطي، لكل مَن يطلب منه...
وهكذا كل دروس الاحتمال والمغفرة في العظة على الجبل، كانت تمهد عمليًا إلى حمل الصليب، وإلى قبول فكرة الصليب... ولماذا؟ بلا شك من أجل ملكوت السموات...
وماذا عن الكرامة؟ كرامتك هي محفوظة لك في السماء. وكرامتك هي في الاحتمال وفي حمل الصليب. لأنك بهذا تشابه سيدك، وتشابه الأنبياء الذين كانوا من قبل. وهكذا قال لهم من أجل الملكوت السماوي: "طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ"... لماذا هذه الطوبى؟ يجيب:
"اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 11، 12).
حقًا إن العظة على الجبل، وكل تعاليم المسيحية لا يمكن فهمهما إلا في ظل هذه العبارة: ملكوت السموات..
كان الناس لا يعرفون ملكوت السموات هذا الذي كان يتحدث عنه السيد المسيح. ما كان يحدثهم عنه معلموهم المشغولون بتأسيس مملكة على الأرض، مثل "مَمْلَكَةُ أَبِينَا دَاوُدَ" (مر11: 10).
ومثل هذا التفكير كان عند المنشغلين بغنى العالم واهتماماته، ومثله كان عند الفقراء الذين يهتمون ماذا يأكلون؟ وماذا يشربون؟ وماذا يلبسون (مت6: 25).
ما كان أحد يفكر في هذا الملكوت، لذلك شبهه بالكنز المخفي.
وفي الأصحاح 13 من إنجيل معلمنا متى، تكثر عبارة "ملكوت السموات" على فم السيد المسيح "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ كَنْزًا مُخْفىً فِي حَقْل، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ" (مت13: 44) فماذا فعل؟ من فرحه "وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَى ذلِكَ الْحَقْلَ". قال هذا لكي يريهم أنه من أجل ملكوت السموات، ينبغي أن تبيع كل شيء، وتترك كل شيء، وتتنازل عن كل شيء حتى نفسك. وتقبل الموت، موت الصليب.
وما أكثر الأمثلة التي وردت في (مت 13) عن ملكوت السموات.
يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا زَرَعَ زَرْعًا... يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَل... مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً... يُشْبِهُ... شَبَكَةً مَطْرُوحَةً فِي الْبَحْرِ... يشبه كل كاتب يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ... (مت13: 24، 31، 33، 47، 52) وفي غير هذا الأصحاح أمثلة أخرى كثيرة.
المهم أن المسيح أراد تركيز أفكارهم في ملكوت السموات.
وما كانت العظة على الجبل إلا مقدمة للحديث عن هذا الملكوت حتى إن معلمنا مرقس الرسول يقول عن بشارة السيد المسيح: "جَاءَ يَسُوعُ إِلَى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللهِ" (مر1: 14). وكما بدأت رسالته بالملكوت، نسمع اللص على الصليب يقول له: "اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ" (لو23: 42).
من أجل هذا الملكوت، ترك تلاميذه كل شيء وتبعوه.
منهم مَن ترك الشباك والصيد، ومنهم مَن ترك مكان الجباية. وكلهم تركوا الأهل والأسرة والبيت والبلد... بل إن القديس بطرس الرسول يلخص كل ذلك بقوله للرب: "تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (لو18: 28).
فيجيبه الرب: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ وَالِدَيْنِ أَوْ إِخْوَةً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا مِنْ أَجْلِ مَلَكُوتِ اللهِ، إِلاَّ وَيَأْخُذُ فِي هذَا الزَّمَانِ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ" (لو18: 29، 30).
وهنا يتحدث الرب عن ملكوت الله، والدهر الآتي، والحياة الأبدية. إنها مركز الاهتمام في المسيحية.
طُوبَى لِلْحَزَانَى لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ
طُوبَى لِلْحَزَانَى لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ
وفي إنجيل معلمنا لوقا "طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْبَاكُونَ الآنَ، لأَنَّكُمْ (تتعزون) سَتَضْحَكُونَ" (لو6: 21).
فهل الحياة المسيحية حياة حزن وبكاء، وهل الفرح خطية؟
كلا، إن الفرح ليس خطية. والكتاب المقدس يجعل الفرح من ثمار الروح (غلا5: 22). السيد المسيح يقول لتلاميذه: "وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22). والقديس بولس الرسول يدعو إلى الفرح الدائم، بقوله: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في4: 4).
المسيحية إذًا تدعو إلى الفرح، ولكنه فرح روحي في الرب. وكذلك تدعو إلى عزاء روحي، من الروح القدس المعزي.
ومن أمثلة الفرح بالانتصار على الخطية، أو بحياة التوبة. وهذا الفرح تشترك فيه السماء أيضًا. لأنه "يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ" (لو15: 7). فكل إنسان روحي يفرح بانتصاره على الخطية، وبانتصار غيره أيضًا.
كذلك من أمثلته: الفرح بانتشار الملكوت، ملكوت الله على الأرض، فرح بانتشار الإيمان وكلمة الله ونمو الكنيسة وسلامها في كل موضع.
كذلك من أمثلة الفرح المقدس: الفرح بالخير والنجاح.
وفي ذلك قال القديس يوحنا الحبيب لكيرية المختارة: "فَرِحْتُ جِدًّا لأَنِّي وَجَدْتُ مِنْ أَوْلاَدِكِ بَعْضًا سَالِكِينَ فِي الْحَقِّ" (2يو4). وقال لغايس الحبيب: "فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرُومُ أَنْ تَكُونَ نَاجِحًا وَصَحِيحًا، كَمَا أَنَّ نَفْسَكَ نَاجِحَةٌ... لَيْسَ لِي فَرَحٌ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ أَسْمَعَ عَنْ أَوْلاَدِي أَنَّهُمْ يَسْلُكُونَ بِالْحَقِّ" (3يو2، 4).
هذا هو الفرح الحقيقي، النابع في القلب من الروح القدس.
أما فرح العالم فهو فرح باطل، وعزاؤه أيضًا باطل.
وإن كان الرب يطلب منا أن نبكي هنا على الأرض، فهذا من صالحنا إن كان بكاء مقدسًا يقود إلى الفرح في السماء. وهذا يذكرني بالمثل القائل: (الذي يبكيك، يبكي عليك. والذي يضحكك، يضحك عليك). فإن حزنت قليلًا على الأرض، من أجل أن تفرح إلى الأبد في السماء فهذا خير لك. كما قال الرسول:
"لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ" (2كو7: 10).
أما الذي يقضي العمر في متعة وضحك، متغافلًا عن أبديته، مهملًا البكاء على خطاياه، فماذا يفيده هذا الفرح الزائف والزائل، حينما يقف أمام منبر الله العادل؟!
لهذا نرى أن حياة الدموع كانت ميزة لأولاد الله، وليس فقط للخطاة التائبين، إنما كانت ميزة للقديسين الكبار.
ويقدم لنا الكتاب المقدس، وكذلك تاريخ الكنيسة، أمثلة واضحة وكثيرة لدموع القديسين، سنذكر بعضها.
كانوا يرون أن البكاء ههنا، ينقذ من البكاء الأبدي.
فالذي يبكي هنا، إنما تسبقه دموعه في اليوم الأخير، لتطفئ النار الملتهبة حوله. أما الذي لا يبكي على خطاياه في فترة حياته على الأرض، فإن البكاء لا بد سينتظره في الدينونة حيث لا رجاء، وحيث قال الكتاب: "هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (مت8: 12) بلا فائدة طبعًا.
ما أجمل الكلمات التي قالها القديس مقاريوس الكبير قبيل وفاته:
وكان قد شاخ، وأصبح في التسعين من عمره، وقارب الوفاة. وقد اجتمع الرهبان حوله، ليودعوه. فقال لهم كلامًا كثيرًا معزيًا، اختتمه بقوله: (فلنبكْ يا إخوتي ههنا، بدلًا من أن نبكي هناك، حيث لا ينفع البكاء). وبكى. وبكى الإخوة معه...
ومن أعظم رجال الكتاب، الذين اشتهروا بالبكاء: داود النبي:
كان ملكًا، وقاضيًا للشعب، ورئيسًا للجيش، ورب أسرة كبيرة، ومحاطًا بكل وسائل المتعة. وكان رجل مواهب شاعرًا وموسيقيًا وجبار بأس... وأخطأ وهنا عَرفَ دموع التوبة، كما لم يعرفها أحد من رجال الكتاب. إنه يقول:
"أعُوِّمُ كلَّ لَيلةٍ سَرِيرِي، وبدُمُوعِي أبلُّ فِراشِي" (مز6: 6).
عبارة "أعُوِّمُ" تدل على كمية الدموع الغزيرة. وعبارة "كلَّ لَيلةٍ" تدل على أن البكاء لم ينقطع، وعلى أنه كان يعود كل يوم من عمله كملك بكل عظمته، لكي يبكي... فهل تراه كان يبكي بالليل فقط، كلا، فهو يقول: "صَارَتْ لِي دُمُوعِي خُبْزًا نَهَارًا وَلَيْلاً" (مز42: 3) ويقول: "مَزَجْتُ شَرَابِي بِدُمُوعٍ" (مز102: 9).
بعض هذه الدموع كانت للتوبة، وبعضها بسبب الملكوت.
إنه يقول: "جَدَاوِلُ مِيَاهٍ جَرَتْ مِنْ عَيْنَيَّ لأَنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوا شَرِيعَتَكَ" (مز119: 136). ومن هذا النوع أيضًا دموع إرمياء النبي (إر9: 1)، وبخاصة في مراثيه... ومن هذا النوع بكاء عزرا (عز10: 1) ونحميا (نح1). وبكاء الكهنة في سفر يوئيل النبي (يوء2: 17). وبكاء بولس على الذين صاروا أعداء صليب المسيح (في3: 18).
ودموع القديسين في صمتها. كانت صراخًا إلى الله يسمعه.
ولذلك نرى داود يقول للرب: "انصت إلى دموعي"، ويقول: "الرَّبَّ قَد سَمعَ صَوتَ بُكائِي... الرَّبُّ لِصَلاتِي قَبِلَ" (مز6: 8، 9).
والعجيب أن بعض هذه الدموع، استمرت مدى الحياة.
الرب غفر لداود، وسمع هذه المغفرة من فم ناثان النبي. فما كان يبكي طلبًا للمغفرة، إنما كان يبكي حساسية، كيف يفعل هذا؟! ندمًا، وحبًا لله...
واستمرت معه هذه الدموع طول حياته. ولم ينقذه منها سوى الموت. لذلك حينما اقترب من الموت، قال: "ارْجِعي يا نَفْسي إلَى مَوْضِعِ راحَتكِ، لأنَّ الرَّبَّ قَدْ أحْسَنَ إلَيَّ. وأنْقَذَ نَفْسي مِنَ الموْتِ، وعَيْنَي مِنَ الدُّموعِ..." (مز116: 7، 8).
ومن هذه الأمثلة الشهيرة: القديس أرسانيوس الكبير.
أنا متعجب. مَن مِن الناس يعرف سقطة للقديس أرسانيوس، رجل الصمت والوحدة والهدوء. رجل كان البابا البطريرك ثاؤفيلس يلتمس كلمة منفعة منه، يرسل إليه كي يقبل زيارته له. رجل صلاة كان يقضي طول الليل في الصلاة، والشمس وراءه قد غربت، ويظل قائمًا في صلاته حتى تشرق الشمس أمامه. ومع ذلك...
كان من فرط محبته يبكي، حتى تساقطت رموش عينيه!
وكان وهو يضفر الخوص، يضع منشفة على ركبتيه، لتتساقط فيها الدموع. لعله من فرط حساسية قلبه نحو الله، يذكر اسمه فيبكي. يذكر نقائصه البشرية، ويذكر تأخره في الوصول إلى الله. فيبكي (لأنه ترهب في سن الأربعين).
وعندما أتت وفاة البابا ثاوفيلس، قال قبل أن يلفظ أنفاسه (طوباك يا أرساني، لأنك كنت تبكي من أجل هذه الساعة كل أيام حياتك).
ومن رجال الدموع أيضًا القديس إيسوذورس قس القلالي:
كان أبًا لثلاثة آلاف راهب. وكان الشياطين يخشون المرور على قلايته، ولا على مَن يجاورونه ويعيشون تحت ظل صلاته. وكان صاحب رؤى ويخرج شياطين... وحينما كان يصلي، كان يجهش بالبكاء بصوت عالٍ كان يسمعه تلميذه الساكن بجواره. فذهب إليه مرة وقال له: (لماذا تبكي يا أبتاه؟). فأجاب: (من أجل خطاياي). فسأله: (حتى أنت يا أبانا، لك خطايا تبكي عليها؟). فأجاب: (صدقني يا ابني، لو كشف الله لك خطاياي، ما كان يكفي ثلاثة أو أربعة يبكون معي عليها).
ونحن نملأ الدنيا نجاسة. ويظل الله يعصر في عيوننا عصرًا لتسقط منها دمعة واحدة، وكأنه يعصر صخرًا من صوان!
القديسون يبكون طول عمرهم على خطية، أو يبكون بلا خطية. ونحن نشرب الخطية مثل الماء ولا نبكي! لنا قلوب بدون حساسية، كأن الله الذي أغضبناه ليس عزيزًا علينا!
مثال آخر في الحساسية للبكاء على الخطية: القديس بفنوتيوس:
كان تلميذًا للقديس مقاريوس الكبير، وخلفه في رئاسة الإسقيط. وكان قديسًا عظيمًا منحه الله موهبة إخراج الشياطين. وكان البابا ثاؤفيلس يطلب أن يسمع منه كلمة منفعة.
هذا القديس العظيم، قال ذات يوم لتلاميذه: (يا أولادي، حدث في إحدى المرات وأنا صبي صغير بينما كنت سائرًا في الطريق، أني رأيت خيارة على الأرض، ربما كانت قد وقعت من الجمالين، فأخذتها وأكلتها. وكلما أذكر هذه القصة أبكي).
كان ذلك قد حدث في طفولته. وقد كبر وترهب، وصار أبًا لآلاف من الرهبان، ونما في القداسة جدًا. ومع ذلك يقول: [كلما أذكر هذه القصة أبكي].
السيد المسيح أيضًا بكى. ولم تكن له خطية على الإطلاق. ولكنه بكى على خطايا الآخرين، وما سببته لهم من موت وضياع. وبكى عند قبر لعازر، وهو يرى الإنسان الذي خُلق على صورة الله ومثاله، يقال عنه - حتى من أخته - إنه "قَدْ أَنْتَنَ" (يو11: 39)! بكى وهو يرى نتائج الخطية، وكيف فصلت الإنسان عن الله، وعرضته لغضبه.
هناك قطعة عميقة في صلاة نصف الليل، تعليقًا على قصة المرأة الخاطئة التي بللت قدمي المسيح بدموعها (لو7: 38). وفي هذه القطعة يقول المصلي:
"أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة، كما أعطيت في القديم للمرأة الخاطئة".
هذا الأمر نطلبه من الرب في كل ليلة، وليس في مناسبة معينة، أو في وقت ثم ينتهي. إن الدموع لازمت القديسين طول حياتهم. وقد قال أحد الآباء إن النفس الباكية المنسحقة أمامه، هي التي يخاطبها في سفر النشيد قائلًا:
"حَوِّلِي عَنِّي عَيْنَيْكِ فَإِنَّهُمَا قَدْ غَلَبَتَانِي" (نش6: 5).
أنت أيضًا في كل ليلة، قف أمام الله في انسحاق وقل له: [أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة لأبكي على كبريائي وعنادي وشهواتي وغضبي... أعطني ينابيع دموع أبكي بها على محبتي للعالم، وعلى حقدي وعداوتي، ومحبتي للغلبة والانتصار على غيري. أعطني يا رب ينابيع دموع لأبكي بها على خطايا اللسان، وخطايا الجسد، وخطايا الفكر، وهي كثيرة جدًا]...
إنك لو فتشت نفسك، ستجد أسبابًا كثيرة تدفعك للبكاء...
واحذر من البر الذاتي، الذي يشعرك بأن حياتك كلها صفاء، وعلاقتك طيبة بالله، ولا يوجد سبب للدموع! إننا محتاجون كل يوم أن نبكي على خطايانا وعلى نقائصنا. ويقول الرب في سفر يوئيل النبي:
"ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ" (يوء2: 12).
لأنه هكذا تكون التوبة الصادقة، النابعة من قلب يشعر بثقل خطاياه. ونرى أن سليمان الحكيم، بعد أن اختبر الحياة بكل متعها، يعود فيقول:
"اَلذَّهَابُ إِلَى بَيْتِ النَّوْحِ خَيْرٌ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى بَيْتِ الْوَلِيمَةِ، لأَنَّ ذَاكَ نِهَايَةُ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَالْحَيُّ يَضَعُهُ فِي قَلْبِهِ. اَلْحُزْنُ خَيْرٌ مِنَ الضَّحِكِ، لأَنَّهُ بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا7: 2، 3).
من الجائز لو أن فقيرًا قال هذه العبارات، نقول إن حياته هكذا. ولكن قائل هذا الكلام كان ملكًا غنيًا جدًا، مهما اشتهته عيناه لم يمسكه عنهما (جا2: 10). وكانت الفضة في أيامه كالحجارة من الكثرة (1مل10: 27). وكان الذهب كثيرًا جدًا. ومع ذلك رأى البكاء أفضل...
وهنا نسأل: ما هي الأشياء التي تشجع على البكاء؟
مَا يشجّع عَلىَ البكاء وَما يمنعه:
- حساسية القلب ورقة الطبع:
الإنسان الحساس، بسهولة يتأثر ويبكي. ولهذا تجدون النساء أسرع في البكاء من الرجال. ولكن الرجل إذا بكى، يكون بكاؤه أقوى وأعمق، وله سبب قوي استطاع أن يهز صموده... هناك رجال كالصخر، يحتملون كل شيء، وليس من السهل أن يبكوا. فإن بكى أحدهم فلا بد من أمر خطير أبكاه.
والإنسان الروحي الحساس، يجد أن الخطية هي أخطر شيء يمكن أن يبكيه، لأنها تفصله عن الله...
الذين لهم قساوة في طباعهم، من الصعب أن يبكوا. والقساوة ليست أصلًا في طبيعة الإنسان. فقد خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، والله رقيق في طبعه... لذلك إن وجدت قساوة أو خشونة في طبع إنسان، فلعلها دخيلة عليه...
إن أردت أن تكتسب موهبة الدموع، فابعد عن القساوة.
لأن القساوة والدموع ضدان لا يلتقيان... ويمكن أن تتحد القساوة والدموع، إذا أمكن اتحاد الماء والنار!
حاول إذًا أن تبعد عن القساوة، وما ينتج عنها.
2- مما يبطل الدموع أيضًا: إدانة الآخرين، ومسك سيرة الناس، وبخاصة إن كان ذلك بقسوة وعنف، وبغير رحمة..
ومن ضمن ذلك أيضًا توبيخ الآخرين، ويزيد ذلك إن كان التوبيخ أمام الناس، أو كان توبيخًا بشدة وبقسوة، وفي غير تقدير لظروفهم...
الذي يدين الآخرين، إنما يفكر في خطاياهم، وليس في خطاياه هو!
إن فكرت في خطاياك، يمكن أن تأتيك الدموع، وإن فكرت في خطايا غيرك بقصد الإدانة، تبعد عنك الدموع تلقائيًا...
ولو كان الله يديننا كما ندين غيرنا، ما خلص أحد من الناس. وهوذا داود النبي يخاطب الرب قائلًا: "ولا تدْخُلْ في المحَاكَمةِ مَعَ عَبْدكَ فإنَّهُ لَنْ يَتَزكَّى قُدَّامكَ كلُّ حَي" (مز142: 2). ولعل البعض يسأل:
ما رأيك في الطوائف التي تصلي دائمًا ببكاء وصراخ؟
أقول لك إن الشخص الذي يبكي في صلاته، إنما يبكي قدام الله، ولا يصبح صارخًا قدام الناس، ولا يجمع الناس من حوله لكي تتفرج على دموعه!
الإنسان الروحي الذي يبكي في صلاته، هو شخص حزين يريد أن ينفرد بالله، ويسكب أمامه نفسه ودموعه، كما فعلت حنة أم صموئيل، حينما كانت تصلي وتبكي في صمت (1صم1: 10، 13).
وأقوى دموع، هي التي تنسكب في حزن صامت رزين.
دون أن ترفع صوتها، ودون أن تعلن عن ذاتها. وربما ترتفع أحيانًا حينما يجهش الإنسان بالبكاء، على الرغم منه، مثلما فعل داود لما سمع بموت ابنه أبشالوم (2صم19: 4). ومثلما فعل يوسف الصديق لما التقى بإخوته (تك45: 2).
وقد يبكي شخص على خطايا غيره، إشفاقًا وحبًا:
كما بكى إرمياء النبي بسبب خطايا الشعب، وكما بكى عزرا وأيضًا نحميا على شعب أورشليم الخاطئ أثناء السبي.
وقيل عن القديس يوحنا القصير إنه لما كان يبصر إنسانًا يخطئ، كان يبكي بسبب نشاط الشيطان في إسقاط الناس. وكان يقول: (أخي سقط اليوم. وربما أسقط أنا غدًا. وقد يسقط هو ويتوب. وأنا أسقط ولا أتوب!).
أما نحن فحينما نسمع عن سقطة، ندين صاحبها بغير حب. فلماذا هذا؟ هل إذا سمعت أن هناك أسدًا طليقًا في مدينة مجاورة، قد افترس إنسانًا، أتراك تدين هذا الإنسان لأنه لم يهرب من الأسد؟! هوذا عدونا مثل أسد زائر(1بط5: 8)... وهل إذا سمعت عن وباء في مدينة، أتبكي على الناس أم تدينهم؟!
أتقول ليست لي موهبة الدموع؟! أم أنت تمنع الموهبة!
إنك تمنع الدموع بالقسوة وبالعنف وبالإدانة، كما تمنعها أيضًا بكثرة المناقشات والجدل، والصراخ والزعيق، وبالتركيز في خطايا الغير تركيزًا يمنعك من تذكر خطاياك!
3- ومما يمنع الدموع أيضًا الغضب والنرفزة:
الغضوب إنسان ثائر ساخط ناري، بعيد في ثورة غضبه عن رقة الطبع التي تلازم الدموع. فإن قال لك أحد: [فلان غضوب وبكى في غضبه]، فلعله يكون قد بكى من الغيظ، مثلما بكى عيسو لما ضاعت منه البكورية، وقال بعدها: أقوم وأقتل يعقوب أخي (تك27: 38، 41).. ليس هذا هو البكاء الروحي الذي نقصده... مثل بنت لم تستطع أن تأخذ ما تريد من أمها أو أبيها، ولم تنجح في حديثها معهما، فتدخل في حجرتها وتبكي...
حتى لو كان إنسان له موهبة الدموع، يضيعها الغضب.
فالإنسان في ثورة غضبه، يفكر في خطايا غيره، ولا يفكر في خطاياه هو. ويرى نفسه مظلومًا وصاحب حق، أو يرى نفسه وقد خدشت كرامته.. وكل هذه المشاعر لا تتفق مع الدموع، ولا تجلبها بل تضيعها.
4- يضيع الدموع أيضًا، السير في حياة الشهوة والخطية.
الذي يعيش في لذة الخطية، لا يبكي، لأن اللذة طاغية عليه. وشعوره بالسرور، لا يعطيه فرصة لأي حزن مقدس. الابن الضال وهو يلهو مع أصدقائه، ما كان حزينًا وقتذاك. ولكنه لما جلس إلى نفسه أتاه الانسحاق.
الذي يعيش في نشوة العظمة أو الأمجاد العالمية، كيف يحزن؟! ولكنه عندما يشعر - كسليمان - أن الكل باطل وقبض الريح، حينئذ ينسحق.
الدموع لا تناسب الخطية، إنما تناسب التوبة عن الخطية.
إلا في حالة المقهور من نفسه، العاجز عن مقاومة الخطية، إنه قد يخطئ ويبكي طالبًا الفكاك منها. ثم يعود فيخطئ ويبكي، إلى أن تفتقده النعمة وتنقذه.
5- مما يضيع الدموع أيضًا: الفخر والكبرياء ومحبة الكرامة.
الذي يحزن حزنًا مقدسًا، أو يغلبه بكاء روحي، هو الشخص المنسحق وليس المنتفخ. إن المتكبر محب الكرامة، إنما ينشغل بذاته ورفعتها في هذه الدنيا. ولكن يبكي الذي يفكر في أبديته، فتصغر كل أمجاد الدنيا في عينيه.
6- مما يضيع الدموع أيضًا، التفكير فيها، والفرح بها:
وذلك إن فكر أنه أصبح من أصحاب الدموع. ففرحه بذلك فيه نوع من الكبرياء، والكبرياء ضد الدموع. كما أن الفرح نفسه ضد الدموع. أو على الأقل يكون قد أشبع نفسه، فما حاجته بعد إلى دموع!
ويقول القديسون: إن أتاك فرح أثناء البكاء، فلا تفكر في دموعك، إنما فكر في سبب البكاء، فتعود إلى انسحاق نفسك مرة أخرى...
فإن كان الإنسان ينبغي أن يخفي دموعه حتى عن نفسه، فماذا نقول عن الذين يحبون أن يبكوا في صلواتهم بصوت عالٍ أمام الناس؟! ويظنون أن هذه هي الروحانية!
وهكذا نكون قد تكلمنا عن أشياء كثيرة تمنع الدموع.
ومن الأشياء التي تجلب الدموع: التجارب والضيقات.
والله يسمح بالتجارب لكي ينسحق الإنسان ويشعر بضعفه، كما يشعر أن الدنيا لا تستحق شيئًا، ويتجه إلى الله. وقد تضغط عليه الضيقات فيبكي. بينما الإنسان البعيد عن التجارب قد يتقسى قلبه.
ومما يجلب الدموع أيضًا تذكار الموت، وبالتالي زيارة المقابر.
وهكذا كان القديسون يتذكرون الموت، ويقولون مع المرتل: "عرفني يا رب نهايتي ومقدار أيامي كم هي، لأعرف كيف أنا زائل".
وبتذكار الموت تزول الكبرياء، وتختفي شهوة الإنسان للعالم، ويستعد للأبدية بالتوبة، وهكذا تأتيه الدموع.
ومما يجلب الدموع أيضًا، تذكار الإنسان لخطاياه وبشاعتها.
على أن يكون تذكارًا بندم وحزن، وتبكيت ضمير، وشعور بالسقوط. حيث يقول: "أعطني يا رب ينابيع دموع كثيرة كما أعطيت للمرأة الخاطئة".
طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ
طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ
(مت5 :5)
مَنْ هُم الودَعَاء؟
الشخص الوديع هو الشخص الهادئ في طبعه...
إن السيد المسيح، الوديع، الذي قال لتلاميذه: "تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ" (مت11: 29)، قيل عنه إنه كان: "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 19، 20). وعبارة "لا يصيح" تعطينا فكرة عن الوديع:
فالوديع صوته هادئ، لا حدة فيه، ولا صياح...
لا يعلو صوته على الناس في حديثه معهم، ولا يصرخ فيهم منتهرًا، ولا يثور. إنه إنسان دمث الخلق، هادئ، يريد دائمًا أن يكسب محبة الناس. و"الْمَحَبَّةُ... لاَ تَحْتَدُّ" (1كو13: 5). لذلك فهو يرث الأرض، يكسب الناس الذين على الأرض بهدوئه... كما هو يكسب السماء أيضًا.
هنا وأحب أن أفرق بين هدوء الطبع، وبرودة الطبع...
الإنسان الوديع الهادئ، لا يثور على الناس، ولا يثيرهم.
بينما البارد في طبعه، قد لا يثور، ولكنه ما أسهل أن يثير الناس ببروده! بردود باردة قد تتعب الأعصاب بل تحطمها.
أما الوديع، فهو إنسان هادئ، ويشيع الهدوء في غيره...
وهو أيضًا طيب القلب، يحب أن يرضي الكل...
يحب أن يكون في علاقة طيبة مع الجميع. إنه لا يغضب من أحد، مهما حدث... ولا يستريح أن يترك أحدًا غاضبًا عليه. إنما يتبع في ذلك نصيحة القديس الأنبا أنطونيوس الكبير حينما قال: [اجعل كل أحد يباركك]، أي يدعو لك بالخير. وهكذا تكون في علاقة محبة وسلام مع جميع الناس...
والوديع هو إنسان هادئ، من الداخل كما من الخارج:
إنه ليس مثل بعض الناس الذين يظهرون هادئين من الخارج، بينما في داخلهم ثورة وغليان، ويكتمون غضبهم لسبب روحي أو غير روحي، أو سياسة، أو احترامًا لمَن هو أكبر منهم، أو خوفًا من نتائج الغضب.
كلا، بل هو هادئ تمامًا. من الداخل مشاعره وعواطفه واحساساته في هدوء وفي سلام قلبي، لا يثور ولا يحقد... ومن الخارج له ابتسامة لطيفة بشوشة، يقابل بها أحاديث الناس ومعاملاتهم. ولا يحدث أن يراه الناس وقد اكفهرت ملامحه، أو أحمرت عيناه... وهكذا فإن الإنسان الهادئ من الخارج، ويغلي في داخله، ليس هو وديعًا في الحقيقة... أقصى ما نقول إنه يحاول أن يتدرب لكي يصير وديعًا!
الوديع لا يدافع عن نفسه، ولا ينتقم لنفسه:
إنه كثيرًا ما يتنازل عن حقوقه، وبدون أن يخزن. ولا يشاء مطلقًا أن يخسر أحدًا من الناس بسبب هذه الحقوق. فسلامه مع الناس، هو عنده أهم من التمسك بحقوقه. وإذ هو وضع الاثنين في ميزان، ترجح بلا شك كفة السلام مع الناس.
وهو يفعل ذلك تلقائيًا، دون أن يناقش الأمر داخله.
ومع أن الكتاب يقول: "الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 14)، كذلك يقول الرسول: "لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ... لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ" (رو12: 19)، إلا أن الوديع على الرغم من هذا...
لا ينتقم لنفسه مطلقًا، ولا يطلب من الله أن ينتقم له...
يكفيه أن الله يدافع عنه فلا يصيبه أذى. ولكنه في نفس الوقت، لا يحب أن أحدًا يصيبه أذى بسببه، أو من أجله.
الوديع إنسان سهل التفاهم، لا يتعب أحد في التعامل معه.
إنه في التعامل، لا يضع أمامه أن يكسب من غيره، وإنما يكسب غيره. لذلك عنده استعداد لعديد من التنازلات دون أن يتضايق أو يحزن.
أحيانًا يقول البعض عن الوديع إنه إنسان (غلبان)!
ولعلك تسأل وتقول: [وما الذي يدعوني أن أكون هكذا، بهذه الصفة؟!] صدقني إن كنت هكذا سيكون الله معك، ويعطيك أكثر بكثير مما تتنازل عنه... أما إن كنت شديدًا مع غيرك، فإن الله سيتركك لتختبر إلى أي مدى سوف تنفعك قوتك!! لذلك يقول الكتاب: "طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ"...
الوديع إنسان سهل إذا ما تناقشت أو تحدثت معه:
لا يجادل، ولا يقاطع، ولا يحاول أن ينتصر في المناقشة. بل يعطيك كل الفرصة أن تتكلم كما تشاء، وتقول ما تشاء، ما دام الموضوع لا يمس عقيدة أو إيمانًا. وفي هذه الأمور الإيمانية يقول الرأي القوي بهدوء وبساطة، دون أن يجرح من يناقشه. بل قد يقول له: [ما رأيك؟ أليس من الحق أن نقول كذا؟]. يقدم رأيه القوي في صيغة سؤال. ويترك قوة الرأي تتكلم... دون أن يقسو، ودون أن يفتخر.
أما في الأمور العادية، فسيان عنده هذا الرأي أو ذاك.
في أمور العالم الباطل، لا يهمه أن ينتصر في نقاش. فليقل مَن يقولون ما يريدون أن يقولوه. وهو يتركهم حسب هواهم. إن كان يعجبهم أو يسرهم أن ينجح رأيهم، فلهم ما يشاءون... لذلك هو لا يناقشه ولا يجادل، في أمور لا علاقة لها بخلاص النفس وأبديتها... إنها مسائل لا تعنيه.
أحيانًا يجلس في مجلس صامتًا، لا يشعر أحد به!
ما دام ليس مُكلفًا فيه بمسئولية، فلماذا يظهر؟!
وإن طلبوا إليه أن يتكلم، ربما يقول: [أنا أحب أن أستفيد].. أو يقول: [البركة في فلان]... وإن تكلم، قد يمتدح مَن سبقوه في الكلام. ولا مانع من أن يقول في حديثه: [على رأي فلان... وفلان...].
إنه إنسان لطيف، يحب الناس صمته وهدوءه إن صمت، كما يحبون كلامه وأسلوبه في الحديث، إن تكلم.
وقد يسأل البعض: هل صمت الوديع هو انطواء على النفس؟!
نقول كلا، فالشخص المنطوي لا يعرف كيف يتعامل مع المجتمع، لذلك هو ينطوي، وهو ساخط على كل ما حوله...
أما الوديع فهو ناجح في تعامله مع الناس، يحبهم ويحبونه. وإن سكت أحيانًا، يكون ذلك بدافع من التواضع والحب، وليس بدافع الانطواء. فهو يعطي فرصة لغيره لكي يتكلم ويقدم غيره على نفسه في الكرامة (رو12: 10). كما أنه يصمت لكي يستفيد من حديث غيره. وهو أيضًا لا يميل إلى الدخول مع الناس في صراعات الجدل، مفضلًا السلام... وهو يرضي الذين يحبون الكلام...
والإنسان الوديع لا يضغط على أحد، ولا يستعمل العنف:
ولا يلح على أحد إلحاحًا شديدًا، لكي يأخذ موافقته على أمر من الأمور، بغير إرادته، بأسلوب الإلحاح والضغط...
إنه لا يبحث عن راحته، وإنما عن راحة الناس...
لذلك فإن الذين يعاشرونه، يشعرون براحة في عشرته. ويقول كل من يعامله: [فلان روحه لطيفة إنني أشعر براحة معه]... فإن قدرت أن تسلك مع الناس هكذا، تكون وديعًا في سلوكك...
الوديع لا يصر على أن ينتصر لفكرته أو رأيه.
ومع ذلك فهو من جهة المبادئ السليمة لا يتنازل. ولكن لا يتشاجر مع الناس بسبب ذلك. ولعل هذا الأمر يحتاج إلى حكمة تمتزج بالوداعة.
ولذلك فإن القديس يعقوب الرسول يحدثنا عن وداعة الحكمة.
ويقول في ذلك: "مَنْ هُوَ حَكِيمٌ وَعَالِمٌ بَيْنَكُمْ، فَلْيُرِ أَعْمَالَهُ بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَنِ فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ" (يع 3: 13). لأن هناك "حكماء" قد يكونون في شرح حكمتهم عنفاء، يصرون على رأيهم في غيرة وتحزب، وقد يسببون انقسامًا، وتشويشًا!! فعن هؤلاء يقول الرسول: "لَيْسَتْ هذِهِ الْحِكْمَةُ نَازِلَةً مِنْ فَوْقُ..." ذلك لأنها خالية من الوداعة... لذلك يقول الرسول عن الحكمة الوديعة:
"وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ... مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً..." (يع3: 17).
هذه هي الحكمة الوديعة المسالمة، التي يختم الرسول حديثه عنها بقوله: "وَثَمَرُ الْبِرِّ يُزْرَعُ فِي السَّلاَمِ مِنَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ السَّلاَمَ" (يع3: 18).
عجيب حقًا، أن بعض الناس، يتوصلون إلى شيء من الحكمة، أو يظنون أنهم حكماء، فإذا شعورهم بالحكمة يفقدهم حياة الوداعة والهدوء، ويجعلهم عنفاء في الدفاع عن آرائهم! يجرحون كل من يخالفهم، ويخدشون مشاعره!
العنف قد يكون أسلوبًا سهلًا وقصيرًا، يوصل بسرعة! ولكن الوديع لا يمكن أن يستخدمه.
فإن أعطاه الرب تلك الحكمة النازلة من فوق، فإنه يوصلها إلى الناس بأسلوب هادئ، في طيبة، في رقة، في لطف. ولا يغضب ولا يثور، إن خالفوه في وقت ما، أو كانوا بطيئين أو متباطئين في التنفيذ... يصبر عليهم، ويتأنى، حتى يمكنهم أن ينفذوا...
ولذلك يُقال عن الوديع إن (حباله طويلة)، أي أنه طويل الأناة...
غير الوديع يريد أن يفرض الأمر بسرعة، وليحدث ما يحدث.
أما الوديع فإنه يعطي فرصة لسامعه، ولمَن يتتلمذ عليه، لكي يصل حسبما تسعفه إمكانياته. إن لم يصل اليوم، فقد يصل باكر أو بعد باكر. ليس لنا نحن أن نتحكم في عامل الزمن، الذي تتحكم فيه أسباب عديدة...
من صفات الوديع أيضًا أنه متسامح...
إن أخطأت في حقه، لا يخطئ في حقك. وإن حدث أنك أهنته، فإنه لا يهينك، إن له طباعًا لا يستطيع أن يتجاوزها، وله مبادئ لا يمكنه أن يكسرها. هو "لا يستطيع أن يخطئ" كما يقول القديس يوحنا الحبيب: بل "يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ" (1يو5: 18). و"زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ" (1يو3: 9).
الإنسان الوديع لا يتحدث من فوق، من موقع السلطة.
إنه ينسى مركزه باستمرار، مهما وضع في مركز عالٍ أو رئاسي. ويتعامل مع مرؤوسيه كأنه واحد منهم. وهؤلاء المرؤوسون في تعاملهم مع رئيس وديع، يشعرون أنه صديق محب، وأخ كبير، وأنه لا يُلقي تعليمات بروح الغطرسة بل بهدوء... لذلك فهم يطيعون أوامره عن حب، وليس عن قهر.
الناس يدافعون عن الوديع، دون أن يدافع هو عن نفسه.
وإن هاجمه البعض، يصدونهم عنه، قائلين: [ألم تجدوا سوى هذا الرجل الطيب لكي تهاجموه؟!]... وليس هذا فقط، بل إن الشخص المعتدي ربما يتعبه ضميره في اعتدائه على إنسان عنيف. ولكن ضميره لا بد يتعبه - ولو بعد حين - إن اعتدى على شخص وديع، لا يدافع عن نفسه...
الوديع هو الذي يستطيع أن ينفذ وصية الرب القائلة: "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ" (مت5: 39).
وقد يتضايق الذين حوله مما يصيبه، بينما يقابل هو كل شيء بهدوء دون أن يفقد سلامه... ونراه في كل ما يحدث له، لا يتذمر ولا يشكو، بل يقبل ذلك في صبر، تاركًا الأمور لله الذي يرى.
الوديع إنسان مطيع (مهاود). ولكن ليس في الشر.
فهو يعتذر عن السير في طرق الشر - إن دعاه البعض إلى هذا - لا يطيعهم. ولكنه يرفض في هدوء، دون أن يوبخ بعنف. فإن دعاه البعض إلى مكان مُعثر لا يوافق عليه ضميره، يجيبهم في هدوء [إن الضعفاء أمثالي يتعبون من هذه الأمكنة، وقد تسقطهم ما فيها من عثرات. فاعذروني، لا أستطيع الذهاب]... وبهذا يكون قد أوضح رأيه النقي، دون أن يخدش أحدًا...
والإنسان الوديع بسيط، يأخذ الأمور على محمل حسن...
ويضع أمامه قول الكتاب: "كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ" (تي1: 15).
فإن قال له أحد كلمة، تبدو للآخرين مؤذية أو مُهينة، يأخذها هو بحسن نية ولا يتأذى منها. وإن نبهه البعض إلى ما في تلك الكلمة من أذى، لا يصدق. "الْمَحَبَّةُ... وَلاَ تَظُنُّ السُّوء" (1كو13: 5).
الوديع بطبعه، لا يحاول أن يغير طبعه إلى الشدة.
وإن حاول، قد لا يستطيع، وقد لا يكون ذلك في صالحه.
لكل كائن طبعه الذي يناسبه: الحمامة طبعها الوديع مناسب لها. والأسد طبعه الشجاع الجريء مناسب له.
لا يناسب الأسد، أن يقلد الحمامة في وداعتها.
ولا يناسب الحمامة، أن تقلد الأسد في شجاعته.
لعل هذا يذكرني بوصية الرب أنه "لاَ يَكُنْ مَتَاعُ رَجُلٍ عَلَى امْرَأَةٍ، وَلاَ يَلْبَسْ رَجُلٌ ثَوْبَ امْرَأَةٍ" (تث22: 5). بل كل منهما يلبس ما يناسبه. وكما هذا في الملابس، كذلك أيضًا في الطباع.
الودَاعَة والغيرة المقدّسَة:
هنا ويقف أمامنا سؤال هام في موضوع الوداعة وهو:
هل الوديع غير مطالب بقول الكتاب: "غيرَةُ بَيْتِكَ أكلَتْني" (مز119: 139)؟ هل يكون هادئًا أيضًا مع الهراطقة والمبتدعين والذين يهاجمون الإيمان؟
والجواب هو أن الوديع يمكن أن يدافع عن الإيمان بغيرة مقدسة، ويمكن أن يرد على الهراطقة والمبتدعين وأعداء الإيمان، ولكن بأدبه الجم، دون أن يشتم أو يستهزئ. وإنما يتكلم بطريقة موضوعية.
ويعجبني في هذا المجال القديس ديديموس الضرير:
كان يجادل الفلاسفة والهراطقة، بهدف أن يقنعهم، لا أن يهزمهم. وكثير من الفلاسفة آمنوا بالمسيحية على يديه، وهراطقة تركوا هرطقاتهم. لأنه كان يقنعهم جميعًا في وداعة، دون أية كلمة جارحة، ودون أية إهانة أو شتيمة. وليس مثل الذين يشتمون أعداء الدين، إلى أن يكرهوا الدين بسببهم!
فلتكن إذًا غيرة حكيمة مملوءة بالمحبة والوداعة.
إن عبارة "غيرَةُ بَيْتِكَ أكلَتْني"، نضع إلى جوارها "لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ" (1كو16: 14) وأيضًا قول الرسول: "لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ" (أع20: 31) ... وهنا في هذا المجال، أحب أن أقدم نصيحة وهي:
إن الفضائل المسيحية متصلة بعضها بالبعض، غير منفصلة.
إنها مندمجة معًا... فضيلة الغيرة المقدسة مثلًا، ليست منفردة بذاتها، مستقلة عن باقي الحياة الروحية. بل هي تندمج أيضًا مع فضيلة الوداعة وفضيلة الحكمة. وتندمج أيضًا مع اللطف ومع المحبة. وبهذا نصل إلى وضع روحي متكامل...
حقًا، إن الفضائل لا تتناقض، وإنما تتكامل...
أي يكمل بعضها بعضًا، حتى يصل الإنسان الروحي إلى الصورة المثلى، صورة الكمال...
طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض:
مَا هي هَذه الأرض؟
- إنها "أرض الأحياء" التي تغنى بها المرتل في المزمور.
فقال: "وَأنَا اؤمِنُ أنِّي أُعايِنُ خَيْرات الرَّبِّ في أرْض الأحْياءِ" (مز27: 13). أو أنها "الأرض الجديدة" التي رآها القديس يوحنا في رؤياه (رؤ21: 1) أو هي "كورة الأحياء" التي يتنيح فيها القديسون... هذا معنى. وهناك معنى آخر وهو:
2- الوديع يرث هذه الأرض نفسها التي نعيش عليها.
فهو يكون محبوبًا من الكل على هذه الأرض، بسبب وداعته، بالإضافة إلى الميراث السماوي أيضًا. ولذلك فمن الأوفق أن نقول عن الإنسان الوديع:
3- إنه يرث هذه الأرض، والأرض الجديدة، كليهما معًا.
أي أنه يكسب الأرض والسماء معًا: بركة العائشين على هذه الأرض، وعشرة المنتقلين إلى أرض الأحياء...
طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ
طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ
(مت5: 6)
معنى الجَياع والعطاش إلى البر
هذه العبارة تعني حالة الإنسان الذي يشتاق إلى البر. يريد أن يتغذى به، يأكله ويشربه، وينمو به.
تعني الجياع العطاش إلى الله، وإلى وصاياه وطرقه، وإلى الفضيلة في كل تفاصيلها، وإلى كل الوسائط الروحية...
هوذا المرتل يقول للرب في المزمور الكبير:
"كلماتكَ حُلوَة في حَلْقي، أفضَلُ من العَسَلِ والشّهدِ في فَمي" (مز119: 103).
وعلى هذا النسق نجد آيات عديدة في الكتاب المقدس. بل إن السيد الرب الإله نفسه يتحدث عن هذه النقطة، وأنه هو الماء الحي، الذي كل مَن يشرب منه لا يعطش إلى الأبد (يو4: 14)، وأنه "هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ" (يو6: 35). ويقول أيضًا موبخًا بني إسرائيل:
"تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً" (إر2: 13).
طوبى إذًا للعطاش إلى هذا الينبوع الحي، أي إلى الله نفسه، يشتاقون إليه، وإلى الثبات فيه، وإلى جمال العشرة والحديث معه. وفي ذلك يقول داود النبي لله في مزاميره:
"يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي" (مز63: 1). ويقول أيضًا: "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ" (مز42: 1- 2). نعم هذا هو العطش المقدس. ويقول المرتل عن الأكل أيضًا:
"بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ. كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي" (مز63: 4، 5). هذا هو الحب الإلهي الذي يعطي شبعًا للنفس.
الإنسان مخلوق من جسد ترابي ومن روح. أما الجسد فيشبعه الخبز المادي. وأما الروح فتحيا "بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ" (مت4: 4) (تث8: 3). لذلك فهي تجوع إلى كلمة الله التي تغذيها.
الذي يصوم ولا يتغذى بالروحيات، يشعر بالجوع الجسدي.
أما الذي يتغذى بطعام الروح، فلا يشعر سريعًا بجوع الجسد.
ولذلك فنحن في أيام البصخة المقدسة، في أسبوع الآلام، يكون صومنا الجسدي شديدًا، ومع ذلك لا نشعر بجوع الجسد، لأننا نتغذى بالألحان الحزينة العميقة الأثر في النفس. ونتغذى بالقراءات المقدسة، وبطقوس هذا الأسبوع، وذكرياته ومشاعره وتأملاته.
ونفوسنا تجوع وتعطش إلى أمثال تلك الأيام المقدسة، وما فيها من غذاء روحي مُشبع.
فهي لا تجوع وتعطش إلى الطعام، بل على العكس، تجوع وتعطش إلى الصوم...
فرق كبير بين الجوع والعطش إلى الخبز والماء، لقيام الجسد... وبين الجوع والعطش إلى البر لغذاء الروح، التي تتغذى أيضًا بالفضيلة كما تتغذى بالتأملات والألحان والقراءات.
والروح تتغذى أيضًا بسر الإفخارستيا، لذلك تجوع إليه...
وفي هذا يقول السيد المسيح: "أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ"، "أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ"، "وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ"، "مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ"، "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو6: 33- 56).
طوبى للإنسان الذي يجوع إلى هذا السر المقدس، ويجد غذاءه فيه...
يحب أن يتناول، لأن التناول يقدس قلبه وفكره، ويجعله يستعد روحيًا، ويعطيه قوة للثبات في الرب، وحرصًا من السقوط، وتدقيقًا في حياته من أجل كرامة هذا السر العظيم. لذلك يجوع إليه، ويشتاق قائلًا في قلبه: متى أتناول من الجسد المقدس والدم الكريم؟!
حَياة الحبّ الإلهي
الجوع والعطش إلى البر، يعنيان الشوق إلى الله. لأنه لا يوجد بر أعظم من محبة الإنسان لله...
وفي ذلك تقول عذراء النشيد: "أُحَلِّفُكُنَّ يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ... إِنْ وَجَدْتُنَّ حَبِيبِي أَنْ تُخْبِرْنَهُ بِأَنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا" (نش5: 8)، ما أعمق هذا الحب الذي يدغدغ الحواس والقلب، فيشعر الإنسان أنه مريض حبًا.
فإن صلى، لا تكون صلاته واجبًا أو فرضًا، بل تكون حديث الحب، ومشاعر الحب، صادرة من القلب، وليس من مجرد الشفتين...
فهو إنسان يعطش إلى الحديث مع الله، ويرتوي بالصلاة... يقول مع داود في المزمور من فرط اشتياقه: "مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟" (مز42: 2).
هذا الإنسان المشتاق إلى الله، له نفس الاشتياق إلى بيت الله. لذلك يقول مع داود النبي أيضًا:
"مَساكِنُكَ مَحْبوبةٌ يا رَبُّ إلَهَ القُوّات. تَشْتاقُ وتَذوبُ نَفْسي للدُّخولِ إلَي دِيارِ الرَّبِّ" (مز83: 1).
هو إذًا لا يذهب إلى بيت الرب، كما هي عادة، أو أداء لواجب روحي. إنما تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب. هذا هو الجوع وهذا هو العطش إلى المواضع المقدسة. لذلك يقول أيضًا: "فَرِحْتُ بالقائِلينَ لي إلَي بَيْتِ الرَبِّ نّذْهَبُ" (مز121: 1). "طوبَي لِكلِّ السُّكانِ في بَيْتِكَ، يُبارِكونَكَ إلَي الأبَدِ"، "لأنَّ يَومًا صالِحًا في دِيارِكَ خَيرٌ مِنْ آلافٍ" (مز83: 4، 10). وهكذا قال داود أيضًا:
"وَاحِدةً سَألتُ مِنَ الرَّبِّ وإيَّاهَا أَلْتَمِسُ. أنْ أسْكُنَ في بَيتِ الرَّبِّ كلَّ أيَّامِ حَياتِي" (مز27: 4).
ولعلك تسأل: ما هذا الطلب التي تشتاق إليه أيها الملك العظيم، وعندك كل تنعمات الملوك؟ لماذا تجوع وتعطش إليها؟ ما الذي يغريك فيها؟ وهنا يجيب: "لكي أنْظرَ نَعيمَ الرَّبِّ، أتَفرَّسَ في هَيْكلِه المقُدَّسِ".
على أن هذا النبي العميق في محبته لله، لم يكن يشتاق فقط إلى بيت الله، وإلى كلام الله، وإلى الحديث مع الله...
إنما كان يجوع ويعطش إلى الله نفسه، فيقول:
"طَلبْتُ وجْهَك، ووَجْهَك يَا رَبُّ ألْتمِسُ. لا تَحْجبْ وجْهَك عنِّي" (مز27: 8، 9).
هذه هي الروحانية السليمة التي يحياها مَن يحبون الله، ويجوعون ويعطشون إليه... إن كان الأمر هكذا، فماذا نقول عن الذين لا يذهبون إلى بيت الله إلا بجهد كثير، وبافتقاد لمرات عديدة، وبطرق من الإقناع والإلحاح... أو ماذا نقول عن الذين لا يصلون ولا يقرأون الكتاب إلا بتغصب، ولا يصومون إلا بقهر للإرادة وإخضاع للجسد؟!
الروحيون يجوعون ويعطشون إلى الله، لأنه هو شجرة الحياة..
هو "الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ" (يو15: 1). وهو عنقود الحياة. ونحن نعطش إلى الاتحاد به، كالغصن بالكرمة، تجري فيه عصارتها فيحيا.
طعامنا هو أن نفعل مشيئته (يو4: 34) فتسر قلوبنا بإرضائه، مثلما يسر قلبه بطاعتنا.
إن استمرار الجوع والعطش إلى البر، يفهم منه أن المؤمن لا يمكن أن يصل في روحياته إلى مرحلة اكتفاء.
كلما يحيا مع الله، يشعر بلذة روحية جديدة، تلهبه باشتياق أكثر إلى حياة مع الله أعمق وأعمق، فيستمر جائعًا وعطشانًا إلى مزيد من المتعة الروحية التي لا يمكن التعبير عنها...
أليس في الطعام المادي، هناك أصناف يقول عنها البعض: هذا الصنف لا يمكن للإنسان أن يشبع منه مهما أكل...! كم بالأكثر إذًا الطعام الروحي؟!
هل شبع واكتفى بولس الرسول، على الرغم من كل الذي ناله في حياة الروح؟!
أما هو بعد أن اختطف إلى السماء الثالثة، "وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا" (2كو12: 4)، نراه يقول: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ" (في3: 13). "أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ" (في3: 12).
هذا السعي المستمر، وهذه الرغبة في الامتداد إلى قدام، هما بلا شك الجوع والعطش إلى البر...
الحياة الروحية الحقيقية هي رحلة نحو الكمال. والكمال لا تبدو له حدود. لذلك فهي سعي دائم، وشوق دائم إلى غير المحدود، إلى المطلق... بلا توقف... إن كان ما نحصل عليه هنا هو مجرد مذاقة للملكوت. والمذاقة لا تشبع، إنما تجعل الإنسان يجوع ويعطش بالأكثر إلى نوال ما قد ذاقه... وليس هذا بالنسبة إليه فقط، إنما يدعو الآخرين أيضًا:
"ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز34: 8).
إن الاكتفاء في الروحيات يوصل حتمًا إلى الفتور.
الجوع والعَطش إلى الصّلاة:
أما آباؤنا القديسون فما كانوا يكتفون مطلقًا، إنما كانوا يهربون من الناس لكي يختلوا بالله. ينحلوا من الكل، لكي يرتبطوا بالواحد. وكلما يتمتعون بحلاوة العشرة مع الله، يزداد عطشهم إليه بالأكثر، فتزداد وحدتهم، وخلوتهم به، وحديثهم إليه.
ولنا مثالان عظيمان: القديس أرسانيوس، والقديس مكاريوس الإسكندري.
كان القديس أرسانيوس صامتًا على الدوام، لكي لا يقطع صلته بالله عن طريق الكلام مع الناس. كما كان يقضي الليل واقفًا في الصلاة، من غروب الشمس إلى أن تظهر أمامه مرة أخرى.
أما القديس مكاريوس الإسكندري، فقد دخل في تدريب "صلب العقل"، مانعًا عن عقله أي فكر آخر غير الله والإلهيات.
هذه هي أمثلة من الحب الإلهي، يمكن أن نقول فيها:
"حلوٌ اسمك ومبارك، في أفواه قديسيك"...
إنها عبارة من إبصالية السبت في التسبحة، لعلها مأخوذة من قول داود النبي في المزمور الكبير (119):
"مَحبوبٌ هوَ اسْمِكَ يا رَبّ فهو طولُ النّهارِ تِلاوتي".
إنه يجد لذة روحية في اسم الله القدوس، فيردده عن حب. وليس هو مجرد قانون في الصلاة، أو مجرد طقس أو فرض. إنما هي عاطفة... جوع وعطش إلى هذا الاسم الذي يروي القلب وكل عواطفه...
الجوع والعطش إلى الحب، قد يسكبان الدموع أحيانًا..
ومن هنا قد يأتي البكاء في الصلاة. بكاء الحب والشوق، الذي يذكرني بقصة يعقوب أبي الآباء، حينما التقى بابنه يوسف، بعد شوق عشرات السنوات.. يقول الكتاب في ذلك إنه: "لَمَّا ظَهَرَ لَهُ وَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَبَكَى عَلَى عُنُقِهِ زَمَانًا" (تك46: 29).
إنها دموع من الفرح والشوق، تتحدث عن جوع العواطف وعطشها، بتعبير أقوى من اللغة والألفاظ.
أحيانًا يكون الشوق الذي في القلب، أقوى من احتمال القلب، فيبكي لأنه أقوى من احتمال العينين أيضًا... إنه جوع أو عطش، لا يجد ما يشبعه ولا ما يرويه، سوى الدموع.
لعل كثيرًا من دموع القديسين كانت عطشًا إلى الانطلاق نحو الله، حيث تتمتع به في الأبدية، بلا عائق.
فالجوع والعطش قد يعبران عن الشوق والحنين.
الإنسان الذي يصلي عن شوق، غير الذي يصلي عن واجب. والذي يصوم عن شوق، غير الذي يصوم عن واجب. وسأضرب مثلًا لكل منهما:
إنسان روحي، في فترة الخماسين المقدسة، حيث لا صوم ولا مطانيات. وهو مشتاق إليهما جدًا، وتمنعه قوانين الكنيسة، ماذا يكون شعوره إذًا حينما تنتهي أيام الخمسين ويأتي صوم الرسل، بأي شوق سيصوم ويبدأ مطانياته؟!
أما المشتاق إلى الصلاة، فعلامته أنه حينما يصلي: كلما جاء وقت لإنهاء صلاته لا يستطيع.
فهو يؤجل إنهاء الصلاة، متشبثًا بالله، رافضًا أن يختم حديثه معه. محاولًا أن يزيد الصلاة بعض عبارات... ويكون كطفل حان فطامه، فهم ينزعونه من حضن أمه نزعًا، وهو لا يريد. كل شوقه في ثدي أمه...
هذا المصلي، حتى إن ختم صلاته في وقفته الخاشعة، تبقى روح الصلاة في قلبه وفي فكره...
حتى إن ترك البيت وخرج إلى الطريق، تظل ألفاظ الصلاة تلاحقه وتجري في ذهنه... وتستمر معه في مشيته، وفي جلسته، وتتخلل عمله، وتمنحه صمتًا مقدسًا. ويكون مَن يحدثه كأنه ينزعه نزعًا من حضن أمه... كما لو كان يوحنا الرسول في حضن المسيح، ويأتي مَن يأخذه منه، ويقضي شيئًا يحتاجه الإخوة... أو مثل مرثا تريد أن تنزع مريم من الجلوس عند قدمي الرب...
أيضًا من علامات الجوع والعطش إلى الصلاة، أن المصلي لا يكاد يشعر بشيء مما حوله..
من فرط استغراقه في الله، لا يحس شيئًا حوله إطلاقًا، مثل قصة القديس يوحنا القصير مع الجمَّال، الذي سأله أكثر من مرة، وهو لا يسمع ماذا يقول...!
كل حواسه في الصلاة، فهي غير متفرغة لشيء آخر، كأنما ليس في الوجود، سوى الله وهو، فقط. كشخص جوعان، يكاد يقتله الجوع، ووجد أمامه وجبة شهية...
إن الشخص العاطفي هو قريب إلى الله أكثر من غيره...
لأنه إذ كوّن علاقة مع الله، يسكب فيها عاطفته، ولا تكون مجرد علاقة شكلية، مثل أولئك الذين قال عنهم الرب: "هذَا الشَّعْبُ... يُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مت15: 8).
ومن أهمية العاطفة، نجد أن الزناة الذين تابوا اتجهوا إلى الله، تحولوا بسرعة إلى قديسين. لأن عاطفتهم التي كانوا قد وهبوها قبلًا للخطية، قدموها في توبتهم كاملة إلى الله، فعاشوا مع الله بكل العاطفة، فصاروا قديسين... يجوعون ويعطشون إلى الله...
ولا يمكن أن يجوع الإنسان ويعطش إلى الله، إن كانت محبة العالم في قلبه.
فهو لا يستطيع أن يحب الله والعالم معًا. إما هذا وإما ذاك، لأن "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يع4: 4). فإن حورب الإنسان بخطية وأحبها، يكون في محبته لها، غير مشتاق إلى الله، غير جوعان وعطشان إليه...
لذلك فالتوبة تسبق الجوع والعطش إلى الله، ثم تصحبه في الطريق. كما أن الجوع والعطش إلى الله يوصلان إلى التوبة.
فمتى نصل إلى هذه المشاعر كلها؟... نحن الذين ما يزال الله يقرع على أبوابنا في الخارج، ولم نفتح له بعد...!
"طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ".
لأنهم يشبعون:
يشبعون من الحب الإلهي، من المتعة الروحية، من التعزيات التي من فوق. هم يظهرون شوقهم إلى الله، وشوق الله إليهم أكثر. لذلك يمنحهم حبه، فيشعرون بمتعة العشرة مع الله.. أمور لا يُنطق بها...
على أني أقول إنه شبع مؤقت. إنه مجرد مذاقة.
"ذُوقُوا وَانْظُرُوا" (مز34: 8). كلما يكشف لهم الله ذاته، ويفتح لهم قلبه ويعطيهم.. يجوعون ويعطشون بالأكثر إليه... لأن الله لا يُشبع منه...
أترانا في الأبدية نصل إلى حالة الشبع...
أم هو أيضًا شبع مؤقت يدفعنا إلى مزيد من الاشتياق؟ وهل الاشتياق يشبعنا، أم يدفعنا إلى مزيد من العطش...
أنا في الحقيقة لست أعلم، الله يعلم...
طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ
طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ
الرحمة مِن صفات الله:
الرحمة من صفات الله، والإنسان الرحيم شبيه بالله.
لأنه قيل عن الله: "الرَّبُّ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ... لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا. لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ. كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا..." (مز103: 8- 12)
رحمة الله العجيبة ظهرت قوية على الصليب.
حيث حمل جميع خطايا الناس وغفرها لهم... إنه الإله الرحيم الطيب، الذي لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا (حز18: 23) الذي حكم على أهل نينوى بالهلاك، فلما ندموا "نَدِمَ اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْهُ" (يون3: 10) ... الله الذي يهدد أحيانًا، ثم يعود فيُغلب من تحننه.
وفي رحمة الرب، قَبل التائبين، دون أن يوبخهم:
وفي الأصحاح 15 من إنجيل لوقا البشير قدم ثلاث قصص عن قبوله للضالين والتائبين والتائهين: الخروف الضال، والابن التائب، والدرهم المفقود. وذكر كيف بحث عنهم، وكيف فرح بعودتهم، دون أن يبكت أحدًا.
وبنفس الأسلوب الرحيم قابل بطرس بعد القيامة، ولم يجرح شعوره، ولم يذكر له كيف أنكر وسب ولعن وقال: لا أعرف الرجل. بل أعاده إلى رتبة الرسولية، وقال له: "ارْعَ غَنَمِي... ارْعَ خِرَافِي" (يو21: 17 - 15).
وفي رحمة الرب، أشفق على الشعب في تشتته.
وعن هذا يقول الكتاب: "وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت9: 36). ونحن نصلي عن أمثال هؤلاء في تحليل نصف الليل ونقول: "اذكر يا رب العاجزين والمنطرحين، والذين ليس لهم أحد يذكرهم".
ومن رحمة الله أنه معين مَن ليس له معين.
نقول له في صلواتنا: "يا معين مَن ليس له معين، ورجاء مَن ليس له رجاء. عزاء صغيري النفوس، ميناء الذين في العاصف".
أية رحمة أكثر من هذه، يتصف بها الرب إلهنا!
والذي يعتني بأمثال هؤلاء، إنما يتشبه بالرب.
ومن رحمته جعل الرحمة فوق العبادة، فقال: "إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً" (هو6: 6).
في كل موضع، وفي كل زمان، عرف الناس عن الله صفة الرحمة هذه. حتى أن داود عندما خُيَّر بين ثلاث عقوبات عرضها عليه ناثان النبي، قال عبارته المشهورة:
"فَلْنَسْقُطْ فِي يَدِ الرَّبِّ، لأَنَّ مَرَاحِمَهُ كَثِيرَةٌ وَلاَ أَسْقُطْ فِي يَدِ إِنْسَانٍ" (2صم24: 14).
إن في هذا عجبًا... الله القدوس، الكامل في قداسته وصلاحه وبره: إذا وقعنا في يده يستر علينا، ولا يعاملنا بحسب خطايانا. بل يستجيب لنا حينما نقول له: "كرحمتك يا رب وليس كخطايانا".. أما إذا وقعنا في يد إنسان، فإنه لا يشفق، بل يشهَّر بنا في كل مكان! مع أنه يشابهنا في خطايانا وفي ضعفنا..!
الرحمة وأهميتها:
من أهمية الرحمة أن الله جعلها ميزانًا للدينونة:
ففي اليوم الأخير سيقول للذين على يساره: "اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ" (مت25: 41). فلماذا أصدر هذا الحكم؟ إنه يقول بعدها مباشرة: "لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي. كُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَانًا فَلَمْ تَكْسُونِي. مَرِيضًا وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي". ويفسر لهم هذا بقوله: "بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا" (مت25: 42- 45).
إذًا فهؤلاء هلكوا لعدم تقديمهم رحمة للمحتاجين.
ومعنى هذا أنه مهما كانت لك صلوات وتأملات وتسابيح... ولم تكن رحيمًا، فلن تجد رحمة في اليوم الأخير أمام الله الذي يقول: "أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً" (مت9: 13). من أجل هذا، تعلمنا الكنيسة أن نقول في صلاة نصف الليل (الخدمة الثالثة):
لأنه ليس رحمة في الدينونة لمَن لم يستعمل الرحمة.
ولكن "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مت5: 7). ويستخدم الله هذا الأسلوب في المعاملة، سواء كانت الرحمة في أمور العالم المادية، كالجوع والعطش والمرض، أو في المعاملات، أو في الأمور الروحية. وقد وضع في كل ذلك حكمًا قاطعًا قال فيه:
"بِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ وَيُزَادُ" (مر4: 24).
فإن كنت تكيل للناس بالرحمة، يعاملك الله كذلك. وإن عاملت الآخرين بالقسوة، تكون مستحقًا لذلك أيضًا. ويقول الرب كذلك: "بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ، تُدَانُونَ" (مت7: 2) أي بنفس الحكم... لهذا ينصحنا الرب قائلًا: "فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ" (مت7: 12).
فإن كنت تريد أن تُعامل بالرحمة، عامل غيرك بها.
الذي يرحم، إنما يقرض الرب، ويرسل رحمته تنتظره.
ولذلك يقول الكتاب: "طوبَي لِمَنْ يَتعَطَّفُ عَلَى المسْكينِ، في يَومِ الشَّرِّ يُنَجّيهِ الرَّبُّ" (مز41: 1). ومن الناحية المضادة يقول أيضًا: "مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ، فَهُوَ أَيْضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَابُ" (أم21: 13).
إن رحمتك للآخرين، تسبقك وتتشفع فيك. فإن كنت تتراءف على غيرك، يتراءف الله عليك. وإن كنت شديدًا وعنيفًا، فلا تحتج إن عوملت بنفس المعاملة.
ومن جهة المغفرة، قال الرب بنفس القاعدة:
"لاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا... اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" (لو6: 37).
وقال في نفس الآية: "لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ" وقال بعدها: "أَعْطُوا تُعْطَوْا، كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ. لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (لو6: 38). وقال الرب في المغفرة أيضًا:
"فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ" (مت6: 14، 15).
فالذي لا يغفر، إنما يمنع المغفرة عن نفسه...
حتى إن كان قد أخذ مغفرة من قبل، تسحب منه!
وفي هذا أعطانا الرب مثل المديونين (مت18: 23- 35). وملخصه أن السيد عفا عن مديون بعشرة آلاف وزنة، وترك له الدين. فخرج هذا المديون ورأى رفيقًا له كان مديونًا له بمائة دينار. فلم يرحمه وألقاه في السجن حتى يوفي الدين، فلما علم سيده بما حدث قال له: "أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ". وختم الرب هذا المثل بقوله: "فَهكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَّلاَتِهِ" (مت18: 35).
عَظَمة الرحمة وعلاماتها:
ومن أجل الرحمة، فضّل الرب الرجل السامري الغريب الجنس، على الكاهن واللاوي. ربما يعتذر الكاهن بأنه كان عليه أن يرفع بخورًا أو يقدم ذبائح، لذلك لم يكن لديه وقت للعناية بذلك المسافر الذي جرحه اللصوص وتركوه بين حيّ وميت! وربما يعتذر اللاوي بخدمة بيت الرب. ولكن عذر كل منهما لم يكن مقبولًا، لأن الله يريد رحمة لا ذبيحة (مت12 :7).
أما السامري الصالح، فقد طوبه الرب، لأنه لما رأى ذلك الجريح "تَحَنَّنَ، فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ... وَاعْتَنَى بِهِ" (لو10: 33، 34). واعتبر أنه الوحيد الذي ينطبق عليه كلمة قريب "لأنه صنع رحمة"...
تدخل الرحمة أيضًا في أحكام الناس على غيرهم:
فهناك أشخاص أحكامهم قاسية ولا ترحم، وقد تصل إلى مستوى الظلم. وربما تدخل فيها أيضًا شدة التوبيخ وكثرته، بألفاظ جارحة، وعدم تقدير للظروف، مع تركيز شديد على الأخطاء. مثال ذلك أصحاب أيوب الذين لاموه بغير رحمة، حتى قال لهم أيوب: "حَتَّى مَتَى تُعَذِّبُونَ نَفْسِي وَتَسْحَقُونَنِي بِالْكَلاَمِ؟ هذِهِ عَشَرَ مَرَّاتٍ أَخْزَيْتُمُونِي" (أي19: 2، 3) "أَنَا أَيْضًا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ مِثْلَكُمْ، لَوْ كَانَتْ أَنْفُسُكُمْ مَكَانَ نَفْسِي" (أي16: 4) "تَرَاءَفُوا، تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي، لأَنَّ يَدَ اللهِ قَدْ مَسَّتْنِي" (أي19: 21).
أما الإنسان الرحيم، فإنه يعذر غيره، لا يقسو عليه.
بدلًا من أن يشتد في لومه، يحاول أن يجد له عذرًا... والسيد المسيح كان هكذا. عندما نام تلاميذه في أشد اللحظات حرجًا، ولم يقدروا أن يسهروا معه ساعة واحدة، عذرهم قائلًا: "أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ" (مت26: 41). وحتى هو على الصليب، بكل حنو قدم عذرًا عن صالبيه. فقال: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو23: 34).
والكنيسة في صلاتها لأجل الراقدين، تقدم عذرًا عنهم:
فتقول: "إذ لبسوا جسدًا، وسكنوا في هذا العالم". وتقول : "لأنه ليس أحد بلا خطية، وإن كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض". والقديس بولس الرسول طلب الرحمة للإخوة الذين لم يقفوا معه أثناء القبض عليه. فقال: "فِي احْتِجَاجِي الأَوَّلِ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مَعِي، بَلِ الْجَمِيعُ تَرَكُونِي. لاَ يُحْسَبْ عَلَيْهِمْ" (2تي4: 16).
لهذا كله، يحب الناس أب الاعتراف المتصف بالرحمة.
يحبون أب الاعتراف الطيب، الذي يراعي حالة المعترف النفسية وخجله وتعبه، فلا يشتد في توبيخه، ولا يحتقر سقوطه، ولا يشمئز مما يسمعه منه، ولا يعامله بطريقة يمكن أن تحطم نفسيته، بل يحنو عليه مهما قص، ويصلي من أجله طالبًا له القوة والتوبة والمغفرة، لأنه أب حنون يعرف ضعف الطبيعة البشرية وقوة العدو المحارب لها...
بنفس الحنو عُومل القديس موسى الأسود في توبته:
رتب له الله أب اعتراف واسع الصدر جدًا رفيقًا بالخطاة، هو القديس إيسوذورس القس، احتضنه برفق في بدء التوبة، وقاده بهدوء حتى صار قديسًا. وفي إحدى المرات أتاه موسى الأسود عشر مرات في ليلة واحدة، فلم يتبرم به، وإذ نصحه أن يلزم قلايته، أجابه موسى [لا أستطيع يا معلم...] إذ كانت الحرب شديدة عليه. ولكن بطول أناة أبيه الروحي، رفع الله عنه القتال، ونما في الروح.
إن القلب الرحيم يشفق على الخطاة مهما سقطوا.
ويضع أمامه في ذلك قول القديس بولس الرسول: "اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب13: 3).
إن السيد المسيح في رحمته أشفق على المرأة الزانية التي ضُبطت في ذات الفعل، وأنقذها من راجميها، وقال لها: "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" (يو8: 11). وكذلك دافع عن امرأة زانية أخرى، بللت قدميه بدموعها في بيت سمعان الفريسي (لو7: 44).
ومن صفات القلب الرحيم أنه لا ينتقم:
إنه لا يكافئ الشر بالشر. بل يتبع قول الرب: "أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ" (مت5: 44).
هم كرهوكم، فلا تكونوا أنتم مثلهم. كانوا قساة عليكم، فلا تكونوا أنتم قساة عليهم. إن القسوة والانتقام لا يتفقان مع الرحمة.
القسوَة:
القسوة ضد الرحمة. والقسوة على نوعين:
قسوة على الناس، وقسوة على الله.
قسوة القلب على الناس معروفة، وهي معاملتهم بعنف أو بفظاظة أو بتعذيب أو بتجاهل... وما شابه ذلك. أما القسوة من جهة الله، فهي رفضه، والاستجابة لصوته في القلب. ومثال ذلك أورشليم، التي كم من أنبياء أرسلهم الله إليها، فلم تقبلهم، بل رجمت منهم وقتلت، وبالتالي لم تستمع إلى صوت الله على ألسنتهم. وهكذا يقول الوحي الإلهي:
"إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ" (عب3: 7، 8).
ولعل فرعون كانت فيه القسوة بنوعيها:
كانت معاملته للناس قاسية. ولما طلبوا منه أن يخفف عبء العمل عليهم، أزاده ثقلًا. وأمر مسخريهم ألا يعطوهم تبنًا لصنع الطوب اللين، بل فليذهبوا ويجمعوا تبنًا لأنفسهم، ولا ينقصوا شيئًا من مقدار إنتاجهم. فلما اشتكوا قال لهم: "مُتَكَاسِلُونَ أَنْتُمْ، مُتَكَاسِلُونَ!" (خر5: 17).
كذلك كان قلب فرعون قاسيًا من جهة عدم استجابته لصوت الله على الرغم من العجائب التي صنعها موسى أمامه، وعلى الرغم من الضربات العشر...
إن روح الرب لا يمكن أن يسكن في قلب إنسان قاسٍ.
لا يمكن أن يسكن في قلب عنيد أو منتقم، أو قلب لا رحمة فيه. لأن الكتاب يقول إنه من ثمر الروح "مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ... لُطْفٌ" (غلا5: 22). وضد هذا كله العنف. فالقلب العنيف القاسي الشديد، لا يجد روح الله موضعًا له فيه...
والقديس اسطفانوس وبخ اليهود على قساوة قلوبهم:
وقال لهم: "يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذلِكَ أَنْتُمْ! أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ؟ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ..." (أع7: 51، 52).
إن القساة بعد موتهم تتبعهم مناظر قسوتهم.
كل مناظر التعذيب التي عذبوا بها الآخرين، تتبعهم وتقف أمامهم، وتتعبهم ولا يستطيعون منها فرارًا... تذكرهم بأن قلوبهم كانت خالية من الرحمة... لاشك أن صورة هابيل أثناء قتله، كانت تلاحق قايين وتتعبه، ليس فقط في السماء، وإنما على الأرض أيضًا... كما قال له الرب: "صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ" (تك4: 10).
مَن الذين يَرحمهم الله؟
قلنا إن الرحمة صفة من صفات الله... فمن هم أولئك الذين يستحقون رحمة الله؟
1- أولًا: الله يرحم الذين يطلبون من كل قلوبهم.
ولذلك فنحن نطلب الرحمة باستمرار في كل يوم: ففي مقدمة كل صلاة، نصلي المزمور الخمسين الذي يبدأ بعبارة: "اِرْحَمنِي يَا الله كَعَظيمِ رَحْمتِكَ"... كما أننا نختم كل صلاة من صلوات الأجبية بقطعة "ارحمنا يا الله ثم ارحمنا".
وحينما ندخل إلى الكنيسة ونسجد قدام الهيكل، نقول: "أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ، وَأَسْجُدُ قُدَّام هَيْكَلِ قُدْسِكَ بمَخَافَتكَ" (مز5: 7). وفي رفع بخور عشية وباكر، يصلي الأب الكاهن لحن "إفنوتي ناي نان" أي (يا الله ارحمنا). ويبدأ كل صلاة من صلوات الأجبية بعبارة "إبشويس ناي نان" أي (يا رب ارحمنا) ولعل هذه الصلوات مأخوذة من صلاة العشار: "اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ" (لو18: 13).
وفي كل صلاة نقول: "كيرياليصون" 41 مرة، أي (يا رب ارحمنا).
فهل كل من يطلب الرحمة ينالها؟ عملًا بقول الرب: "اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا" (مت7: 7).. أم أن لنوال الرحمة شروطًا؟ نعم، لها شروط.
2- إن الله يرحم الذين يرحمون غيرهم..
لذلك قال: "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مت5: 7). ولهذا أيضًا نقول في صلاة نصف الليل: "لأنه ليس رحمة في الدينونة، لمَن لم يستعمل الرحمة".
أما القساة الذين لا يرحمون، فإنهم لا يستحقون رحمة الله.
وقد يتذكر القساة قسوتهم، حينما يحتاجون إلى الرحمة فلا يجدونها.
إن إخوة يوسف الصديق، لما وقعوا في ضيقة في مصر، قالوا بعضهم لبعض: "حَقًّا إِنَّنَا مُذْنِبُونَ إِلَى أَخِينَا الَّذِي رَأَيْنَا ضِيقَةَ نَفْسِهِ لَمَّا اسْتَرْحَمَنَا وَلَمْ نَسْمَعْ. لِذلِكَ جَاءَتْ عَلَيْنَا هذِهِ الضِّيقَةُ". وأجابهم رأوبين معلقًا على كلامهم: "فَأَجَابَهُمْ رَأُوبَيْنُ قَائِلاً: «أَلَمْ أُكَلِّمْكُمْ قَائِلاً: لاَ تَأْثَمُوا بِالْوَلَدِ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَسْمَعُوا؟ فَهُوَذَا دَمُهُ يُطْلَبُ" (تك42: 21، 22). وحينما دُبرت الحيلة ضدهم، ووُجد كأس يوسف في متاع بنيامين، سجد يهوذا أمام يوسف وقال له: "بِمَاذَا نَتَبَرَّرُ؟ اللهُ قَدْ وَجَدَ إِثْمَ عَبِيدِكَ" (تك44: 16).
3- وعلى عكس ذلك يرحم الله المظلومين، حتى دون أن يطلبوا...
مجرد الظلم الذي يعيشون فيه، يصرخ إلى الله طالبًا عدله... ولهذا "قَالَ الرَّبُّ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ، فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ" (خر3: 7، 8). ولهذا أيضًا قال في المزمور: "مِنْ أجْل شَقَاءِ المسَاكِين وتَنهُّدِ البَائِسينَ الآنَ أقُومُ، يقُولُ الرَّبُّ، أصْنَعُ الَخَلاصَ عَلَانِيةً" (مز11: 5).
نعم، كما يقول الوحي الإلهي: "الصّانِعِ الْحُكْمِ للمَظْلومينَ... الرَّبُّ يَحلُّ الْمَرْبُوطِينَ. الرَّبُّ يُقيمُ السّاقِطينَ. الرَّبُّ يُحْكَمُ العُمْيانَ... الرَّبُّ يَحْفَظُ الغُرباءَ ويعضدُ اليَتيمَ والأرْمَلةَ" (مز145: 7- 9).
هؤلاء المظلومين، يأخذ الرب لهم حقهم من ظالميهم:
نضرب مثالًا لذلك: القديس مقاريوس الكبير.
حدث في أيام شبابه أن فتاة حملت سفاحًا. فلما ظهرت ثمرة خطيئتها، أوعز إليها الشاب الذي أخطأ معها، أن تلصق التهمة بمقاريوس المتوحد (قبل أن يذهب إلى الإسقيط). فجاء الناس إليه وأهانوه إهانات مرَّة. وكلَّفوه أن ينفق على الفتاة وعلى ابنها حينما تلده. وهنا تدخل الله. وتعسرت الفتاة في ولادتها جدًا، بعذابات شديدة، فلم تجد طريقًا للخلاص سوى أن تعترف بأنها اتهمت ذلك البار ظلمًا...
ونابوت اليزرعيلي الذي ظلمه أخآب وإيزابل، مثال آخر...
لقد انتقم الرب لدمه، وقال لأخآب على فم إيليا النبي: "هكَذاَ قَالَ الرَّبُّ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ الْكِلاَبُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ الْكِلاَبُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضًا" (1مل21: 19).
وأيضًا رحم الله مردخاي، وانتقم له من ظالمه هامان.
وكان هامان قد أعدَّ مؤامرة لمردخاي، وأعدَّ له خشبة ارتفاعها خمسون ذراعًا لكي يصلبه عليها. وفي نفس الوقت، تدخل الرب وتكلم في قلب الملك أحشويروش، وكشف له ماضي مردخاي المجيد، كما كشف له شرّ هامان. فأمر بأن يُصلب هامان على الخشبة التي أعدها ذلك لمردخاي (أس7: 9، 10).
ورحم الرب موسى وشعبه من قسوة فرعون.
وهكذا نجا موسى والشعب من عبودية فرعون الذي غرقت كل مركباته وجنوده في البحر الأحمر، وصنع الرب خلاصًا...
ووقف الرب ضد هارون ومريم لما تقوَّلا على موسى.
ودافع الرب عن موسى، ورفع من شأنه أمامهما، وبكتهما. وضرب الرب مريم بالبرص عقابًا لها، ولم يسامحها على الرغم من شفاعة موسى فيها، فحجزت خارج المحلة سبعة أيام... (عد12: 9- 15).
ومن الناحية الأخرى لم يقف الرب إلى جوار موسى لما استخدم العنف وضرب المصري (خر1: 14).
وهناك أمثلة أخرى عديدة، لوقوف الرب ضد الظالمين.
وقف الرب إلى جوار داود الصغير ضد شاول الملك، لما حدث أن شاول ظلم داود وأراد قتله. وانتهى شاول، وفارقه روح الرب (1صم16: 14). وانتصر داود أخيرًا. ولكن داود لما أراد أن يقسو على نابال، أرسل الله له أبيجايل لتبكته (1صم25).
ووقف الرب أيضًا ضد قايين لما قتل أخاه هابيل، وعاقبه فصار تائهًا في الأرض (تك4).
إن الله يرحم الكل، ولكنه لا يرحم الظالمين في ظلمهم. بل بالكيل الذي يكيلون يُكال لهم (مت7: 2).
ولعل عقوبات الله لهم تكون درسًا حتى يرجعوا عن قساوة قلوبهم وعن ظلمهم للغير. فإن عاندوا يصيرون درسًا لغيرهم.
لذلك كن في حياتك مظلومًا لا ظالمًا، ومصلوبًا لا صالبًا.
4- ويرحم الرب الضعفاء والمطرودين والمنبوذين والمنسحقين بقلوبهم:
كان الرب إلى جوار العشار المنسحق القلب، فخرج مبررًا دون ذلك الفريسي المنتفخ الذي يدين غيره (لو18: 14).
ووقف أيضًا إلى جوار زكا الذي ببساطة صعد على الجميزة لكي يراه، ولم يستمع للذين قالوا إنه رجل خاطئ (لو19: 6، 7).
ورحم الله المرأة الخاطئة الذليلة المضبوطة في ذات الفعل، وبكت القساة الذين أرادوا رجمها قائلًا لهم: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ" (يو8: 7).
5- ويرحم الله الذي ليس له أحد يرحمه.
كما رحم مريض بيت حسدا، الذي قضى 38 سنة في مرضه وليس له إنسان يُلقيه في البركة (يو5: 7). ولذلك نقول عن الرب في صلواتنا إنه معين مَن ليس له معين، ورجاء من ليس له رجاء. وهكذا رحم لوطًا لما هجم أهل سادوم على بيته (تك19).
ومن رحمة الله أنه يتدرج معنا حسب طاقتنا.
لا يشاء أن نجرب فوق ما نطيق، بل يعطي مع التجربة المنفذ (1كو10: 13). وهو يسقينا لبنًا لا طعامًا إن كنا لا نحتمل (1كو3: 2). وفي وصيته يقول في حنان: "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ" (رو12: 18).
ليتنا نتعلم من الله الرحمة ونكون رحومين.
طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ
طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ
مكافأة عظيمَة
لا بد أن نقاوة القلب لها قيمتها العظيمة، لأن مكافأتها متميزة جدًا عن باقي مكافآت التطويبات الأخرى...
ففي المكافآت الأخرى يقول: "لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ"، "لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ"، "لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ"، "لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ"... أما في هذه فإنه يقول: "لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ" أي يرونه، أي يتمتعون به. فالفضيلة التي مكافأتها رؤية الله لا بد أن تكون عظيمة جدًا.
إذًا رؤية الله ليست لكل أحد. إنها للأنقياء، للبسطاء.
ليس الكل يعَاينون الله:
حدث في إحدى المرات أن القديس سرابيون قام بهداية امرأة زانية إلى التوبة، وأخرجها من مكان الخطية الذي كانت تعيش فيه. وذهب إلى القديس أنطونيوس ليسأله هل قبل الله توبة هذه المرأة؟ فصاموا أيامًا وصلوا، ليعرفوا مشيئة الله فيها. وكان أن الله كشف الأمر للقديس بولس البسيط. رأى حفلًا كبيرًا وعروشًا بينها كرسي عظيم لا يجلس عليه أحد. وهناك ملاك يعرَّفه بالجالسين. فلما وصل للعرش الذي لا يجلس عليه أحد. سأله الملاك [ترى لمَن هذا العرش؟] فأجاب القديس بولس: [ألعله لأبي القديس أنطونيوس]. فأجابه الملاك: [كلا، إنه للخاطئة التي تابت على يد الأنبا سرابيون]. وهكذا نرى أن القديس بولس بسبب بساطته، استحق أن يكون الشخص الذي يكشف له الله مشيئته.
ليس الكل يعاينون الله. نرى هذا واضحًا في قصة هداية شاول الطرسوسي:
شاول رأى السيد المسيح في طريق دمشق. أما المسافرون معه فكانوا "لاَ يَنْظُرُونَ أَحَدًا" (أع9: 7). وسمع شاول صوت الرب يكلمه. أما المسافرون معه فيقول عنهم كانوا: "يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ"، صوت بولس "وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ الَّذِي كَلَّمَنِي" (أع22: 9). إن رؤية الرب وسماع صوته مكافأة روحية ليست لكل أحد. نفس الأمر نراه في مواضع كثيرة في الكتاب المقدس:
إن الرب كلَّم صموئيل الطفل، ولم يكلم عالي الكاهن:
هذا الطفل في نقاوة قلبه، استحق أن يتحدث إليه الرب، ويبلغه رسالة يقولها لعالي الكاهن (1صم3: 1- 14) دون أن يكلم الرب عالي مباشرة، إذ كان لا يستحق ذلك، بل كان في موقف المعاقبة...
إن الأشرار لهم عيون، ولكنها لا تبصر...
لا يستحقون رؤية الرب. وهذه عقوبة عظمى لهم. إنهم في الظلمة الخارجية (مت25: 30). عيونهم لا ترى الله. وأرواحهم لا تبصره ولا تحسَّه.
ونحن نقصد بالرؤية في كل ما سبق، رؤية المتعة الروحية.
وكذلك في الحديث وسماع صوت الرب. فقد تكلم الرب مع الحية القديمة وعاقبها (تك3) وتكلم مع الشيطان كما يروي سفر أيوب (أي1، 2). وتكلم مع قايين وعاقبه عن قتله (تك4). كما تكلم مع الشيطان أيضًا على جبل التجربة (مت4). ولكن كل ذلك لم يكن في مجال المتعة الروحية. فالأشرار إن التقوا بالله لا يكون لقاء متعة بل كما يقول الكتاب:
"مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!" (عب10: 31).
وعن ذلك يُقال أيضًا في المجيء الثاني: "هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (رؤ1: 7). إذًا هؤلاء الذين طعنوه سيرونه وينوحون. بل إنهم "يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ: غَطِّينَا، وَلِلتِّلاَلِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا" (هو10: 8، لو23: 30).
العقل والبسَاطة والضيقات:
العقل الذي يحاول أن يفحص كل شيء، وأن يخضع الرؤية للحواس قد لا يرى شيئًا، بعكس الإنسان البسيط.
إن الله قد تراه بروحك، أكثر مما تراه بعينك. وقلبك الذي يصدق رؤيته ويتعلق بها، هذا قد يراه، بعكس العقل الدائم الفحص الذي يريد أن يخضع رؤية الله لفكره. لذلك قد يكون اثنان أمام منظر روحي: أحدهما يراه، والآخر لا يرى. وغالبًا ما يراه الإنسان البسيط، النقي القلب... أو الإنسان المضغوط المحتاج إلى الله...
أحيانًا ترتبط رؤية الرب بالألم، الألم الذي ينقي القلب...
وهكذا كان الرب يظهر للشهداء والمعترفين في عمق آلامهم وعذاباتهم، في وقت كانت فيه قلوبهم نقية تمامًا من كل محبة العالم وإغراءاته، ومستعدة للقاء الرب.
وكان الرب يظهر للمظلومين وهم في عمق الألم أو الاضطهاد الذي ينقي قلوبهم، كما حدث بالنسبة إلى أبينا يعقوب أبي الآباء وهو هارب من أخيه عيسو (تك28).
في الضيقات كثيرًا ما نرى الله، نراه في عمله، ولا تشترط لذلك رؤية مادية...
إن داود الهارب المطرود يتغنى بالرب ويقول: "جَمِيعُ عِظَامِي تَقُولُ: يَا رَبُّ، مَنْ مِثْلُكَ الْمُنْقِذُ الْمِسْكِينَ مِمَّنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ، وَالْفَقِيرَ وَالْبَائِسَ مِنْ سَالِبِهِ" (مز35: 10). ويقول داود أيضًا: "كُنْتُ أَرَى الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي، لِكَيْ لاَ أَتَزَعْزَعَ" (أع2: 25). وطبعًا لم يكن داود يرى الرب أمامه في كل حين برؤية مادية، إنما كان قلبه النقي يشعر بهذه الرؤية، دون أن يخضعها للحواس. لذلك يقول أيضًا:
"ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ" (مز34: 8).
وطبعًا هذا النظر وهذه المذاقة خارج نطاق الحواس... وهي متعة روحية أن يرى الله في حياته ويتمتع به. يراه في حل مشاكله، ويراه في إنقاذه من أعدائه، ويراه في كل خير وكل بركة. ويكاد يلمس يد الله لمسًا... إنه الإيمان.
رؤية الله في الأبدَية:
وعبارة "لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ" تعني معنى آخر وهو:
رؤية الله ومعاينته في الأبدية، خارج الجسد المادي.
وهذا ما قصده أيوب الصديق حينما قال: "أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ، وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ، وَبَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هذَا، وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللهَ. الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي، وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ" (أي19: 25- 27).
معاينة الله ورؤيته في الأبدية، أمر تحدث عنه الكتاب كثيرًا، وفي ذلك قال القديس بولس الرسول:
"إِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ" (1كو13: 12).
ويتابع كلامه فيقول: "الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ". وهنا نرى الارتباط بين رؤية الله ومعرفة الله.
والقديس بولس يقول في رسالته الثانية إلى كورنثوس: "وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ... وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ" (2كو3: 17، 18).
إذًا سنعاين الله في الأبدية، بالأجساد الروحانية.
حينما نخلع هذا الجسد المادي، الجسد الترابي الفاسد، ويلبس الفاسد عدم فساد، ونقوم بأجساد روحانية نقية، يمكنها أن ترى الله...
ولكن رؤية الله يشترط لها الرب نقاوة القلب. فلماذا نقاوة القلب بالذات؟ وكيف تكون هذه النقاوة؟ وكيف تأتي؟
نقَاوة القلب:
كلمة القلب هنا لها أهمية خاصة، لأن الرب يريد القلب بالذات، ويقول: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ" (أم23: 26). ويقول أيضًا: "فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ" (أم4: 23). والسيد المسيح يقول إن "اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ" (لو6: 45). ويقول أيضًا إنه "مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ" (لو6: 45).
لذلك فإن النقاوة الخارجية هي كل شيء.
قد يحفظ الإنسان حواسه نقية، فلا يخطئ بالنظر ولا باللمس ولا بالسمع، ومع ذلك قد لا يكون قلبه نقيًا! وكما يقول القديس جيروم: [هناك أشخاص بتوليون بأجسادهم، ولكن أرواحهم زانية] أي أن الزنا في قلوبهم مع أن أجسادهم لم تخطئ عمليًا. وكذلك قد لا يخطئ الإنسان بلسانه، ولكن قلبه قد لا يكون نقيًا، ويوجد فيه الغضب والحقد والإدانة والانتقام، ويصدَّر كل هذا إلى فكره، فيتدنس فكره أيضًا...
هذا من الناحية السلبية. ومن الناحية الإيجابية يقول الرب:
"يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا" (مت15: 8) (مر7: 6).
لقد انتقد الرب الكتبة والفريسيين لأنهم "لِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ" (مت23: 14). ومع طول صلواتهم ليست قلوبهم مع الله. وبنفس الوضع هناك مَن يصومون، ويذللون أجسادهم، بل يقدمون الجسد ليحترق، والقلب ليس فيه محبة الله (1كو13: 3).
القلب النقي ليس هو فقط الطاهر من الخطية...
إنما هو القلب الذي توجد فيه محبة الله:
ومن هذه المحبة تنبع جميع الفضائل. فالفضائل ليست مجرد مظاهر خارجية، إنما هي تعبير عن المحبة التي في القلب من نحو الله والناس. هذه المحبة التي قال عنها الرب إنه يتعلق بها "النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ" (مت22: 40).
والقلب النقي يبدأ بحياة التوبة...
وعن هذه النقاوة يقول الرب في سفر حزقيال النبي: "اِطْرَحُوا عَنْكُمْ كُلَّ مَعَاصِيكُمُ الَّتِي عَصَيْتُمْ بِهَا، وَاعْمَلُوا لأَنْفُسِكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا وَرُوحًا جَدِيدَةً" (حز18: 31). ويقول الرب أيضًا: "وَأَرُشُّ عَلَيْكُمْ مَاءً طَاهِرًا فَتُطَهَّرُونَ. مِنْ كُلِّ نَجَاسَتِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَصْنَامِكُمْ أُطَهِّرُكُمْ. وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ. وَأَجْعَلُ رُوحِي فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَجْعَلُكُمْ تَسْلُكُونَ فِي فَرَائِضِي" (حز36: 25- 27).
هذا هو القلب النقي الذي يريده الله، وبه نعاين الله، وهذا هو القلب الذي طلبه داود في توبته قائلًا:
"قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي أحْشَائِي" (مز50: 10).
إنه القلب الذي لا يحب الخطية ولا يشتهيها، وبالتالي لا يفعلها. ولذلك لما قال الله: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ"، قال بعدها مباشرة: "وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أم23 :26). لأنك إن أعطيت للرب قلبك، سيكون حفظ الوصايا أمرًا لاحقًا وطبيعيًا لا تبذل فيه مجهودًا، ذلك لأن القلب النقي سيحب الفضيلة، ويحب طريق الرب ويسلك فيه عن رضى. بل تكون حياة البر هي شهوة قلبه.
نقاوة القلب وبساطته كانت هي صفة الإنسان الأول.
كان آدم وحواء نقيين بسيطين، لا يعرفان شرًا. كانا عريانين وهما لا يخجلان (تك2: 25)، بل وهما لا يشعران بذلك. كان قلبهما طاهرًا لا يرى في هذا العري شرًا. وكما يقول الكتاب: "كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ" (تي1: 15).
إذًا بنقاوة القلب، يريد الله أن نرجع إلى حالتنا الأولى التي خلقنا الله عليها، حينما كنا على صورة الله ومثاله... وإن لم نستطع، فعلى الأقل نقترب إلى هذه الصورة عينها على قدر طاقتنا...
ونقاوة القلب هذه، سنحصل عليها في الأبدية، فنكون كملائكة الله في السماء (مت22: 30).
وبهذه النقاوة يمكننا أن نعاين الله. لذلك نحن نصلي ونقول: إن لم تكن لنا يا رب هذه النقاوة التي نعاينك بها، وإن لم نستطع أن نصل إلى هذه النقاوة، فامنحنا إياها كعطية من عندك. أو امنحنا عربون هذه النقاوة ومذاقها، واكملها لنا في ملكوتك، حتى نستطيع أن نراك.
القلب النقي لا يحب العالم، "وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ" (1يو2: 15).
لأنه "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ" (1يو2: 15). ولأن "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يع4: 4). وهذا الذي لا يحب العالم، والذي يكون قلبه قد مات عن محبة العالم، يصبح قلبه مملوءًا من محبة الله وحده، ولا يكون هناك منافس لله في قلبه. إنه يقول للرب مع الرسول:
"قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ" (مت19: 27).
حقًا إن القلب النقي لا يعبد سيدين، فقلبه خالص لله. إن أحب أحدًا أكثر منه، فلا يستحقه (مت10: 37). وهكذا يتنقى القلب الطاهر من الشهوات. وكل محبة بريئة تكون داخل محبة الله، ولا تكون منافسة لمحبة الله.
والقلب النقي تكون ألفاظه وكلماته نقية:
وذلك لأن من فضلة القلب يتكلم اللسان (لو6: 45). وداود النبي قد قال: "فَاضَ قَلْبِي بِكَلاَمٍ صَالِحٍ" (مز45: 1). فلا يجوز إذًا أن يغضب إنسان ويتكلم بكلام خاطئ. ثم يعتذر له أحدهم ويقول (ولكن قلبه أبيض). فالقلب الأبيض، ألفاظه بيضاء، والإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح.
والقلب النقي هو أيضًا قلب متسع، للكل...
إنه لا يضيق بكلمة، ولا يضيق بمشكلة، ولا يضيق بأحد.
وما أجمل قول بولس الرسول في معاتبته للكورنثيين إذ قال لهم: "فَمُنَا مَفْتُوحٌ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الْكُورِنْثِيُّونَ. قَلْبُنَا مُتَّسِعٌ. لَسْتُمْ مُتَضَيِّقِينَ فِينَا بَلْ مُتَضَيِّقِينَ فِي أَحْشَائِكُمْ. لِذلِكَ أَقُولُ كَمَا لأَوْلاَدِي: كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُتَّسِعِينَ!" (2كو6: 11- 13).
انظروا إلى الله، وكيف يتسع قلبه للكل...
كيف يشرق بشمسه على الأشرار والصالحين، وكيف يمطر على الأبرار والظالمين (مت5: 45). وكيف يتسع صدره لإبقاء الملحدين وعباد الأصنام على الأرض، بل ويبقى الشيطان حتى الآن دون أن يبيده...؟! وكيف يتسع صدر الله للمغفرة، حتى يقول داود النبي في ذلك: "لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا... كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا" (مز103: 10، 12).
بل للنظر أمثلة من سعة القلب عند البشر الأنقياء.
يقول الكتاب عن موسى النبي: "وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ" (عد13: 3). يقول عن سليمان الحكيم: "وَأَعْطَى اللهُ سُلَيْمَانَ حِكْمَةً وَفَهْمًا كَثِيرًا جِدًّا، وَرَحْبَةَ قَلْبٍ كَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ" (1مل4: 29) ... أترى لك رحبة القلب هذه؟
والقلب النقي لا شك له ثمر الروح.
ذلك الذي قال عنه الرسول: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ. وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22، 23). فينبغي أن يكون لك كل هذا، حتى يمكنك أن تعاين الله.
لا أريد أن أسهب الآن في الحديث عن نقاوة القلب، فيمكنك أن تقرأ عنها بالتفصيل في كتابنا (حياة التوبة والنقاوة). فإن تدربت على نقاوة القلب هذه، تستحق تلك المكافأة "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ".
طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ
طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ
مَعنى صَانعي السَلام:
لها معنى مثلث: الذين يصنعون السلام بين الله والناس، ويصنعون سلامًا بين الناس وبعضهم البعض، ويصنعون سلامًا في داخل قلوبهم هم، ومع الله والناس، وسلامًا بين الروح والجسد فلا يصارع أحدهما الآخر.
1- في صنع السلام بين الله والناس، يقودون الناس إلى الإيمان وإلى التوبة ويهيئون لله شعبًا مستعدًا. وفي ذلك قال القديس بولس الرسول: "وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ... إِذًا نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ" (2كو5: 18، 20).
2- وفي صنع السلام بين الناس، نتخذ طريقين: أولهما أننا لا نكون سبب خصومة بين الناس، أو سببًا لزيادة الخصومة. وثانيهما أننا نشترك في فض الخصومات وإرجاع المحبة.
3- أما السلام داخل نفوسنا، فهو أن نتخلص من كل انقسام أو صراع داخلي. ولا تكون شهواتنا ضد روحياتنا، ولا تكون أجسادنا في رغبات ضد أرواحنا. ولا تكون أفكارنا منقسمة علينا، ولا نكون مضطربين من الداخل، متحيرين مترددين بين طرق كثيرة.
وكل هذه الأنواع الثلاثة من صنع السلام، نود أن نتحدث عنها بالتفصيل في هذا الفصل، حسبما يتسع لنا المجال.
السَلام بَين الله والناس:
أول من أثار الخصومة بين الله والناس، هو الشيطان.
وبالخطية وكسر الوصية، حدثت الخصومة. ووجد في الهيكل الحائط المتوسط الذي يفصل الناس عن قدس الأقداس، هذا هو الحجاب (عب9: 3). وكان لا بد من نقض هذا الحائط المتوسط، لكي تكون لنا ثقة بالدخول إلى الأقداس (عب10: 19).
كانت ذبيحة المحرقة ترمز إلى إرضاء قلب الله الغاضب بسبب خطايانا، لذلك كانت كلها لله.
ما كان يتناول منها أحد: لا مقدمها، ولا أصدقاء له، ولا الكاهن، وإنما تظل تشتعل فيها النار نهارًا وليلًا، حتى تتحول إلى رماد. وكانت النار ترمز إلى عدل الله. وتحولّ المحرقة إلى رماد، يرمز إلى استسلام الذبيحة حتى المنتهى، إلى أن يستوفي الله عدله إلى التمام... (لا6: 8-13). ولذلك قيل عن المحرقة إنها:
"مُحْرَقَةً، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا1: 9 ،13، 17).
وكانت هناك أيضًا ذبيحة الخطية، وذبيحة الإثم، رمزًا لوفاء العدل الإلهي، لأنه "بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ!" (عب9: 22). كان الدم يوفي حكم الموت، إذ أن "أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو6: 23). ولكن دم الحيوانات كان مجرد رمز للمسيح.
ولقد قام السيد المسيح بالمصالحة بين الله والناس.
وكان ذلك على الصليب، بعمل الكفارة والفداء...
وفي هذا يقول الرسول: "إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ!" (رو5: 10). وقال إن الله "صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" وأنه "كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ" (2كو5: 18، 19). وقال القديس بولس: "أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ. لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ أَيِ الْعَدَاوَةَ" (أف2: 13- 15). وقال: "عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ" (كو1: 20).
إننا نشكر السيد المسيح الذي صنع سلامًا بين الله والناس، كابن لله، وابن للإنسان.
ولذلك نسميه ملك السلام. وننشد له قائلين: "يا ملك السلام أعطنا سلامك". ويقول عنه سفر إشعياء النبي إنه "رَئِيسَ السَّلاَمِ" (إش9: 6). وعندما بشرت الملائكة بمولده قالت: "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ" (لو2: 14).
وقبل أن يصنع هذا السلام، كنا أبناء الغضب.
وفي ذلك يقول الرسول: "كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا... وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ... وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ... وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" (أف2: 1-6).
ولكن السيد المسيح نجانا من الغضب، وصالحنا مع الله. ودفع عنا الثمن. وبهذا نتغنى في القداس الغريغوري: "والحاجز المتوسط نقضته، والعداوة القديمة هدمتها. وصالحت السمائيين مع الأرضيين، وجعلت الاثنين واحدًا. وأكملت التدبير بالجسد".
السيد المسيح كان الوحيد الذي صنع سلامًا بين الله والناس بالمعنى الكفاري الفدائي. ونحن يمكننا أن نصنع سلامًا بمعنى آخر.
وذلك بقيادة الناس إلى حياة الإيمان والتوبة، مثلما قال المسيح: "عَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ"، "الْكَلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ" (يو17: 26، 8)... وهكذا نجعلهم يعرفون الله، ويحبونه ويثبتون فيه. نكرز لهم، نقوم بخدمة الكلمة (أع6) وخدمة المصالحة (2كو5). ونتذكر في كل ذلك قول الرسول:
"مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (يع5: 20).
ومن هنا تبدو أهمية الخدمة، والتعليم والافتقاد، والجلسة الفردية، والسعي في جعل الناس يحبون الله والدين والكنيسة. وكما قال القديس بطرس الرسول: "نَائِلِينَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ خَلاَصَ النُّفُوسِ" (1بط1 :9).
إن المسيح هو ابن الله. وهو بهذه الصفة قد صنع سلامًا بين الله والناس. فإن سلكت في نفس طريق السلام مثله - في مجالك الخاص - تدعى أنت أيضًا ابن الله، بمعنى آخر...
إن كان الأمر هكذا، فماذا نقول عَمن يفعل العكس، ويعثر الآخرين ويبعدهم عن طريق الرب، ويكون مطالبًا بدمهم أمام الله؟!
مثال ذلك: مَن ينشر البدع والهرطقات، ومَن يشكك الناس في الدين، وفي الفضيلة، وفي الروح، وفي الخلود... أو مثال ذلك من يقود غيره في طرق الإباحية واللهو والعبث باسم الحريِّة الشخصية!! وعلى شاكلة هؤلاء كل من تكون عشرته سببًا في ضياع العشرة مع الله...
السَلام بَين الناس:
جاء السيد المسيح أيضًا فصنع سلامًا بين الناس، أوله هو ذلك السلام بين اليهود والأمم، وبين اليهود والسامريين.
جاء يدعو الأمم إلى رعوية الله، ويلغي فكرة الشعب المختار، ويمدح قائد المائة الأممي، ويمدح المرأة الكنعانية، ويقول إنه لم يجد "فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10) (لو7: 9) ونراه أيضًا قد بشر في السامرة. وقال لتلاميذه: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8). "اذْهَبُوا... اكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15). "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ..." (مت28: 19).
لهذا كله نجد بولس الرسول يقول للأمم:
"كُنْتُمْ... بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ... وَلكِنِ الآنَ... صِرْتُمْ قَرِيبِينَ... لَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ" (أف2: 12، 13، 19).
وصالح اليهود مع السامريين. وضرب لذلك مثل السامري الصالح، واعتبر أنه القريب الحقيقي. وتكلم مع المرأة السامرية، وأيضًا صالح المتمسكين بالدين مع الطوائف المحتقرة منهم مثل العشارين والخطاة، وضرب مثل الفريسي والعشار، ليريهم أن العشار المحتقر "نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ" (لو18: 14).
وطلب إلينا أن نكون في صلح دائم مع الناس، حتى الأعداء.
فقال: "كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ... مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ... أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ... لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ" (مت5: 25، 40 – 44، 39).
ويقول لنا معلمنا بولس الرسول: "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ... لاَ تُجَازُوا أَحَدًا عَنْ شَرّ بِشَرّ... إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ" (رو12: 18، 17، 20).
بولس الرسول نفسه صالح بين فليمون وأنسيمس، وطالب فليمون أن يعامل عبده كأخ محبوب، وقال له: "اقْبَلْهُ نَظِيرِي. ثُمَّ إِنْ كَانَ قَدْ ظَلَمَكَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاحْسِبْ ذلِكَ عَلَيَّ. أَنَا بُولُسَ كَتَبْتُ بِيَدِي: أَنَا أُوفِي" (فل17- 19).
وعملت المسيحية على أن تمنع الحروب والشقاقات. وقد وبخ القديس بولس أهل كورنثوس إذ وجد بينهم شقاقات وخصومات (1كو1: 10، 11).
ودعت المسيحية إلى حياة المحبة الكاملة، وإلى حياة البذل، واعتبرت من يبغض أخاه كأنه قاتل نفس، بل دعت وشرحت فناء الأمور المادية العالمية التي بسببها تحدث شقاقات بين الناس.
لذلك على كل إنسان أن يصنع سلامًا على قدر طاقته.
ولعل من أهم وسائل السلام بين الناس عدم توصيل كلام المذمة.
لأن من يفعل ذلك يكون كمن يشعل نارًا بين الناس، وكمن يغرس أصول الكراهية والحقد، ويقضي على السلام. فإن كانت لديك كلمة طيبة تقولها، قلها. وإلا فاصمت. وإن سمعت كلمة رديئة قالها أحد على أخيه، فكن كأنك لم تسمع. وإن سمعت عن خصومة بين اثنين، فحاول أن تصلح بينهما، وترجع المحبة القديمة إلى قلبيهما. وبهذا تُدعى ابنًا لله.
فإن كان من يوصل كلمة رديئة، يضيع السلام بين الناس، فماذا نقول إذًا عمن يزيد عليها، أو يزوّدها بمفاهيم مثيرة، أو يخترع كلامًا عن عندياته ليبلغه ويشعل به النار؟!
لا يمكن أن شخصًا كهذا يُدعى ابنًا لله... لأنه ليس مثله صانع سلام... وماذا نقول أيضًا عَمن يُذكّر غيره بخصومة قديمة قد نساها، أو بكلمات قيلت عليه منذ زمن وقد زالت تمامًا من ذاكرته...؟! والعجيب أنه يظن ذلك إخلاصًا! بينما هو بكل هذا يوغر قلبه على أخيه، ويعكر الماء الذي قد صفا وراق!
ولا تظن أنك تكسب صداقة إنسان بأن تعادي أعداءه بل الأفضل أن تصالحه مع أعدائه إن كنت تستطيع...
كم من خصومات قد قامت بسبب الملق الرخيص... وكم من أشخاص اضطروا أصدقاءهم أن يأخذوا موقفًا مضادًا عنيفًا من آخرين - من أجلهم هم - بينما أولئك لم يفعلوا ضدهم شيئًا. ولكنها خصومات سببها يشبه العصبية القبلية. وليس فيها على الإطلاق صنع سلام، بل توسيع لرقعة الخصومة بين الناس. ليت الجميع في كل ذلك يتذكرون قول الكتاب: "طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللهِ يُدْعَوْنَ".
السَلام الداخلي:
إنك بهذا السلام، تصبح حقًا ابنًا لله. لأن أبناء الله لا تقوم أجسادهم ضد أرواحهم، بل يتفق الاثنان معًا في محبة الله. وأبناء الله لا يكونون منقسمين من الداخل، بل يسودهم سلام القلب، حتى يفيضوا منه على الآخرين.
إن الشخص الذي يعيش في سلام مع الله والناس، لا بد أنه يتمتع بسلام داخلي، سلام القلب والفكر.
إنه يعيش في راحة ضمير، وكذلك في حياة الإيمان التي يطمئن فيها قلبه، ويهدأ من الداخل، فلا يضطرب ولا يخاف ولا يقلق، ولا تملكه الكآبة ولا الحيرة ولا الشكوك... بل يحيا في سلام داخلي، مؤمنًا بعناية الله وحفظه، مهما كانت قوى الشر المحيطة، فالله أقوى من الكل، يقول: "لاَ تَخَفْ... لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع18: 9، 10).
حقًا، إذا فقد إنسان سلامه واضطرب، يكون إيمانه قد ضعف...
لقد احتفظ داود النبي بسلامه، وهو في وادي ظل الموت (مز23)، كما احتفظ الثلاثة فتية بسلامهم، وهم في آتون النار.
طُوبَى لِلْمَطْرُودِين مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ
طُوبَى لِلْمَطْرُودِين مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ
إن السيد المسيح لم يضع أمام الناس طريقًا سهلًا مفروشًا بالورود...
بل حدثهم عن الطريق الكرب والباب الضيق، قائلًا لهم: "مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ" (مت7: 14). وأراهم أنه لا بد لهم من أن يتعبوا لأجل اسمه، ولأجل البر، ولهذا قال لهم:
"طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ..." (مت5: 10، 11). انظر أيضًا (لو6: 22، 23).
لا بد أن تكون هذه الحقيقة واضحة أمام كل مسيحي:
إنه إن سار في طريق البر، لا بد سيتعب. وكما قال السيد المسيح: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مت 16: 24). وحسنًا قال الكتاب أيضًا إنه "بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (أع 14: 22). وما أجمل عبارة تُقال للراهب يوم سيامته من سفر يشوع بن سيراخ، وهي:
"يَا بُنَيَّ، إِنْ أَقْبَلْتَ لِخِدْمَةِ الرَّبِّ الإِلهِ... أَعْدِدْ نَفْسَكَ لِلتَّجْرِبَةِ" (سي2: 1).
فلا بد أن الذي يسير في طريق الله، يتعرض لمتاعب كثيرة، لاختبار مدى صحة اختياره للطريق الروحي، ومدى ثباته فيه. وأيضًا هناك سبب آخر لمتاعبه وهو:
إن الشياطين تحسد أولاد الله على برهم، فتتعبهم.
فترسل لهم مَن يضايقهم، أو ترسل لهم معوقات كثيرة، لكي يتركوا طريق الله، أو لكي يشعروا بصعوبته فيعجزوا عن الاستمرار فيه... أو ترسل لهم مَن يعيَّرهم ومن يحكي عنهم بالشر، ويقول فيهم كل كلمة شريرة مدعيًا عليهم بما ليس فيهم، أو ترسل لهم مَن يهينهم ويطردهم.
السيد المسيح قاسى الطرد مرارًا وتكرارًا.
بعدما شفى مريض بيت حسدا، الذي استمر مرضه ثماني وثلاثين سنة، قيل: "لِهذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يَسُوعَ، وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، لأَنَّهُ عَمِلَ هذَا فِي سَبْتٍ" (يو5: 16). وفي إحدى المرات رفضوا أن يقبلوه في قرية للسامريين، لمجرد أن وجهه كان متجهًا نحو أورشليم (لو9: 52، 53). وحتى في طفولته وهو في مصر، كانوا يطردونه من مدينة إلى أخرى، لأن الأصنام كانت تسقط من هيبته "فَتَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ" (إش19: 1).
وهكذا حدث لتلاميذ المسيح، ولكثير من الأنبياء...
ولهذا قال السيد المسيح لتلاميذه: "وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى" (مت10: 23). وقال أيضًا: "فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ" (مت5 :12) وقال الرب عن أنبيائه في العهد القديم: "إِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَ وَرُسُلاً، فَيَقْتُلُونَ مِنْهُمْ وَيَطْرُدُونَ" (لو11: 49). وقال: "وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ" (مت23: 34).
وقد أنبأ السيد المسيح تلاميذه بأنهم سيطردون:
فقال لهم: "يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِي" (لو21: 12)
المولود أعمى، لما شهد شهادة طيبة عن المسيح، بعد أن منحه البصر، قيل عن اليهود أنهم شتموه، "وَقَالُوا لَهُ: فِي الْخَطَايَا وُلِدْتَ أَنْتَ بِجُمْلَتِكَ، وَأَنْتَ تُعَلِّمُنَا! فَأَخْرَجُوهُ خَارِجًا" (يو9: 34).
وداود النبي البار، كان مطرودًا من شاول الملك طول أيامه.
المهم أن يكون الإنسان مطرودًا من أجل البر...
وليس كما يقول الكتاب: "اَلشِّرِّيرُ يُطْرَدُ بِشَرِّهِ" (أم14: 32).
ولهذا قال القديس بطرس الرسول: "فَلاَ يَتَأَلَّمْ أَحَدُكُمْ كَقَاتِل، أَوْ سَارِق، أَوْ فَاعِلِ شَرّ، أَوْ مُتَدَاخِل فِي أُمُورِ غَيْرِهِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ كَمَسِيحِيٍّ، فَلاَ يَخْجَلْ، بَلْ يُمَجِّدُ اللهَ مِنْ هذَا الْقَبِيلِ" (1بط4: 15، 16).
لكي تنطبق عليك هذه الطوبى لا بد أن تتأكد من أن ما يحدث لك، هو من أجل البر...
فإن كنت تُطرد وتُهان وتُشتم، وأنت مستحق لكل ذلك بسبب تصرفاتك الخاطئة، فلا يمكن أن تنال الطوبى بسبب ذلك!
وهوذا معلمنا القديس بطرس الرسول يشرح هذا الأمر فيقول:
"لأَنَّ هذَا فَضْلٌ، إِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ ضَمِيرٍ نَحْوَ اللهِ، يَحْتَمِلُ أَحْزَانًا مُتَأَلِّمًا بِالظُّلْمِ" (1بط2: 19). لاحظ هنا عبارة "بالظلم"، أي أنه لم يفعل شيئًا يستحق عليه الحزن والألم. لهذا يكمل الرسول قائلًا:
"لأَنَّهُ أَيُّ مَجْدٍ هُوَ إِنْ كُنْتُمْ تُلْطَمُونَ مُخْطِئِينَ فَتَصْبِرُونَ؟! بَلْ إِنْ كُنْتُمْ تَتَأَلَّمُونَ عَامِلِينَ الْخَيْرَ فَتَصْبِرُونَ، فَهذَا فَضْلٌ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ". ويشبه القديس بطرس هذا الأمر بما حدث للسيد المسيح له المجد، فيتابع كلامه قائلًا: "فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ. الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ..." (1بط2: 20- 23). ويركز القديس بطرس على هذا التعليم بقوله:
"إِنْ تَأَلَّمْتُمْ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، فَطُوبَاكُمْ..." (1بط3: 14).
أي إن كان قد أصابك أذى من أجل فعل الخير، أو من أجل الإيمان، فطوباك. إن أجرك عظيم في السماء. فهكذا اضطهدوا الأنبياء من قبل...
بل إنك تكون بذلك قد اشتركت في آلام المسيح.
لأنه تألم من أجل البر. وطردوه وعيَّروه، وقالوا عنه كل كلمة شريرة وهم كاذبون، وأتوا ضده بشهود زور، "وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ" (إش53: 12) ... فإن تألمت مظلومًا مثله، فليس الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِهِ" (مت10: 24). "إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هذَا، فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟" (لو23: 31).
ولا شك أن الذين يطردونكم من أجل البر، مدفوعون إلى ذلك بعمل الشيطان. وهكذا فإن عداءنا لا يوجه إليهم بل إلى الشيطان.
لذلك فإن القديس أثناسيوس الرسولي في حربه ضد الأريوسية والأريوسيين، قال: (إن عدونا الأول ليس هو أريوس، وإنما هو الشيطان).
وبهذا المنطق يمكننا أن نحب أعداءنا من البشر لأنهم ليسوا الأعداء الحقيقيين. فعدونا الحقيقي هو الشيطان. وما البشر الأعداء إلا ضحايا للشيطان، الذي بث فيهم العداوة. وعلينا أن نشفق عليهم ونلتمس لهم النجاة منه...
وهكذا نفهم معنى وصية الرب القائلة: "صَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5 :44).
صلوا لأجلهم لكي يعتقهم الرب من سيطرة الشياطين عليهم، وهكذا ينجيهم من شرهم، ويقودهم إلى التوبة. وصلوا لأجلهم، لأنهم إن تخلصوا من شرهم، لا يعودون إلى أذيتكم... أما أنتم المطرودين لأجل البر. فلكم أجركم في السماء، لاحتمالكم ولصلاتكم عنهم...
وحتى هنا على الأرض، لكم معونة من الرب:
إن المولود أعمى، لما طرده اليهود، وأخرجوه خارجًا. وفيما هو خارج المجمع "وجده يسوع" (يو9: 35). التقى به الرب، لأنه كان في حاجة إلى هذا اللقاء، كانت نفسيته تحتاج إلى مَن يسندها. فوجده الرب، وقاده إلى الإيمان، وشجعه...
فلا تظنوا أن الحياة مع الله، كلها طرد، بلا عزاء، أو بلا معونة إلهية...!
الحياة الروحية ليست كلها ألمًا، ليست كلها إهانات وتعييرًا وطردًا. لأنه يقول: "هُوَذَا عَلَى كَفَّيَّ نَقَشْتُكِ" (إش49: 16) "حَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ" (مت10: 30). "لا يَتْركُ عَصا الخُطاةِ تَسْتَقرُّ عَلَى نَصيبِ الصِّدّيقينَ. لِكَي لا يَمُدَّ الصِّدّيقونَ أيْدِيَهُم إلَى الإثْمِ" (مز124) من الجائز أن تلمسهم، ولكن لا تستقر عليهم... وهكذا نُلخص حياة البر في أنها قد تكون:
ألمًا من الناس، وتعزية من الله...
وهذا الأمر يشرحه بولس الرسول: "مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ... لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ، بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا" (2كو4: 8، 9، 16). إن الاضطهاد الذي يأتي من الخارج تصحبه تعزية إلهية من الداخل، مع معونة في الخارج...
لذلك قال الرب: "طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ".
إن السيد المسيح لم يقل هذا الكلام لنا فحسب، وإنما سار في هذا الطريق أيضًا.
ولذلك يقول عنه الرسول إنه: "فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ" (عب2: 18). وكما قيل: "لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ" (مت13: 57) لقد استهانوا به قائلين: "مِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ؟ وَمَا هذِهِ الْحِكْمَةُ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَهُ حَتَّى تَجْرِيَ عَلَى يَدَيْهِ قُوَّاتٌ مِثْلُ هذِهِ؟ أَلَيْسَ هذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ... فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ" (مر6: 2، 3). وكانوا يشتمونه. أما هو "لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا" (1بط2: 23) "ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (إش53: 7).
كم من الشتائم والإهانات، تحملها السيد المسيح صامتًا!
قالوا له: "إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ" (يو8: 48). وقالوا عنه إنه: "بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ" (لو11: 15). وأنه إنسان "أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ" (مت 11: 19). وقالوا إنه كاسر للسبت، وناقض للشريعة، وأنه ضد قيصر، وأنه ضال ومضل. وفي محاكمته قال عنه رئيس الكهنة: "قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟!" (مت26: 65).
كذلك ما أسهل أن نتتبع الشتائم والإهانات التي تعرض لها الأنبياء والقديسون...
موضوع لطيف يمكن لأحدكم أن يبحثه في الكتاب المقدس وفي سير القديسين... ولعل من أجله قال السيد المسيح: "فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ" (مت5: 12).
القديس بولس الرسول: لما وقف يكرز في أثينا، قيل عنه: "تُرَى مَاذَا يُرِيدُ هذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟!" (أع17: 18). ولما تكلم عن القيامة "كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ، وَالْبَعْضُ يَقُولُونَ: «سَنَسْمَعُ مِنْكَ عَنْ هذَا أَيْضًا!!" (أع17: 32).
لم تكن حياة الرسل كلها مجدًا، بل كان فيها أيضًا هوان.
ولذلك قال القديس بولس عن خدمته وعن خدمة العاملين معه: "بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ، بِصِيتٍ رَدِيءٍ وَصِيتٍ حَسَنٍ. كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ... كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ" (2كو6: 8، 10) إنه شيء مؤثر حقًا، إن آباءنا الرسل كانوا يقاسون أحيانًا الهوان، والصيت الرديء، ويوصفون أحيانًا بالضلال، ويقاسون الاضطهاد ولكنهم للتعزية، كانوا "مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ" (2كو4: 9).
إنك إذًا في الاضطهاد، تشارك الرسل في آلامهم.
إن لم تشاركهم في عمق القداسة التي عاشوها، فعلى الأقل شاركهم في بعض آلامهم، بل إن القديس بطرس الرسول يقول لنا معزيًا: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تَسْتَغْرِبُوا الْبَلْوَى الْمُحْرِقَةَ الَّتِي بَيْنَكُمْ حَادِثَةٌ، لأَجْلِ امْتِحَانِكُمْ، كَأَنَّهُ أَصَابَكُمْ أَمْرٌ غَرِيبٌ، بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلاَمِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلاَنِ مَجْدِهِ أَيْضًا" (1بط 4: 12، 13).
إنها إذًا شركة في آلام المسيح.
عنها قال القديس بولس الرسول: "لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ" (في3: 10). إنها شركة في حياة الصليب... الصليب الذي ينبغي أن نحمله مع الرب أو من أجل الرب، ونقول فيه مع الرسول: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ" (غلا2: 20). ولكن لماذا هذا الصليب؟ ينبغي أن نعرف حقيقة قائمة وهي:
إن الشر موجود في العالم، يعمل، وبقوة...
الزوان ما يزال موجودًا في حقل الرب إلى جوار الحنطة. وليس الزوان موجودًا فقط إنما هو ينمو. وسيظل ينمو إلى يوم الحصاد (مت13: 30).
إن النور موجود في العالم، والظلمة أيضًا موجودة. وعندما خلق الله النور، لم يقل لا تكن ظلمة، بل قال ليكن نور. وبقيت الظلمة، بل صار لها أيضًا سلطان، حتى قال السيد المسيح لليهود: "هذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ" (لو22: 53).
قوى الشر موجودة إذًا، تحارب الخير والبر. وأحيانًا تكون أقوى، لأن وسائلها بلا ضوابط.
الإنسان البار مقيد بقيود كثيرة كالصدق والخير. أما الشرير فيستطيع أن يكذب، وأن يخدع ويمكر، وأن يدبر الحيل، ويدس الدسائس والمكائد ويستطيع أن يؤذي وأن ينتقم، وأن يهدد وأن يفشي السرَّ... إلخ. أما الإنسان البار فلا يقدر أن يستخدم شيئًا من هذا كله. ولذلك تبدو الكفتان غير متساويتان. وقد ينتصر الشر في بادئ الأمر. ويتحمل الإنسان البار من أجل بره كل مكائد الأشرار... ويظل هكذا إلى أن يفتقده الله بنعمته وينجيه...
أمثلة لمشاكل الأشرار:
1- خذوا مثلًا: أحد الأطباء يشتغل في مستشفى عام أو وحدة علاجية. وهو إنسان بار لا يقبل على نفسه أن يستغل وظيفته للكسب بطريقة ملتوية:
هذا الطبيب البار استلم عمله بعد طبيب منحرف، كان يحول كل المرضى إلى عيادته الخاصة، وبخاصة العمليات، كما كان يبيع لهم الأدوية المجانية. أما هذا البار فرفض كل ذلك...
أتاه مرة أحد الفلاحين يطلب إجراء عملية له، وقدَّم مبلغًا من المال، فرفض أن يأخذ منه. وظن الفلاح أن الطبيب يرى المبلغ قليلًا، فأزاد وأزاد. ولكن الطبيب ظل به يقنعه أنها مستشفى مجانية ولم يأخذ منه شيئًا. ومضى الرجل لحال سبيله...
وهنا قام الممرض ضد الطبيب. وقال له: ماذا هذا الذي تفعله؟! هل تريد أن تقطع رزقنا؟! إن الفلاح الذي تعمل له العملية، تعود أن يعطينا كما يعطيك. فإقناعك له بأنها مستشفى مجانية، معناه أننا سوف لا نأخذ أيضًا، وبهذا تمنع عنا (الخير) الذي كان يأتينا!
وتوالت الشكاوى ضد الطبيب، بأنه شيوعي، وأنه ضد الدولة، وأنه... وأنه... ودفع ثمن بره وأمانته. وحاول المنتفعون بشرهم إقصاءه عن المكان، فيكون من ضمن المضطهدين لأجل البر!
مثال آخر معروف لكم جميعًا، وهو يوسف الصديق:
لقد رفض أن يزني مع امرأة سيده، فماذا كانت النتيجة؟ لقد اِدعت عليه زورًا أنه حاول أن يخطئ إليها. ونجحت في الإساءة إلى سمعته، فطرد من البيت ومن وظيفته، وأُلقي في السجن (تك39)، ونال أيضًا تلك البركة "طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ" (مت5: 10).
حقًا إنه وقع تحت الاضطهاد من أجل بره، ونجح الشر في أول معركة. ولكن الله لم يتركه. وانتهى أمره إلى أنه صار الوزير الأول في المملكة، بل صار "أَبًا لِفِرْعَوْنَ وَسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ وَمُتَسَلِّطًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ" (تك45: 8).
وكأن ملاكًا يهمس في أذن يوسف بقول الرب: "طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 11، 12).
على أن يوسف لم ينل أجره في السموات فقط، وإنما على الأرض أيضًا، وصار من قديسي التاريخ.
3- خذوا مثالًا آخر وهو أحد المحاسبين في شركة من الشركات... الباب الواسع مفتوح أمامه. يكفي عملية تزوير في الحسابات، يطبخها طبخًا، فينال على ذلك آلاف الجنيهات، ويكسب صاحب الشركة مئات الآلاف! فإن رفض ضميره ذلك، يرفضه صاحب العمل، ويرفته، ويكون من المطرودين لأجل البر. وفي كل ذلك يقول سفر ملاخي النبي:
"وَالرَّبُّ أَصْغَى وَسَمِعَ، وَكُتِبَ أَمَامَهُ سِفْرُ تَذْكَرَةٍ" (ملا3: 16).
الله لا ينسى التعب الذي يتعبه الأبرار من أجل برهم. وهو يرى كل ذلك وسيجازي كل واحد حسب عمله. إنه - تبارك اسمه - يعرف أي ثمن يدفعه البار ليحتفظ ببره!
البار إذًا معرض لأن يقاسي كثيرًا من الأشرار...
هوذا المرتل يقول في المزمور: "مِرارًا كَثيرةً حارَبوني مُنْذُ صِباي... مِرارًا كَثيرةً قاتَلوني مُنْذُ شَبابي" ويقول أيضًا: "عَلَى ظَهْري جَلَدني الخُطاةُ وأَطالوا إثْمَهُمْ" (مز128: 1- 3).
نلاحظ هنا أنهم لم يجلدوه فقط، إنما أطالوا إثمهم. أي استمروا في هذا الإيذاء فترة طويلة... ومع أن الله نجاه أخيرًا، إذ يقول: "الرَّبّ صِدّيقٌ هُوَ، يَقْطعُ أعْناقَ الخُطاةِ"، إلا أن هذا لا يمنع التعرض لإيذاء الخطاة، منذ الصبا، ومنذ الشباب، على مدى زمني طويل.
الأبرار لا يستطيعون أن يردوا بالمثل على الأشرار...
لا يستطيعون أن يردوا على الشتيمة بشتيمة، ولا على الخداع بخداع، ولا على الضرب بالضرب، لأن ضمائرهم لا تسمح بذلك. كما أنهم لا يمكنهم أن ينتقموا لأنفسهم، حسب الوصية (رو12: 19). بل يقدمون الخد الآخر، ويمشون الميل الثاني، ويتركون الرداء أيضًا لمَنْ يغتصب الثوب (مت5: 39- 41). ويحتملون كل ذلك في صمت، إلى أن يتدخل الله وينصفهم، الله الذي يحكم للمظلومين (مز146: 7)، الذي قال عنه موسى النبي: "الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 14).
وعلى الرغم من كل هذا، فإن الأبرار هم بلا شك أفضل حالًا من مضطهديهم...
إن الذين يضطهدون غيرهم، هم مساكين، لأنهم لا يضطهدون في الواقع سوى أنفسهم، إنهم يفقدون نقاوة قلوبهم، ويفقدون أيضًا أبديتهم، ويفقدون الله نفسه الذي يقف ضدهم أو ضد ظلمهم لغيرهم. وقد يفقدون أيضًا سمعتهم، وتؤخذ عنهم فكرة سيئة من أجل أفعالهم الخاطئة. وربما يقعون في شر أعمالهم ولو بعد حين. والتاريخ يحكي لنا قصصًا عجيبة عن نهاية المضطهِدين...
أما الإنسان الواقع تحت اضطهاد أو ظلم، فإن الله يكون معه على الأرض، وله أيضًا ملكوت السموات.
يعيش في نقاوة قلب، لا يبكته ضميره على شيء. وما يحيط به من ظلم، يقوي صلته بالله، ويجعل صلواته وأصوامه أكثر عمقًا وروحانية. ويختبر حياة الإيمان، ويد الله وكيف تتدخل في حياته وتنقذه. وكل ما يصيبه من شر، لا بد سيأخذ في السماء أجرًا عن احتماله له.
المهم أنه لا يفقد سلامه الداخلي، بل يقول مع المرتل في المزمور: "وَإنْ قامَ عَليَّ قِتالٌ فَفي هَذا أنَا مُطْمَئنُّ" (مز27: 3).
إن تعلق الإنسان بالسماء، يجعله يحتمل في رضى. وما أجمل قول القديس بولس الرسول:
"إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ" (1كو15: 19).
لأننا نتعب هنا على الأرض، بينما يتمتع الخاطئون. ولكننا نشقى على رجاء في متع السماء. وندرك جيدًا قول أبينا إبراهيم لغني لعازر: "اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ، وَكَذلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ" (لو16: 25).
فلنهتم إذًا بالأجر السماوي، لأنه أهم لأنه الباقي والدائم.
أول إنسان طُرد بسبب الخطية، هو أبونا آدم، ومعه أمنا حواء. طُردا من الجنة، ومن الاقتراب إلى شجرة الحياة، باستحقاق... (تك3: 23، 24).
أول إنسان طُرد من أجل البر، هو هابيل البار.
طرده أخوه قايين من الحياة الأرضية كلها، إذ قام عليه وقتله... وكان ذلك من أجل بره لأنه "بِالإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ ِللهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ. فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ" (عب11: 4).
وكثر عدد القديسين الذين طُردوا من أجل البر. ووردت سيرتهم في الكتاب المقدس وفي سير الآباء. ونذكر منهم مجرد أمثلة لنتعزى كلما أصابنا شيء بسيط من متاعبهم...
أمثلة لقدّيسين اُضطِهدُوا وطُرِدُوا:
داود النبي:
كان داود إنسانًا بارًا، أمام الله والناس.
اختاره الله من دون إخوته السبعة، وكلهم أكبر منه سنًا. وصب صموئيل النبي على رأسه من قنينة الدهن المقدس، ومسحه أمام إخوته (1صم16: 13).
وصار داود مسيحًا للرب. وحلَّ عليه روح الرب.
وكان "ذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (1صم16: 14). واحتاج شاول إلى داود ليطرد عنه الروح الشرير...
وكان التقرير الذي قدم لشاول عن داود هو أنه "يُحْسِنُ الضَّرْبَ (على العود)، وَهُوَ جَبَّارُ بَأْسٍ وَرَجُلُ حَرْبٍ، وَفَصِيحٌ وَرَجُلٌ جَمِيلٌ، وَالرَّبُّ مَعَهُ" (1صم16: 18).
وأفلح داود في طرد الروح الشرير عن شاول (1صم16: 23).
وكان هذا دليلًا على بر داود، وعلى أن الرب معه. كما أن تمكن داود من قتل جليات الجبار يدل أيضًا على إيمانه وبره، وعلى أن الرب كان معه، وكذلك تمكنه من قتل الأسد والدب (1صم17: 27) يدل تمامًا على أن الرب كان معه، وقد أنقذه منهما.
ومع كل هذا قاسى داود اضطهادا مُرًّا من شاول من أجل أن الرب كان معه!
يقول الكتاب: "فَرَأَى شَاوُلُ وَعَلِمَ أَنَّ الرَّبَّ مَعَ دَاوُدَ... وَعَادَ شَاوُلُ يَخَافُ دَاوُدَ بَعْدُ، وَصَارَ شَاوُلُ عَدُوًّا لِدَاوُدَ كُلَّ الأَيَّامِ" (1صم18: 28، 29).
حاول مرارًا أن يقتله. "وَكَلَّمَ شَاوُلُ يُونَاثَانَ ابْنَهُ وَجَمِيعَ عَبِيدِهِ أَنْ يَقْتُلُوا دَاوُدَ" (1صم19: 1) "فَالْتَمَسَ شَاوُلُ أَنْ يَطْعَنَ دَاوُدَ بِالرُّمْحِ... فَهَرَبَ دَاوُدُ وَنَجَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ" (1صم19: 10).
وبقى داود هاربًا من شاول، من برية إلى برية.
هرب داود، وجاء إلى صموئيل النبي في الرامة... ثم ذهب معه إلى نابوت، فطارده شاول (1صم19: 18). فهرب من نابوت وجاء إلى صديقه يوناثان بن شاول وقال له: "مَاذَا عَمِلْتُ؟ وَمَا هُوَ إِثْمِي؟ وَمَا هِيَ خَطِيَّتِي أَمَامَ أَبِيكَ حَتَّى يَطْلُبَ نَفْسِي؟!" (1صم20: 1).
وهرب داود إلى نوب، إلى أخيمالك الكاهن (1صم21: 1). وطارده شاول فهرب إلى أخيش ملك حث (1صم21: 10) ... ثم هرب إلى مغارة عدلام (1صم22 :1)، ثم إلى مصفاة موآب، ثم إلى وعر حارث (1صم22: 3، 5) ثم إلى قعيلة (1صم23: 5) ولكن في كل ذلك نقرأ عبارة معزية عن داود - المطرود لأجل بره - وهي:
"وَكَانَ شَاوُلُ يَطْلُبُهُ كُلَّ الأَيَّامِ، وَلكِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ اللهُ لِيَدِهِ" (1صم23: 14).
هرب داود إلى برية زيف... ثم إلى عين جدي (1صم23، 15، 29). فطارده شاول إلى هناك... وهرب داود إلى برية فاران (1صم25: 1).
وبعد سلسلة من الطرد، نجا داود ومات شاول، ولكن ليس بيد داود.
وداود البار هذا، قاسى مرارًا الطرد من آخرين، غير شاول الملك... ولكن طرده كان بركة له ولنا:
لولا هذا الطرد، ما عاش حياة الاتضاع وانسحاق النفس، ولولاه ما كانت بعض مزاميره الحلوة المعزية، التي راق للبعض أن يسميها: "أناشيد الطريد". ولولا هذا الطرد، ما كانت له حياة الإيمان العجيبة، التي اختبر فيها يد الله تمتد إلى حياته وتعينه، وقال فيها من عمق قلبه: "نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا. مُبارَكٌ الرَّبُّ الّذي لَمْ يُسَلِّمْنا فَريسةً لأسْنانِهِم" (مز124: 7، 6).
بولس الرسُول:
القديس بولس الرسول، البار العظيم، الذي تعب أكثر من جميع الرسل في الكرازة والتعليم (1كو15: 10) كان هو أيضًا مطرودًا من أجل البر...
قاسى هذه المرارة في فيلبي، بسبب معجزة أجراها الله على يديه...!
أخرج شيطانًا باسم الرب يسوع من جارية كانت عليها روح عرافة، وكانت تكسب مواليها مكسبًا كثيرًا بعرافتها... فلما رأوا أنهم قد خسروا مكسبهم بسبب خروج الروح النجس، هاجوا على بولس وزميله سيلا، وجروهما إلى الحكام، ثم ألقيا في السجن، إلى أن نجاهما الله منهم... ثم جاء الولاة وأخرجوهما، "وَسَأَلُوهُمَا أَنْ يَخْرُجَا مِنَ الْمَدِينَةِ" (أع16: 16- 39).
وفي أفسس لاقى بولس نفس الاضطهاد من أجل البر.
كانت كرازته بالإيمان المسيحي كارثة على صانعي الأصنام. وفي أفسس كان يوجد هيكل لأرطاميس، وتمثالها الذي يقولون إنه هبط من زفس...! واستطاع القديس بولس أن يستميل كثيرين إلى الإيمان بقوله إن التماثيل التي تُصنع بالأيادي، ليست هي آلهة. فحدث هياج كبير. وقامت مظاهرة تهتف بحياة أرطاميس الأفسسيين... وكانت النتيجة أن بولس خرج من أفسس واتجه إلى مكدونية (أع19: 23- 20 :1).
ولم يكن بولس طريدًا وحده، بل جميع المسيحيين.
نسمع عن الكنيسة الأولى، حتى قبل بشارة القديس بولس أنه: "حَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الْجَمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ" (أع8: 1).
واستخدم الله هذا التشتت للخير..
وهنا نقرأ العبارة الخالدة التي يقول فيها الوحي الإلهي إن "الَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ" (أع8: 4). وهكذا حوَّل الله الشر إلى خير... وطوباهم هؤلاء الذين كانوا مطرودين من أجل البر.
إرميَا النبي:
إرميا العظيم الذي قال له الرب: "قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ" (إر1: 5). هذا أيضًا كان مطرودًا لأجل البر.
عصره الفاسد لم يقبل رسالته، فاضطهده اضطهادًا مريرًا:
حتى إنه قال للرب معاتبًا: "أَبَرُّ أَنْتَ يَا رَبُّ مِنْ أَنْ أُخَاصِمَكَ. لكِنْ أُكَلِّمُكَ مِنْ جِهَةِ أَحْكَامِكَ: لِمَاذَا تَنْجَحُ طَرِيقُ الأَشْرَارِ؟ اِطْمَأَنَّ كُلُّ الْغَادِرِينَ غَدْرًا!" (إر12: 1). وتعرض إرميا من أجل نبوءاته لخصام الناس له، ولعنهم إياه، ومقاومتهم لعمله النبوي... حتى إنه قال: "وَيْلٌ لِي يَا أُمِّي لأَنَّكِ وَلَدْتِنِي إِنْسَانَ خِصَامٍ وَإِنْسَانَ نِزَاعٍ لِكُلِّ الأَرْضِ... وَكُلُّ وَاحِدٍ يَلْعَنُنِي" (إر15: 10).
وشكا إرميا لله من الظلم الواقع عليه.
فقال: "لأَنَّهُمْ حَفَرُوا حُفْرَةً لِيُمْسِكُونِي، وَطَمَرُوا فِخَاخًا لِرِجْلَيَّ. وَأَنْتَ يَا رَبُّ عَرَفْتَ كُلَّ مَشُورَتِهِمْ عَلَيَّ لِلْمَوْتِ" (إر18: 22، 23). وقال: "صِرْتُ لِلضَّحِكِ كُلَّ النَّهَارِ. كُلُّ وَاحِدٍ اسْتَهْزَأَ بِي... لأَنَّ كَلِمَةَ الرَّبِّ صَارَتْ لِي لِلْعَارِ وَلِلسُّخْرَةِ كُلَّ النَّهَارِ" (إر20: 7، 8).
وأخيرًا أُلقى إرميا في الجب فغاص في الوحل.
ضربوه وجعلوه في بيت السجن (إر37: 15، 21). وكان ذلك بأمر من الملك صدقيا. ولأنه كان أمينًا في نبوءته، ولم يتملق الملك ولا الرؤساء ولا الشعب، أخذوه وألقوه في جب ابن الملك الذي في دار السجن "وَدَلُّوا إِرْمِيَا بِحِبَال. وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجُبِّ مَاءٌ بَلْ وَحْلٌ، فَغَاصَ إِرْمِيَا فِي الْوَحْلِ" (إر38: 6). وظل هكذا إلى أن أخرجوه وأقام في دار السجن...
ميخا النبي:
وقع ميخا النبي في نفس مشكلة إرميا النبي، ولنفس السبب. وذلك لأنه رفض أن يتملق ملك إسرائيل وقال: "حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، إِنَّ مَا يَقُولُهُ لِيَ الرَّبُّ بِهِ أَتَكَلَّمُ" (1مل22: 14). وقال نبوءته بصدق، فلم تعجِب الملك، فقال الملك: "هذَا فِي السِّجْنِ، وَأَطْعِمُوهُ خُبْزَ الضِّيقِ وَمَاءَ الضِّيقِ..." (1مل22: 27).
القدّيس أثناسيوس الرسولي:
كم من طرد واضطهاد ونفي ذاقه القديس البابا أثناسيوس من أجل بره، لدفاعه عن الإيمان.
أربع مرات نُفي عن كرسيه. وعاش سنوات طويلة طريدًا، يجول من بلد إلى بلد، ومن قُطر إلى قُطر، ما بين بلاد الشرق والغرب. ثار عليه الأريوسيون، وعقدوا ضده مجامع، واتهموه اتهامات باطلة، وهيجوا عليه الحكام. وقيلت له تلك العبارة المشهورة: (العالم كله ضدك يا أثناسيوس)..
X X X
ونفس الكلام يمكن أن نقوله عن بطاركة كثيرين:
مثل القديس ديسقورس الذي نُفي عن كرسيه للدفاع عن الإيمان، ومثل خلفاء هذا القديس طوال 190 سنة منذ العصر الخلقيدوني إلى دخول العرب مصر (641- 644م).
ولما جاء عمرو بن العاص كان البابا بنيامين منفيًا عن كرسيه حوالي 13 عامًا، يسير من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، يثَبت الناس في الإيمان. وفي عهد جستنيان في بداية القرن السادس الميلادي، كان القديس ساويرس البطريرك الأنطاكي طريدًا من أجل البر، مُبعَدًا عن كرسيه حوالي 28 عامًا قضاها في مصر.
ويعوزنا الأمثلة إن ذكرنا تاريخ البابوات والأساقفة على مر العصور...
اِفرَحوا وتهللوا:
يختم الرب هذه الطوبى، طوبى للذين يُضطهدون من أجل البر، بقوله: "اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ" (مت5: 12). وقد شرحنا أمثلة من طرد الأنبياء...
لم يقل الرب فقط عن الاضطهاد: "احتملوا"، إنما قال بالأكثر: "افرحوا وتهللوا".
افرحوا من أجل الأكاليل المعدَّة لكم.. من أجل ما ينتظركم في الأبدية من نعيم... افرحوا لأنكم سرتم في الطريق السليم، الطريق الكرب المؤدي إلى الحياة (مت7: 14)، وحملتم الصليب مثل سيدكم... نعم افرحوا فهكذا فعل الآباء الرسل، لما جلدوهم ثم أطلقوهم. يقول الكتاب:
"وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ... لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ" (أع5: 41).
أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ
أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ
تسَلسُل عَجيب:
في الحقيقة إن التطويبات تبدو وكأن الرب قد قدمها لنا في تسلسل عجيب. فأول شيء نراه قد وضع أساسًا للحياة الروحية كلها هو التواضع والوداعة. فقال طوبى للمساكين بالروح. وطوبى للودعاء...
لأن الذي لا يبني حياته على أساس التواضع، تكون كل الفضائل التي يقتنيها طعامًا للمجد الباطل والافتخار.
أما المسكين بالروح، فمهما ارتفع في سلم الروحيات، لا يرتفع قلبه، لأنه منسحق من الداخل. وهكذا يكون اتضاعه سياجًا حصينًا لفضائله... فيحتفظ بها في أمن.
فإن احتفظ الإنسان بفضائله، ووصل إلى نقاوة القلب وإلى سلام بينه وبين الله، حينئذ تحسده الشياطين، وتثير عليه الاضطهاد من أجل بره.
لذلك فإن الرب بعد أن قال: "طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ".. و"طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ"، قال بعدها: "طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ"... فإن احتمل الإنسان الروحي كل ما يناله من اضطهاد، حينئذ يفرح لأنه حمل صليب المسيح، ولأنه سينال أجرًا عظيمًا في ملكوته...
غير أن الحياة الروحية ليست فقط جهادًا من أجل نقاوة قلب صاحبها، وإنما لها أيضًا عمل من أجل الآخرين.
لذلك بعد أن شرح الرب كل التطويبات، قال بعدها: "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ... أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ... فَلْيُضِيءْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 13- 16).
وهنا يرينا الرب أنه لا يصح أن نكتفي بالفضائل الشخصية، وإنما علينا رسالة تجاه غيرنا.
عبارات المسكنة بالروح، والوداعة، ونقاوة القلب... كلها فضائل شخصية. فما هي رسالتنا إذًا؟ الرسالة هي:
أنتم ملح الأرض:
لا يصلح طعام بغير ملح. الملح يُصلح الطعم.
حتى القرابين: يقول الرب في سفر اللاويين: "وَكُلُّ قُرْبَانٍ مِنْ تَقَادِمِكَ بِالْمِلْحِ تُمَلِّحُهُ، وَلاَ تُخْلِ تَقْدِمَتَكَ مِنْ مِلْحِ عَهْدِ إِلهِكَ. عَلَى جَمِيعِ قَرَابِينِكَ تُقَرِّبُ مِلْحًا" (لا2: 13).
وهنا يقول: "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ"... وضعتكم في الأرض كلها، لتصلحوها، لكي يكون لها طعم.
لا يستطيع أحد أن يتخلى عن مسئوليته تجاه الآخرين، ويقول كما قال قايين: "أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟!" (تك4: 9).
نعم، أنت حارس لأخيك، إن كنت تحبه بالحقيقة. حبك له يجعلك تحرسه... تحرسه من كل خطر مادي، ومن كل خطأ روحي، بوداعة وبأسلوب روحي.
وهكذا قال الرسول: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ... اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ، وَهكَذَا تَمِّمُوا نَامُوسَ الْمَسِيحِ" (غلا6: 1، 2).
أنت مسئول إذًا عن غيرك، في حدود إمكانياتك.
أنت مسئول أن تعمل عملًا من أجل خير الناس، في نطاق الدائرة التي تحيا فيها. وإن كنت قد عشت مع المسيح وذقت حلاوته، فالمفروض أن تقول للناس كما قال داود النبي: "ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ!" (مز34: 8).
تقولها بفمك لمَنْ يسمعونك. أو يذوقون ذلك في حياتك.
وكما وصلت إلى الرب، توصل الآخرين معك.
إن المرأة السامرية، مع أنها كانت حديثة العهد بالتوبة، إلا أنها ما أن عرفت المسيح، حتى ذهبت وبشرت وقالت للناس "فَآمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَثِيرُونَ مِنَ السَّامِرِيِّينَ بِسَبَبِ كَلاَمِ الْمَرْأَةِ..." (يو4: 39). ولو سكتت هذه المرأة، ما كان يلومها أحد، ولكنها لم تستطع أن تصمت.
هكذا كل مَن عرف الرب لا يستطيع أن يصمت.
إن رؤساء الكهنة والشيوخ حاولوا بكل الطرق أن يسكتوا التلاميذ فلم يستطيعوا، بل أجابهم أولئك القديسون قائلين: "نَحْنُ لاَ يُمْكِنُنَا أَنْ لاَ نَتَكَلَّمَ..." (أع4: 20).
فاسأل نفسك إذًا: هل أنت ملح الأرض ونور العالم؟ أي عمل قمت به من أجل غيرك؟
الكنيسة لا بد أن تؤدي رسالة للعالم، كجماعة قديسين يسلكون حسب مبادئ المسيح السامية، وعن طريقهم تصل هذه المبادئ إلى العالم.
فكيف يمكن ذلك؟ للكنيسة كلها، ولك كفرد..
رسالة القدوة:
مجرد حياتنا وسط الناس، مفروض أن تكون قدوة لهم، أن تكون مثالًا ونموذجًا موضوعًا أمامهم، يرون فيه الطريق العملي لحياة الإيمان، وحياة النقاوة. نعم، المفروض فينا أن نقدم للناس صورة الله، كما قدمها لنا المسيح.
كان الفداء هو الغرض الأساسي لتجسد المسيح. ولكن من الأسباب الجانبية أن البشرية لما فقدت الصورة الإلهية، جاء المسيح ليقدم لها صورة الله حتى تعيش بحسبها...
انظروا كيف أن السيد المسيح لما غسل أرجل التلاميذ، قال لهم: "فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو13: 14، 15).
ولهذا قال لنا القديس بطرس عن السيد المسيح إنه: "ترك لنا مثالًا لكي نتبع خطواته" (1بط2: 21). وبنفس المعنى قال القديس بولس الرسول:
"كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ" (1كو11: 1).
وبهذا كان الآباء الرسل نورًا للعالم، كقدوة.
وهكذا يطلب الرسول من أولاده، في أكثر من موضع، أن يتمثلوا به (1كو4: 16) (2تس3: 9)، وبالذين يسيرون بينهم كقدوة (في3: 17).
لا يستطيع أحد أن يرى الطريق في الظلام. ولكنه بالنور يرى الطريق. وهكذا من عمل القديسين - الذين هم نور العالم - أن يجعلوا العالم يرى الطريق إلى الله، ويكونوا له قدوة، يتتبع خطواتها حتى يصل "لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16).
والحياة كقدوة وصية إنجيلية...
وفي هذا يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس:
"لاَ يَسْتَهِنْ أَحَدٌ بِحَدَاثَتِكَ، بَلْ كُنْ قُدْوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْكَلاَمِ، فِي التَّصَرُّفِ، فِي الْمَحَبَّةِ، فِي الرُّوحِ، فِي الإِيمَانِ، فِي الطَّهَارَةِ" (1تي4: 12).
ويقول لتلميذه تيطس: "مُقَدِّمًا نَفْسَكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ قُدْوَةً لِلأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ" (تي2: 7). ربما لا يكون التعليم من عمل أو قدرة كل أحد، ويقتصر على المؤتمنين عليه، الصالحين للتعليم.
أما القدوة فهي لكل الناس، وفي إمكان الكل.
الذي لا يستطيع أن يعظ، يمكنه أن يكون عظة.
العظة تقدم تعليمًا نظريًا. والقدوة تقدم المثال العملي.
وعن كل هذا يقول لنا الرسول: "أَنْتُمْ رِسَالَتُنَا... مَعْرُوفَةً وَمَقْرُوءَةً مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ. ظَاهِرِينَ أَنَّكُمْ رِسَالَةُ الْمَسِيحِ، مَخْدُومَةً مِنَّا..." (2كو3: 2، 3). بل يقول إن المسيح: "وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ" (2كو2 : 14، 15).
المفروض أن كل مَنْ يرانا، ينتفع بمنظرنا، حتى دون أن نتكلم. وينتفع أيضًا بأسلوبنا في الكلام وفي التصرف، دون أن نعظ.
والمعروف أن الناس يستفيدون من حياة الآخرين، أكثر مما يستفيدون من أقوالهم. ومن ناحية أخرى لا يمكنهم أن يستفيدوا من عظات أحد، إن لم تكن تصرفاته روحية تسند عظاته وتتفق معها...
والقدوة تنفع أيضًا بالنسبة إلى الذين لا يمكن وعظهم.
فأنت قد تعظ وتعلّم مَن هو أصغر منك سنًا، أو أقل منك تركيزًا أو علمًا. ولكنك قد تحتشم من أن تعظ مَن هو أكبر أو أعلى منك. فهذا تنفعه قدوتك...
كذلك هناك أشخاص لا يحتملون الوعظ ولا يقبلونه!
تمنعهم كبرياؤهم أو يمنعهم اعتدادهم بأنفسهم من قبول كلمة توجيه أو نصح، أو كلمة تعليم أو وعظ. ومن باب أولى لا يحتملون كلمة نقد. وإن قلت لأحد منهم كلمة منفعة، قد ينظر إليك في استنكار ويقول لك: (أنت ها توعظني؟!).. كل تفاصيل هذا النوع من الناس قد ينفعهم مثالك الطيب، ويكلمهم في صمت...
وعن وجوب القدوة، يقول لنا الرسول:
"مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ قُدَّامَ جَمِيعِ النَّاسِ" (رو12: 17).
ويقول بأكثر توضيح: "مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ، لَيْسَ قُدَّامَ الرَّبِّ فَقَطْ، بَلْ قُدَّامَ النَّاسِ أَيْضًا" (2كو8: 21). وبهذا يصير المؤمن في حياته نورًا لغيره.
وصيرورة الإنسان نورًا، لها ثلاث فوائد:
1- منفعة الآخرين في تقديم المثال الروحي العملي لهم.
2- من ناحية أخرى، لا يكون الإنسان عثرة لأحد.
3- هذا السلوك الحسن يؤدي إلى تمجيد الآب السماوي، حسب قول الرب...
فأنت إن سلكت حسنًا، تحبب الناس في الدين.
وإن لم تسلك حسنًا، قد يُجدف عليه بسببك.
بل إن القديس يعقوب الرسول يقول أكثر من هذا: "يُجَدِّفُونَ عَلَى الاسْمِ الْحَسَنِ الَّذِي دُعِيَ بِهِ عَلَيْكُمْ" (يع2: 7).
على أن هناك ملاحظة هامة نضيفها بالنسبة إلى هؤلاء الذين يكونوا ملحًا ونورًا وهي:
قدوة حَتى بَعد الوفاة:
الإنسان الصالح يكون ملحًا للأرض في حياته وبعد مماته أيضًا، لأنه يقدم سيرة يمكن الاحتذاء بها بعد الوفاة، كمثال. وفي هذا يقول القديس يعقوب الرسول:
"خُذُوا يَا إِخْوَتِي مِثَالاً لاحْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ وَالأَنَاةِ: الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِاسْمِ الرَّبِّ... قَدْ سَمِعْتُمْ بِصَبْرِ أَيُّوبَ وَرَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الرَّبِّ" (يع5: 10، 11).
وحينما ذكر معلمنا يعقوب هذا المثال، كان أيوب البار قد رقد في الرب منذ آلاف السنين. ومع ذلك بقي مثالًا لنا حتى الآن، ملحًا للأرض ونورًا للعالم، وقدوة...
فالشخص الروحاني - كنور - تمتد حياته عبر الأجيال، ولا تموت سيرته بموته. بل تبقى حياته نورًا للناس.
خذوا مثالًا آباءنا الرهبان، وكيف كانوا نورًا للعالم وملحًا للأرض. يأتي الناس من أقاصي الأرض لكي يسمعوا كلمة منفعة من أفواههم. وبعد أن تنيح أولئك الرهبان، لا تزال سيرهم المقدسة حتى الآن نورًا يضيء العالم، تمنحه الحكمة والإفراز والفهم الروحي...
أتُرى حياة القديس أنطونيوس انتهت بوفاته؟! كلا، إنه لا يزال حيًا يعظ ويتكلم ويشرح الطريق بسيرته. كما قيل عن هابيل البار...
".., وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ" (عب11: 4).
وبنفس القياس: أغسطينوس في تأملاته كان نورًا ولا يزال. وذهبي الفم في عظاته كان نورًا ولا يزال. وكذلك باقي القديسين في تعليمهم وفي سيرتهم. ولذلك يقول الرسول: "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ". وكيف؟
"انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" (عب13: 7).
ومن جهة القدوة وتأثيرها سلبيًا وإيجابيًا، نذكر قصة غاندي:
هذا الزعيم الهندي العظيم، أثرت فيه تعاليم المسيحية، ويُروى عنه أنه حينما زار فرنسا، وقف أمام أيقونة المسيح المصلوب وبكى. وكان يقول عبارته المشهورة: (إني أحب المسيحية ولكن...). ولكن المسيحيين في أيامه كانت صورتهم قاتمة جدًا وبشعة: سواء في ذلك مسيحيو جنوب إفريقيا في اضطهادهم الشديد للعناصر غير البيضاء، أو المسيحيون الذين يستعمرون الهند بقسوة لا مثيل لها. وهكذا أعطوا أسوأ صورة عن حكم المسيحيين.
ربما لو كان الحكام المسيحيون في الهند وجنوب إفريقيا على مستوى روحي، لكان لذلك أثره الديني على غاندي، وبالتالي على 400 مليون هندي وقتذاك.
ولكن على العكس: كان غاندي البراهمي هو المثل الروحي الحي، أعلى من المسيحيين في أيامه. وكان إذا صام يهز البرلمان الإنجليزي. كما كان في تحمله الألم والاضطهاد بدون مقاومة أو انتقام، ينال إعجاب العالم المسيحي ويستنزل السخط على الحكام القساة الظالمين، الذين كانوا مسيحيين بالاسم، وصورة سيئة للروح المسيحية..!
من الأمثلة الطيبة في القدوة: الأنبا أنطونيوس...
قال عنه القديس أثناسيوس الرسولي: (مَن مِن الناس كان مضطربًا أو مرّ النفس، ويرى وجه الأنبا أنطونيوس، إلا ويمتلئ قلبه سلامًا).
إلى هذا الحد كان تأثير أولئك الذين انطبق عليهم قول الرب: "أنتم نور العالم. أنتم ملح الأرض".
ومن أمثلة القدوة التي تأثرت بها، الأستاذ حبيب جرجس:
أستاذنا الأرشيدياكون حبيب جرجس، لم يكن معلم جيله فحسب، إنما كان قدوة أيضًا. في كل مرة كنت أزوره فيها، كنت ألتقط كلمة منفعة من فمه لأكتبها في مفكرتي. وكنت حينما أراه في وداعة وطيبة قلبه، أقول في نفسي: إن كان واحد من البشر في مثل هذه الوداعة، فكم وكم يكون إلهنا الوديع... وهكذا أخرج منتفعًا... أمجد الله في هذا الإنسان...
وهكذا، إذا صعب علينا فهم معنى روحي، يمكننا أن نراه عمليًا في إنسان.
إذا لم نفهم معنى الوداعة مثلًا، يمكننا أن ندرك تفاصيل معناها من الودعاء. وبهذا يكون أولاد الله الروحيون وسائل إيضاح لكل الفضائل، يتعلمها الناس من منظرهم، حتى دون أن يتكلموا أو يعظوا.
قدوة حَتى بَعد الوفاة:
أنتم ملح الأرض الذي يصلح به العالم. يملَّحه ويجعله مليحًا. وأنتم النور الذي يضيء له الطريق إلى الله.
هنا يرفع الرب معنويات سامعيه: إنهم بركة للعالم، وصلاحًا له. وماذا أيضًا؟ إنهم مدينة كائنة على جبل، ومصباح فوق المنارة يضيء لجميع الناس... العظة على الجبل إذن تبدأ بكلام التطويب، ثم بكلمات الثناء والتشجيع، يشدد بها الرب الركب المخلعة، ويقوّم الأيادي المسترخية (عب12: 12). وكأنه يقول لهم بهذا:
أنتم لستم نكرات. العالم يشعر بوجودكم ويعترف به.
أي طعام يذوقه إنسان، يستطيع أن يحس بمقدار الملح الذي فيه، إن كان قليلًا أو كثيرًا أو معتدلًا. وهكذا المسيحي الحقيقي إن وُجِد في أي مجتمع، لا بد أن الكل يشعرون به وبتأثيره. وليس كما يظن البعض أن المسيحي النقي القلب لا بد أن يعيش في المجتمع منسيًا أو مجهولًا لا يشعر به أحد!
إن إنكار الذات في حياة التواضع شيء. وتأثير الذات على الآخرين شيء آخر...
بولس الرسول كان كثيرون يحبونه ويتتلمذون عليه، والبعض كان يريد قتله. ولكنه عند هؤلاء وأولئك كان له وجود يعترف به الكل. ويوحنا المعمدان حينما خرج من البرية وظهر للناس، استطاع أن يفرض وجوده، وأن يكون له تأثيره الهائل، على الرغم من إنكاره لذاته.
فمن الممكن أن ينكر الإنسان ذاته، وفي نفس الوقت لا ينكر أحد تأثيره الروحي على المجتمع الذي يعيش فيه.
كلمات المديح:
عجيبة محبة المسيح التي تجعله يمدح التراب والرماد!
هو يعرف ضعف البشرية. ومع ذلك نراه يشجع صغار النفوس (1تس5: 14). يمدح البشر مع أن كل طرق الإنسان مثل خرقة الطامث (حز36: 17). وها الرب قال لنا: "مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ" (لو17: 10). ومع ذلك هوذا يقول لنا: "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ... أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت5: 13، 14)..
حتى إن قال هذا عن تلاميذه، فهو كان يعرف ضعفاتهم: يعرف أنهم سيهربون ساعة صلبه ويتركونه وحده. يعرف مَن سينكره، ومَن سيخاف، ومَن سيظنه في قيامته شبحًا، ومَن سوف يشك... ومع ذلك يقول عنهم: "أنتم ملح الأرض. أنتم نور العالم"..!
قال هذا عن جهال العالم، الذين سيخزي بهم الحكماء
وقال هذا عن ضعفاء العالم الذين سيخزي بهم الأقوياء. وقال أيضًا عن هؤلاء الذين وصفهم بأنهم: "أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ" (1كو1: 28). ولكن الله عجيب في محبته وفي تشجيعه وفي مدحه للبشر أولاده...
بل إن الله افتخر بعبده أيوب:
وفي ذلك قال للشيطان: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" (أي1: 8). وكرر هذا المديح مرة ثانية، وأضاف عليه أن أيوب: "إِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ" (أي2: 3) ... مع أن الله كان يعرف ضعفات أيوب (أي40: 8).
الله يرفع المعنويات. والبشر ليسوا كذلك!
الله الكامل في كل شيء، الذي هو غير محدود في كماله، يحتمل ضعفات الناس. "قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً خَامِدَةً لاَ يُطْفِئُ" (إش42: 3). أما الناس فلا يحتملون ضعفات بعضهم البعض، بينما كلهم معرضون للزلل والسقوط.
أتذكر أحد مدرسينا في الجامعة: كان من فرط علمه، يحتقر معلومات الطلبة. ففي تصحيح أوراقهم، ما كان يكتفي بتقدير (ضعيف جدًا)، وهو أقل التقديرات حسب اللائحة، بل كان يكتب على أوراق بعض الطلبة تقدير (حقير)!
أهميَة الملح:
الملح شيء ضروري، لا يمكن الاستغناء عنه.
في الحقيقة الملح أهم من السكر وأفيد...
أنت لا تستطيع أن تستغني عن الملح. ولكنك تستطيع أحيانًا أن تستغني عن السكر. والمعروف أن المواد النشوية تتحول في الجسم إلى سكر. وأنت كذلك تستطيع أحيانًا أن تستغني عن بعض المواد النشوية...
أما الملح فهو مادة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
مثال ذلك أنك قد تستغني في بيتك عن بعض الأثاثات والصور والتحف. ولكنك لا يمكن أن تستغني مطلقًا عن الماء. إنه شيء أساسي كالملح.
يمكن للإنسان أن يستغني عن أكل اللحوم، ويمكنه الاستغناء عن كثير من الفاكهة الغالية الثمن. ولكنه لا يمكنه الاستغناء عن الملح. بل أحيانًا حينما يصف مودته وعشرته لإنسان، يقول (لقد أكلنا معًا خبزًا وملحًا). حتى القرابين كان لا بد أن يقدَّم الملح معها (لا2: 13).
والملح على الرغم من ضرورته، هو رخيص.
بإمكان الكل أن يحصل عليه. لأنه زهيد، وهو في متناول الجميع. أهميته ليست في ثمنه، وإنما في ضرورته. وهكذا أولاد الله في العالم. قد يكون بعضهم صيادًا، أو صانع خيام، أو راعي غنم، ولكنه ضروري للعالم، ومهم لتوصيل الكلمة إليه.
وهكذا كان تلاميذ الرب ضرورة، وفي متناول الجميع.
هم الملح الذي لا يستغني عنه العالم، وبدونهم العالم لا يكون له طعم، ولا يصلح. ليس فقط الكهنة ورجال الدين والوعاظ الذين يصلح العالم بهم، إنما كل المؤمنين أيضًا. هذا الكلام قاله الرب للجميع على الجبل...
ليس المهم هو مركزنا أو منظرنا، وإنما صلاحيتنا وثمرنا.
القديس أليشع النبي كان منظره من الخارج يثير سخرية الصبيان الصغار، فيقولون له: "يَا أَقْرَعُ... يَا أَقْرَعُ" (2مل2: 23). ولكنه كان يقيم الميت ويعمل المعجزات. وكان نورًا وملحًا لجيله. وكان الملوك ينظرون إليه كأب ومرشد (2مل13: 14).
والقديس الأنبا رويس كان منظره أيضًا مجالًا للسخرية أيضًا، ويظنه البعض مجنونًا، ولكنه كان بركة لجيله، وما أكثر المعجزات التي تمت على يديه، وما زال نورًا إلى أيامنا هذه...
ولعلنا نسأل: مَن هم أولئك الذين قال عنهم الرب أنتم ملح الأرض؟!
إنهم بالطبع أولئك الذين طوبهم قبلًا في بدء عظته على الجبل: أعني المساكين بالروح، والودعاء، والرحماء، وأنقياء القلب، وصانعي السلام... وليس الوعاظ فقط ورجال التعليم... لأن الدين ليس هو مجرد كلام، بل هو روح وحياة (يو6: 63). بل هؤلاء المطوبون، هم الذين يصلح العالم بهم.
وإن أراد الوعاظ أن يكونوا ملحًا، فليكونوا بتلك الطوبى.
ما أكثر الكهنة وما أكثر الوعاظ. ولكن تأثيرهم جميعًا لا يعادل تأثير شخص واحد مثل بولس الرسول، لأن الله لا يعظ بهم، مثلما كان يعظ ببولس. أو ربما لأن بعضهم مجرد وعاظ وليسوا نورًا!
ولكن ينبغي ألا نلقي العيب كله على الكنيسة وخدامها، فكل منكم عليه مسئولية. وواجبه أن يقول مع يشوع النبي:
"أَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ" (يش24: 15).
لو أن كل أسرة اهتمت روحيًا بأولادها، ما احتجنا إلى وعاظ ومعلمين ومدرسي دين. ولو أن كل أب وكل أم كانا نورًا لأولادهما وقدوة في السلوك المسيحي، لو حدث هذا، لامتلأت الكنيسة بالقديسين، وهذا ما أقوله للذين يأتون بأولادهم لنوال سرّ المعمودية المقدس..
ونضرب مثلًا بأم موسى النبي وتأثيرها عليه.
القديسة يوكابد أم موسى (خر6: 20) استلمته من ابنة فرعون وعمره ثلاثة أشهر (خر2: 2) وأرضعته ليس فقط لبنها الجسدي، وإنما أرضعته أيضًا الإيمان والعقيدة السليمة. ولما كبر سلَّمته لابنة فرعون فصار لها ابنًا (خر2: 10). كم سنة قضاها مع أمه؟ ثلاث سنوات؟ أربعًا، أو خمسًا؟ أيًا كانت تلك المدة القصيرة. ولكنه تلقى فيها الإيمان الذي بقي معه طوال عمره، وهو في قصر الأميرة محاطًا بالعبادات الفرعونية من آلهة مصر القديمة... ولم يبقَ موسى مؤمنًا فقط، بل صار زعيمًا للإيمان في جيله، ومقدمًا الإيمان لكل الأجيال...
طوباها القديسة يوكابد. كانت نورًا وملحًا.
أتذكر بهذه المناسبة أنني رأيت مرة بطة وقد رقدت على بيضها حتى فقس، ثم قامت تتمشى وحولها ووراءها حوالي عشرين من الكتاكيت الصغار وهي فرحة بهم... وكان منظرًا مبهجًا، وكأنها كانت تغني مع النبي:
"هأَنَذَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمُ الرَّبُّ" (إش8: 18)
وأنت، مَن هم الأولاد الذين تقدمهم إلى الله، حين تلتقي به في يوم الدينونة الرهيب؟ لكي تشترك مع السيد المسيح "وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ" (عب2: 10)...
هل تقف بمفردك في ذلك اليوم، كغصن بلا ثمر؟!
حاشا لك أيها الأخ المبارك أن تفعل هذا... بل اذكر مثل أصحاب الوزنات، حينما تقدم صاحب الخمس الوزنات وقال: "يَا سَيِّدُ، خَمْسَ وَزَنَاتٍ سَلَّمْتَنِي. هُوَذَا خَمْسُ وَزَنَاتٍ أُخَرُ رَبِحْتُهَا فَوْقَهَا" فاستحق أن يسمع منه تلك العبارة المعزية: "نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ". وهكذا أيضًا فعل صاحب الوزنتين (مت25: 20- 23).
إنني أعجب من أشخاص قليلين غيروا مجرى العالم روحيًا.
أعجب من اثني عشر رسولًا وبولس، إلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم (مز19: 4). وأعجب كذلك من عدد قليل من الأنبياء في العهد القديم، هم الذين قادوا الإيمان في تلك الأجيال...
إنهم عدد قليل، ولكنهم كانوا نورًا للعالم، وكانوا ملحًا للأرض. وتميزت بهم أجيالهم.. فنقول هذا جيل إيليا، وهذا جيل أليشع...
وهكذا كان كل جيل له نوره الذي ائتمنه الرب على هدايته. فنقول هذا عصر إرميا، وتلك كانت أيام صموئيل وداود...
وما نقوله على عصور الأنبياء والرسل، نقوله أيضًا عن التاريخ... حدث في أيام القديس أثناسيوس، أو أيام القديس كيرلس، أو في عصر القديس أنطونيوس الكبير، أو أيام الأنبا أبرام أسقف الفيوم...
كلهم كانوا أنوارًا في أجيالهم، ولأجيال بعدهم. وكان لهم ثمر...
صدقوني، من حبة القمح نتعلم درسًا.
تلقيها في الأرض، فتعمل ثم تقدم لك ثمرًا وفيرًا: "أَوَّلاً نَبَاتًا، ثُمَّ سُنْبُلاً، ثُمَّ قَمْحًا مَلآنَ فِي السُّنْبُلِ" (مر4: 28). كل هذا الثمر من حبة واحدة. ونفس الوضع بالنسبة إلى النخلة، كم تعطي من بلح، وباستمرار. وكذلك كل شجرة مثمرة، كم تعطي في كل موسم؟
وأنت ما هو ثمرك. ثمرك الجيد...
إن كنت نورًا، لا بد أن يكون لك ثمر... استيقظ إذًا لنفسك، واهتم بعملك الروحي، ألا تعلم أن الكتاب يقول: "كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (مت3: 10)
خذوا درسًا من الأرض التي تدور ولا تتوقف:
منذ آلاف السنين، منذ خلقها، وهي تدور باستمرار حول محورها، وتنتج في كل دورة ليلًا ونهارًا، ملايين خلال تلك السنين، بلا توقف. تُرى لو سئمت الأرض دورانها، وتكاسلت، واتكأت قليلًا على محورها لتستريح، لكي تستريح..! أما كان العالم يرتبك؟! ولكن الأرض في حركتها دائبة، دائمة، وفي إنتاج مستمر، تعمل العمل الذي أوكله الرب إليها...
والملح يعمل أيضًا بحكمة، لا يزيد عن الحاجة ولا ينقص...
إن زاد عن القدر اللازم، يفسد الطعام، وإن قل عن القدر اللازم، لا يكون للطعام طعم. هكذا المرشد الحكيم لا يقدم للناس روحيات في مستواهم، لئلا يتعبهم الغرور. ولا يعطيهم أقل من المستوى لئلا يتعبهم الفتور.
داود كان حبة ملح صغيرة، حينما دخل في ساحة الحرب بينما جليات يعيّر الجيش كله. ولكنه كان سبب بركة لكل الشعب، وبه تم الانتصار وتمت الفرحة. وأول ما ظهر، صار سيدًا للموقف.
وأثناسيوس كان شماسًا صغيرًا وسط مجمع مسكوني يضم 318 أسقفًا. ولكنه كان الملح الذي ملَّح الجيل كله، وعلَّم الناس الإيمان السليم، وقيل (مرَّ وقت كاد فيه العالم كله أن يصير أريوسيًا لولا أثناسيوس).
واسطفانوس كان هو أيضًا حبة ملح صغيرة، مجرد شماس، لا قس ولا أسقف ولا رسول. ومع ذلك نشر الإيمان، وصنع العجائب، وأفحم ثلاثة مجامع "وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ" (أع6: 10).
وأنت، ماذا فعلت؟ هل كنت نورًا لغيرك؟
الملحِ والنور:
وكما أن الملح لازم للكل، كذلك النور لازم للكل.
فعبارة أنتم ملح، وعبارة أنتم نور، كلاهما تعنيان: أنتم ضرورة لازمة لنفع العالم. لستم فقط لأنفسكم، وإنما لخير البشرية كلها. بكم يصل الإيمان إلى العالم، وبكم يعرفون الطريق الروحي. وبكم يقومون من سقطاتهم، ويرجعون إلى الله. النور يضيء للكل.
اهتموا إذًا بالكل، مهما كان جنسه أو لونه.
اذهبوا إلى السامريين وإلى الأمم، كما تذهبون أيضًا إلى اليهود... اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (مر16: 15). اشرقوا على الكل، كالشمس، ولا تفرقوا بين الناس في المعاملة والاهتمام.
هناك معنى نفهمه من كلمتي "العالم" و"الأرض".
أي في كل مكان... "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ... أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ" (مت5: 13، 14) أي في كل مكان توجدون فيه يشرق نوركم، كالشمس التي تشرق على كل أحد بدون تمييز... وهكذا أنت حيثما حللت يقولون عنك: حقًا هذا من أولاد الله وينتفع منك الكل. ويمتلئ المكان حرارة وعملًا، وينتشر فيه ملكوت الله، بنورك...
الشمس تدخل بيت الملك، وتدخل بيت الخادم والكناس.
الكل يحتاجون إليها، والكل يتمتعون بها. وهي لا تفرق بين عظيم وحقير، أو بين غني وفقير، إنما هي للكل. كذلك أولاد الله يهتمون بكل أحد. يفتقدون الجميع. يزورون الأبرار، والأشرار أيضًا.
انظر إلى الشمعة تضيء للوزير كما للخفير...
ولا يزداد اشتعالها في بيت الكبير، بينما يقل في بيت الفقير، كلا، إنها نور للكل، ينتفع الكل بها. ليت الجميع يأخذون منها درسًا في الافتقاد وفي الخدمة وفي البذل...
والنور يطهر كل مكان، ولا يتنجس به...
النور يدخل مخدع الأمير، ويدخل زريبة الغنم، دون أن يتنجس بها. هكذا أنتم إن ذهبتم إلى الخطاة، لا تعثرون بهم بل يمكنكم قيادتهم إلى التوبة.
وكما أن الشمس تشرق على الصالحين والظالمين، وتعطي من نورها للمستحق وغير المستحق، هكذا أنتم في عطائكم للكل.
عملكم أن تعطوا، وليس عملكم أن تدينوا.
عملكم أن تكونوا بركة للعالم، كما كان إيليا في بيت الأرملة، وكما كان يوسف في أرض مصر، وكما كان إبراهيم بركة للعالم كله.
إن النور يضيء دون أن تطلب منه.
لا تنتظرك الشمس حتى تطلب منها ضوءًا، وكذلك القمر، بل كلاهما ينيران لك دون أن تطلب، ويضيئان لك الطريق دون أن تطلب. هكذا أولاد الله بالنسبة إلى العالم، أرسلهم الله ليعطوا العالم من الخير الذي فيهم، حتى إن تباعد العالم عنهم ولم يسأل...
المهم. هل أنت نور؟ هل أنت ملح؟ "لاَ يَسْتَهِنْ أَحَدٌ بِحَدَاثَتِكَ" (1تي4: 12).
"اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ" (يو1: 18). ولكن أنت صورة الله. الناس يرون صورة الله فيك. ويحبون الله في شخصك. وكابن الله، تكون على صورته، كما خُلقت من قبل على صورته (تك1: 27).
القديس بولس الرسول يقول: "نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا" (2كو5: 20).
والسفير هو مندوب دولته وممثلها، يعطي فكرة عنها. هكذا سفير المسيح، يعطي فكرة عن المسيحية. إن تصرفنا بطريقة روحانية، نعطي فكرة عن روحانية المسيحية. وإن أسأنا في سلوكنا، إنما نسيء إلى المسيحية دون أن نقصد. ربما لم يدرس كل أحد تعاليم المسيحية، ولكنهم يعرفون ذلك من حياتنا.
كثيرون لا يفرقون بين الدين ومعتنقي الدين:
إن كان حكام الهند وجنوب إفريقيا المسيحيون، قد أساءوا إلى المسيحية بسلوكهم، هكذا نحن ما أسهل أن يُساء إلى المسيحية بسببنا. إن كان المسيحيون يطلقون نساءهم - ولو بأسباب لا تقرها المسيحية - يقول الناس: يوجد طلاق في المسيحية لأسباب متعددة، حتى لمجرد احتدام الخلاف بين الزوجين! بينما المسيحية لا توافق على كل هذا...
الله يسَمينا باسمه:
عجيب هو الرب في قوله لنا: أنتم نور العالم!
ذلك لأنه يلقبنا بلقبه، ويسمينا باسمه.
لأنه قال أيضًا عن نفسه: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ" (يو8: 12). وقال: "مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ" (يو9: 5).
إنه النور الذي جاء إلى العالم. وأحب العالم الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة (يو3: 19).
فإن الله هو النور، ونحن أيضًا نور، فما هو الفارق إذًا بين نورنا ونور الله؟
إنه النور الحقيقي الذي ينير لكل إنسان.
هكذا قيل عنه في الإنجيل (يو1: 9). وأمام نوره قيل عن يوحنا المعمدان، الذي هو أعظم مَن ولدته النساء (مت11: 11). قيل عنه: "لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ، بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ" (يو1 :8). نعم إن الله هو النور الحقيقي، ونحن بنوره نعاين النور...
نحن ننير، كلما نقترب من الله، النور الحقيقي.
وتشبيه ذلك نور الشمس، ونور القمر.
الشمس نور في ذاتها. أما القمر فهو كوكب مظلم، يستمد نوره من الشمس كلما اقترب من الشمس يظهر نوره ويزداد، أقصد نور الشمس المنعكس عليه...
أما إذا ابتعد عن الشمس، فإنه يبدو على حقيقته ظلامًا، كما في حالة المحاق، في آخر الشهر العربي.
ماذا يعني إذًا قول الرب: "أنتم نور العالم؟" معناه:
اقتربوا مني، لكي تصبحوا نورًا. وحينئذ يمكنكم - بنوري الذي فيكم - أن تنيروا لغيركم.
إن سلكنا كأبناء لله، نصبح أبناء النور (لو16: 8).
نعم "إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ" (1يو1: 7).
ولهذا يقول معلمنا بولس الرسول: "كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ" (أف5: 8). ويقول أيضًا: "جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ..." (1تس5: 5).
كل إنسان يعاشر الله يفيض الله عليه من نوره فيضيء، ويرى الناس نوره.
من الناحية الروحية، يظهر نور الله في حياته.
ومن الناحية الجسدية، قد يظهر النور في وجهه أيضًا. مثال ذلك قصة موسى النبي. لما نزل من الجبل من عند الله، ولوحا الشهادة في يده، كان جلد وجهه يلمع، فخافوا من الاقتراب إليه. وجعل موسى على وجهه برقعًا من شدة ضياء وجهه (خر34: 30- 35).
وعلى جبل التجلي، التحف موسى وإيليا بالنور، لأنهما كانا إلى جوار المسيح ، ففاض عليهما بنوره...
عش إذًا مع المسيح، وخذ من نوره. ولا تفتخر باطلًا بأنك نور العالم، إن كنت بعيدًا عن مصدر النور.
إذًا عبارة أنتم نور العالم، يعني بها الرب بالنسبة إلينا، ما ينبغي أن نكون عليه، أو ما ينبغي أن نصير إليه، كلما كنا ثابتين فيه...
إننا نصير ملحًا للأرض ونورًا للعالم، كلما ارتفعنا في الروحيات. ولذلك ذكر الرب عبارة "على جبل".
علىَ جَبَل:
يقول السيد الرب: "لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل". وهذا التشبيه يعطينا فكرة عن الارتفاع الذي يجب أن نصل إليه، صاعدين في الحياة الروحية، حتى نصبح كمدينة على جبل. ولهذا يقول الرب في نفس العظة:
"فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).
إن الحياة الروحية إذًا هي سعي إلى الكمال المسيحي، باعتبار أننا "صورة الله" وينبغي أن نصل إلى مستوى هذه الصورة.
إن كان لازمًا أن تصير نورًا للعالم، فينبغي أن تصعد إلى فوق، إلى قمة الجبل في الروحيات. أما إن كنت لا تزال على السفح، تزحف في صعوبة، فكيف إذًا تكون قدوة، وكيف يرون الله في حياتك؟!
وأنت كما ترى المستوى المطلوب عاليًا عليك، حينئذ تتضع نفسك. وكلما تتضع يرفعك الله.
ذلك لأنه يعطي المتواضعين نعمة، كما أن حياة الاتضاع هي في حد ذاتها نور للآخرين، وقدوة...
وتشبيه الجبل هو أيضًا تشبيه المصباح الذي على المنارة.
ولكن ماذا يحدث إذا لم نصعد إلى القمة، وحتى لم نزحف عند السفح، بل رجعنا إلى الوراء، وفقدنا النور الذي فينا؟ وفسد ملحنا؟
إذا فَسَد الملح:
ماذا يحدث إذا فقد الملح ملوحته وملاحته؟ إذا فقد الخادم صلاحيته؟ وإذا فقد المسيحي قدوته؟ والمنارة أيضًا: ماذا يحدث إذا تزحزحت من مكانها؟ (رؤ2: 5).
إنه افتراض قائم وممكن. فليس أحد معصومًا.
والسيد المسيح ذكر هذا الفرض فقال: "أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ" (مت5: 13).
والسيد المسيح يكرر نفس الفرض بالنسبة إلى النور فيقول في نفس العظة على الجبل.
"فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!" (مت6: 23).
النور الذي يضيء للآخرين أو للشخص نفسه، إذا صار ظلامًا، فمن أين يأتيه النور. كمثال العين: هي البصر والنور بالنسبة إلى صاحبها. فإن أظلمت العين، هل هناك عضو آخر يستطيع أن يصير مصدرًا للنور؟! وهذه العين المظلمة، هل تصلح بعد لشيء. كذلك أنتم إذا فسد الملح الذي فيكم...
إذا فسد الرعاة والقادة والمعلمون، ماذا يحدث؟
حدث هذا على مرّ التاريخ بالنسبة إلى الشعب اليهودي، فقال لهم الرب: "يَا شَعْبِي، مُرْشِدُوكَ مُضِلُّونَ" (إش3: 12) "صَارَ مُرْشِدُو هذَا الشَّعْبِ مُضِلِّينَ" (إش9: 16).
وفي أيام تجسد الرب وخدمته على الأرض، كان معلمو الشعب مخطئين، يضللونه بتعاليمهم وتقاليدهم الخاطئة. ونذكر من بين هؤلاء: الكتبة والفريسيين والصدوقيين والكهنة وشيوخ الشعب...
وماذا كانت النتيجة إذا فسد القادة؟ يقول الرب:
"أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ" (مت15: 14).
لذلك سماهم الرب "عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ" (مت15: 14). وقال إنهم: "يُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ" (مت23: 13). وقال لهم: "تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا". وسماهم القادة العميان أكثر من مرة (مت23: 15، 16، 24).
يفسد الملح إذًا، إذا انحرف المعلم في الفهم الديني للعقيدة أو في فهمه لروحانية الوصية.
والتاريخ يقدم لنا أمثلة بارزة جدًا في الانحراف العقيدي لأشخاص كانوا في جيلهم ملحًا للأرض:
أريوس: الذي كان أشهر واعظ في عصره، وكان شعلة من ذكاء متقد، وكيف انحرف في إيمانه حتى عقد ضده أول مجمع مسكوني في العالم، وتم تجريده من الكهنوت وقطعه من كنيسة الله. وأصبحت تنطبق عليه عبارة الرب: "لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ".
ونسطور ومقدونيوس وكان كل منهما بطريركًا للقسطنطينية.
كل منهما كان رئيسًا لشعب، وكان معلمًا. ووقع مقدونيوس في الهرطقة وحرمه المجمع المسكوني الثاني. وكذلك وقع نسطور في الهرطقة وحرمه المجمع المسكوني الثالث، وضاعت هيبتهما، وفقدوا كهنوتهما، وأصبحا يداسان من الناس.
وبالمثل أوطاخي الذي كان رئيسًا لرهبنة ومن أتقى رهبان القسطنطينية. وكان ملحًا لحياة النسك. ووقع هو أيضًا في الهرطقة وحرمته الكنيسة.
وأوريجانوس الذي كان أعلم علماء عصره، وأكبر اللاهوتيين ليس في زمانه فحسب، بل كان إحدى القمم العالية على مدى التاريخ، سقط هو أيضًا وحرمه البابا ديمتريوس، وحرمه قديسون آخرون، بل كنائس أيضًا ومجامع...
وليس هذا فقط، بل أنبياء أيضًا، فسد ملحهم.
ولعلنا نذكر في مقدمة هؤلاء بلعام، الذي تنبأ نبوءات جميلة عن السيد المسيح (عد24: 17). بلعام الذي "كَانَ عَلَيْهِ رُوحُ اللهِ... الرَّجُلِ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنَيْنِ... الَّذِي يَسْمَعُ أَقْوَالَ اللهِ. الَّذِي يَرَى رُؤْيَا الْقَدِيرِ، مَطْرُوحًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ" (عد24: 2- 4). بلعام الذي يستدعيه بالاق ملك موآب ويخرج لاستقباله فيقول له: "وَلَوْ أَعْطَانِي بَالاَقُ مِلْءَ بَيْتِهِ فِضَّةً وَذَهَبًا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَتَجَاوَزَ قَوْلَ الرَّبِّ لأَعْمَلَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا مِنْ نَفْسِي. الَّذِي يَتَكَلَّمُهُ الرَّبُّ إِيَّاهُ أَتَكَلَّمُ" (ع24: 13) ...
بلعام النبي، على الرغم من رؤاه ونبوءاته وأقواله، فسد!
ويشهد بذلك الرب نفسه - في سفر الرؤيا - في رسالته إلى ملاك كنيسة برجاموس، فيعتب عليه لأن عنده قومًا متمسكين بتعليم بلعام (رؤ2: 14). وفسد هذا الملح، وأصبح يداس من الناس.
فساد الملح قد يكون من الناحية الفكرية، أو من الناحية السلوكية.
ونضرب مثلًا لذلك شمشون قاضي إسرائيل:
وكان شمشون قد حلَّ عليه روح الرب، وأصبح روح الرب يحركه (قض13: 25) وصنع به الرب عجائب. وكان نذيرًا للرب من بطن أمه، حسب نبوءة ملاك الرب عنه (قض13: 5، 7). ولكن فسد هذا الملح فترة من الوقت، فأضاعته دليلة وامرأة زانية أخرى. وفارقه الرب، وقلعوا عينيه، وأوثقوه بسلاسل نحاس، وكان يطحن في بيت السجن (قض16: 20، 21).
وأصبح شمشون يُداس من الناس، ولكن إلى حين.
هذا ملح فسد، ثم عادت إليه ملوحته.
وابتدأ شعره - علامة نذره - ينبت من جديد (قض16: 22). وصنع الرب به خلاصًا في آخر أيامه، وإن كان قد دفع حياته ثمنًا لهذا الخلاص. وعاد بولس الرسول، فذكره بين رجال الإيمان (عب11: 32).
لعلنا نذكر في هذا المجال سليمان الحكيم أيضًا.
كان هو أيضًا ملحًا للأرض. ظهر له الله مرتين: في أورشليم وفي جبعون (1مل9: 2). وباركه الرب، ووهبه حكمة أكثر من كل أهل الأرض (1مل3: 12). وكلَّمه الله فمًا لأذن. ونطق الروح القدس بالوحي على شفتيه، فكتب أسفارًا من الكتاب المقدس مملوءة بالأمثال والحكمة. ولكن ماذا حدث بعد هذا...
أخيرًا، حدث فساد للملح بمأساة في أواخر أيام سليمان
يقول الكتاب في ذلك عن سليمان: "وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ. وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ. فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. حِينَئِذٍ بَنَى سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ الْمُوآبِيِّينَ... وَهكَذَا فَعَلَ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْغَرِيبَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُوقِدْنَ وَيَذْبَحْنَ لآلِهَتِهِنَّ" (1مل11: 3- 8).
أتُرى هذا الملح طُرح خارجًا وديس من الناس؟! لنا رجاء أن الله رحمه.
لقد تاب سليمان في آخر أيامه، وكتب سفر الجامعة الذي قال فيه عن كل متع العالم التي مارسها: "بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ... وَقَبْضُ الرِّيحِ" (جا1: 2، 14). والدليل على رحمة الرب له، أن الرب قال لداود أبيه: "أُقِيمُ بَعْدَكَ نَسْلَكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ وَأُثَبِّتُ مَمْلَكَتَهُ... إِنْ تَعَوَّجَ أُؤَدِّبْهُ... وَلكِنَّ رَحْمَتِي لاَ تُنْزَعُ مِنْهُ كَمَا نَزَعْتُهَا مِنْ شَاوُلَ..." (2صم7: 12 ،14، 15).
هنا نفرق بين الملح الذي اتسخ، والملح الذي فقد ملوحته وفقد طبيعته.
كان سليمان من الملح الذي اتسخ، ولكنه احتفظ بملوحته، أي بطبيعته التي تحب الله... وكان أبوه داود، ملحًا اتسخ حينًا.
داود الذي مسحه الرب، وحلَّ عليه روح الرب. وقال عنه: فحصت قلب داود فوجدته حسب قلبي... ثم اتسخ هذا الملح. فوقع داود في الزنا، وفي القتل، وفي رغبة الانتقام لنفسه، وفي سفك الدماء... ولكن لم يحدث أن الله جعله يُطرح خارجًا ويُداس من الناس... ولكن على العكس غسله، فأبيض أكثر من الثلج (مز50).
يداس من الناس:
أما الذي ديس من الناس، فهو شاول الملك:
حلَّ عليه روح الرب، وصار مسيحًا للرب، وتنبأ، حتى قال الناس عنه:
"أشاول أيضًا بين الأنبياء؟!" (1صم10: 10، 11). ثم حدث لهذا الملح أنه فسد: تكبر، واستقل عن الله، ونفذ مشيئته الخاصة، ولم يهتم بمشيئة الرب، ولا بمشورة نبيه العظيم صموئيل. وانتهت حياته بمأساة، قال فيها الوحي الإلهي:
"وَذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (1صم16: 14).
ومن الملح الذي داسه الناس أيضًا، كما سبق وذكرنا: بلعام النبي، والمعلمون الكذبة الذين جاءوا قبل المسيح مثل: ثوداس، ويهوذا الجليلي (أع5: 36، 37). وهؤلاء وأمثالهم الذين قال عنهم السيد الرب: "جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ، وَلكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ" (يو10: 8).
ألعنا نذكر من الملح الذي فسد: أبانا آدم، وأمنا حواء.
كان آدم صورة الله ومثاله. الله خلقه على شبهه، هو وحواء (تك1: 26) وأعطاهما أن يتسلطا على سمك البحر وعلى طير السماء وكل ما يدب على الأرض، وكانا في حالة من النقاوة والطهارة والبساطة لم يصل إليها أحد من البشر من بعد، وكانا لا يعرفان الخطية ولا يخجلان من عريهما...
ثم فسد هذا الملح، فسدت الطبيعة البشرية.
وطُرح آدم وحواء خارج الجنة، وديس نسلهما، وأصبحت الحية لها سلطان أن تسحق عقبه (تك3: 15). ولكن الله أعاد لهذا الملح ملوحته، حينما تجسد وبارك طبيعتنا فيه. ورد آدم إلى رتبته الأولى...
لذلك لنا أمل: كلما فسد الملح، أن يعيد الله له ملوحته...
وإن اتسخ الملح ، ينقيه الرب، ويهبه نعمة التجديد لهذه الطبيعة الفاسدة. ولا يقول عنه أنه لا يصلح بعد لشيء. ولنا مثال هام هو:
قصة القديس بطرس الرسول في نكرانه للمسيح.
لقد سب ولعن، وقال لا أعرف الرجل. وسقط بذلك في عديد من الخطايا: الخوف، ونكران سيده، وقلة الإيمان، والكذب، والسب واللعن... أتراه كان في ذلك الوقت ملحًا للأرض ونورًا للعالم؟! كلا، لم يكن وقتذاك كذلك...
ولكن السيد المسيح أعاد إليه ملوحته.
ولم يسمح لهذا القديس أن يُداس من الناس. وكان ذلك حينما رده إلى رتبة الرسولية، وأعفاه من ذلك الحكم "مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت10: 33). وهكذا قال له بعد القيامة: "ارْعَ غَنَمِي... ارْعَ خِرَافِي..." (يو21: 16، 15).
رحماك يا رب بالملح الذي يفسد حينًا، أو يتغير طعمه.
هذا الذي يتعرض لضعف عارض من ضعفات البشر. وعلى الرغم من سقوطه ومن تغير طعمه في ذلك الوقت، يتمسك بملوحته ويقول لك: "يَا رَبُّ، أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ" (يو21: 17).
إن الملح يفسد بالانحراف الفكري والعقيدي، كما حدث للهراطقة، وللقادة العميان.
ويفسد أيضًا بالانحراف السلوكي.
كما حدث لداود في زناه، ولشمشون في انقياده وراء النساء وكسره لنذره... وكما حدث لبلعام في تقديم المشورة المهلكة لعفة الشعب ونقاوته وقد غفر الله لداود وشمشون. وهلك بلعام.
وقد يفسد الملح بالكبرياء.
كان الشيطان ملحًا في بدء خلقه قبل أن يسقط. كان في مجد وبهاء الملائكة. ثم فسد هذا الملح حينما قال في قلبه: "أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ... أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 13، 14). وكانت النتيجة أنه طُرح خارجًا، خارج السماء وصحبة الملائكة. وأصبح يُداس من الناس... من الذين أعطاهم الرب سلطانًا أنه يدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو.
إن مسئولية الملح في فساده تزداد بمركز مَن قد صار ملحًا.
والشيطان كان ملاكًا. لذلك كان فساد هذا الملح أمرًا خطيرًا. وكذلك كل مَن كان في رتبة الكهنوت أو طغمة الإكليروس المفروض فيهم أن يكونوا نورًا للعالم وملحًا للأرض. لذلك قال الرب لملاك كنيسة لاوديكية: "أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي" (رؤ3: 16). وبهذا يكون قد طُرح خارجًا كقيء... لا يصلح بعد لشيء...
في التمييز بين مسئولية الرتبة، يقول الأب الكاهن وقت تقدمة الحمل على المذبح:
"عن خطاياي، وجهالات شعبك"...
فسقطته هو خطيئة، وليست جهالات مثل زلات سائر الشعب. ذلك لأنه من فم الكاهن تُطلب الشريعة (ملا2: 7) فلا يستطيع أن يقول: كنت أجهل...
لذلك بقدر ارتفاع قدر الإنسان، ترتفع مسئولية خطيئته...
وبخاصة أولئك الذين هم في موضع القدوة بالنسبة للناس، والذين يجلسون على كرسي التعليم...
فرق بين سقطة الإنسان من الطابق الأول من منزل، وسقطة آخر من الطابق العاشر، وسقطة ثالث من مدينة كائنة على جبل، أو من أعلى المنارة التي تضيء لكل الناس.
ما معنى أن الملح الذي يفسد، يُطرح خارجًا؟
يُطرَح خارجًا:
الله الذي شجع الناس وقال لهم: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ... أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ" (مت5: 14، 13) قال في عدله الذي لا يحابي أحدًا: إن الملح إذا فسد، يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ..
يُطرح خارجًا من هنا على الأرض.
وأيضًا يُطرح خارجًا هناك في الأبدية.
هنا على الأرض قال يوحنا الرسول: "لاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ" (2يو10). وهكذا حدث لديماس الذي كان مساعدًا في الخدمة لبولس الرسول. كان كارزًا ومِلحًا. ولما فسد، هو نفسه طَرح نفسه خارجًا، اِنفصل عن جماعة المؤمنين. وقال عنه القديس بولس: "دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي4: 10).
وهكذا كانت الكنيسة تفصل هؤلاء من عضويتها.
كما فصلت من جماعة المؤمنين كل صفوف الهراطقة. وكل مَن ينطبق عليه قول بولس الرسول: "إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا" (غلا1: 8) أي فليكن محرومًا ومقطوعًا من الكنيسة، وليُطرح خارجًا.
الكنيسة هي مجموعة قديسين...
ولا بد أن تحتفظ بهذه القداسة.
وهذا المعنى واضح جدًا في الكتاب المقدس في العديد من مواضعه. فالقديس بولس الرسول حينما يرسل رسالته إلى أهل أفسس، إنما يوجهها "إِلَى الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ" (أف1: 1). ويرسل إلى فيلبي فيقول: "سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ... يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَرَ" (في4: 21، 22). وهو يرسل إلى العبرانيين فيقول لهم: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ" (عب3: 1) . ويرسل إلى أهل كولوسي "إِلَى الْقِدِّيسِينَ فِي كُولُوسِّي..." (كو1: 2) فيقول لهم: "فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا..." (كو3: 12). وهو يرسل إلى "كُورِنْثُوسَ، مَعَ الْقِدِّيسِينَ أَجْمَعِينَ الَّذِينَ فِي جَمِيعِ أَخَائِيَةَ" (2كو1: 1).
وما دامت الكنيسة مجموعة قديسين، فإنها تقول مع المرتل:
"بِبَيْتِكَ تَلِيقُ الْقَدَاسَةُ يَا رَبُّ" (مز93: 5).
وهكذا لم يدخل الكنيسة إلا القديسون. أما الخطاة فكانوا يقفون خارجًا، يتضرعون إلى الداخلين والخارجين أن يصلوا لأجلهم. وكان الإبيدياكون يحفظ أبواب الكنيسة، ويمنع الخطاة الذين عليهم أحكام من دخولها.
وبهذا الحزم احتفظت الكنيسة بقداستها.
القديس يوحنا ذهبي الفم منع الإمبراطورة من دخول الكنيسة، لأنها ظلمت أرملة ورفضت أن تنصفها. ولم يهمه أنها الإمبراطورة، وأنه معرض أن يدفع ثمن هذا الحزم... وأيضًا قصة القديسة مرثا التائبة تعطينا فكرة عن منع الخطاة من دخول الكنيسة.
والقوانين الكنسية واضحة في هذا الأمر.
فالمؤمنون هم أعضاء جسد المسيح (1كو6: 15). وأعضاء المسيح مقدسة. وكل مَنْ لا يكون مقدسًا، لا يبقى كعضو في جسد المسيح... بل يبقى خارجًا.
وفي الأبدية أيضًا، الملح الفاسد يُطرح خارجًا...
والكتاب يتحدث عن العقوبة في الظلمة الخارجية:
يقول عنهم الرب إنهم: "يُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (مت8: 12). وقد قال عن العبد الذي دفن وزنته في الأرض: "اطْرَحُوهُ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ، هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ" (مت25: 30)... هؤلاء يمكثون خارج النعيم الأبدي، خارج مجمع القديسين، خارج سكنى الله مع الناس، خارج النور، نور الله وقديسيه. هناك في الظلمة.
وقد تكررت عبارة "الخارج" و"خارجًا"، في مجال العقوبة الأبدية.
وفي مثل العذارى. دخلت الحكيمات إلى العرس. أما زميلاتهن اللائي لم يكن معهن زيت، فقد وقفن خارجًا، يصرخن بلا أمل قائلات: "يَا سَيِّدُ، افْتَحْ لَنَا!" (مت25: 11). فيجيبهن قائلًا: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ".
وقد أوضح الرب هذا الأمر بقوله: "إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ. مِنْ بَعْدِ مَا يَكُونُ رَبُّ الْبَيْتِ قَدْ قَامَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَابْتَدَأْتُمْ تَقِفُونَ خَارِجًا وَتَقْرَعُونَ الْبَابَ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! افْتَحْ لَنَا. يُجِيبُ، وَيَقُولُ لَكُمْ: لاَ أَعْرِفُكُمْ... مَتَى رَأَيْتُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ، وَأَنْتُمْ مَطْرُوحُونَ خَارِجًا..." (لو13: 24- 28).
هذه هي قصة الملح الذي يُطرح خارجًا.
الذي يقول الرب عنه في الإنجيل (لمعلمنا لوقا البشير): "اَلْمِلْحُ جَيِّدٌ. وَلكِنْ إِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ، فَبِمَاذَا يُصْلَحُ؟ لاَ يَصْلُحُ لأَرْضٍ وَلاَ لِمَزْبَلَةٍ، فَيَطْرَحُونَهُ خَارِجًا. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ" (لو14: 34، 35).
فَلْيُضِيء نُورُكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ
فَلْيُضِيء نُورُكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ
قال الرب: "لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل، وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. فَلْيُضِيء نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 14- 16).
مَدينة ومصَباح:
لعل الرب يتكلم هنا عن الفرد وعن الكنيسة. وكيف أن كليهما مصدر نور للمجتمع والعالم.
فيشبه الفرد أو الراعي بالمصباح. ويشبه الكنيسة بالمدينة.
وهو قد منحنا النور، لكي يظهر للناس، فيستضيئون به، ويرشدهم إلى الله. وهكذا قال لليهود عن يوحنا المعمدان: "... كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً" (يو5: 35). فالإنسان المؤمن هو سراج أو مصباح، يضيء لكل مَنْ في البيت.
والمصباح يشير إلى وصية الله، أو من يحملها إلى الناس:
قيل في المزمور: "وَصيَّةُ الرَّبِّ مُضيئةٌ. تُنَيرُ العَيْنيْنِ عَنْ بُعدٍ" (مز19: 8). وأيضًا:
"سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (مز119). فكلام الله ينير الطريق الروحي أمام الناس.
لذلك نحن نوقد الشموع حينما نقرأ الإنجيل في الكنيسة، إشارة إلى كلمة الله المضيئة. كما نستقبل الآباء الأساقفة بالشموع. لأنهم الذين يحملون إلينا النور، أو لأنهم هم أنفسهم نور...
وبالمثل نضع الشموع أمام أيقونات القديسين، لنفس الغرض.
ونفس التشبيه بالنسبة إلى الرعاة وإلى الكنيسة نجده في سفر الرؤيا، حيث يشبه الكنائس بسبع منائر من ذهب، ويشبه رعاتها بسبعة كواكب في يمين الرب (رؤ1: 20). فالكنيسة نور، ورعاتها نور. والكنيسة من خلال رعاتها تحمل النور إلى الناس.
هي إذن هي نور، وحاملة نور.
والكنيسة كجماعة مؤمنين - أو كجماعة للمؤمنين - يمكن أن تُسمى مدينة، كما قيل عن "الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا" (رؤ21: 2). هذه قال عنها يوحنا الرائي: "وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا" (رؤ21: 23).
كل مَنْ هو منير، يمكنه أن يدخل المدينة المنيرة أورشليم.
"وَلَنْ يَدْخُلَهَا شَيْءٌ دَنِسٌ وَلاَ مَا يَصْنَعُ رَجِسًا" (رؤ21: 27)، لأن هؤلاء ظلمة. وقد "أَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً" (يو3: 19).
هذه الأنوار التي أرسلها الله إلى العالم، لا يجوز أن تُخفى، وأحيانًا لا يمكن أن تخفى.
لا يُمكِن أن تُخفى:
المدينة الكائنة على جبل، لا يمكن أن تُخفى.
يمكن للمستويات الضعيفة أن تُخفى، أو على الأقل لا يراها الكل. أما هؤلاء الذين رفعتهم النعمة إلى القمة، فلا يمكن لأية قوة أن تُخفيهم. مثال ذلك بولس الرسول، الذي حاربوه بكل قوة. ولكن نوره ظل ظاهرًا للكل.
وكذلك الرسل الذين قال لهم رؤساء الكهنة: "أَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ وَصِيَّةً أَنْ لاَ تُعَلِّمُوا بِهذَا الاسْمِ؟ وَهَا أَنْتُمْ قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ، وَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هذَا الإِنْسَانِ" (أع5: 28).
كم من مصابيح أراد الناس أن يخفوها تحت مكيال. وكان الله يرفع المكيال ليظهر نورها.
أرادوا أن يخفوها بعدم إعطائهم فرصة للظهور، أو باضطهادها، أو بإشاعة المذمة عنها.
ألم يقولوا عن السيد المسيح إنه خاطئ لأنه يصنع المعجزات في يوم سبت (يو9: 24). ألم يقولوا إنه ببعلزبول يُخرج الشياطين (مت12: 27) وأنه سامري وبه شيطان (يو8: 48) وأنه أكول وشريب خمر ومحب للعشارين والخطاة (مت11: 19). ولكن كل هذه المكاييل لم تستطع أن تُخفي نور المسيح.
كم مكيال حاولوا أن يخفوا به نور القديس أثناسيوس.
كم تهمة ظالمة وجهوها إليه؟ كم مجمع عقدوه ضده؟ كم مرة نفوه عن كرسيه. ومع ذلك بقيَّ أثناسيوس كما هو. نور تعاليمه يضيء المسكونة كلها كبطل للإيمان...
كم من أناس: كلما يرون مصباحًا مضيئًا، يحاولون إخفاءه بمكيال.
إن الشر يعمل ضد الخير ويقاومه. والشيطان يحسد أولاد الله، ولا يريدهم أن يكونوا نورًا للعالم، لأنه هو نفسه ظلمة، بل هو أيضًا سلطان الظلام (لو22: 53).
لذلك يثير الشيطان عليهم أعوانه الأشرار.
يقاومونهم عن حسد أو غيرة، أو عن كراهية للملكوت، أو عن فهم خاطئ... أو لشهوة أولئك الأشرار في الظهور. أو لأن نور الأبرار يكشف شرّهم. أو بسبب مقارنة الناس بين هؤلاء وأولئك... أو للصراع الطبيعي القائم بين ملكوت الله ومملكة إبليس...
وقد تصل رغبة الإخفاء إلى محاولة القتل.
وهنا يتحول الإخفاء إلى إطفاء. والعمل بكل الجهد لإسكات الصوت الناطق بالحق. وهذا ما فعله هيرودس مع يوحنا المعمدان، لأن نور يوحنا كان يكشف خطيئته ويبكتها... (مت14: 3-5).
وهكذا أرادت إيزابل أن تعمل مع إيليا النبي (1مل19: 1، 2). ونفس الوضع أرادته الإمبراطورة بالنسبة إلى القديس يوحنا ذهبي الفم الذي كان يبكت أعمالها.
وقد يكون المكيال هو الإهمال وعدم التقدير.
وذلك بدفن المواهب وعدم استخدامها. وحتى الأنوار التي يحدث لها هذا، يدبر الله لها مجالات أخرى تظهر فيها، بعيدًا عن الجو الرسمي. وكم رأينا أشخاصًا أدّوا خدمات عظيمة، ولم تكن لهم أية صفة رسمية... والسيد المسيح نفسه كان النور الحقيقي، ولم تكن له في فترة تجسده على الأرض أية وظيفة رسمية.
واجبنا هو أننا لا نعرقل خدمة غيرنا، ولا نحاول أن نُخفي نوره تحت ميكال...
وقد تأتي العرقلة عن طريق التنافس:
وعجيب أن بناء الملكوت يوجد فيه تنافس، يعرقل فيه الخدّام عمل بعضهم البعض. وقد توجد بينهم حروب، ويضع كل منهم مكيالًا على عمل غيره. بينما مجال الخدمة يتسع للكل. بل "الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ" (مت9: 37).
ولكنها محبة الذات التي تضع مكيالًا على مصباح غيرها.
إنها لا تنظر إلى الملكوت وانتشاره، وإنما تنظر إلى (الأنا). تريد أن تظهر هي في محيط الخدمة، وهي وحدها تنير، ويختفي الآخرون لتبقى وحدها في الصورة!!
وعكس ذلك أيضًا، مكيال آخر ضد الذات.
وهو إخفاء النور بحجة إنكار الذات. وسنشرح هذا الأمر إن شاء الله، ونبدأ بقول الرب:
يَرى الناس أعمالكم:
قال: "يرى الناس" ولم يقل يسمعون.
ذلك لأنه ما أسهل أن يقول الإنسان كلامًا طيبًا، بينما داخله غير ذلك. وقد تسمع منه عبارات اتضاع عجيبة، يقول بها إنه لا يستحق شيئًا، وإنه أكثر الناس خطية... بينما لو امتحنته بتصرف معين، يثور ولا يحتمل! وهنا أتذكر قول ذلك الأديب الروحي:
هناك أشخاص يحدثونك عن السحب، وهم يتمرغون في الأوحال.
لذلك حسنًا قال الرب: "يرى الناس أعمالكم" ولم يقل: "يسمع الناس أقوالكم". فالكتبة والفريسيون كانت أعمالهم تختلف تمامًا عن أقوالهم. يتحدثون عن مثاليات خيالية، لا يستطيعون هم ممارستها "يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ" (مت23: 4).
فرق كبير بين أن تقول لي إنك تحبني، وبين أن أحسّ بنفسي هذا الحب وأراه في كل تفاصيل معاملتك. ولذلك ما أعمق قول القديس يوحنا الرسول:
"لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ!" (1يو3: 18).
الدين ليس هو مجرد كلام، ولا حفظ آيات، ولا إلقاء عظات، إنما هو روح وحياة. والناس ينيرون بحياتهم أكثر مما ينيرون بأقوالهم. بل إن البعض لا تُقبل أقوالهم، لأن أعمالهم تقف سدًا منيعًا ضد قبولها.
والإنسان الروحي لا توجد مسافة بين أقواله وأفعاله.
بل أقواله هي تعبير عن أعماله. وأعماله هي تنفيذ عملي لأقواله. والاثنان متجانسان. المهم أن تكون له أعمال حسنة، يحسبها جميع الناس.
هنا ويصادفنا سؤال خطير وهو:
كيف تتفق رؤية الناس، مع فضيلة التواضع ووجوب إخفاء الفضائل؟
الرؤية والإخفَاء:
يشرح الرب بتفاصيل كثيرة أهمية إخفاء الفضائل، ويقول:
"فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً" (مت6: 4، 6، 18).
ويقول عن الأشخاص الذين يظهرون فضائلهم: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!" (مت6: 2، 5) ويضرب لذلك أمثلة في الصدقة والصلاة والصوم.
فكيف نجمع بين هذا المعنى، وبين قوله: "فَلْيُضِيء نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16).
والإجابة على هذا السؤال تتركز في نقطتين:
هناك فضائل لا يمكن إخفاؤها...
هناك فرق بين أن يرى الناس، وبين أنك تعمل الفضيلة بهدف أن يروا...
فأنت يمكنك أن تُخفي صلاتك وصومك وصدقتك (مت6). ولكن أتستطيع أن تُخفي صدقك وأمانتك ولطفك في التعامل مع الكل؟! أتستطيع أن تُخفي أسلوبك السلس وألفاظك المنتقاة، التي لا عيب فيها ولا خشونة ولا جرح لأي إنسان، ولا مساس بشعوره؟!
هناك أشياء لا يمكن أن تُخفى: منها طباعك وأدبك وشخصيتك وحكمتك وحشمتك. هذه يراها الناس، بدون أن تحاول أنت أن تريهم إياها.
أنت تريد أن تُخفي وداعتك وتواضعك. حسنًا تفعل. ولكن أتراك تستطيع أن تُخفي ملامحك الوديعة الهادئة؟! أو تستطيع أن تُخفي ابتسامتك العذبة السمحة، ووجهك البشوش في مقابلة الكل، وصوتك الرقيق المملوء سلامًا...؟! وهل تستطيع أن تُخفي احتمالك للأذى وعدم ردك بالمثل على المسيئين إليك؟!
أتستطيع أن تبطل العمل الصالح، خوفًا من أن يراه الناس؟! أم إنك تعمل الصلاح، ولكن لا يكون هدفك منه أن يراك الناس ويمدحونك.
كل ما تستطيعه أن يكون قلبك نقيًا من الداخل، لا تطلب فيه مديح الناس. وأن تعمل في الخفاء على قدر ما تستطيع، وفي المجال المتاح للإخفاء. وأيضًا لا تتحدث عن أعمالك الصالحة أمام الآخرين... ولكن:
قد لا تتحدث أنت عن نفسك. ولكن أعمالك تتحدث عنك وأنت صامت...
بل تتحدث أيضًا عن الإله الذي تعبده، وعن الدين الذي تؤمن به... كما تتحدث السماوات عن مجد الله، "وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مز19: 1) في صمت كامل، أو في صمت متكلم...
لاحظ أيضًا أن الرب لم يقل: "لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوكم" بل "لكي يروا... ويمجدوا أباكم الذي في السموات" إذًا:
يَعمل لتمجيد الآب:
المفروض أن كل عمل تعمله، إنما تعمله لأجل مجد الله، وليس لمجدك الشخصي. وأنت في ذلك تقول مع المرتل:
"لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا" (مز115: 1).
أما بالنسبة إلى نفسك فتقول كما قال السيد المسيح: "مَجْدًا مِنَ النَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ" (يو5: 41). وكل ما تعمله يكون من أجل الله وملكوته. تقول عن الرب كما قال المعمدان: "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يو3: 30).
أعمالك الحسنة، يكفيك أن الله يراها. أما إن رآها الناس، فليكن ذلك من أجل مجد الله.
إن المدينة الكائنة على جبل، يراها الناس دون أن تشير إلى ذاتها. ويمجدون الله بسببها، إذ منحها هذا العلو.
أعمالك تمجد الله من الناحيتين: الإيمانية والسلوكية.
يمجدون الله، إذ يرون فيك صورة الله، وإذ يرون فيك سمو المسيحية. ويدركون أن وصايا الله السامية يمكن تنفيذها عمليًا.
يمجدون الله الذي عملت نعمته فيك، وأوصلتك إلى هذه الدرجة من الروحانية، كما يمجدون الله على هذا الإيمان الذي وهبك إياه.
يمجدون الله حينما يعلمون أن الأعمال الصالحة التي تعملها، لست تعملها بذراعك البشري، إنما بعمل الله فيك، وإرشاد روح الله لك. فالأمر راجع له تبارك اسمه في كل شيء.
وإذ يمجدون الله على كل هذا، تملكهم الغيرة للسير في نفس الطريق.
وهكذا يتمجد الله فيهم، وفي انتشار ملكوته بينهم، عن طريق إعجابهم بأعمالك الصالحة، التي عملها الله فيك وبك.
لذلك في كل ما تعمل، اظهر دور الله في عملك.
بدلًا من أن تعطي فقيرًا وتقول له (خذ هذا المبلغ) ... الأفضل أن تقول له: (خذ. لقد أرسل لك الله هذا المبلغ). وبدلًا من أن تقول (أخيرًا أمكننا حل هذه المشكلة)... قل (لقد تدخل الله في المشكلة، وأعاننا على حلها أخيرًا)، وهكذا في كل ما تعمله بالجسد وبالروح، تذكر قول الرسول:
"مَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ" (1كو6: 20).
واعلم أن الذي تمجده، ليس هو غريبًا عليك، بل هو أبوك الذي في السماوات.
وإن قول الرب: "فَلْيُضِيء نُورُكُمْ" يحمل أمرًا إلهيًا":
أمر للنور أن يضيء، وأمر لكل مكيال أن يبتعد عن النور لكي لا يخفيه.
ومعنى هذا، أن مشيئة الله أن يبقي هذا النور مضيئًا قدام الناس، ليروا أعمالكم الحسنة، فيمجدوا أباكم الذي في السماوات.
وكما قال الله في القديم: "لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ" (تك1: 3)، كذلك يقول الآن: "فليُضيء نوركم قدام الناس"، فيضيء هذا النور قدام الناس. إن كلمة الله لا ترجع إليه فارغة (إش55: 11).
وإن كان الله يتكلم على لسانك، فسوف ينطبق عليك قول الكتاب: "أن كلمة الرب تنمو" (أع6: 7).
إن الله يحب النور. وقد قال عن نفسه: "أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى الْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ" (يو12: 46).
وكما خلق أنوارًا مادية تضيء العالم المادي، كالشمس والقمر والنجوم والكواكب، كذلك أراد أن توجد أنوار روحية تنير الطريق أمام الناس. فاطمئنوا كأنوار لا يمكن أن تُخفى، بل يرى الناس أعمالكم...
أبوكم السماوي:
في العظة على الجبل، ركز السيد المسيح، على علاقة الله بالبشر كأب. وهو أمر ورد ذكره في العهد القديم بطريقة عابرة. ولكن الرب هنا ركز عليه جدًا.
وتكررت عبارة الآب السماوي مرات عديدة في العظة على الجبل.
فأنت تعمل الخير، ليتمجد أبوك الذي في السماوات (5: 16).
وأنت تصلي وتقول: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (6: 9).
وتعمل الفضيلة في الخفاء، وأبوك يجازيك علانية (6: 4).
وتسعي للكمال، "كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (5: 48).
وأنت تغفر للناس، لكي يغفر لك أبوك السماوي (6: 14).
وأنت لا تهتم بما تأكل وما تشرب، "لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا" (6: 32). و"اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ. وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا" (6: 26).
"أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ" (7: 11).
والكلام في العظة على الجبل عن الآب السماوي، هو باكورة لتعليم الرب عن هذا الموضوع في الإنجيل كله.
المَلكوت والسَمَاء:
وكما ترد عبارة "أبوكم السماوي" كثيرًا في العظة على الجبل، وفي باقي الإنجيل، كذلك ترد كثيرًا عبارات: الملكوت، والسماء، وملكوت السموات...
إن الرب يريد أن يركز الناس أفكارهم في السماء وفي الملكوت.
في أول العظة عن ملكوت السموات فيقول: "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (5: 3). والسيد المسيح حينما بدأ رسالته، قيل عنه إنه كان "يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ" (مت4: 23). وتكررت هذه العبارة (مت9: 35) وستستمر إلى نهاية العالم "يُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ. ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى" (مت24: 14).
والمؤمنون بالرب هم بنو الملكوت (مت13: 38)، هؤلاء هم الأبرار الذين سيضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم (مت13: 43)، ويرثون الملكوت المعد لهم منذ تأسيس العالم (مت25: 34).
من له أذنان للسمع فليسمع.
فليُضيء نوُركم قُدّام الناس ليَروا أعمَالكم الصَالحَة
فليُضيء نوُركم قُدّام الناس ليَروا أعمَالكم الصَالحَة
(مت5: 16)
هذا ما قاله الرب في العظة على الجبل: "فَلْيُضِيء نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16). ولكنه في الأصحاح التالي (مت6) يأمر بعمل الفضيلة في الخفاء، سواء كانت صومًا أو صدقة أو صلاة، قائلًا: "فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً" (مت6: 6). فكيف نوفق بين الأمرين؟
هناك فرق بين عبارتين: "يرى الناس" و"لكي يرى الناس".
فهناك أعمال حسنة لا يمكن كتمانها، يراها الناس، دون أن يكون قصد فاعلها أن يراه الناس. وأعمال أخرى يكون الهدف منها أن يراه الناس فيمجدوه أو يمتدحوه، فينال أجره على الأرض.
كذلك هناك فرق بين أن يكون القصد هو تمجيد الآب السماوي، أو أن يكون القصد هو أن يُمَجَّد الإنسان من الناس (مت6: 2).
أولاد الله نور للعالم (مت5: 14). والنور لا يمكن أن يُخفى. كما لا تُخفى "مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل"، ولا يُخفى "سراج على منارة فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ" (مت5: 14، 15). فالناس لا بد أنهم سيرون النور. وهذا يختلف عمن يفعلون الخير "لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ" (مت6: 5، 16). فهؤلاء هم الذين "اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ" هنا (مت6: 2، 5، 16).
إذًا عليك أن تعمل الخير حبًا في الخير، وحبًا لمن تعمل معه الخير، دون قصد منك أن يراك الناس، وأن تمتدح من الناس.
بل تكون نتيجة عملك هو تمجيد الآب السماوي وليس شخصك أنت. كما قيل في المزمور "لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا" (مز115: 1).
وهناك أمثلة كثيرة للأعمال التي يراها الناس تلقائيًا:
فمثلًا: الوجه البشوش السمح، المفرح لمن يراه.
مثلما قيل عن القديس الأنبا أنطونيوس الكبير "مَن مِنَ الناس يكون مّر النفس، ويرى وجه الأنبا أنطونيوس، إلا ويمتلئ بالسلام". أو كما قال له أحد تلاميذه "يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي".
حقًا هناك وجوه وديعة هادئة بشوشة، تنظر إليها فتحبها، وتحب الله بسببها، وتأخذ منها درسًا روحيًا لك في الحياة.
ما أجمل ما قيل عن القديس استفانوس أول الشمامسة حينما خطفوه وأتوا به أمام المجمع ليحاكموه "فَشَخَصَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْجَالِسِينَ فِي الْمَجْمَعِ، وَرَأَوْا وَجْهَهُ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلاَكٍ" (أع6: 15).
هل يجرؤ أحد أن يقول إن استفانوس جعل وجهه كوجه ملاك لكي يمجده الناس؟ أم أن وجهه كان هكذا بطبيعته...
ليس فقط الوجه البشوش المنير، إنما أيضًا الكلام المنير.
كإنسان دائمًا كلماته محببة للنفس، ينطبق عليها قول النشيد: "شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا" (نش4: 11). كل كلمة منه، لها تأثيرها في النفس. صوته أيضًا مؤثر. ينطق دائمًا بالحكمة والمعرفة. لا يخطئ أبدًا في حديثه.
إنه نور يشرق على الآخرين في كل ما يقوله. يسمع الناس ما يخرج من شفتيه، وما يصدر من عقله، فيمجدون أباهم الذي في السموات.
وحتى إن طوبوه على ما يقول، فهو لا يقصد بكلامه تطويبهم. وإنما هذا هو أسلوبه على الدوام في حديثه. وهذه طبيعة عقليته.
هناك آخرون روحيون. حياتهم تقدم للآخرين قدوة صالحة.
لا يقصد أحدهم أن يقدم قدوة. وإنما طبيعة سلوكه يرى فيها الناس تطبيقًا عمليًا لوصايا الله. وإذ يرون أعماله الحسنة، يمجدون أباهم الذي في السموات الذي عملت نعمته في هذا الشخص هكذا.
مثاليته ليست مصطنعة، وليست لجذب إعجاب الناس، وإنما هي طبع فيه وطبيعة تصدر منه تلقائيًا.
إنسان آخر يتصف بالصدق والأمانة في الحديث.
هو لا يمكن أن يكذب مهما كانت الدوافع، بل لا يستطيع أن يكذب. وأيضًا لا يبالغ في الحديث، بل يتكلم بكل دقة. ولا يعرف أن يلف أو يدور في حديثه. وقد درَّب نفسه على عدم الوقوع في أي خطأ من أخطاء اللسان، حتى أصبح كل ذلك طبعًا فيه. وأصبحت دقته موضع إعجاب كل من يتحدث إليه، وموضع ثقة الكل. وبها يمجدون الله بسببه، بل أنهم يتعلمون منه هذه الدقة في الحديث، وهذا الصدق النقي...
إن الناس يقرأون ويسمعون عن الوصايا "عن حياة الفضيلة". لكنهم يفرحون كثيرًا حينما يرون نموذجًا لها في حياة غيرهم.
مثال آخر هو الشجاعة التي يتصف بها البعض.
بحيث تصبح هذه الشجاعة طبعًا ثابتًا في حياة الشخص وفي تصرفاته كلها. وليس المقصود بها إطلاقًا مظهرية أمام الناس، بل قد تجلب عليه التعب. مثل شجاعة مار جرجس، حينما مزَّق منشور الإمبراطور دوقلديانوس الذي يمنع المسيحيين من ممارسات حريتهم الدينية، بتهديدات قاسية. وهذه الشجاعة جرَّت على مار جرجس الكثير من المتاعب والتعذيب.
نضيف إليها شجاعة دانيال النبي، حينما حكم الملك داريوس بأن من يسجد لإله غير آلهتهم الوثنية، يُلقى في جب الأسود. فصعد دانيال إلى عليته، وفتح نوافذه وصلى وسجد لإلهه (دا6: 1). لا لكي يراه الناس فيمجدوه. بل إنهم شكوه إلى الملك، وألقي في جب الأسود. وآل الأمر أخيرًا إلى تمجيد الله الذي نجاه (دا6: 25- 27) .
مثال آخر هو أبطال الإيمان.
أولئك الذين تمسكوا بالإيمان ودافعوا عنه بكل قوة وشجاعة. واحتملوا في سبيل ذلك النفي أو السجن أو العزل. مثال ذلك القديس أثناسيوس الرسولي الذي عُزل ونُفي أربع مرات. وقيل له: "العالم كله ضدك يا أثناسيوس" فأجاب: "وأنا ضد العالم" لقد رأى الناس صلابته وإيمانه واحتماله، فمجدوا الآب السماوي. وحتى إن كانوا قد امتدحوا بطولة أثناسيوس، فلم يكن هذا هدفه أو قصده. بل كان هدفه حفظ الإيمان من الضياع.
مثال آخر رآه الناس، فمجدوا الله. وهو حياة الرهبنة الأولى.
وكل ما تميزت به من حياة النسك والوحدة والصلاة الدائمة... فإن كان من عاشوا تلك الحياة، لم يضعوا مجد الناس هدفًا لهم. بل على العكس هربوا من الناس. وما كانوا يتحدثون عن أنفسهم. بل أن البعض منهم تظاهر بعدم المعرفة - والبعض كالآباء السواح - عاشوا في أماكن بعيدة جدًا لا يعرفها أحد. ومنهم من عاش عشرات السنوات لا يرى فيها وجه إنسان. ومع ذلك فإن الله جعل سيرتهم تنتشر وتصبح مسكًا لهذا العالم. وتؤول إلى مجد الله، وليس إلى مجد أولئك النساك في حياتهم.
وهذه السيرة الجميلة، جذبت الآلاف لاقتفاء أثرها، فتمجد الله... وأصبحت حياتهم نماذج في ترك تنعمات هذا العالم الباطل.
من الأمثلة الأخرى لهؤلاء الذين كانوا نورًا للعالم، ورأى الناس أعمالهم الحسنة فمجدوا الله... نذكر معلمي البيعة.
أولئك الذين بعظاتهم وكتاباتهم، أناروا الطريق الروحي أمام الكل ليسلكوا فيه. وكانت كلماتهم وتأملاتهم العميقة غذاء للنفوس. كما كانت تعاليمهم ثباتًا للناس في الإيمان، وتفسيرًا لبعض آيات الكتاب العسرة في فهمها. كما استطاعوا أيضًا أن يحاربوا الهرطقات، ويضعوا الفهم الحقيقي للإيمان السليم.
في كل ما قاموا به من خدمات للكنيسة وللعقيدة، لم يكن هدفهم مطلقًا مديح الناس، بل كان الإيمان هو هدفهم. وقد احتملوا في سبيله اضطهادات كثيرة من أصحاب البدع والهرطقة. ولكن دفاعهم عن الإيمان رآه الناس، ومجدوا أباهم الذي في السموات.
من الأمثلة الأخرى، أولئك الذين وهبهم الله المعرفة.
مثل يوسف الصديق، الذي استطاع أن يفسر لفرعون أحلامه.
"فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِعَبِيدِهِ: هَلْ نَجِدُ مِثْلَ هذَا رَجُلاً فِيهِ رُوحُ اللهِ؟" وقال ليوسف: "مَا أَعْلَمَكَ اللهُ كُلَّ هذَا، لَيْسَ بَصِيرٌ وَحَكِيمٌ مِثْلَكَ" (تك41: 38، 39). وجعله الثاني في المملكة.
لم يكن يوسف يقصد مجد نفسه، بل مجد الله، وإنقاذ الشعب من المجاعة فيما بعد. وهكذا بدأ يوسف تفسيره للحلمين بقوله لفرعون: "قَدْ أَخْبَرَ اللهُ فِرْعَوْنَ بِمَا هُوَ صَانِعٌ..."، "قَدْ أَظْهَرَ اللهُ لِفِرْعَوْنَ مَا هُوَ صَانِعٌ" (تك41: 25، 28) كما قال له: "وَأَمَّا عَنْ تَكْرَارِ الْحُلْمِ عَلَى فِرْعَوْنَ مَرَّتَيْنِ، فَلأَنَّ الأَمْرَ مُقَرَّرٌ مِنْ قِبَلِ اللهِ، وَاللهُ مُسْرِعٌ لِيَصْنَعَهُ" (تك41: 32).
أكان يوسف الصديق يستطيع أن يخفي معرفته هربًا من مديح الناس؟! كلا، فإن المجاعة كانت ستهلك البلد، بينما يمكن النجاة منها.
- مثال آخر للذين رأى الناس أعمالهم الحسنة، فمجدوا الأب السماوي.. نذكر القديسين الشهداء.
أولئك الذين جاهروا بإيمانهم، ووقفوا أمام الأباطرة أو الولاة والحكام. وذاقوا مرارة السجن وألوانًا من التعذيب والآلام، بصبر عجيب أذهل الكثيرين، ودفعت كثيرين إلى قبول الإيمان. وهكذا ساد المثل القائل "دماء الشهداء بذار للإيمان". وبهذا تمجد الله.
لقد رأى الناس جهاداتهم. ولكن هذا التمجيد لم يكن أبدًا هدف الشهداء ولا المعترفين، بل مجد الله ونشر ملكوته.
- من الأمثلة الأخرى، الذين اشتهروا بالنشاط أو بالحكمة والتدبير.
منهم الخدام الذين يجولون شرقًا وغربًا في خدمة الكلمة وفي افتقاد العائلات والأفراد. وتراهم في نشاطهم كلهيب من نار، فتمجد الله بسببهم.
ومن هؤلاء أيضًا آباء الاعتراف الذين يتميزون بالحكمة في الإرشاد وحل المشاكل وقيادة أبنائهم إلى التوبة. ولا يقصد أحد من هؤلاء جميعًا مجد الناس أو مديحهم. إنما يقصد إراحة كل من يقصده، والبحث عمن لا يقصده، فيتمجد الله بالخدمة وخلاص أبنائه.
إن الحكمة لا يستطيع أحد أن يخفيها، بل هي بركة لمن تعمل من أجله. يراها الناس فيعجبون بها. وليس هدف الحكيم هو إعجابهم.
من أمثلة الذين كانوا نشطاء في الخدمة: الأستاذ حبيب جرجس
هذا الذي أسس مدارس الأحد، ووسع نطاق خدمتها، وطبع لها الصور والدروس. وألَّف لها الترانيم. ويعتبر المؤسس الحقيقي للكلية الإكليريكية. فاشترى لها الأرض وبنى لها المبنى، وعين لها المدرسين. وكان هو المدرس الأول لها. كما اهتم بتأليف الكتب المنهجية للتعليم الديني بالمدارس، وتخرج على يديه المئات من الكهنة والوعاظ والعرفاء.
لقد رأى الناس أعماله الحسنة، فمجدوا الآب السماوي الذي على يديه أرسل لهم كل هذه الخدمات. ولكن حبيب جرجس لم يكن هدفه مديح الناس. بل كان هدفه بنيان الكنيسة، لمجد الله.
وهكذا كُتب اسمه في التاريخ، لأنه كان من صناع التاريخ.
- خذوا مثالًا آخر، من يدخلون الكنيسة في خشوع.
إنهم ليسوا من القادة أو المعلمين، وربما لا تكون لهم خدمة واضحة في الكنيسة ولكن كلًا منهم يدخل إلى الكنيسة بكل احترام وخشوع، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، بل يتجه مباشرة إلى الهيكل فيسجد أمامه، ويأخذ موضعه في صمت. ولا يخلط عبادته بالحديث مع من يجاوره.
إنه لا يقصد مديحًا من الناس، بل إن مخافة الله في قلبه هي التي تدعوه إلى السلوك هكذا. ولكن الناس يرونه دون أن يشعر، يمجدوا أباهم الذي في السموات الذي أعطاهم في هذا السلوك قدوة. وأصبح صمت مثل هذا الشخص عظة لغيره.
- من الأمثلة الأخرى التي هي نور للكنيسة: محبو الفقراء.
نذكر من بين هؤلاء بكل حب: القديس الأنبا أبرام أسقف الفيوم، والقديس الأنبا صرابامون أبو طرحة أسقف المنوفية. ومحبتهما للفقراء تروى في كتب وقصص.
وكذلك المعلم إبراهيم الجوهري الذي خدم الكنائس والأديرة، وأطعم الفقراء، وأنقذ المسجونين. وعمل الكثير من أعمال الخير جعلته من أبرز الأبرار من العلمانيين.
كل هذه الأعمال الحسنة كان لا بد أن يراها الناس ويمتدحوها. ولكن لم يكن القصد منها أن يراها الناس وأن يمتدحوا صاحبها...
- أيضًا يدخل في مجال "فَلْيُضِيء نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ": الأمانة في العمل في المحيط الديني أو العلماني.
إننا نفرح جدًا حينما يكون أولاد الله أمناء في عملهم، وموضع رضا وثقة من رؤسائهم. فبهذا يتمجد الله بهم. وكما يقول القديس يوحنا الرسول: "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ" (1يو3: 10).
ومن مظاهر الأمانة في العمل: النجاح.
والنجاح لا يستطيع أحد أن يخفيه. وبه يتمجد الله في أولاده. سواء كان النجاح في الحياة الدراسية، أو الحياة العملية.
قيل عن يوسف الصديق إنه كان رجلًا ناجحًا، وكان الرب معه (تك39: 2). كان ناجحًا في بيت فوطيفار، وفي تموين مصر.
ومن صفات الشخص الناجح الأمين في عمله: التدقيق.
يكون مدققًا في حياته الروحية. لا يتهاون ولا يتساهل مع خطية. ويكون مدققًا في تعامله مع الآخرين. في تصرفاته وفي كلامه. وطبيعي أنه لا يستطيع أن يخفي هذا التدقيق، بل يراه الناس ويعجبون به. ولكنه لا يهدف إلى ذلك. بل التدقيق أصبح جزءًا من طبعه.
- أيضًا من الأشياء التي لا يمكن أن تُخفى: الرقة في الطبع.
كأن يكون الإنسان لطيفًا في كل تعامله. يتميز بالأدب والذوق. لا يخدش شعور إنسان بكلمة أو بتصرف. يكون لطيفًا مع الجميع، ودمث الخلق. وكل هذا يراه الناس، فيستريحون إليه. بل قد يتعلمون منه هذه الرقة. ويتمجد الله بكل هذا.
ومثل هذا الشخص يتميز بالهدوء الذي يراه الناس فيه.
إنه لا يثور ولا يضج، ولا يثير أحدًا، وكل مشكلة تحيط به يحلها بهدوء. وكما قيل عن السيد المسيح إنه "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 20).
كل هذا يراه الناس، دون أن يتعمد صاحب هذا الطبع أن يظهره. ولكنه يصبح طبعًا تلقائيًا.
أمثال هؤلاء يكونون نورًا للناس، ونورًا للطريق الروحي.
يُظهرون للناس أن المسيحية ليست مجرد مبادئ نظرية، إنما هي حياة. فيعجبون بهذا الإنسان الروحي، في صمته، في هدوئه، في لطفه، في تواضعه، في معاملاته. وبهذا يتمجد الآب السماوي.
- لكل هذا كان هناك درس ندرسه للشباب قديمًا، وهو:
هل الدين تعليم أم تسليم؟
إنه من جهة العقيدة تعليم وتسليم. ومن جهة الحياة الروحية، هو حياة يتسلمها جيل من جيل، ويتسلمها مبتدئ من قدوة... الدين هو حياة يمتصها الإنسان من النماذج التي أمامه، كما يتسلم الطفل الحياة الروحية من والديه ثم من أساتذته.
لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ
لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ.
مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ
(مت5: 17)
الناموس والأنبياء:
إنه كلام جديد، ومثله أيضًا عبارته التي تكررت كثيرًا:
"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ... أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ...".
لذلك، فحتى لا يفهم الناس أنهم أمام دين أو مذهب جديد، قال لهم: "ما جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء.. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ" (مت5: 17).
عبارة الناموس والأنبياء تعني العهد القديم كله...
وحسب مفهوم اليهود: الناموس هو ناموس موسى، أي الأسفار الخمسة التي كتبها موسى النبي، وهي: التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية. وتسمى أيضًا الشريعة أو شريعة موسى. أما عبارة (الأنبياء) فتعني باقي كتب العهد القديم.
وكانت كتب الناموس والأنبياء موزعة على المجامع لكي تتم قراءتها، بترتيب خاص.
وبسبب هذا قال القديس يعقوب الرسول في مجمع أورشليم: "لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيَال قَدِيمَةٍ، لَهُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَنْ يَكْرِزُ بِهِ، إِذْ يُقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ كُلَّ سَبْتٍ" (أع15: 21).
السيد المسيح أراد أن يطمئن الناس على الناموس والأنبياء.
إنه جاء يقدم لهم الشريعة المسيحية. ولكن ليس على أساس أن شريعة العهد القديم قد انتهت ونُسخت.
لذلك قال لهم: "فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (مت5: 18، 19).
نعم، تزول السماء والأرض، ولا تزول نقطة من الناموس.
إلى هذا الحد، كانت نظرة السيد المسيح إلى شريعة العهد القديم. إنه لا يمكن أن ينقضها. لماذا؟ يقول الرسول:
"النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ" (رو7: 12).
"كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ..." (2تي3: 16).
وكم قد تغنى داود النبي بالناموس والوصايا فقال: "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ... وَصَايَا الرَّبِّ مُسْتَقِيمَةٌ تُفَرِّحُ الْقَلْبَ" (مز19: 7، 8). وقال للرب: "ناموسَكَ هو دَرسي... هو تِلاوَتي" (مز119: 77، 174).
وقال أيضًا: "شَرِيعَتَكَ هِيَ لَذَّتِي... شَرِيعَةُ فَمِكَ خَيْرٌ لِي مِنْ أُلُوفِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ... لَوْ لَمْ تَكُنْ شَرِيعَتُكَ لَذَّتِي لَهَلَكْتُ حِينَئِذٍ فِي مَذَلَّتِي... كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ! الْيَوْمَ كُلَّهُ هِيَ لَهَجِي... مَا أَحْلَى قَوْلَكَ لِحَنَكِي! أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي... سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي... كَلِمَتُكَ مُمَحَّصَةٌ جِدًّا وَعَبْدُكَ أَحَبَّهَا..." (مز119: 77، 72، 92، 97، 103، 105، 140). وقال أيضًا في نفس المزمور: "لكُلِّ كَمَالٍ رأيْتُ مُنتَهي، أما وَصاياَك فواسِعةٌ جدًا" (ع96).
بهذا الشغف كان النبي العظيم يتغنى بوصايا الله وناموسه وكلامه، ويفرح به ويلتذ... فهل يمكن نقض كل هذا؟! هل الوحي الإلهي يمكن نقضه؟! مستحيل...
هذا هو الناموس، الذي قيل عن الرجل البار إنه "فِي نَامُوسِهِ يَلْهَجُ نَهَارًا وَلَيْلًا" (مز1: 2).
والذي عنه قال الرب ليشوع بن نون: "لاَ يَبْرَحْ سِفْرُ هذِهِ الشَّرِيعَةِ مِنْ فَمِكَ، بَلْ تَلْهَجُ فِيهِ نَهَارًا وَلَيْلاً، لِكَيْ تَتَحَفَّظَ لِلْعَمَلِ حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ. لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تُصْلِحُ طَرِيقَكَ وَحِينَئِذٍ تُفْلِحُ" (يش1: 8). وهذا هو الناموس الذي قال الرب عنه للشعب:
"وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ..." (تث6: 6، 7).
وقال الرب أيضًا: "وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ" (تث6: 8، 9). فهل هذا كله يمكن أن ينقض؟! ولا شك أنه كان يسمع عظة السيد المسيح، بعض من الفريسيين وسط الجموع يضعون الوصايا عصائب بين أعينهم... (مت23: 5).
بل إن السيد المسيح كان يوجه الناس إلى كتب العهد القديم وما ورد فيها ولذلك قال لهم:
"تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ" (مت22: 29).
وقال لهم أيضًا موبخًا: "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ...؟" (مت21: 42). وقيل إنه: "فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ: هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي..." (لو24: 45، 46).
وبنفس الأسلوب كان يتكلم رسله. فالقديس بولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس مادحًا إياه: "وَأَنَّكَ مُنْذُ الطُّفُولِيَّةِ تَعْرِفُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّسَةَ، الْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلاَصِ، بِالإِيمَانِ..." (2تي3: 15).
وكم قد اقتبس السيد المسيح من الناموس، واستخدم آياته...
وحتى في تجربته على الجبل كان يستخدم آيات من الناموس، ويقول: "مَكْتُوبٌ..."، "مَكْتُوبٌ أَيْضًا..."، "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ..." (مت4: 4، 7، 10).
إن العهد القديم له احترامه في الكنيسة، لأنه كلام الله، موحى به من الله، والرسول يقول: "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ" (2تي3: 16). وكلمة (كل) تشمل العهدين.
ونحن نضع العهدين: القديم والجديد، في كتاب واحد.
إنهما معًا يكوّنان الكتاب المقدس، بلا تفريق. وحينما نُعلّم أو نعظ، إنما نعظ منهما كليهما، وليس من العهد الجديد وحده.
ولكن لعل البعض يسأل سؤالاَ هامًا وهو:
ألم ينقض السيد المسيح تعاليم كثيرة كانت موجودة في القديم؟ ألم يقدم شريعة جديدة؟
ألم يقم المسيح بثورة تعليمية؟ ألم يغير مفاهيم الناس؟ ألم يقدم لهم تعاليم لم يسمعوها من قبل؟ ألا تشهد العظة على الجبل بكل هذا؟ كيف إذًا نفهم عبارة إنه لم ينقض الناموس؟ نجيب على هذه الأسئلة بالنقاط الآتية:
1- الفهم السَليم للناموس:
إن المسيح لم ينقض الناموس، إنما قدَّم للناس الفهم السليم للناموس.
مثال ذلك (محبة القريب): "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ..." (مت5: 43). إنه لم ينقض الناموس ويقول: "كلا، لا تحبوا أقرباءكم" بل أضاف على محبة القريب محبة الأعداء أيضًا. وهكذا أكمل الناموس.
وأقصد بعبارة "أكمل الناموس" أنه أكمل فهمهم للناموس.
فكلمة (القريب) كانوا يفهمونها بمعنى (اليهودي). فأفهمهم أن كل بشر هو قريبهم. فالبشر كلهم أخوة من نسل واحد. إذًا السامري قريب لهم، وكذلك الأممي. وهكذا في فهم معنى (القريب) قدم مثل (السامري الصالح) (لو10: 29- 37).
إذًا هؤلاء الذين تعتبرهم أعداء، هم أيضًا أقرباء لك، يدخلون في نطاق وصية "تحب قريبك". وبهذا لا يكون المسيح قد نقض الناموس، وإنما أكمل فهمهم له...
لم يكن السيد المسيح ينقض الناموس، إنما كان ينقض المفاهيم الخاطئة التي تلقاها الناس من قادة مضلين، كالكتبة والفريسيين، هؤلاء الذين كانوا يتعدون وصية الله بسبب تقاليدهم (مت15: 3).
هؤلاء الذين كانوا "يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ". بل كانوا بتعاليمهم الصعبة يغلقون ملكوت السموات أمام الناس، "فَلاَ يَدْخُلُونَ هُمْ وَلاَ يَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ" (مت23: 4، 13).
هؤلاء الذين وبخهم السيد المسيح قائلًا: "إِنَّ اللهَ أَوْصَى قَائِلاً: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ... أَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ!" (مت15: 4- 6).
ووبخهم قائلًا: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ! الْقَائِلُونَ: مَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَب الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ"!! (مت23: 16). وقال لهم أيضًا: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ" (مت23: 23).
كذلك صحح السيد المسيح مفهومهم لعبارة "عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ" (مت5: 38).
هذه العبارة لم تكن قاعدة للمعاملات الفردية، إنما كانت للأحكام القضائية، يحكم بها القضاة بالعدل في الخصومات بين الناس. فالتعويض الذي يأخذه المعتدى عليه يطابق تمامًا الخسارة التي نالته. هنا لم ينقض المسيح الآية، إنما تركها للقضاة، إن حكموا بها يكونون عادلين.
ولكنه أكمل التشريع القضائي، بتشريع التعامل الشخصي.
وكما يقول المثل: "لو تصالح الخصمان، لاستراح القاضي". فقال السيد في مجال هذا التعامل "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ..."، وقد حدث هذا في العهد القديم أيضًا. إنه يذكرنا بما حدث من يوسف الصديق على الرغم من شر إخوته (تك37، 47) (1صم24 :10). وكذلك يذكرنا بموقف داود النبي من اعتداءات شاول الملك عليه، وموقفه أيضًا من سبّ شمعي بن جيرا له (2صم16: 5- 12).
جاء السيد المسيح ليصحح المفاهيم، لا ليغير الشريعة.
وصدق الكتاب حينما قال: "هَلَكَ شَعْبِي مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ" (هو4: 6). ما أكثر المدارس الخاطئة التي كانت تضللهم... وهكذا قال لهم الرب في العهد القديم "يَا شَعْبِي، مُرْشِدُوكَ مُضِلُّونَ" (إش3: 12). وكرر نفس العبارة أيضًا فقال: "وَصَارَ مُرْشِدُو هذَا الشَّعْبِ مُضِلِّينَ" (إش9: 16).
وقبيل ميلاد المسيح كانت هناك طوائف كثيرة مضللة للشعب، حتى أنه قال عن هؤلاء: "جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ" (يو10: 8). وكان منهم أيام المسيح الكتبة والفريسيون، وأيضًا الصدوقيون الذين ما كانوا يؤمنون بالروح ولا بالملائكة ولا بالقيامة (مت22: 23) (أع23: 8). ولهذا نقول:
عبارة "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ" لم تكن باستمرار موجهة للناموس، إنما أحيانًا لما سمعوه من تعاليم الناس.
مثال ذلك "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ". فهنا عبارة "تبغض عدوك" هي من تعاليم الناس أو من شروحاتهم ومفاهيمهم. لأنه لا توجد آية في العهد القديم تأمر الإنسان بأن يبغض عدوه...
فهنا المسيح يتكلم عن الفهم السائد ويصححه.
ومن مظاهر هذا الفهم الخاطئ الحرفية في فهم الناموس. فجاء السيد المسيح لكي يقدم لهم روح الناموس التي تفهم بها نصوصه...
2- الروح وليس الحَرف:
وكما يقول الكتاب: "لاَ الْحَرْفِ بَلِ الرُّوحِ. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي" (2كو3: 6). وفي الوقت الذي ألقى فيه السيد المسيح عظته، كان الكتبة والفريسيون يتمسكون بحرفية الوصايا تمسكًا يخرج بهم عن روحها ومفهومها.
ومن أمثلة حرفيتهم في فهم الناموس تعليمهم بخصوص تقديس السبت.
هذه الحرفية التي جعلتهم ينتقدون المسيح انتقادًا مرًا، لأنه كان يشفي بعض المرضى في يوم السبت، حتى أنهم قالوا للمولود أعمى الذي منحه السيد المسيح بصرًا في يوم السبت، إن الذي شفاه هو إنسان خاطئ. وقالوا أيضًا "هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللهِ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ" (يو9: 16)، متمسكين بقول الرب عن السبت "لاَ تَعْمَلْ فِيهِ عَمَلاً" (تث5: 14). فكان لابد للسيد المسيح أن يشرح لهم مفهوم العمل في السبت، مهما اتهموه بكسر السبت ونقضه...
إن عبارة "عَمَلاً مَا لاَ تَعْمَلُوا" (لا23: 3) لا تعني عدم العمل بمعنى مطلق، لأنه يجوز عمل الخير في السبوت.
فالذهاب إلى الهيكل عمل، وقراءة الكتب المقدسة عمل، وتعليم الناس عمل... إنما المقصود بوصية السبت عدم العمل فيه، هو أن الإنسان لا ينشغل في السبت بأمور العالم الدنيوية. ولكن لا مانع من أن يعمل رحمة لإنسان محتاج إليها. وعمل الرحمة ليس ضد الوصية. شفاء مريض وإراحته من آلامه في يوم السبت، ليس نقضًا للناموس. وهكذا أجاب السيد المسيح على سؤال يحير الفريسيين وهو:
"هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السُّبُوتِ؟" (مت12: 10).
قال لهم: " فَقَالَ لَهُمْ:«أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ سَقَطَ هذَا فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟ فَالإِنْسَانُ كَمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْخَرُوفِ! إِذًا يَحِلُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي السُّبُوتِ" (مت12: 11، 12). وهنا لم يكن السيد ينقض الناموس في وصية السبت، إنما كان يشرحه ويوضح المقصود منه، ويكمل فهم الناس له.
وفي العظة على الجبل، كما حارب الحرفية، حارب أيضًا السطحية، ودعاهم للدخول إلى الفضيلة في عمقها.
- الدخول إلى العُمق:
الفضيلة ليست مجرد ممارسات، إنما هي محبة للخير داخل القلب. والممارسات مجرد تعبير عن حالة القلب الداخلية.
والخطية ليست فقط الممارسة الظاهرة، وإنما هي محبة الشر داخل القلب. وعن هذه المحبة تصدر الممارسة الخارجية.
بهذا يبدأ الزنى داخل القلب، قبل ممارسته بالجسد.
وهذا ما أراد السيد المسيح أن يعلمه للناس.
وكذلك القتل، يبدأ أولًا في القلب: كراهية أو قسوة. وقد تظهر هذه الكراهية كأخطاء للسان (رقا - أحمق). وتتطور إلى القتل. إذًا معالجة القلب واللسان تكون أولًا.
والعطاء هو أصلًا محبة للفقير. والصلاة هي محبة لله.
وما دامت محبة قلبية، إذًا لا علاقة لها بالمظاهر الخارجية، وإلا كان هدفها مديح الناس. وحينئذ لا تكون الصدقة صدقة، ولا الصلاة صلاة... إنما إنسان يبحث عن أجر من الناس، وقد استوفى أجره... في كل هذا يريد المسيح أن يوجه الناس إلى العمق.
إنه لا يريد الناس أن يفهموا الناموس بطريقة ناموسية، أعني مجرد أوامر ونواهٍ.
إنما الفضيلة قبل كل شيء هي محبة لله ومحبة الناس. و"بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ" (مت22: 4). والسيد المسيح أراد أن يوجههم إلى هذا العمق، فلا يكتفون بطاعة الناموس، بدون روح، وبدون محبة لله وللناس.
وهذه المحبة أرادها الله في العهد القديم أيضًا.
وانتقد بل رفض العبادة الشكلية والممارسات الخارجية الخالية من الحب، معاتبًا هذا الشعب الذي يعبده بشفتيه وقلبه مبتعد عنه بعيدًا (إش29: 13). وقد ذكرَّهم السيد المسيح بهذا الأمر وقال لهم: "حَسَنًا تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ! كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا. وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ" (مر7: 6، 7) (مت 15: 8، 9).
ونفس هذا المعنى هو تعليم بولس الرسول عن الناموس.
فهو حينما يقول: "لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ بَلْ تَحْتَ النِّعْمَةِ" (رو6: 14). يقصد أنكم كأبناء لله بالإيمان والمعمودية، لستم في بر المسيح تعيشون بمجرد الأوامر والنواهي التي للناموس بل بمحبة الأبناء لأبيهم، إذ صرتم أبناء. فلكم البر الذي يأمر به الناموس، ولكنه ليس بطاعة العبيد، إنما بالنعمة التي يعيش بها الأبناء.
ومع ذلك فبولس الذي تكلم عن النعمة، لم ينكر الناموس.
إنه يقول عن نفسه: "مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ... مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ" (في3: 5، 6). ويقول عن نفسه أيضًا: "لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ ِللهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ" (1كو9: 21). ولكنه لا يقصد بالناموس مجرد الأوامر والنواهي التي يطيعها العبيد، إنما إطاعة الوصايا في جو النعمة والمحبة كأبناء.
وهذا ينقلنا إلى نقطة أساسية وهي تكميل الناموس بالمحبة...
ماذا قصد المسيح بعبارة "مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ"؟
بَلْ لأُكَمِّلَ
بَلْ لأُكَمِّلَ
(مت5: 17)
هل كان الناموس ناقصًا ليكمله؟ كلا، لأن "نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ. شَهَادَاتُ الرَّبِّ صَادِقَةٌ تُصَيِّرُ الْجَاهِلَ حَكِيمًا" (مز19: 7). وأيضًا في كمال الناموس يقول داود النبي للرب "لكُلِّ كَمَالٍ رأيْتُ مُنتَهي، أما وَصاياَك فواسِعةٌ جدًا" (مز119: 7).
ما دام الناموس كاملًا، فما معنى "بل لأكمل"؟
إن تكميل الناموس كان بالنعمة والمحبة. فكيف ذلك؟
1- بالنعمة:
وهذا الأمر واضح في بداية إنجيل يوحنا، إذ يقول:
"لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا" (يو1: 17).
فما هي هذه النعمة التي أعطاها المسيح ليكمل بها الناموس.
1- إنها نعمة الولادة الجديدة، الميلاد الثاني الذي من فوق، من الماء والروح (يو3: 3، 5). وعنه قال القديس بولس الرسول: "بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ خَلَّصَنَا بِغُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنىٍ عَلَيْنَا" (تي3: 5).
بتجديد طبيعتنا في العهد الجديد، وبهذا الميلاد الثاني، وبالنعمة التي نلناها، وبمواهب العهد الجديد يمكننا تنفيذ الوصايا التي في الناموس. ولذلك قال القديس يوحنا الرسول: "... وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً، لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ" (1يو5: 3، 4).
إذًا تكميل الناموس، يمكن أن يحمل معنى تنفيذه.
أي أن السيد المسيح قد جاء لكي يمنح القوة التي يمكنها أن تنفذ الناموس، وأن يمنح الطبيعة التي يمكنها أن تغلب العالم. وذلك بموت الإنسان العتيق فينا، وقيامة إنسان جديد على شبهه ومثاله. وذلك كما قال الرسول: "... عَالِمِينَ هذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ، كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضًا لِلْخَطِيَّةِ" (رو6: 9).
وتكميل الناموس بمعنى تنفيذه، ورد في قول المسيح للمعمدان: "يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ" (مت3: 15).
ننتقل إلى النقطة الثانية وهي: تكميل الناموس بالمحبة:
2- بالمحبّة:
جاء المسيح لكي ينقلنا إلى محبة الله. وبهذه المحبة يمكن تنفيذ كل وصايا الناموس. وكما قال السيد المسيح لتلاميذه: "إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي... اَلَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي" (يو14: 23، 24). إن تكميل الناموس هنا، ناتج عن الحب. وقد شرح القديس بولس هذا الأمر بكل وضوح فقال عبارته الجامعة:
"الْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ" (رو13: 10).
وشرح في ذلك كيف أن جميع الوصايا تتركز في وصية المحبة لله والناس، بحيث الذي يصل إلى هذه المحبة، يصل إلى الشخصية الروحية المتكاملة، أي التي تتكامل فيها كل الفضائل. وهكذا قال الرسول:
"لاَ تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لأَحَدٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِأَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، لأَنَّ مَنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ فَقَدْ أَكْمَلَ النَّامُوسَ. لأَنَّ «لاَ تَزْنِ، لاَ تَقْتُلْ، لاَ تَسْرِقْ، لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ، لاَ تَشْتَهِ»، وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً أُخْرَى، هِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي هذِهِ الْكَلِمَةِ: «أَنْ تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ».. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَصْنَعُ شَرًّا لِلْقَرِيبِ، فَالْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ" (رو13: 8- 10).
والقديس يعقوب الرسول يعلّم بنفس المعنى فيقول: "فَإِنْ كُنْتُمْ تُكَمِّلُونَ النَّامُوسَ الْمُلُوكِيَّ حَسَبَ الْكِتَابِ: «تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». فَحَسَنًا تَفْعَلُونَ" (يع2: 8).
بمحبتك للناس تنفذ وصايا لوح الشريعة الثاني، وبمحبتك لله تنفذ وصايا لوح الشريعة الأول. وكيف ذلك؟
لأن العلاقة مع الله قد تبدأ بالمخافة، ثم تكمل المحبة.
وذلك لأن الكتاب يقول: "بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ" (أم9: 10). وهكذا قيل عن قاضي الظلم الذي لم يبدأ طريق التوبة بعد: إنه كان "لاَ يَخَافُ اللهَ وَلاَ يَهَابُ إِنْسَانًا" (لو18: 2).
وهكذا يكون بدء الطريق هو المخافة: يخاف الإنسان أن يعصي الله ويكسر وصاياه. يخاف الموت ويستعد له. يخاف يوم الدينونة الرهيب. يخاف عقوبات الله...
وبالخوف ينفذ الوصايا ويطيع الناموس، وحينئذ يجد في وصايا الله متعة ولذة، فيكملها عن حب.
تساعده المحبة على تكميل الناموس، لأنه أصبح يحبه. كما كان داود النبي يقول للرب: "كلماتكَ حُلوَة في حَلْقي، أفضَلُ من العَسَلِ والشّهدِ في فَمي"، "ناموس فَمِكَ خَيرٌ لي من ألوفِ ذَهبٍ وفِضَّةٍ" (مز119: 103، 72).
إن وصايا الله تصبح ثقيلة، على الإنسان الذي يحب العالم الحاضر. لأن "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" (يع4: 4). "إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ" (1يو2: 15). أما الذي يحب الله، فإنه يجد لذة في حفظ وصاياه. وحينئذ المحبة تطرح الخوف إلى خارج (1يو4: 18).
فالناموس الذي بدأناه بمخافة الله، نكمله بالمحبة.
وقد جاء السيد المسيح يقدم هذه المحبة التي نستطيع أن نكمل بها الناموس، كما قدّم أيضًا النعمة التي تساعدنا على تكميل الناموس، والتي توصلنا أيضًا إلى المحبة، لأن محبة الله "انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا" (رو5: 5).
والمقصود طبعًا: المحبة بشقيها: محبتنا لله، وللناس.
والكتاب يشرح أن محبتنا لله وللناس مرتبطتان معًا:
وفي هذا يقول القديس يوحنا الرسول: "إِنْ قَالَ أَحَدٌ: «إِنِّي أُحِبُّ اللهَ» وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ وَلَنَا هذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضًا" (1يو4: 20، 21).
وقال أيضًا: "بِهذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نُحِبُّ أَوْلاَدَ اللهِ: إِذَا أَحْبَبْنَا اللهَ وَحَفِظْنَا وَصَايَاهُ. فَإِنَّ هذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ..." (1يو5: 2، 3).
ننتقل إلى النقطة الثالثة التي بها أكمل السيد الناموس:
3- بشرحه وتوضيحه:
أعطانا أن نفهم الناموس، لكي نستطيع أن ننفذه كما ينبغي. كان الناموس موجودًا وكاملًا. ولكن الناس لم يفهموه كما ينبغي، وهلكوا من عدم المعرفة (هو4: 6)، وأيضًا بسبب تضليل قادتهم العميان لهم!
أمور كثيرة كانت أمامهم، ولكنها محتاجة إلى تعريف سليم Definition.
ما معنى الناموس؟ وما معنى المحبة؟ وما معنى القريب؟ وما معنى العدو: هل هو إنسان أم هو الشيطان؟ وما معنى النجاسة والتطهر؟ وما معنى الحريِّة؟ وما معنى تقديس السبت؟ بل ما مفهوم الفضيلة والخير؟ وما هو مفهوم النور والظلمة؟... كلها أمور كثيرة كانت تحتاج إلى تعاريف واضحة، لكي يفهم الناس الخير ويتبعوه. وهكذا يكملون الناموس.
وبهذا الفهم، أصلح لهم الموازين، وأبطل التعاليم الخاطئة.
واستجيبت صلاة داود النبي الذي قال: "اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ" (مز119: 18) وفتح أذهانهم ليفهموا ما في الكتب (لو24: 45). وحينئذ قال لهم: "وَلكِنْ طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ" (مت13: 16).
نقطة أخرى في تكميل الناموس. وهي أن السيد المسيح أكمل الناموس بتنفيذه وطاعته.
4- بتنفيذه وطاعته:
ما قيمة الناموس إن لم يُنفذه الناس؟ وهوذا الكتاب يقول: "الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز14: 3). وأصبح الكل تحت حكم الناموس، بل تحت لعنات الناموس التي وردت في (تث27، 28) التي كانت تقال على جبل عيبال...
وكان الناموس في حاجة إلى من يقدم مثالًا عمليًا لتنفيذه، فلا يُتَهم الناموس بأنه فوق مستوى الناس!
وجاء السيد المسيح، فقدم هذا المثال الحي. أمام الناس كقدوة، وأمام الآب كرائحة سرور ترضي قلبه، وأيضًا قدس أقداس، كما رمزت إلى ذلك تقدمة الدقيق (لا2: 2، 9).
وهكذا نفذ جميع الوصايا، وعاش "قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب7: 26) "مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عب4: 15). "تَارِكًا لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ. الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ" (1بط2: 21، 22).
وهكذا استطاع أن يتمم كل مطالب الناموس ويكمله.
حتى معمودية التوبة التي ما كان محتاجًا إليها مطلقًا، لأنه ليس محتاجًا إلى توبة، تقدم إليها لكي يكمل الناموس. ولما أراد يوحنا المعمدان أن يعتفى من ذلك قائلًا: "أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ" أجابه "اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ" (مت3: 14، 15).
5- بإكمَال نبوءاته:
ففيه كَمُلت جميع النبوءات الخاصة بالمسيح، والخاصة بالفداء والخلاص. وهكذا كانت بين الحين والآخر تتكرر عبارة "لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ..." أو "لكي يتم ما هو مكتوب.." (مت1: 22) (مت2: 5، 6، 15، 17، 23).
ونرى أن السيد المسيح لما ظهر لتلميذي عمواس بعد القيامة "ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ" (لو24: 27). وفي ظهوره لتلاميذه، وقبل أن يصعد إلى السماء: "وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ... وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي" (لو24: 44- 46).
6- بإكمَال رموزه:
كل الرموز الموجودة في العهد القديم قد أكملها السيد المسيح...
ومثال ذلك الذبائح مثلًا والمحرقات بكل أنواعها التي وردت في سفر اللاويين، كما أكمل رمز الفصح الذي ورد في سفر الخروج (خر12، 1كو5: 7). ولكن لعل معترضًا يقول إن الذبائح كانت موجودة في العهد القديم، وقد نقضت أو ألغيت في العهد الجديد!
كلا، إن فكرة الذبيحة بكل أركانها موجودة في العهد الجديد، وبصورة أروع وأكمل:
عقيدة أن أجرة الخطية موت موجودة (رو6: 23). كذلك فكرة الكفارة، وموت نفس بريئة تحمل خطايا نفس مذنبة (يو1: 29) (1يو4: 10). وأيضًا وفاء العدل الإلهي بسفك دم الذبيحة (عب9: 22). ولكن كل هذا قد كمل في ذبيحة المسيح التي أغنت عن الكل، لأنها ذبيحة غير محدودة.
إذًا عقيدة الذبيحة والكفارة ظلت باقية، ولم تنقض بل كمَلت وتحولت من الرمز إلى المرموز إليه.
ونفس الوضع ينطبق على باقي الرموز الأخرى.
نقطة أخيرة نقولها في تكميل الناموس وهي:
7- تكميل طريق الكمَال:
لم يكن الناس في العهد القديم يحتملون السمو العظيم الذي جاء به المسيح. فقدم لهم الناموس مستوى كاملًا يناسبهم. كان لا بد أن يتدرج الله معهم من عصر أغرق الله فيه العالم بالطوفان، إلى عصر الأنبياء الذين قتلهم هؤلاء وجلدوهم، إلى عصر النعمة الذي يعمل فيه الروح القدس في الكل، وتتجدد فيه الطبيعة البشرية.
وتكميل المستوى، لا يعني النقض.
فمثلًا طالب الثانوي له مستوى كامل يناسبه. فإذا ارتفع إلى المستوى الجامعي، لا يكون هذا نقضًا لمعلومات الدراسة الثانوية. وإذا ارتفع إلى الدراسات العليا، لا يكون نقضًا للمستوى الجامعي. إنما هي مرحلة من التدرج، تكمل فيها كل مرحلة ما تسبقها دون أن تنقضها.
ونقص المستوى كان في الناس وليس في الناموس.
فأبرار العهد القديم وقديسوه، استطاعوا بطاعة الناموس الوصول إلى مستويات من الكمال لم يصل إليها كثيرون جدًا من الأبرار في العهد الجديد. والأمر يتوقف على استعداد الفهم والقلب والإرادة.
وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ
وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ
فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ
(مت5: 19)
مَن عَمَل:
العظة على الجبل - من أولها إلى آخرها - حديث عن الأعمال.
فبينما يقول الرب في أولها: "لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16)، يقول في آخرها: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت7: 21).
ويقول أيضًا: "كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُل عَاقِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ" (مت7: 24).
وأيضًا في قوله: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ" (مت7: 20)، كلمة "ثمار" تعني بلا شك: الأعمال. ولكي تعمل، لا بد أن تعرف الوصية لتعمل بها.
إذًا بثلاثة تتعلق الحياة الروحية: تَعْلم، وتعمل، وتُعلّم.
"تعلم" أي أن تقرأ الكتاب، وتعرف وصايا الله، في روحها. ثم "تعمل" فتختبر هذه الوصايا في حياتك عمليًا. كيف يمكن التنفيذ؟ وما هي العوائق التي تصادفك؟ وكيف تنتصر عليها؟
وبعد ذلك تعلّم، عن خبرة، وفي قدوة لغيرك.
والسيد المسيح أيضًا، كان يعمل ويعلّم...
كان ينفذ كل الوصايا "لكي يكمل كل بر" (مت3: 15). وهكذا استطاع أن يتحدى جيله قائلًا: "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟!" (يو8: 46).
وهكذا قيل أيضًا عنه إنه: "قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب7: 26).
وإذا عمل وعلّم، "ترك لنا مثالًا" (يو13: 15). حتى "كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا" (1يو2: 6).
عيب في الكتبة والفريسيين أنهم كانوا يعلّمون دون أن يعملوا!
وهكذا قال عنهم السيد الرب: "عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لاَ تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ" (مت23 :2، 3).
ولأنهم لم يختبروا الحياة الروحية عمليًا، كانوا قادة عميانًا. وكانوا "يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ" (مت23: 4). كانوا أكثر الناس تدقيقًا وتضيقًا!
أمنا حواء - رحمها الله - كانت تعلم ولا تعمل.
عندما قالت لها الحية: "أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟" أجابت حواء بكل تدقيق: "مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ، وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا" (تك3: 1- 3). وعلى الرغم من الدقة في عبارة (ولا تمساه)، قطفت وأكلت وأعطت آدم!
مَن يعَلّم:
إن العلم الحقيقي، ليس مجرد المعرفة النظرية بل الاختبارية أيضًا.
والمعلم الحقيقي هو الذي يسير في الطريق الروحي قبل أن يعلّم به الآخرين. فلا تكفي مجرد معرفة الوصية. بل حتى هذه المعرفة ينبغي أن تكون بعمق، معرفة الروح وليس الحرف، "لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ" (2كو3: 6). ثم معرفة الاختبار.
ما أكثر من يعلّم مثلًا عن (الوداعة) وأهميتها في الحياة الروحية، دون أن يعرف ماذا تكون الوداعة؟ وكيف تكون؟
وما أكثر الذين يتكلمون عن المثاليات، دون أن يمارسوا شيئًا منها. وقد يدينون غيرهم في مجال المثاليات. وهم أعداء ما جهلوا...
لذلك ليس كل شخص يصلح أن يكون مرشدًا روحيًا لغيره. بل الذي عمل أولًا، وعرف حقيقة الطريق الروحي، ومطبّاته وحروبه، وحيل العدو ومكره. كما قال القديس بولس الرسول: "لأَنَّنَا لاَ نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ" (2كو2: 11).
والذي يعلّم ويدعى عظيمًا في ملكوت السموات، لا بد أن يكون شفوقًا طويل الأناة، عارفًا بالنفس البشرية.
وهكذا الله المعلم: لما سقطنا، أشفق علينا، وعلّمنا طرق الخلاص. وقيل عن شفقة ربنا يسوع المسيح المعلم الصالح: إنه "لَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا" (مت9: 36)...
وقال القديس بولس الرسول عن مثل هذه الشفقة: "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا" (غلا6: 1). وقال أيضًا: "اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب13: 3).
ومن أسباب الشفقة، معرفة قوة العدو، وضعف الطبيعة البشرية.
في هذا قال القديس بطرس الرسول: "اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ" (1بط5: 8، 9).
وأيضًا قيل عن الخطية في سفر الأمثال إنها "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم7: 26).
لذلك فالمعلم الشفوق يشجَّع، لكي يقيم الساقطين ويمنحهم قوة للقيام. واضعًا أمامه قول الكتاب: "لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ" (مي7: 8). وكذلك ما ورد في سفر الأمثال إن "الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ" (أم24: 16).
والمعلم الحقيقي يقدم التعليم بتدريج، على قدر الاحتمال.
كما قال القديس بولس لأهل كورنثوس: "سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ..." (1كو3: 2).
وهكذا نرى يسوع المسيح وبخ الكتبة والفريسيين لأنهم كانوا يضعون على أكتاف الناس أحمالًا عسرة الحمل (مت23: 4). أما هو- فمن الناحية المضادة - كان يقول: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
كذلك مفروض في المعلم، أن يقدم التعليم السليم.
كما قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيطس أسقف كريت: "وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ" (تي2: 1). وكان يشترط أن يكون الأسقف "صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ" (1تي3: 2). "مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ" (تي1: 9).
وهكذا قال لتلميذه تيموثاوس أسقف أفسس: "وَمَا سَمِعْتَهُ مِنِّي بِشُهُودٍ كَثِيرِينَ، أَوْدِعْهُ أُنَاسًا أُمَنَاءَ، يَكُونُونَ أَكْفَاءً أَنْ يُعَلِّمُوا آخَرِينَ أَيْضًا" (2تي2: 2).
حسن أن يعمل الإنسان ويعلم، بشرط أن يعلّم تعليمًا سليمًا، وإلا فإنه يقع في دينونة إن أخطأ في التعليم.
وفي هذا قال القديس يعقوب الرسول: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ! لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع3: 1، 2).
وقال القديس يوحنا الرسول: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلاَ يَجِيءُ بِهذَا التَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ. لأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَشْتَرِكُ فِي أَعْمَالِهِ الشِّرِّيرَةِ" (2يو10، 11). ولذلك قال: "لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ" (1يو4: 1).
لذلك - مع عظمة التعليم - ليس لكل إنسان سلطان أن يعلّم.
كما قال الرسول: "كَيْفَ يَكْرِزُونَ إِنْ لَمْ يُرْسَلُوا؟" (رو10: 15).
إن ربّ المجد أرسل تلاميذه، لكي يتلمذوا جميع الأمم ويعلموهم (مت28: 19، 20). "هُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ" (أف4: 11). وقال عن مواهب الروح القدس: "فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ..." (1كو12: 8). وتساءل في تعجب "أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟!" (1كو12: 29).
والكنيسة منحت سلطان التعليم لأناس أمناء أكفاء (2تي2: 2).
تأتمنهم على التعليم، وبالأكثر على نقاوة التعليم. بتوصيل تعليم الكنيسة لأبنائها، وليس فكرهم الخاص. والذين شذوا وقدّموا تعليمًا خاطئًا، أخذت الكنيسة موقفًا ضدهم - كالهراطقة - ومنعتهم من التعليم.
والمعلمون الأمناء منحتهم رتبًا كنسية تسمح لهم بالتعليم.
منها درجات الكهنوت، ورتب الشمامسة، لكي يميزهم الناس عن غيرهم ممن يقيمون أنفسهم معلمين بغير تفويض من الكنيسة. وقد ينحرفون ويضلون آخرين. والذين نالوا درجة ولم يكونوا أمناء للتعليم عزلتهم.
إن الرب قد طوّب من عمل وعلّم. غير أن العمل بالوصية هو للكل. ولكن التعليم ليس لكل أحد.
وهكذا يقول القديس بولس الرسول: "إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ" (1كو9: 16).. ونسأله ما هي هذه الضرورة الموضوعة عليك؟ فيجيب: "قَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ" (1كو9: 17).
ونراه يقول للأسقف تيموثاوس، الذي بأسقفيته قد اؤتمن على وكالة "لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا" (1تي4: 16).
وفي تفسير "داوم على ذلك"، يأمره في رسالته الثانية قائلًا: "اكْرِزْ بِالْكَلِمَةِ. اعْكُفْ عَلَى ذلِكَ فِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ وَغَيْرِ مُنَاسِبٍ. وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ بِكُلِّ أَنَاةٍ وَتَعْلِيمٍ" (2تي4: 2).
الآباء والأمهات أيضًا - بالنسبة إلى أبنائهم - قد استؤمنوا على وكالة ليعلموهم طريق الرب حسبما أمر منذ القديم (تث6: 6، 7).
حيث قال الرب عن وصاياه: "وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ".
اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ...
اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ...
(مت7: 13)
قال السيد الرب في الجزء الأخير من عظته على الجبل:
"اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!" (مت7: 13، 14).
الباب الواسع هو لعبة الشيطان في حروبه وحيله.
يقول لك لماذا تعيش هكذا وقد أغلقت على نفسك في دائرة ضيقة؟! ولماذا يضيقها الرب عليك؟! يمكنك السير في طريق رحب، كله مسالك فإن شئت يمكن أن أوصلك.
يمكن أن تصل بكذبة صغيرة، ولراحة ضميرك نسميها كذبة بيضاء! ولا تحرج نفسك بصراحة مؤذية. ويمكن أن تحصل على أيام من الراحة بواسطة شهادة مرضية، يكتبها لك طبيب صديق ولا تنكشف! تستطيع أيضًا أن تنجح في الامتحان وتتفوق "ببرشامة" متقنة!
حقًا إن الطريق الواسع سهل ويؤدي إلى الغرض. فلماذا تصرّ على الباب الضيق، ويتفوق عليك من هو أقل منك!! غير أنه أكثر منك حيلة، وأكثر (مرونة). وهذا سر نجاحه!
لماذا تعقّد الأمور أمامك؟! خذ الأمر بسهولة فينفرج!
إنه حرص الضمير، يرفض هذه السعة الممزوجة بالخطية.
وأمامنا مثل واضح في الكتاب المقدس هو قصة إبراهيم ولوط
لوط اختار الأرض المعشبة التي قيل عنها إنها "كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأَرْضِ مِصْرَ" (تك13: 10) "وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ" (ع12). أما أبونا إبراهيم، فاختار أن يكون مع الله، ولو في أرض أقل خضرة وسقيًا. وماذا كانت النتيجة؟ سُبي لوط مع أهل سادوم وأنقذه إبراهيم (تك14). ثم حُرقت سادوم وفقد كل شيء. غير أنه نجا مع بنتيه بشفاعة إبراهيم.
حقًا، إن الطريق رحب في أوله، ونهايته هي الضياع.
أما الباب الضيق، فهو كرب في أوله، ونهايته طيبة.
وكما يقول الكتاب: "أَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (أع14: 22). ويقول أيضًا "أَنَّ خِفَّةَ ضِيقَتِنَا الْوَقْتِيَّةَ تُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا" (2كو4: 17).
فما هي إذًا مظاهر الباب الضيق؟ نذكر من بينها:
إنكار الذات:
كما قال السيد المسيح: "إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي" (مت16: 24) "مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا" (مت10: 39).
ليس إنكار الذات شيئًا سهلًا، ولا حمل الصليب سهلًا.
الذي يدخل إلى الحياة الروحية هكذا، إنما يدخل من الباب الضيق.
فكل إنسان يحب نفسه، ويهمه مركزه وكرامته وحقوقه، وإن تنازل عن كل ذلك، يظن أنه يضيع حياته. بينما يقول له الرب: "مَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا".
إن أحب أحد الله وأحب الناس، يذكر قول الكتاب:
"الْمَحَبَّةُ... لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا" (1كو13: 4، 5).
أي تنسى ذاتها في محبة الله والناس، وهكذا السيد الرب فيما كان "يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو19: 10)، أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد (في2: 7). بل بذل ذاته عنا، مقدمًا دمه على الصليب لكي نخلص نحن...
وهكذا فعل القديس يوحنا المعمدان في الخدمة، واضعًا أمامه ذلك المبدأ الروحي الخالد "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يو3: 30). وهكذا دخل من الباب الضيق الذي يوصل إلى الحياة. واستشهد ودخل في المجد.
إن إنكار الذات يحمل التخلي عما نملك، فنصل إلى التجرد.
التجَرّد:
وهكذا قال السيد الرب للشاب الغني: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مت19: 21)... ولم يستطع الشاب الغني أن يدخل من هذا الباب الضيق، فمضى حزينًا.
كذلك الغني الغبي الذي فضَّل الباب الواسع فقال: "أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي، وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي!" (لو12: 18، 19). ولم يدرك أنه في ذلك الطريق الرحب قد ضيّع نفسه!
فإن لم يستطع الإنسان أن يصل إلى هذا الكمال في التجرد، فعلى الأقل يدفع العشور والبكور. ففيها تجرد جزئي.
فإن قلت إن الذي معي لا يكفيني، فلا أستطيع أن أدفع العشور!! أقول لك، بل أنت لا تستطيع أن تدخل من الباب الضيق. وتبكتك تلك الأرملة الفقيرة التي دفعت من إِعوازها (لو21: 4) ... المهم أن يكون مبدأ العطاء في قلبك.
تبكتك أيضًا أرملة صرفة صيدا التي قدّمت لإيليا النبي في زمن المجاعة قليل الدقيق والزيت الذي عندها، فكافأها الرب بقوله لها: "إِنَّ كُوَّارَ الدَّقِيقِ لاَ يَفْرُغُ، وَكُوزَ الزَّيْتِ لاَ يَنْقُصُ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يُعْطِي الرَّبُّ مَطَرًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ" (1مل17: 14).
ألست ترى من هذا، أن الباب الضيق يوصل إلى السعة.
ونفس الوضع مع الذي يدفع العشور، إذ يقول الرب: "هَاتُوا جَمِيعَ الْعُشُورِ... وَجَرِّبُونِي... إِنْ كُنْتُ لاَ أَفْتَحُ لَكُمْ كُوَى السَّمَاوَاتِ، وَأَفِيضُ عَلَيْكُمْ بَرَكَةً حَتَّى لاَ تُوسَعَ" (ملا3: 10).
فإن كنت حتى العشور لا تدفعها، ولا البكور أيضًا...
على الأقل لا تكن عندك محبة المال والقنية، ومحبة النصيب الأكبر، و"الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ" (كو3: 5).
من مظاهر الباب الضيق: قهر الجسد.
قهر الجَسَد:
وما أعمق قول القديس بولس الرسول في هذا المجال: "بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا" (1كو9: 27).
قال هذا بولس الرسول الذي اختُطف إلى السماء الثالثة (2كو12).
وقهر الجسد معناه أن تبعد عن "شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ" (1يو2: 16). وأيضًا أن تبعد عن شهوة الحواس: عن "الْعَيْنُ لاَ تَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ، وَالأُذُنُ لاَ تَمْتَلِئُ مِنَ السَّمْعِ" (جا1: 8)... احترس من زنا الحواس.
قهر الجسد كذلك يأتي عن طريق الصوم والبعد عن شهوة الطعام. حتى من الطعام النباتي في الصوم، لا تعط جسدك كل ما يشتهيه. وفي ذلك تذكر قول دانيال النبي "كُنْتُ نَائِحًا ثَلاَثَةَ أَسَابِيعِ أَيَّامٍ لَمْ آكُلْ طَعَامًا شَهِيًّا وَلَمْ يَدْخُلْ فِي فَمِي لَحْمٌ وَلاَ خَمْرٌ، وَلَمْ أَدَّهِنْ حَتَّى تَمَّتْ ثَلاَثَةُ أَسَابِيعِ أَيَّامٍ" (دا10: 2، 3).
حقًا إن كثيرين في الصوم، لا يقهرون جسدهم، إذ يأكلون ما يشتهون، ولا يستفيدون ضبط النفس أثناء صومهم!
ونفس الوضع نقوله عمن يدمنون التدخين حتى خلال أيام الصوم، هؤلاء لم يقهروا الجسد بعد. وعلى أية الحالات، نشكر الله أن المدخنين بيننا قليلون.
هنا ونقول أيضًا إن من صفات الباب الضيق: ضبط النفس.
ضبط النفس:
ويتضمن ذلك أن يضبط الشخص رغباته، ويضبط شهواته، ويضبط فكره فلا يسرح هنا وهناك، في ما لا ينفعه وفي ما لا يليق. ويسبح في أفكار خاطئة، أو يسبح في أحلام اليقظة.
وضبط النفس يشمل أيضًا ضبط اللسان.
أي أن تقيم ضابط مرور على فمك، يوقف أية كلمة خارجة أو أية كلمة باطلة أو تافهة، فلا يلفظها الفم.
وكما قال المرتل في المزمور: "ضَعْ يا رَبُّ حافِظًا لِفَمي، وبابًا حَصينًا لشَفَتي" (مز141 :3). وقد حدث أن أحد الآباء رأى شابًا يتكلم بغير ضابط لما يتلفظ به. فقال له مشيرًا إلى فمه: هذه البوابة ألا يوجد لها بواب؟!
إذًا كن حريصًا في كل كلمة تقولها، لا تأخذ راحتك في أن تتكلم كما تشاء بلا حساب. بل اذكر قول الرب: "إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ. لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" (مت12: 36، 37). وقد فسّر الآباء عبارة "كل كلمة بطالة" بأنها كل كلمة ليست للبنيان. أي ليست لمنفعة السامعين.
عمومًا في ضبط النفس، اضبطها عن المتع الدنيوية.
أو على الأقل عن بعض هذه المتع التي جرّبها سليمان الحكيم، فوجد أن "الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ" (جا1: 14). والمنع عن أمثال هذه المتع قد يدخلك في الباب الضيق. ولكن "مَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً" كما يقول الكتاب (أم16: 32). فعلى الإنسان أن يضحي ببعض المتع التي تمنعه عن الله.
يشمل الباب الضيق أيضًا: التعب من أجل الله.
التعب لأجل الله:
وقد قال الكتاب في ذلك: "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو3: 8). المهم أن يكون التعب لأجل الله. لأن الشيطان أيضًا يتعب في إهلاك الناس أو في إغرائهم. ولكن تعبه باطل، وهو يدان عليه.
أما عن التعب المقدس، فيقول عنه المرتل في المزمور:
"الَّذِينَ يَزْرَعُونَ بِالدُّمُوعِ يَحْصُدُونَ بِالابْتِهَاجِ" (مز126: 5).
وقد كان التعب لأجل الله موضع فخر القديسين. سواء كان تعبًا في الخدمة، كما قال القديس بولس الرسول: "أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10). أو قد يكون التعب في سهر الليل في الصلاة، كما كان يحدث مع النساك والمتوحدين. وكما قال مار إسحاق: "إن حوربت بالتعب حتى لا تصلي صلاة الليل، فاصمد وزدها مزامير".
وكذلك أيضًا التعب في أداء الواجب. مثل تعب نحميا ورجاله في بناء سور أورشليم. ومثل تعب أي تلميذ لكي ينال النجاح والتفوق. وكما قال الشاعر:
إذا كانت النفوس كبارًا |
| تعبت في مرادها الأجسادُ |
الذي يدخل من الباب الضيق ويتعب: سوف يفرح بلا شك بنتيجة تعبه. أما الذي لا يتعب فيدركه الندم كقول الشاعر:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا |
| ندمت على التفريط في زمن البذرِ |
التعب في الخدمة:
التعب في الخدمة هو دخول من الباب الضيق، كما قال القديس بولس الرسول عن نفسه وعن زملائه في الخدمة:
"بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ... بِصِيتٍ رَدِيءٍ وَصِيتٍ حَسَنٍ. كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ... كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا" (2كو6: 4- 9).
وكما قال أيضًا: "حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا. لأَنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ... إِذًا الْمَوْتُ يَعْمَلُ فِينَا" (2كو4: 10- 12).
من خواص الباب الضيق أيضًا: الاحتمال.
الاحتمَال:
والاحتمال في الحياة الروحية يشمل عناصر متعددة:
منها احتمال الضيقات، على أن يكون ذلك بلا تذمر.
لأن البعض إن وقع في ضيقة يملأ الدنيا شكوى أو ضجرًا أو بكاءً ودموعًا. بينما يقول القديس يعقوب الرسول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2).
احتمال الضيقة هو دخول من الباب الضيق، الذي يؤدي إلى فضائل عديدة، وإلى فرح بالرب الذي يرسل من عنده حلًا لكل ضيقاتنا، ويمنحنا مع الضيقة بركة وإكليلًا.
وما أجمل قول القديس بولس الرسول: "وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا" (1كو10 :13).
والذي يحتمل الضيقة، لا تكون عنده الرغبة في الانتقام.
فلا يرد على كلمة الإساءة بكلمة أو كلمتين، ولا يهدد ولا يتوعد. ولا يغلي في داخله، ولا يقول سأفعل وأفعل. لأن الانتقام هو الباب الواسع، وفيه يخسر الإنسان روحياته.
والاحتمال الذي هو الباب الضيق، يشمل أبوابًا متنوعة.
ففيه يحتمل الشخص الإساءة، وأيضًا يحتمل التأديب ممن هو أكبر منه. ويحتمل النصيحة الشديدة من أصحاب المشورة أو من الأصدقاء. ويحتمل أيضًا العقوبة، فلا يسخط ولا يتضجر، ولا يبرر نفسه، ولا يصف من يعاقبه بالقسوة أو الظلم. وكما قال الرسول: "إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟! وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ... فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ" (عب12: 7، 8).
وهناك لون أعمق في الاحتمال، يلوم فيه الإنسان نفسه.
لوم النفس:
هو أحد مظاهر الباب الضيق. فإن أساء إليك إنسان، وأخذت تلومه في داخلك أو أمام الناس، تكون بلومك إياه قد انتقمت لنفسك بالفكر أو بالقول. بالإضافة إلى أنك بلومه قد تقع في إدانته، وتزيد الهوة فيما بينك وبينه. كما تتعب أنت نفسيًا، ويدركك الغيظ أو الغضب.
غير أن أحد الآباء فسرَّ قول الرب: "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا" (مت5: 39).. بأن الخد الآخر هو داخل نفسك. بحيث تكون إساءته لك من الخارج، يقابلها لومك لنفسك من الداخل، بلا تناقض بين داخلك وخارجك. كأن، يقول الإنسان لنفسه: لولا أنني اسأت إليه، أو أنه فهم بعض تصرفاتي بما أثاره، أو لولا أنني قد فقدت محبته، ما كان يفعل معي هكذا.
يحكي أن القديس البابا ثاوفيلس زار جبل نتريا (وهو جبل المتوحدين) وسأل أب الجبل قائلًا: "ما الذي أتقنتموه أيها الأب من الفضائل في هذا الزمان كله؟" فأجابه:
صدقني يا أبي، لا يوجد أفضل من أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه في كل شيء.
ملامة النفس هي دخول من الباب الضيق. لأن كثيرين يبررون أنفسهم باستمرار، ويلومون غيرهم. ويصبح من الصعب عليهم أن يلوموا أنفسهم. إن الإنسان البار في عيني نفسه، من الصعب عليه جدًا أن يلوم نفسه. وبالمثل الإنسان الحكيم في عيني نفسه.
مما يدخل في نطاق الباب الضيق: الصليب.
الصليب:
ولذلك قال السيد الرب: "مَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت10: 38). وحمل الصليب قد يكون من أعداء الإيمان. وقد يكون أحيانًا من الزملاء في الخدمة، أو من بين أفراد الأسرة أحيانًا، كما قال السيد الرب: "وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ" (مت10: 36). حيث يحاول أهله أن يمنعوه عن التكريس أو الخدمة، ويتهموه في عبادته بالتطرف.
وقد يكون الصليب هو التعرض للاستشهاد أو الاضطهاد.
بسبب الإيمان كما حدث في عصور عديدة. وكما قال السيد المسيح لتلاميذه: "سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ" (يو16: 2).
وقد يكون الصليب مرضًا أو عوزًا يحتمله الشخص بشكر.
كما حدث في قصة لعازر المسكين (لو16). حقًا إنه لم يدخل بإرادته فيما لاقاه في حياته من مرض وعوز. ولكن الصليب بالنسبة إليه كان احتماله لكل ذلك بلا تذمر.
موضوعات أخرى:
يظهر الباب الضيق في أمور كثيرة: مثل الطاعة التي يُخضع فيها الإنسان إرادته، ومثل الالتزام والتدقيق والجدية وما يبذل فيها من جهد، ومثل الأمانة حتى الموت. والصمود أمام حروب الشياطين. ومثل طهارة النفس والجسد والروح...
وفي كل ذلك "يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا" (رو8: 37).
مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً
مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً
(مت5: 22)
قال السيد الرب في العظة على الجبل: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ... أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ" (مت5: 21، 22).
عبارة "أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" تدل على سلطانه في التشريع.
وبالتالي تدل على لاهوته. إذ يضع هنا تشريعًا. ولكنه ليس نقضًا للشريعة القديمة. فهو لم ينقض عبارة "لاَ تَقْتُلْ". وإنما بحث عن الخطوة الأولى للقتل ومنعها. وهي الغضب.
وعبارة "يَغْضَبُ... بَاطِلاً" تعني بلا سبب ملزم، أو بلا سبب على الإطلاق.
لا تقتل:
ليس المقصود بالقتل هنا مجرد إنهاء حياة إنسان. بل إن عبارة لا تقتل تشمل تفاصيل عديدة.
على أنه يدخل في جريمة القتل: الانتحار والإجهاض.
ففي الانتحار يقتل الإنسان نفسه، بينما نفسه ليست ملكًا له. فهي مِلك لله الذي خلقها والذي افتداها. وهي ملك للكنيسة وللمجتمع.
والإجهاض هو أيضًا جريمة قتل. فيها قتل جنين، لو أعطيت له فرصة للحياة، لتمتع بالوجود. ومن يدرى أية درجة كان سيصل إليها.
يُعفي من جريمة الانتحار، إن كان المنتحر فاقد العقل أثناءها. كذلك في الإجهاض إن كانت ولادة الجنين تتسبب في موت الأم.
يدخل أيضًا في وصية "لا تقتل" القتل الجزئي.
ونحسب في نطاقه: التدخين، والسُكر، والمخدرات. حيث أن في إدمان هذه الأمور الضارة، يقتل الإنسان نفسه قتلًا جزئيًا. فهو- وإن كان لا يموت مباشرة - إلا أنه يخطو خطوات نحو الموت. كما يقتل إرادته.
هناك نوع آخر من القتل، هو القتل المعنوي.
فالذي يحطم شخصية إنسان، إنما يقتله قتلًا معنويًا. مثال ذلك الأب الذي لا يعطي لابنه فرصة للتفكير، بل يجعله حبيسًا في دائرة من الأوامر والنواهي كمجرد جهاز تنفيذ. وكذلك أب الاعتراف الذي يرغم من يعترف عليه أن يستشير في كل صغيرة وكبيرة، وكأنه عاجز عن التصرف في شيء. وبالمثل المدير الذي يتعامل مع مرؤوسيه بنفس الأسلوب. والزوج الذي يحرك زوجته بالـــ Remote Control.
هناك أيضًا قتل بطريقة سلبية.
كمن يرفض إنقاذ شخص يكون مشرفًا على الموت بالغرق أو الحريِّق وما أشبه. أو من يترك مريضًا ليموت، وبإمكانه علاجه.
وبالمثل صاحب العمل الذي يعطي الأجير عنده أجرًا لا يساعده على الحياة، ولا يكفل له القوت الضروري، أو من يرتهن اللوازم الأساسية لحياة إنسان.
هناك قتل آخر بالمسئولية:
كصاحب عربة تدوس إنسانًا فيموت، أو صاحب كلب سعران يعض شخصًا فيموت، أو صاحب ثور نطاح يتركه طليقًا فيقتل من يصادفه.
أو قد يوجد قتل غير مقصود.
كما في حالة مقاول للمباني يترك حفرة يقع فيها إنسان فيموت، دون أن يتخذ سبل الوقاية من السقوط فيها. أو يترك سلك كهرباء مكشوف يتسبب في ماسٍ قاتل. أو بائع أنبوبة بوتاجاز يكون فيها خلل أو ثقب يسرّب الغاز.
نوع آخر من القتل، هو قتل الروح:
عن طريق العثرات والإغراءات المسببة للسقوط.
أو بنشر البدع والهرطقات التي تضلل عن الإيمان السليم.
أو بالحرمان الظالم الذي يصدر من إحدى درجات الكهنوت.
أو بإهمال الرعاية مما يتسبب عنه الضياع والانحراف. مما قال عنه الرب في سفر حزقيال النبي: "ذلِكَ الشِّرِّيرُ يَمُوتْ بِإِثْمِهِ، أَمَّا دَمُهُ فَمِنْ يَدِكَ أَطْلُبُهُ" (حز3: 18) (حز33: 8). ويدخل في هذا المجال أيضًا: التربية الخاطئة في البيت، وفي المدرسة أيضًا.
نوع آخر من القتل، هو قتل الأعصاب.
بأن يضغط شخص على آخر ضغطًا يثيره عصبيًا، أو يحتمل صامتًا من الخارج بينما أعصابه تتحطم في داخله.
وفي عبارة "أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ" في عظة السيد المسيح على الجبل، إنما تعني "أقول لكم التفاصيل". ومنها الغضب الباطل.
الغضب البَاطل:
إنه لم يمنع الغضب بصفة مطلقة، بل منع الغضب الباطل.
فالغضب ليس كله باطلًا، إذ يوجد غضب مقدس.
فالله غضب على العالم الخاطئ لما أغرقه بالطوفان (تك6). وغضب على أهل سادوم لما أحرقهم بالنار (تك19). وغضب على قورح وداثان وأبيرام، لما أمر أن تفتح الأرض فاها وتبتلعهم (عد16: 31- 33).
وهناك آيات واضحة في هذا المجال، مثل قول الرسول: "وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ..." (رو2: 5).
ولا ننسى غضب السيد المسيح في تطهيره للهيكل، إذ قال لليهود: "مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ" وهكذا "قَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ" (مت21: 13، 12).
أيضًا يظهر غضب الرب في توبيخه للكتبة والفريسيين بقوله لهم: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ... أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ" (مت23).
وظهر غضب القديس بولس الرسول واضحًا في حكمه على خاطئ كورنثوس، إذ أسلمه للشيطان لإهلاك الجسد (1كو5). كذلك قيل عنه لما ذهب إلى أثينا إن "احْتَدَّتْ رُوحُهُ فِيهِ، إِذْ رَأَى الْمَدِينَةَ مَمْلُؤَةً أَصْنَامًا" (أع17: 16).
كذلك غضب موسى النبي لما رأى الشعب قد عبدوا العجل الذهبي. وهنا يقول الكتاب: "فَحَمِيَ غَضَبُ مُوسَى، وَطَرَحَ اللَّوْحَيْنِ مِنْ يَدَيْهِ وَكَسَّرَهُمَا... ثُمَّ أَخَذَ الْعِجْلَ الَّذِي صَنَعُوا وَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ، وَطَحَنَهُ حَتَّى صَارَ نَاعِمًا، وَذَرَّاهُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ" (خر32: 19، 20). وانتهر هارون أخاه.
وأمثلة الغضب المقدس كثيرة في قصص الآباء والأنبياء.
والغضب المقدس هو غضب لأجل الحق، ولأجل العقيدة والإيمان.
والآباء القديسون تعرضوا في الحديث عن هذا الموضوع. فقالوا إن الله قد وضع فينا القوة الغضبية، لكي نغضب على الخطية والشيطان، ونغضب على أنفسنا إذا سقطنا. وليس لكي نغضب باطلًا على إخوتنا.
أما الغضب الباطل، فيكون لأسباب شخصية وليس لأجل الله.
لأجل أمور مادية، أو أمور تافهة، أو لأجل كرامتنا وحقوقنا.
وقد يكون غضبًا بدون تحقيق، لمجرد سماع ما يثيرنا، دون أن نتأكد من وجه الحق فيه. كما يحدث أحيانًا أن امرأة الأب قد تثيره على أبنائه، فيعاقبهم دون تحقيق. أو كما حدث أن امرأة فوطيفار أثارته ضد يوسف الصديق فألقاه في السجن ظلمًا (تك39: 19، 20).
نقطة أخرى وهي أن هناك فرقًا بين الغضب والنرفزة.
فكلمة (نرفزة) أتت من الــ Nerves أي الأعصاب. وهي تدل على حالة توتر الأعصاب. وطبعًا غضب الله لا علاقة له بالأعصاب، لأن "اَللهُ رُوحٌ" (يو4: 24). فغضب الله يدل على عدم رضاه وعدم موافقته. كما يدل على معاقبته كما قيل:
"أَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ" (رو1: 18) .
كما يتميز الله - تبارك اسمه - بأنه بطيء الغضب، وأن غضبه لا يدوم إلى الأبد (مز103: 8، 9).
ضد الغضب:
يقول القديس يعقوب: "لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ" (يع1: 19). ويقول سفر الجامعة: "لاَ تُسْرِعْ بِرُوحِكَ إِلَى الْغَضَبِ، لأَنَّ الْغَضَبَ يَسْتَقِرُّ فِي حِضْنِ الْجُهَّالِ" (جا7: 9). ويقول سفر الأمثال: "وَالرَّجُلُ السَّخُوطُ كَثِيرُ الْمَعَاصِي" (أم29: 22). ويقول أيضًا: "لاَ تَسْتَصْحِبْ غَضُوبًا، وَمَعَ رَجُل سَاخِطٍ لاَ تَجِيءْ" (أم22: 24). لقد هرب يعقوب من غضب أخيه عيسو لئلا يقتله (تك27: 41- 44).
الغضب خطية مُركبَة:
إنه خطية مكشوفة ومعثرة، وتحمل العديد من الخطايا.
هناك خطايا تتعلق بالفكر والقلب والنية، لا يراها أحد ولا تعثر أحدًا. ولكن خطية الغضب مكشوفة، لأنها خطية إنسان غير مسيطر على أعصابه، لذلك فتصرفاته معثرة. ولهذا فمن شروط الأسقف أنه "لا يكون غضوبًا" (تي1: 7). لأن الذي أُعطى سلطانًا للإدارة والمعاقبة - إن كان غضوبًا - يمكن أن يضيع غيره...
فيجب أن يكون واسع الصدر طويل الأناة، لا يغضب بسرعة. وإن غضب، يكون متزنًا في غضبه، محتفظًا بأعصابه.
الغضب فيه عثرة، وأيضًا فيه عدم مغفرة.
لأن المُساء إليه، أو من يعتقد أنه قد أُسيئ إليه: لو كان قد غفر، ما كان يغضب.
فالغضب يحمل معنى الثورة على الغير، والانتقام منه.
سواء انتقام بالقتل، كما قال عيسو: "أَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي" (تك27: 41) أو انتقام برد الإساءة بإساءة، أو بالعصبية وعلو الصوت...
والغضب أيضًا فيه قساوة قلب.
وعن هذا قال أبونا يعقوب عن ابنيه شمعون ولاوي: "مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا فَإِنَّهُ شَدِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا فَإِنَّهُ قَاسٍ"، "آلاَتُ ظُلْمٍ سُيُوفُهُمَا"، "فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي. بِمَجْمَعِهِمَا لاَ تَتَّحِدُ كَرَامَتِي" (تك49: 7، 5 ،6).
ونرى أن داود النبي لما غضب على نابال الكرملي، أقسم أن يقتله وكل الذي له، ولا يبقي "مِنْ كُلِّ مَا لَهُ إِلَى ضَوْءِ الصَّبَاحِ بَائِلاً بِحَائِطٍ" (1صم25: 22). وتقلد سيفه، وأمر أربعمائة من رجاله أن يتقلدوا سيوفهم (1صم25: 13). ولولا تدخل أبيجايل بحكمتها، لكان قد ارتكب عملية قتل بشعة انتقامًا لنفسه.
خطية الغضب فيها أيضًا بغضة وكراهية.
لأن الكتاب يقول عن المحبة إنها: "لاَ تَحْتَدُّ، وإنها "تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ" (1كو13: 5، 7).
بعكس الغضوب الذي لا يحتمل بل يحتد. إذ لا توجد في قلبه محبة أثناء غضبه...
أيضًا الغضب ضد اللطف، والسلام.
واللطف والسلام هما من ثمار الروح (غلا5: 22). كما يقول الرسول أيضًا إن من أعمال الجسد "عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ" (غلا5: 20). وواضح أن الغضب مشترك في جميعها.
الغضب أيضًا ضد الوداعة والاتضاع.
ويقول القديس دوروثيئوس إن "الإنسان المتواضع لا يَغضب من أحد، ولا يُغضِب أحدًا". فهو لا يَغضَب من أحد بسبب وداعته ومحبته للكل. وهو لا يُغضِب أحدًا، لأنه يَطلب بركة كل أحد.
واضح أيضًا أن الغضب يحمل خطيتين: الإدانة وتبرير الذات.
فكل مَن يغضب على أحد، لا بد أنه يدينه، ويعتقد أنه قد أساء وأخطأ. وفي نفس الوقت يبرر ذاته، فيما يُلقي اللوم على غيره.
ولو أتى الإنسان بالملامة على نفسه، ما كان يغضب من أحد.
خطية الغضب فيها أيضًا عنف.
دائمًا الغضوب عنيف. ونقصد طبعًا من تثور أعصابه (يتنرفز) وفي العنف يرتكب الغضوب العديد من الخطايا.
وفي الغضب أيضًا: خطية جهل.
إذ يجهل الغضوب ما يجره عليه الغضب من مشاكل ونتائج ليست في صالحه: أوضح ما فيها أنه يخسر الناس، ويجهل ردود فعلهم وانتقامهم منه، كما يخسر أبديته نتيجة ما يقع فيه من أخطاء.
لذلك نقول إن خطية الغضب هي خطية مدمرة.
مدمرة للشخص الغضوب نفسه، الذي يسيء إلى أعصابه، ويتحمل نتائج تعكير دمه، وضغط الدم وتأثيره على القلب. لذلك فكثيرًا ما يصاب الغضوب بأمراض. كما أن خطية الغضب مدمرة لسمعته ولعلاقاته مع الغير. إلى جوار أنها مدمرة لمن يغضب عليه.
وكثيرًا ما يكون في خطية الغضب: تسرع وظلم.
وهكذا قال القديس يعقوب الرسول: "لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ. لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ" (يع1: 19). وما أكثر ما يندم الإنسان على تسرعه في الغضب. لأنه لو أبطأ في الغضب، ربما كان ينصرف غضبه بعد حين. وما كان يقع فيما وقع فيه من أخطاء أثناء غضبه.
وفي الغضب قد يقع الإنسان في الشتيمة والإهانة وجرح شعور الغير.
وهذه كلها نتيجة لإدانته لغيره. ونتيجة لتمركزه حول ذاته، في غير محبة للغير. فالكتاب يقول عن المحبة إنها: "وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا" (1كو13: 5). ومما لاشك فيه أن "الغضوب يطلب ما لنفسه". لذلك لا يبالي بأن يجرح شعور غيره ويقبّح تصرفه.
وبالغضب يقع في كثير من خطايا اللسان.
فغير ما سبق أن قلناه، قد يلجأ الغضوب إلى التهديد والوعيد، كما فعل داود بالنسبة إلى نابال الكرملي.
ولما كانت خطايا اللسان صادرة عن القلب، لأنه من فيض القلب يتكلم الفم (مت12: 34). لذلك يمكننا أن نقول:
إن خطية الغضب (النرفزة) تدل على عدم نقاوة في القلب.
على الأقل تدل على ضعف الشخص وعدم تحمله.
وما أجمل قول الرسول: "فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ، وَلاَ نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا. فَلْيُرْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِيبَهُ لِلْخَيْرِ، لأَجْلِ الْبُنْيَانِ" (رو15: 1، 2). إذًا في الغضب أنانية.
لهذا كله نقول إن خطية الغضب الباطل ليست عاقرًا، بل هي أم ولود. وأولادها يمثلون كثرة من الخطايا...
وخطية الغضب قد تتحول إلى خصومة وعداوة. وفيما يخطئ الغضوب، قد يدفع غيره أيضًا إلى الخطية، ويحمل ذنبه.
فهي خطية روحية واجتماعية ثقيلة. قال عنها الحكيم.
"اَلْحَجَرُ ثَقِيلٌ وَالرَّمْلُ ثَقِيلٌ، وَغَضَبُ الْجَاهِلِ أَثْقَلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا" (أم27: 3).
إِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ... وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ
إِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ... وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ
(مت5: 23، 24)
القربَان:
قال السيد الرب: "إِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ" (مت5: 23، 24).
القربان هو ما تتقرب به إلى الله، وتقدمه أمام المذبح.
وليس هو مجرد الخبز الذي نقدمه في سر الإفخارستيا. ففي مرد أوشية القرابين نذكر "الزيت والبخور والستور والنذور، وكتب القراءة وكل أواني المذبح"، وقديمًا كانوا يقدمون أيضًا بعض الثمار. وفي قوانين الآباء الرسل يوجد بند عن (أولوجية الثمار) أي مباركة الثمار كجزء مما يتقربون به إلى الله...
والأب الكاهن يصلي في القداس عن القرابين، والذين قدّموها، والذين قُدّمَت عنهم، والذين قُدمت بواسطتهم، ليعطيهم الله الأجر السمائي. وقديمًا ما كانوا يشترون دقيقًا لصنع قربان الإفخارستيا، بل كان المؤمنون يقدمونه من أفخر الأصناف إلى الكنيسة. يكفيهم أن اسمهم يذكر على المذبح. وكان هناك باب خاص في الكنيسة، يدخل منه من يقدمون القرابين...
ولكن لكي تكون القرابين مقبولة، لا بد أن تُقدم من قلب طاهر.
فليس كل قربان مقبولًا أمام الله. ومثال ذلك أن الله لم يقبل قربان قايين، إذ كانت هناك خطية رابضة (تك3: 5، 7).
ومن آيات الكتاب المشهورة في هذا المجال، قوله: "لاَ تُدْخِلْ أُجْرَةَ زَانِيَةٍ... إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ" (تث23: 18). وكذلك قول المرتل في المزمور: "زَيْتُ الخاطئ فَلا يَدْهنُ رَأسي" (مز141). وكانت قوانين الكنيسة تمنع قبول أي تبرع يكون مصدره غير شريف. فلا يُقبل شيء مثلًا من صانع تماثيل للأصنام، أو ممن يقرض بالربا...إلخ.
وما نقوله عن القرابين غير المقبولة، نقوله أيضًا عن العبادة غير المقبولة.
فليست كل صلاة مقبولة من الله. لذلك نقول له في صلواتنا: "فَلْيَدْن تَوسّلي قُدّامكَ. فَلْتدخلْ طُلبتي إلى حَضرتِكَ" (مز119: 169، 170) إن صلاة الفريسي لم تكن مقبولة من الله، لأنها كانت صادرة من قلب مفتخر، وفي نفس الوقت كان يدين فيها العشار (لو18: 11، 12). وقال الرب في سفر إشعياء النبي "حِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 15). ولنفس السبب رفض تقدماتهم وبخورهم وأعيادهم ومحافلهم. وطلب منهم أولًا أن يغتسلوا ويتنقوا ويكفوا عن فعل الشر (إش1: 13، 16).
وعن الأصوام المرفوضة أيضًا، ورد في نفس السفر "يَقُولُونَ: لِمَاذَا صُمْنَا وَلَمْ تَنْظُرْ، ذَلَّلْنَا أَنْفُسَنَا وَلَمْ تُلاَحِظْ؟" (إش58: 3).
إن الله يريد القلب الطاهر قبل قبول القربان.
فهو القائل: "يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أم23: 26). أولًا قَلْبَكَ. ومن داخل هذا القلب "تُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي".. لئلا يعيش إنسان في الخطية. ثم يفكر أن يتقرب إلى الله ببعض تبرعات يقدمها إلى الكنيسة!! كلا. بل ينقي القلب أولًا.
وهنا يضع الرب شرطًا لقبول القربان، وهو مصالحة من تكون قد أسأت إليه.
فيقول: "اتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ". وهكذا فإننا في الكنيسة: قبل أن نرفع الأبروسفارين ونبدأ قداس القديسين، نصلي صلاة الصلح أولًا. ونقول فيها "اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نقبل بعضنا بعضًا بقبلة مقدسة" أي بمحبة صافية بغير رياء "لكي ننال - بغير وقوع في دينونة - من موهبتك غير المائتة السمائية.
تذهب لتصالح أخاك، إذا كنت أنت المسيء.
وتعبر عن هذا عبارة "أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ" أي أنه يمسك عليك خطأ في حقه. ويثبت ذلك أيضًا قوله فيما بعد "وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ" (مت5: 25).
أما إن كان هو المسيء فيكفي أن تغفر له في قلبك، أو أن تعاتبه بينك وبينه (مت18: 15). أو تتركه.
لا يقصد الرب أن تتشكك في قربانك، وتتركه قدام المذبح، إن كان شخص قد أساء إليك أو أهانك، أو سبّب لك ضررًا، أو أنه ظلمك بطريقة ما. بل "إن كان له شيء عليك".
هذا أمر طبيعي. فما كان ممكنًا أن يسعي القديس يوحنا المعمدان إلى مصالحة هيرودس الملك الذي تضايق من توبيخه له وسجنه (مت14: 3، 4).
هنا خصومة بين المعمدان وهيرودس. وفيها كان المعمدان على حق، حينما قال لهيرودس "لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ" (مر6: 18)...
كذلك كانت هناك خصومة طويلة المدى بين القديس أثناسيوس الرسولي والهرطوقي أريوس، سببها العقيدة والإيمان. وما كان ممكنًا أن يذهب القديس أثناسيوس إلى أريوس ويصالحه قبل أن يقدم قرابينه!
كلا، ففي الدفاع عن الإيمان كثيرًا ما تحدث خصومة - ليست شخصية - بل هي دفاع عن الحق، وتعتبر فضيلة. وعنها قال السيد الرب: "أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَّلاَّ، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا... يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ، وَالْحَمَاةُ عَلَى كَنَّتِهَا، وَالْكَنَّةُ عَلَى حَمَاتِهَا" (لو12: 51، 53).
كل ذلك لأجل الإيمان ولا يلزمه لون من الصلح.
بل إن القديس يوحنا الحبيب قال عن التعامل مع الهرطوقي "َلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ. لأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَشْتَرِكُ فِي أَعْمَالِهِ الشِّرِّيرَةِ" (2يو10 ،11).
وبالمثل عدم الذهاب لمصالحة من يأتيك منه ضرر خلقي أو روحي، أو عثرة تبعدك عن الله. بل ينطبق عليه قول الرب:
"إِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ" (مت5: 30).
وتنطبق عليه أيضًا قول المزمور الأول: في طريق الخطاة لا تقف، وفي مجلس المستهزئين لا تجلس.
ما كان ممكنًا ليوسف الصديق أن يصالح امرأة فوطيفار.
حتى لو أدّى الأمر أن تدعي عليه ما يجعل فوطيفار يأخذه ويلقيه في السجن (تك39: 20). أما يوسف فكان قد وبخ المرأة، ولم يسمع لها في ما طلبته منه، بل قال: "كَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟!" (تك39: 9).
إن المصالحة تكون داخل حدود وصية الله، وليس ضدها.
فإن كنت أنت المسيء، وكانت المصالحة لا تتعارض مع وصية الله، حينئذ إن قدمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، اترك قربانك قدام المذبح، "واذهب أولًا أصطلح مع أخيك".
وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ:
صدقوني يا إخوتي، إنني تأثرت كثيرًا عندما قرأت عبارة "وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ". وذلك لأننا نقع في كثير من الخطايا وننساها. وقد يمرّ علينا زمن طويل. ثم يحدث لنا أمر ما نقول معه "هناك تذكرت".
مجرد هيبة المذبح، تجعلنا نتذكر، ونحن وقوف أمامه.
وهكذا يقول "إن قدمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكرت".
في يوم التناول، أو ونحن نستعد له، أو حينما نقرأ في (1كو11) عن خطورة التناول بدون استحقاق، نجد شريطًا طويلًا من الأحداث يخرج من العقل الباطن ويقف أمامنا فنقول: "هناك تذكرت".
وهناك أماكن مقدسة حينما نقف فيها، تقف أمامنا ذكريات معينة نقول معها "هناك تذكرت". وقد حدث هذا لمريم القبطية الخاطئة في الأراضي المقدسة، حينما وجدت قدميها قد تسمرتا وما عادت تستطيع التقدم لنوال البركة. وهناك تذكرت خطاياها بشكل دفعها إلى التوبة الحقيقة.
وهنا أيضًا نضع أمامنا قصة إخوة يوسف وهم في موقف حرج.
حينما أحرجهم يوسف قائلًا: "مَا هذَا الْفِعْلُ الَّذِي فَعَلْتُمْ؟. فَقَالَ يَهُوذَا: «مَاذَا نَقُولُ لِسَيِّدِي؟ مَاذَا نَتَكَلَّمُ؟ وَبِمَاذَا نَتَبَرَّرُ؟ اللهُ قَدْ وَجَدَ إِثْمَ عَبِيدِكَ" (تك44: 15، 16). ما هو ذلك الإثم؟ لعل يهوذا يقول في قلبه - وهو محرج أمام يوسف - "هناك تذكرت".
إن ما فعلوه بأخيهم يوسف، حينما ألقوه في البئر، وحينما باعوه كعبد (تك 37) كان قد مرّ عليه زمن طويل.. أما الآن - وهم في ضيقتهم - فيقول عنهم الكتاب: "وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «حَقًّا إِنَّنَا مُذْنِبُونَ إِلَى أَخِينَا الَّذِي رَأَيْنَا ضِيقَةَ نَفْسِهِ لَمَّا اسْتَرْحَمَنَا وَلَمْ نَسْمَعْ. لِذلِكَ جَاءَتْ عَلَيْنَا هذِهِ الضِّيقَةُ. فَأَجَابَهُمْ رَأُوبَيْنُ قَائِلاً: أَلَمْ أُكَلِّمْكُمْ قَائِلاً: لاَ تَأْثَمُوا بِالْوَلَدِ، وَأَنْتُمْ لَمْ تَسْمَعُوا؟ فَهُوَذَا دَمُهُ يُطْلَبُ" (تك42: 21، 22).
حقًا إن الشخص في الضيقة، كثيرًا ما يقول: هناك تذكرت.
ومن أمثلة ذلك ما حدث لتلك الزانية في قصة أبا مقار.
كانت قد أخطأت مع أحد الشبان، وحملت منه سفاحًا. واتفقا معًا على أن تلصق التهمة بالقديس مقاريوس (قبل رهبنته). فتجمع حوله الناس وأهانوه إهانات شديدة، وطالبوه بأن ينفق على المرأة وما تحمل. وكان القديس يعمل ليصرف عليها. وكان يقول لنفسه: كِدّ يا مقاره، فقد صارت لك امرأة وابن!!
وحدث لما حان موعد الولادة، أن تلك الشقية تعسرت في الولادة جدًا حتى قاربت الموت. وهنا تذكرت خطيئتها في اتهامها لذلك العابد البريء. فاعترفت باتهامها الظالم حتى يرفع الله غضبه عنها.
نذكر أيضًا عبارة وردت في قصة أرملة صرفة صيدا.
كلكم تذكرون قصتها مع إيليا النبي، ومباركة ما عندها من دقيق وزيت. ولكن هناك عبارة في القصة ربما عبرت على البعض فلم يهتم بها. فما هي؟ يقول الكتاب إن ابن هذه الأرملة مرض "وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ جِدًّا حَتَّى لَمْ تَبْقَ فِيهِ نَسَمَةٌ" فقالت: "مَا لِي وَلَكَ يَا رَجُلَ اللهِ! هَلْ جِئْتَ إِلَيَّ لِتَذْكِيرِ إِثْمِي وَإِمَاتَةِ ابْنِي؟" (1مل17: 17، 18).
لم يذكر الكتاب خطية لها من قبل. ولكنها لما مات ابنها، قالت في نفسها "هناك تذكرت". وقالت لإيليا النبي: هل جئت لتذكيري بإثمي؟
قد تظلم إنسانًا وتنسى أنك ظلمته. وفي لحظة تقول: "هناك تذكرت".
تقع في ضيقة، ويصيبك ظلم من آخرين، فتشعر أنه عقوبة لك على ظلمك السابق لغيرك، وتتذكر قول الشاعر:
وما من يدٍ إلا يد الله فوقها |
| ولا ظالمٍ إلا سيُبلى بأظلمِ |
وقد يسمح الله بوقوع هذا الظلم عليك، لكي تتذكر ما سبق لك أن اقترفته ضد الآخرين.
وقد يصيبك مرض، وتدخل حجرة العمليات، فتتذكر.
وفي ساعة خوفك من العملية، أو خوفك من الموت، تجد جميع خطاياك السابقة قد وقفت أمامك، فتقول نفس العبارة "هناك تذكرت". وتعترف أمام الله وتطلب رحمته، أو تطلب مجيء أب اعترافك لتتوب على يديه عن خطايا فعلتها ونسيتها.
وقد تكون في كنيسة أو دير في أسبوع الآلام.
وأمام ذكريات آلام السيد المسيح، تتذكر أن كأس المر الذي يشربه فيه قطرات من خطاياك. وبينما ينشغل كثيرون بالألحان أو بقراءة فصول بالقبطية، تسرح أنت في خطاياك، وتقول في مرارة "هناك تذكرت".
أو قد يحدث لك ذلك في رأس السنة أو في مناسبة معينة.
قد تتذكر خطية، أو نذرًا قد نسيته، أو وعودك لله.
وقد تحدث حادثة لأحد أقربائك، أو يموت أحد أحبائك، فتقول أيضًا "هناك تذكرت".
جائز أن عبارة "هناك تذكرت" تكون عملًا من أعمال النعمة فيك.
عملت النعمة فيك لكي تتذكر، فتترك قربانك وتصطلح مع أخيك
اترك قربَانك:
يقول الرب إنك حينما تتذكر إساءتك لأخيك "اترك قربانك قدام المذبح. واذهب أولًا اصطلح مع أخيك. ذلك لأن الإساءة التي أسأت بها إليه تصرخ إلى الله شاكية. كما قال الرب لقايين "إن صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ" (تك4: 10).
إن قايين هو أول إنسان لم يصطلح مع أخيه. بل تمادى في غيظه حتى وصل إلى ارتكاب جريمة قتل.
أما أنت فلا تكن هناك، بل اذهب واصطلح مع أخيك.
لا تنتظر حتى يأتي ليعاتبك ويقود العتاب إلى الصلح.
بل اذهب وقم بالمبادرة، وخذ بركة المصالحة.
كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ
كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ
(مت5: 48)
هناك ثلاث درجات يطلبها منا الله في حياتنا الروحية. وهي أولًا حياة التوبة التي تبدأ بترك الخطية، وتصل في كمالها إلى كراهية الخطية. ثم حياة البر والفضيلة. وتنمو حياة البر إلى أن تصل إلى الكمال.
الكمَال:
والكمال المطلوب من البشر، ليس هو الكمال المطلق الخاص بالله وحده، وإنما الكمال النسبي.
نسبة لطبيعة الإنسان، ما عنده من طاقات وإمكانيات، وآخر ما يمكن أن يصل إليه مجهوده البشري. ونسبة إلى الظروف المحيطة به، وإلى الحروب الروحية التي يتعرض لها... وأيضًا نسبة إلى المعونة الإلهية المعطاة له، ومقدار النعمة العاملة معه...
والكمال البشري "النسبي" ذُكر في العهد القديم أيضًا.
قال الرب الإله لأبينا إبراهيم: "سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً" (تك17: 1). وقيل عن أبينا يعقوب: "وَكَانَ... يَعْقُوبُ إِنْسَانًا كَامِلاً يَسْكُنُ الْخِيَامَ" (تك25: 27). وقال الرب مرتين عن أيوب الصديق إنه "رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" (أي1: 8) (أي2 :3).
والعهد الجديد ازدادت فيه درجة الكمال، نظرًا للطبيعة الجديدة، وشركة الروح القدس، وعمل النعمة بوفرة.
وقد قال القديس بولس الرسول: "لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ" (1كو2: 6). وقال عن عمله وعمل زملائه: "لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً..." (كو1: 28).
وقال معلمنا يعقوب الرسول: "وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ" (يع1: 4). وقال أيضًا: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْثُرُ فِي الْكَلاَمِ فَذَاكَ رَجُلٌ كَامِلٌ، قَادِرٌ أَنْ يُلْجِمَ كُلَّ الْجَسَدِ أَيْضًا" (يع3: 2).
وهنا أظهر لنا إلى جوار الكمال بصفة عامة، يوجد كمال في فضيلة معينة مثل الكمال في الصبر، وفي الكلام.
والسيد الرب وجه الشاب الغني إلى الكمال في التجرد، فقال له: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ... وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مت19: 21).
أما الكمال الشامل ففيه يسعى الإنسان إلى استرجاع الصورة الإلهية التي خُلق بها منذ البدء (تك1: 27).
الكمال في إحدى الفضائل
مثاله الكمال في المحبة، كما شرحها القديس بولس في (1كو13). فقال عنها إنها: "تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ... لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّوء، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ". وإنها "وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ".
إن نفذ الإنسان كل هذه الصفات، يكون كاملًا في المحبة.
* هناك أيضًا الكمال في العطاء بأن يبدأ الإنسان بأن يدفع العشور والبكور والنذور. ثم يتدرج فينفذ وصية الرب "مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (مت5: 42). ثم يتدرج فيعطي من إعوازه، كالأرملة التي دفعت الفلسين.
وإن وصل إلى أن يعطي كل أمواله للفقراء (مت19: 21)، وأن يعطي بفرح، يكون قد وصل إلى الكمال في العطاء.
حينئذ يصل إلى القمة بأن يعطي (يبذل) حتى نفسه. كما قال السيد الرب: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13). هنا يندمج كمال الحب مع كمال العطاء.
* مثال آخر هو الكمال في الصلاة.
الصلاة الكاملة في نوعها هي التي تعبر عن صلة حقيقية بالله.
وتتميز بالحرارة والفهم والحب والخشوع والإيمان، والشعور بالوجود في حضرة الله. ومن جهة طولها: تتطور من الصلاة العادية، إلى ممارسة الصلوات السبع بالأجبية، إلى الهذيذ أو اللهج الدائم بالصلاة، إلى الصلاة كل حين بلا ملل (لو18: 1). كما أمر الرب، أو إلى قول الرسول "صَلُّوا بِلاَ انْقِطَاعٍ" (1تس5: 17).
على أن تكون كل ذلك صلاة طاهرة، بغير شرود ذهن، هذه التي سئل القديس يوحنا الأسيوطي عنها، فقال: "الصلاة الطاهرة هي الموت عن العالم أي أن يكون المصلي أثناءها منقطعًا تمامًا عن العالم بكل أخباره وأفكاره".
ومثل الكمال في المحبة والعطاء والصلاة: الكمال في باقي الفضائل.
ولكي يصل الإنسان إلى الكمال، عليه بالنمو وعدم الاكتفاء.
عنصر النمو:
من الخطورة روحيًا أن يصل الإنسان إلى درجة ما، ويكتفي بها فلا يطمح إلى مزيد. فقد يدفع الإنسان العشور ويكتفي بهذا، ويظن أن الله قد أخذ كل حقه في أمواله، فلا يدفع أكثر.
أو قد يتعود أن يصلي الصلاة الربانية وصلاة الشكر ومزمورين. يقف عند هذا الحدّ لا يتعداه.
إن الاكتفاء في الروحيات يولد الفتور. بينما في النمو حرارة.
مثل بطارية السيارة: كلما سارت العربة تشحن بطاريتها. وكلما شحنت تسير والعكس صحيح. فإن ركنت العربة فترة طويلة يساعد ذلك على تلف بطاريتها.
عندنا مثل في عدم الاكتفاء، هو القديس بولس الرسول:
هذا الذي عملت النعمة معه، فتعب في الخدمة أكثر من جميع الرسل (1كو15: 10). والذي اختطف فصعد إلى السماء الثالثة، وسمع كلمات لا ينطق بها (2كو12: 2- 4). والذي كان يتكلم بألسنة أكثر من الجميع (1كو14: 18). والذي خسر كل الأشياء وهو يحسبها نفاية لكي يربح المسيح (في3: 8). ومع ذلك نسمعه يقول:
"لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ.."، "أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ" (في3: 12، 13).
أي أنه ينسى كل البر الذي فعله، لكي يمتد إلى قدام، إلى بر أكثر، وإلى صلة بالله أعمق.
فإن كان القديس بولس الرسول لم يصل إلى الكمال بعد، بل هو محتاج أن يسعى لكي يدرك، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟!
إن السعي إلى الكمال، يذكرنا بمن يطارد الأفق.
يرى الأفق بعيدًا وراء الجبل، حيث يرى هناك السماء منطبقة على الأرض. فإن ذهب إلى ما وراء الجبل، يرى الأفق هناك وراء المحيط. فإن عبر المحيط، يرى الأفق هناك في آخر المزارع الواسعة. وهكذا كلما سعى إلى الأفق يجده يمتد بعيدًا. هكذا من يسعى إلى الكمال.
كذلك من يسعى إلى الكمال: كلما يصل إلى درجة منه، تتكشف له درجات أخرى أعمق وأعلى لم يصل إليها بعد.
إن النمو يذكرني ببعض الأشجار في نموها، كشجرة الكافور مثلًا أو الكازوراينا.
بذرتها صغيرة جدًا، كأنها السمسمة. ومع ذلك حينما نزرعها نجدها تظل تعلو وتعلو حتى يصل ارتفاعها أحيانًا إلى عشرين مترًا. وفي نفس الوقت تمتد جذورها في الأرض إلى أكثر من ثمانية أمتار. وتكون سميكة جدًا.
صدقوني إنني لم أبصر شجرة كافور أو كازوراينا متكاسلة في نموها. بل دائمة النمو، كما قال الرب عن حبة الخردل التي - وهي أصغر البذور- تظل تنمو حتى تصير شجرة تتآوى طيور السماء في أغصانها (مت13: 32).
إن نمو هذه الأشجار يعطينا درسًا في الحياة.
كل بذرة لهذه الأشجار، فيها حياة مهما صغرت. وحياتها دائمًا تنمو. وتستطيع البذرة الصغيرة - بمضي الوقت - أن تحتمل ثقل الجذع وثقل الفروع. ويشير إلينا المزمور بالدرس الذي نتلقاه من الأشجار فيقول: "اَلصِّدِّيقُ كَالنَّخْلَةِ يَزْهُو، كَالأَرْزِ فِي لُبْنَانَ يَنْمُو" (مز92: 12).
لعل البعض يسأل: كيف نصل إلى الكمال؟ إنه حركة وبركة.
النمو حَركة وبركة:
عليك أن تتحرك إلى الأمام لو حركة واحدة، فيباركها الله ويمنحك القوة على أن تخطو خطوة أخرى. وهكذا إلى أن تصل إلى الكمال. وكما قال أحد القديسين:
إن الفضيلة تريدك أن تريدها لا غير.
مجرد إرادتك الخيّرة، تتلقفها النعمة، وتدفعها إلى حيز العمل، ثم إلى النمو. ولذلك ليس المطلوب منك أن تصل، وإنما أن تتحرك، أن تمشي في طريق الله. وهكذا تقول لنا أول آية في المزمور الكبير "طوباهُمْ الذينَ بلا عَيْبٍ في الطّريقِ" (مز119: 1). مجرد أن تكون سائرًا في الطريق. هذا أمر تستحق عليه الطوبى. عندئذ تحملك النعمة على أجنحتها، النعمة التي تعطي المُعْيي قوة (إش40: 29).
هناك أشخاص نموهم سريع. وآخرون نموهم بطيء. فكيف يصل هؤلاء؟
ليس لهم أن يقلقوا على وصولهم. المهم أن يكونوا سائرين في الطريق. إن الله "يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ" (مز103 : 14). لذلك تفتقدنا نعمته، لكي تدفعنا فنصل.
لذلك نصيحتي لك من جهة حياة الكمال: لا تيأس.
لا تيأس:
ضع أمامك تلك العبارة التي قالها القديس بولس الرسول:
"أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في 4: 13).
ولعل عبارة كل شيء قد أقتبسها هذا الرسول العظيم من قول السيد الرب "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر9: 23).
حقًا إنه قال في موضع آخر: "كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (مر10: 27) لكن من المعزي هنا أن يقول "كل شيء مستطاع للمؤمن". طبعًا بالقوة المعطاة له من الله. والتي عنها قال لتلاميذه القديسين: "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا" (يو14: 12). هنا وأصمت. لا أفسّر وإنما أتأمل..!
لا تقل إذًا: هذا آخر ما تصل إليه طبيعتي. ولا تستطيع أن تفعل أكثر من هذا!! قد لا تستطيع طبيعتك أن تعمل. ولكن نعمة الله العاملة فيك تستطيع. وقد لا تستطيع حصاة في مقلاع داود أن تقتل جليات الجبار. ولكن كانت تستطيع تلك العبارة التي قالها داود "الْيَوْمَ يَحْبِسُكَ الرَّبُّ فِي يَدِي" (1صم17: 46). الذي هزم جليات هو إيمان داود، وليس مجرد حصاته...
لذلك آمن أن الرب قادر أن يعمل بك ويعمل معك.
قد تكون كتلة من الخشب ملقاه على الأرض. ولكن (ابن النجار) قادر أن يعمل فيها، ويصنع منها كرسيًا لله، يجد مسرته فيه. وقد تكون التوبة صعبة على إرادتك الضعيفة. لكنها لا تكون صعبة إن قلت للرب: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ" (إر31: 18).
أو اعتبر نفسك أنك قطعة طين بسيطة، أخذها الفخاري العظيم، وصنع منها آنية للكرامة (رو9: 21). أليست له القدرة على ذلك.
لا تقل إن المقرر الروحي المطلوب مني طويل جدًا، وصفه يوحنا كليماكوس في ثلاثين درجة. ولست قادرًا على إتقان الأولى منها!! بل إني ألخصها لك في فضيلة واحدة هي المحبة، بها "يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ" (مت22: 40) فجاهد لكي تصل إلى هذه المحبة. وهي تكفيك وتغنيك عن الكل...
جاهد على قدر طاقتك. والله لا يطلب منك فوق ما تستطيع.
أبسط جناحك وطير إلى الله. وإن لم تستطع الطيران، اجريِ. وإن لم تستطع الجري، امشِ. وإن لم تستطع المشي، ازحف. وإن لم تستطع الزحف، قف حيث أنت. ولا ترجع إلى الوراء.
ومع الدعوة إلى الكمال، قد يسمح الله بأن يستبقي فيك نقصًا معينًا. حتى لا تقع في المجد الباطل من فرط فرائضك.
بطرس الرسول كان أحد أبطال الإيمان في القرن الأول الميلادي. ومع ذلك استبقى الله فيه مسألة "الاندفاع".
كما أن توما الرسول استبقى الرب فيه مشكلة الشك.
وأبونا إبراهيم استبقى فيه "الخوف".. وأنت - مع الكمال الذي تصل إليه - قد يبقي فيك نقص يقودك إلى الاتضاع!
بل السعي وراء الكمال يقود أيضًا إلى الاتضاع.
لأنك كلما تنظر إلى درجات أعلى منك بكثير لم تصل إليها بعد، تشعر بنقصك فتتضع نفسك، وترى أنك في الموازين إلى فوق...
من أجل هذا، كان قديسون كبار يقولون عن أنفسهم أنهم خطاة، لأنهم كانوا يتطلعون إلى درجات أعلى.
لذلك ثبت نظرك إلى المقاييس للفضيلة، واسعَ إليها.
ضع أمامك سير القديسين في كل ما وصلوا إليه. واقرأ السير الجميلة عن الكمال المسيحي. وصادق الأبرار الذين يرفعونك معهم إلى فوق. واحذر من الأصدقاء الذين يهبطون بمستواك إلى أسفل.
كذلك ينبغي أن يكون عندك دافع داخلي في قلبك.
يدفعك إلى التمسك بحياة الكمال، شاعرًا بأنها وصية إليك. وبناء على تنفيذها يتحدد مصيرك في الأبدية وتتحدد درجتك.
وباستمرار حاسب نفسك. وقل لها: أين أنا الآن من وصية الرب القائلة: كونوا كاملين...
وصلِّ لكي يعطيك الرب نعمة، تمتد بها إلى قدام.
ومهما نمت روحياتك، حذار أن تظن أنك صرت كاملًا.
اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا
اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا
(مت7: 7)
هكذا قال الرب في عظته في الجبل: "اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ" (مت7: 7، 8).
هو يريدنا أن نطلب. دعوة منه للصلاة. لنأخذ ونفرح.
ولذلك قال لتلاميذه القديسين: "إِلَى الآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئًا بِاسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا، لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً" (يو16: 24). فحينما تطلب من الله ويعطيك، تزداد صلتك به، ويقوى إيمانك بالله وبفاعلية الصلاة وفائدتها. وتفرح بما تأخذه من يد الله المحب.
ولكن قد يسأل البعض: كثيرًا ما طلبت ولم آخذ.
فأين إذًا الوعد الإلهي: اطلبوا تجدوا؟!
والإجابة هي أن هذا الوعد ليس بطريقة مطلقة، وإنما له أيضًا شروط واحتياطات. ونحن لا نأخذ باستخدام الآية الواحدة...
شروط الطلبة:
بل نضع أمام هذه الآية آيات أخرى ليكتمل المعنى:
ومنها "لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (مت6: 33). وكذلك قول القديس يعقوب الرسول: "تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ" (يع4: 3). وأيضًا إلى جوار "اُطْلُبُوا تَجِدُوا" نضع جزءًا من الصلاة الربية وهو "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ" (مت6: 10). إذًا قد لا تستجاب الصلاة، لأنها ضد مشيئة الله، أو لأنها لأجل لذات عالمية خاطئة. الأمر إذًا يحتاج إلى حكمة في الطلب.
أو قد يطلب الإنسان طلبًا ليس هو في صالحه.
كفتاة معجبة بشاب، وتطلب من الله أن تتم خطوبة هذا الشاب لها. بينما يرى الله أنها سوف لا تسعد بالزواج منه، بل سيتعبها. ولهذا من أجل الصالح لها، لا يحقق لها طلبتها.
أو أن شخصًا يقدم على وظيفة معينة، ويطلب من الله أن يتم تعيينه بها. ولا تستجاب طلبته، لأن الله يعدّ له وظيفة أخرى أفضل مما يطلبه بكثير. ولهذا أقول لكم قاعدة روحية وهي: إن الله لا يعطيكم ما تطلبونه حرفيًا، بل يعطيكم ما هو خير لكم.
الله يستقبل الطلبة، ويستجيبها حسب حكمته، بما فيه الصالح لنا.
معرفتنا نحن محدودة. ولكن الله "الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" (كو2: 3)، هو أدرى منا بما يفيدنا. لذلك يسمع طلبتنا، ويمزجها بجوده وصلاحه ومعرفته غير المحدودة. ثم يقدم لنا ما يراه خيرًا خالصًا.
أما ما يراه غير صالح لنا، فإنه يرفضه، ولا يطبق عليه عبارة "اطلبوا تجدوا" وهنا أذكر عبارة لأحد الآباء الروحيين قال فيها "تطلبون ولا تستجابون. لأن هناك ملائكة تصلي لأجلكم أن ينجيكم الرب من طلباتكم".
طلبة مرفوضة لقديس:
إنها طلبة لرسول من أعظم قديسي المسيحية، تعب أكثر من جميع الرسل (1كو15 :10) "اخْتُطِفَ هذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ... وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا" (2كو12: 2، 4). إنه بولس الرسول الذي قال: "وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي، لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ. مِنْ جِهَةِ هذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي. فَقَالَ لِي: تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ" (2كو12: 7- 9).
هذا القديس العظيم طلب الشفاء من المرض، من شوكة في الجسد. وقد يبدو أن الشفاء يتفق مع مشيئة الله. ولكن في حالة القديس بولس كان البقاء في المرض أفيد له روحيًا "لكي لا يرتفع بفرط الإعلانات" ومن كثرة المعجزات التي كان الله يجريها على يديه.
المَرض:
إن الله قد يسمح إذًا بالإبطاء في شفاء المرض، أو ببقائه من أجل فائدة المريض روحيًا، على الرغم من طلبه.
قد يكون المرض فرصة لمحاسبة النفس واكتشاف المريض لأخطائه وهو راقد على فراشه ومقيم في مستشفى، فيندم ويتوب...
بل ربما في تعرضه لعملية جراحية خطيرة ما ينفعه روحيًا أكثر من مائة عظة. وهنا يرجع إلى الله نادمًا، متعهدًا أن يبدأ معه حياة جديدة إذا ما تم شفاؤه...
وقد يساعده المرض على الاتضاع وانسحاق النفس، فيطلب ممن حوله أن يصلوا لأجله. وهو أيضًا يداوم على الصلاة ومن عمق القلب. ويصبح المرض وسيلة له في الاقتراب إلى الله.
وربما المرض أيضًا يوثق من علاقاته الاجتماعية، فتتكون له علاقات طيبة مع الذين زاروه في مرضه واهتموا بصحته وسلامته، وأظهروا نحوه مشاعر طيبة. وقد تكون فرصة يصطلح فيها مع بعض ممن كانت بينه وبينهم قطيعة أو شيء من الجفاء.
وقد يشتد المرض، فيتدرج من الصلاة إلى نذر ينذره لأجل الشفاء، يضيف فيه عمقًا جديدًا لعلاقته مع الله. وقد يلمس في مرضه يد الله معه، فيتحرك فيه الحب نحو الله والعرفان بالجميل. وما كانت له تلك المشاعر قبل المرض.
وفترة مرضه تعطيه فضيلة الاهتمام بالمرضى فيما بعد، إذ يحس بما يحتاجه المريض من عطف الآخرين وحبهم واهتمامهم...
ولعله بسبب هذا كله قال القديس باسيليوس الكبير: إنك لا تعرف النافع لك الصحة أم المرض (في بعض الأحيان). ولهذا فإن طلبة الشفاء من المرض، قد لا يستجيبها الله بالنسبة إلى بعض الحالات أو يؤجلها.
وأحيانًا، من جهة المرهقين في العمل، الذي قد يؤذيهم استمرار الإرهاق، قد يسمح لهم الله بفترة من المرض والرقاد على الفراش كفترة راحة إجبارية لصالح صحتهم...
نقول أيضًا إن الإنسان قد يطلب طلبة، ولا يستجيبها الله، بسبب إنها طلبة خاطئة وسنضرب لذلك أمثلة.
طلبات خاطئة:
في إحدى المرات كان ربنا يسوع المسيح سائرًا مع بعض من تلاميذه القديسين، متجهًا بوجهه إلى أورشليم فمروا على قرية للسامريين ولكنها رفضت أن تقبلهم. وهنا تحمس تلميذاه يعقوب ويوحنا وقالا له: "يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟" (لو9: 54).
إنها طلبة ربما دفعت إليها غيرة مقدسة، ليست حسب المعرفة. ولكن الرب لم يستجب لهذه الطلبة. بل وبخ هذين التلميذين القديسين قائلًا لهما: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ".
أكان ممكنًا أن تطبق على طلبة هذين التلميذين عبارة "اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِسْأَلُوا تُعْطَوْا"؟ فتهلك تلك القرية من قرى السامرة، بينما كان الرب قد أعدّ للسامرة خلاصًا وإيمانًا (يو4) (أع8)! أم نقول إن التلميذين لم يطلبا ما يوافق مشيئة الله وحسن تدبيره. وكانت طلبتهما خاطئة فلم يوافق الله عليها، بل وبخهما.
مثال آخر لنبي عظيم هو يونان النبي:
كان قد نادى على نينوى بالهلاك. فتابت المدينة وغفر الله لها ولم تهلك: "فَغَمَّ ذلِكَ يُونَانَ غَمًّا شَدِيدًا، فَاغْتَاظَ. وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ... فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي" (يون4: 1- 3). وكانت طلبة خاطئة منه. ولم يكن من صالح يونان أن تطبق عليه عبارة "اطلبوا تجدوا". فيموت وقد اغتاظ بالصواب، ولم تكن مشيئته وقتذاك موافقة لمشيئة الله الذي فرح بتوبة نينوى وعدم هلاكها.
ولو كان الله قد استجاب لطلبة يونان الذي طلب لنفسه الموت، لمات يونان وهو في حالة خطية. لكنه كان يطلب بجهل وهو في حالة انفعال لشفقة الله على نينوى. حقًا انطبق عليه ذلك القول "تطلبون ولا تجابون. لأن هناك ملائكة تصلي لأجلكم أن ينجيكم الرب من طلباتكم..!".
مثال آخر هو طلبة خاطئة لأبينا إبراهيم أبي الآباء:
لما طالت عليه المدة دون أن يعطيه الرب ابنًا من سارة امرأته، قال في يأسه للرب: "لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ" (تك17: 18). ولكن الرب أجابه بقوله: "بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ...".
مثال آخر حدث مع داود النبي:
كان داود قد أخطأ إلى بثشبع، وحبلت منه وأنجبت ابنًا. ومرض الولد مرضًا ثقيلًا "فَسَأَلَ دَاوُدُ اللهَ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، وَصَامَ" واضطجع على الأرض، وتذلل أمام الله "فَقَامَ شُيُوخُ بَيْتِهِ عَلَيْهِ لِيُقِيمُوهُ عَنِ الأَرْضِ فَلَمْ يَشَأْ، وَلَمْ يَأْكُلْ مَعَهُمْ خُبْزًا. وَكَانَ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ" (2صم12: 16- 18).
ولم يستجب الله لسؤال داود وطلبته وصومه وتذللـه. ولم تطبق عليه عبارة "اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا". ولو كان الله قد استجاب له، لحدثت مشكلة. ولأصبح ذلك الولد أكبر من سليمان الذي خلف داود الملك في عرشه...
مثال آخر لتلميذين عظيمين هما ابنا زبدي:
قدما طلبة، وكذلك أمهما طلبت نفس الطلبة. فماذا قالا للرب؟ "يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ لَنَا كُلَّ مَا طَلَبْنَا... أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَجْدِكَ" (مر10: 35-37).
وقد يظن البعض أنها طلبة مقدسة، أن يجلسا حول الرب! ولكنها طلبة فيها أيضًا العظمة والذات. ولم يستجب لهما الرب بل "قال لهما: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبغُ بِهَا أَنَا؟" ثم ألقى الرب عليهما وعلى التلاميذ درسًا في الاتضاع قائلًا لهم: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا، يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً، يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا".
ولم يعطِ الرب وعدًا ليعقوب ويوحنا أن يجلسا واحد عن يمينه والآخر عن يساره حسبما طلبا. إن عبارة "اطلبوا تجدوا" يمكن تنفيذها بعيدًا عن رغبات الذات في المجد والعظمة.
نعم. "اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا". ولكن حسب مشيئة الله، وفي معرفة وحكمة، بعيدًا عن عظمة الذات. ولا تكون طلبة خاطئة.
وهنا نقول ملاحظة بسيطة. وهي أن البعض - للأسف - قد يطلبون هلاك أعدائهم أو الضرر للآخرين كما حدث أن بالاق طلب من بلعام أن يلعن الشعب (عد22 ،23). وكان طلبًا ضد مشيئة الله، وفيه ضرر بالغير.
ملاحظات:
والبعض يريد أن يكون الله مجرد جهاز تنفيذي لرغباتهم!! بل ويلفظون بتهديدات كثيرة إن لم يستجب الرب لهم:
كأن يقول الواحد منهم: سأترك الكنيسة. سأمتنع عن التناول، وعن الاعتراف، وعن الاجتماعات...! في غضب لأن الله لم يستجب! ويقيمون خصومة مع الله. بل يسخرون ويقولون: ما فائدة الصلاة إذًا؟ إن كنا نصلي، والله لا يستجيب! وأيضًا يقولون: أين وعود الله: اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا..؟
نعم، يعطيك الله ما تطلب، على أن تكون طلبة صالحة.
فقد يطلب إنسان الموافقة له على زيجة غير شرعية، لقرابة مرفوضة من الله (لا18، 20). ويصر على عبارة "اسألوا تعطوا"!
كذلك قد يوجد إنسان يحب أن يعيش باستمرار بالمعجزات:
فهو إن مرض: لا يحب أن يذهب إلى طبيب أو أن يأخذ علاجًا، ولا أن يسير على قواعد صحية. ويطلب باستمرار أن يمنحه الله الصحة والقوة والشفاء، ناسيًا قول الرب: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى" (مت9: 12). أي أن المرضى يحتاجون إلى طبيب.
أو يطلب ولا يعمل. بينما يقول الكتاب: "إِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ" (يع2: 20، 26).
كطالب علم (تلميذ) يطلب من الله النجاح، وهو في نفس الوقت لا يذاكر! ويتمثل بعبارة "اطلبوا تجدوا"! ناسيًا كل الآيات التي تدعو إلى العمل والمثابرة، وتشرح مضار الكسل. أترى مجرد الصلاة - بدون مذاكرة - كافية للنجاح؟!
حقًا إن طلبة النجاح توافق مشيئة الله. ولكن مما يوافق مشيئة الله أيضًا أنك تأخذ الشيء الذي تستحقه.
أليس مثل العذارى الجاهلات واضحًا أمامنا؟
هل يمكن استقبال العريس دون أن يكون في المصابيح زيت؟! ثم أنهن قلن: "يَا سَيِّدُ، يَا سَيِّدُ، افْتَحْ لَنَا" (مت25: 11). ولم يفتح لهن. بل قال لهن: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ". إذًا عبارة "اقرعوا يفتح لكم" تؤخذ بحكمة وشروط.
ربما يكون هذا سببًا آخر لعدم استجابة الطلبة، وهو أنها تأتي بعد فوات الفرصة، بعد أن يكون الباب قد أُغلق...
أو قد تطلب ولا تُستجاب، لأنك لست في صلح مع الله.
حسب قول الكتاب إن صلاة الأشرار مكرهة للرب. أو حسب قول الرب في سفر إشعياء النبي: "حِينَ تَبْسُطُونَ أَيْدِيَكُمْ أَسْتُرُ عَيْنَيَّ عَنْكُمْ، وَإِنْ كَثَّرْتُمُ الصَّلاَةَ لاَ أَسْمَعُ. أَيْدِيكُمْ مَلآنَةٌ دَمًا" (إش1: 15).
إذًا لقبول الطلبة ينبغي أن نذكر قول الرب:
"ارْجِعُوا إِلَيَّ أَرْجعْ إِلَيْكُمْ" (ملا3: 7).
إذن إذا طلبت طلبة ولم تستجب، اذكر أنه ربما يكون السبب راجعًا إليك. اصطلح مع الله إذن، ثم اطلب.
وقد تعد الله وعودًا إذا استجاب طلبتك. فإذا استجابها، ترجع ولا تفي. فلا يستأمنك الله في استجابة طلبة أخرى. وقد تعد الرب بالتوبة والسلوك الأخرى ولا تفي. وينطبق عليك قول الشاعر:
صلى وصامَ لأجل أمر كان يطلبه فلما انقضي الأمر ما صلى ولا صامَ
أو قد يكون ملخص طلباتك، أنك تريد السير في الطريق الواسع.
تريد أن يسهّل لك الرب كل شيء، دون أن تبذل جهدًا للوصول وتحتمل. بينما السهولة في كل شيء لا تتفق مع تعليم الرب الذي قال في نفس العظة على الجبل: "اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ" (مت7: 13).
إن الله يريدك أن تجاهد وتتعب، وهو يستجيب طلبتك في الوصول.
قد تطلب التوبة وتقول: "تَوِّبْنِي فَأَتُوبَ" (إر31: 18).
وتقول هأنذا أطلب طلبة توافق مشيئة الله. وهو - تبارك اسمه - مستعد أن يوصلك إلى التوبة. ولكن إلى جوار طلبة "توبني فأتوب" ضع قول القديس بولس الرسول: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
وبالمثل أنت تطلب من الرب أن يوفقك في عملك. ولا شك أن هذه طلبة مقبولة، بشرط أن تكون أنت أيضًا أمينًا في عملك.
نحن لا نسير في الروحيات بطريقة أنصاف الحقائق.
ولا نسير في فهم تعليم الكتاب بطريقة الآية الواحدة.
ومع محبة الله لنا، لا يسيّرنا الله بأسلوب التدليل الخاطئ.
فعذراء النشيد لما اتبعت أسلوب التدلل. وقرع الله على بابها، فتكاسلت وقالت: "قَدْ خَلَعْتُ ثَوْبِي، فَكَيْفَ أَلْبَسُهُ؟ قَدْ غَسَلْتُ رِجْلَيَّ، فَكَيْفَ أُوَسِّخُهُمَا؟!" (نش5: 3)... حينئذ تعرضت إلى الخبرة المُرّة التي قالت فيها: "حَبِيبِي تَحَوَّلَ وَعَبَرَ. نَفْسِي خَرَجَتْ عِنْدَمَا أَدْبَرَ. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. دَعَوْتُهُ فَمَا أَجَابَنِي" (نش5: 6).
إذن عبارة "اطلبوا تجدوا" توضع أمامها عبارة "طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ" مع السبب الذي أدَّى إلى ذلك.
هنا تبدو حكمة التخلي المؤقت في تدبير الله للبشر...
قد يتخلى أحيانًا، فيعطينا فرصة للبحث عنه وللصلح معه، وللندم على سلوكنا الذي أدَّى إلى هذا التخلي. وهذا هو ما فعلته عذراء النشيد. فلما قالت: "طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ" (نش3: 1)، قالت بعد ذلك: "إِنِّي أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ، فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ، أَطْلُبُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي..." (نش3: 2). التخلي قادها إلى النشاط حتى وجدته.
وقد يكون السبب في تخلي الله، أنك تخليت عن أولاده.
فعاملك بالحكم الذي قال فيه: "بِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (مت7: 2). وفي هذا قال الكتاب أيضًا: "مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ، فَهُوَ أَيْضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَابُ" (أم21: 13). وهذا مثل واضح في أن عدم الاستجابة هي بسببك أنت.
إذن عبارة "اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا" طبقها على نفسك.
وهذا ما قاله الرب أيضًا في العظة على الجبل: "مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ" (مت5: 42). بهذا تكنز لنفسك كنزًا في السماء، تجده حينما تطلب. وفي هذا قال الكتاب: "مَنْ يَرْحَمُ الْفَقِيرَ يُقْرِضُ الرَّبَّ" (أم19: 17). إنه قرض يُرد لك حينما تطلب. وتستحق وعد الرب: "اطلبوا تجدوا".
مَنْ قَالَ: رَقَا... وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ
مَنْ قَالَ: رَقَا... وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ
(مت5: 22)
هكذا قال الرب في العظة على الجبل "... مَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ" (مت5: 22).
فما المقصود بكلمة (رقا)؟
هي كلمة أرامية أو سريانية بمعنى فارغ أو باطل. وفي تفسير القديس أغسطينوس للعظة على الجبل، ذكر أنه بسؤاله لرجل عبراني، عرف أنها تعني أقل كلمة إهانة...
وهنا يقصد الرب أن أية عبارة فيها عدم احترام، تستوجب أن يقف قائلها أمام المجمع لكي يُحاكم عليها.
فماذا إن قال لأخيه "يا أحمق" ؟
حينئذ يكون مستوجبًا لنار جهنم... إلى هذا الحدّ ينبغي للإنسان أن يكون مدققًا في ألفاظ تخاطبه مع الآخرين. وعلى رأى القديس باسيليوس الكبير: "ماذا انتفع إن فعلت كل البر، ثم قلت لأخي يا أحمق، وحينذاك أكون مستوجبًا لنار جهنم؟!" وكلمة (أحمق) تعني بلا شك ما يشابهها من ألفاظ... كأن تقول لأحد الأشخاص (يا غبي). أو تقول إنه لا يفهم، أو إنه قاصر التفكير، أو لا يعقل، أو لا عقل له، وما شابه ذلك. فتستوجب نار جهنم.
إذن نار جهنم ليست فقط للخطايا الكبيرة مثل القتل والزنا، وإنما هي أيضًا لخطايا اللسان كالشتيمة مثلًا...
وحقًا ما ذنب إنسان في أنه قاصر التفكير، أو ناقص العقل، أو أنه معوّق عقليًا Mentally Retarded ؟ وقد وُلد هكذا!!
إن مواهب الناس تختلف من شخص لآخر. وقد يكون إنسان لم يهبه الله الذكاء. فإن عيرناه بهذا، إنما نعيّر خالقه... تمامًا مثلما نعيّر شخصًا آخر بأنه دميم الخلقة، أو قصير القامة، وألثغ اللسان، أو فائق السمنة، أو أن نعيب أي شيء من ملامحه... أليس من يفعل هذا، إنما يعيّر الله الذي خلقه هكذا؟! وهو لون من تحقير إنسان، بسبب لا ذنب له فيه.
على أن كلمة أحمق هنا تنوب عن الشتيمة بوجه عام.
الشتيمَة:
إن الشتيمة تمنع من دخول ملكوت الله. كما قال الرسول: "لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ... وَلاَ شَتَّامُونَ... يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ" (1كو6: 9، 10).
وهكذا جعل الشتّامين مع الزناة والفاسقين وعبدة الأوثان... بل أمر بعدم مخالطتهم فقال: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخًا زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّامًا... أَنْ لاَ تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا" (1كو5: 11). فالإنسان يدان بخطية لسانه، كما قال الرب:
"بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" (مت12: 37).
بل اعتبر خطية اللسَان نجاسَة:
فقال: "لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ" (مت15: 11). وعلّل الرب ذلك بقوله: "أَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ فَمِنَ الْقَلْب يَصْدُرُ، وَذَاكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ" (مت15: 18). لأنه "مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ... وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ (الذي في قلبه) يُخْرِجُ الشُّرُورَ" (مت12: 34، 35). لذلك قال الرب بعد هذا: "إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ" (مت12: 36).
إن الشتيمة إذن هي خطية لسان، وخطية قلب...
وتدل على إدانة وعدم محبة. لأن المحبة لا تقبّح (1كو13: 5).
والذي يدين غيره بالشتيمة، إنما يُدان أمام الله. فقد قال الرب: "لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا" (مت7: 1). فإن كان الذي يدين أحدًا على خطية، هو يُدان أيضًا. فكم بالحريِّ من يشتم شخصًا بسبب عيب لا ذنب له فيه..! والشتيمة خطية اجتماعية غير مقبولة. هي خطية ظاهرة ومنفرة، فيها إقلال من شأن الآخرين، وعدم احترام لهم، وإساءة للسمعة. والإنسان الشتام يبعد الناس عنه، يتقون شر لسانه غير النقي.
هذا اللسان العدواني الشتام، تكلم عنه القديس يعقوب الرسول: فقال إنه "يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ" وإنه "نَارٌ" "يُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ" "هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوٌّ سُمًّا مُمِيتًا. بِهِ نُبَارِكُ اللهَ الآبَ، وَبِهِ نَلْعَنُ النَّاسَ الَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى شِبْهِ اللهِ" (يع3: 6- 9).
والذي يقول لأخيه يا أحمق، يكون معاليًا في كلامه.
يظن أنه خير من غيره في المعونة والعقل والحكمة. بل يكون هو الأحمق في تعامله وفي كبريائه. ولذلك كثير من الناس يتحاشون الشتام ولا يجيبونه مهما شتم عملًا بقول الحكيم "لاَ تُجَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلاَّ تَعْدِلَهُ أَنْتَ" (أم26: 4). وأحيانًا إذا تمادى محاولًا أن يظهر أنه على حق فيما يقوله، يردون عليه عملًا بقول الحكيم أيضًا: "جَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلاَّ يَكُونَ حَكِيمًا فِي عَيْنَيْ نَفْسِهِ" (أم26: 5).
على أن الشتام تزداد خطيئته، إذا تطاول على الكبار.
لذلك تأمر شريعة العهد القديم بقتل من يشتم أباه وأمه. وهكذا ورد في سفر اللاويين "كُلُّ إِنْسَانٍ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. قَدْ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. دَمُهُ عَلَيْهِ" (لا20: 9). وكان شمعي بن جيرا يستحق القتل، لأنه سبّ مسيح الرب (2صم19: 21). وقيل في سفر الجامعة: "لاَ تَسُبَّ الْمَلِكَ وَلاَ فِي فِكْرِكَ" (جا10: 20). ومن جهة خطورة سبّ رجال الكهنوت، قال القديس باسيليوس الكبير "إن كان من يقول لأخيه يا أحمق يستحق نار جهنم، فماذا عن الذي يقول كلمة سوء على أسقفه، الذي بوضع يده ينال الروح القدس؟!" لا شك أنها خطية مركبة: فيها خطية الشتيمة، وعدم احترام الكهنوت، وعدم توقير الأبوة الروحية...
وقد تكون الشتيمة بلفظ لا يحمل في ذاته شتيمة.
مثال ذلك ما حدث من اليهود في معجزة منح البصر للمولود أعمى: لما احتدم الجدال بينهم وبينه بشأن السيد المسيح، قال لهم المولود أعمى: "أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلاَمِيذَ؟ فَشَتَمُوهُ وَقَالُوا: أَنْتَ تِلْمِيذُ ذَاكَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا تَلاَمِيذُ مُوسَى" (يو9: 27، 28). فالتلمذة للمسيح ليست شتيمة بل هي مجد وفخر. ولكنها في عُرفهم اعتُبرت شتيمة! لذلك شتموه قائلين: أنت تلميذ ذاك!!
على أن الكتاب المقدس يعطينا تعليمًا عن احتمال الشتائم.
قيل عن السيد المسيح له المجد "الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا" (1بط2: 23). وقد احتمل التعيير والخزي (عب12: 2) (إش53: 7).
وقد علمنا قائلًا: "بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ... وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ" (مت5: 44).
وقال تلميذه القديس بولس الرسول: "بَارِكُوا عَلَى الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُمْ. بَارِكُوا وَلاَ تَلْعَنُوا" (رو12: 14). وقال أيضًا: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 21).
على أننا ينبغي أن نفرّق بين الشتيمة، وبين كلمات التوبيخ والانتهار من الرب ورسله، أو من أي شخص مسئول أو له سلطان.
فالسيد المسيح قال للكتبة والفريسيين: "أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ". وقال لهم أيضًا: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِل مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ" (مت23: 16، 27).
ولم تكن هذه شتيمة، وإنما هي حكم إلهي وتقرير حالة.
كذلك القديس يوحنا المعمدان وبخ الفريسيين والصدوقيين قائلًا: "يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي؟ فَاصْنَعُوا أَثْمَارًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (مت3: 7، 8). ولم تعتبر هذه شتيمة. بل هي توبيخ وإنذار من نبي عظيم له سلطان أن يوبخ. وعبارة (أولاد الأفاعي) تعني أولاد الشيطان. وهذا نفس ما وبخ به الرب اليهود قائلًا لهم:
"أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا" (يو8: 44).
والقديس بولس الرسول وبخ أهل غلاطية قائلًا لهم: "أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ... أَبِأَعْمَالِ النَّامُوسِ أَخَذْتُمُ الرُّوحَ أَمْ بِخَبَرِ الإِيمَانِ؟!" (غلا3: 1، 2). وكان له الحق أن يوبخهم كرسول وكأب روحي. لأنهم كانوا حقًا أغبياء. إذ بعدما ابتدأوا بالروح كملوا بالجسد! (غلا3: 3).
إن الذي له مسئولية التعليم والتأديب والتوجيه، له الحق أن يوبخ. ولا يعتبر توبيخه شتيمة. وهذا من حق الأب الروحي والأب الجسدي.
بل هذا من واجبه كذلك. وهكذا قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ" (2تي4: 2). وقال له أيضًا: "اَلَّذِينَ يُخْطِئُونَ وَبِّخْهُمْ أَمَامَ الْجَمِيعِ، لِكَيْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَاقِينَ خَوْفٌ" (1تي5: 20).
والسيد الرب الإله أوقع عقوبة شديدة على عالي الكاهن وقطعه وكل بيته من الكهنوت لأنه لم يؤدب أولاده ولم يردعهم (1صم3: 12، 13) (1صم4: 18).
نفس سلطان التوبيخ والردع، أُعطيَ للمعلم بالنسبة إلى تلاميذه، وللحاكم الذي يقتص من فاعلي الشر. وأُعطيَ أيضًا للأم كما أُعطيَ للأب...
لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ
لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ
(مت5: 24)
هكذا قال الرب في العظة على الجبل:
"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ"
(مت5: 33- 37).
لقد تدرج الأمر في موضوع الحلفان. فنقطة أساسية كانت معروفة، وهي أن الإنسان لا يحلف بالكذب، كما قال الرب:
"لاَ تَحْلِفُوا بِاسْمِي لِلْكَذِبِ، فَتُدَنِّسَ اسْمَ إِلهِكَ" (لا19 :12).
ولكن الحلفان عمومًا باسم الرب كان مصرحًا به في عصر انتشرت فيه الوثنية. وكان كل واحد من الوثنيين - لكي يؤكد كلامه - يحلف باسم إلهه. فلكي يتميز شعب الله عن الوثنيين، كان مصرحًا لهم أن يحلفوا باسم الله. وهكذا قيل في سفر الشريعة:
"الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُ، وَبِاسْمِهِ تَحْلِفُ" (تث6: 13) (تث10: 20).
وذلك لكي يبقى اسم الله باستمرار في ذاكرتهم وفي معاملاتهم، ولتمييزهم عن غير المؤمنين بالله الحي الذين لهم آلهة أخرى يحلفون بها. وقد نهاهم الرب عن استخدام أسماء تلك الآلهة في إقسامهم. وهكذا قيل لهم على فم يشوع النبي: "لاَ تَدْخُلُوا إِلَى هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ، أُولئِكَ الْبَاقِينَ مَعَكُمْ، وَلاَ تَذْكُرُوا اسْمَ آلِهَتِهِمْ، وَلاَ تَحْلِفُوا بِهَا، وَلاَ تَعْبُدُوهَا..." (يش23: 7).
كذلك قال الرب في سفر إرميا النبي عن جيران شعبه: "إِذَا تَعَلَّمُوا عِلْمًا طُرُقَ شَعْبِي أَنْ يَحْلِفُوا بِاسْمِي... كَمَا عَلَّمُوا شَعْبِي أَنْ يَحْلِفُوا بِبَعْل، أَنَّهُمْ يُبْنَوْنَ فِي وَسْطِ شَعْبِي" (إر12: 16).
وقد تعوّد المؤمنون بالله، أن يستحلفوا بعضهم بعضًا باسم الرب:
فقال شاول الملك لداود: "الآنَ فَإِنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ تَكُونُ مَلِكًا... فَاحْلِفْ لِي الآنَ بِالرَّبِّ إِنَّكَ لاَ تَقْطَعُ نَسْلِي مِنْ بَعْدِي، وَلاَ تُبِيدُ اسْمِي مِنْ بَيْتِ أَبِي. فَحَلَفَ دَاوُدُ لِشَاوُلَ" (1صم24: 20 - 22).
ولما أراد عزرا الكاتب تنقية الشعب من النساء الغريبات: "قَامَ عَزْرَا وَاسْتَحْلَفَ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَاللاَّوِيِّينَ وَكُلَّ إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا حَسَبَ هذَا الأَمْرِ، فَحَلَفُوا" (عز10: 5).
وهذا الاستحلاف كان معروفًا أيضًا قبل شريعة موسى.
فقد قال يوسف الصديق أن أباه يعقوب كان قد استحلفه أن يدفنه بعد موته في القبر الذي حفره لنفسه في أرض كنعان. فقال له فرعون: "اصْعَدْ وَادْفِنْ أَبَاكَ كَمَا اسْتَحْلَفَكَ" (تك50: 5، 6).
وكذلك قيل عن يوسف: "وَاسْتَحْلَفَ يُوسُفُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: اللهُ سَيَفْتَقِدُكُمْ فَتُصْعِدُونَ عِظَامِي مِنْ هُنَا" (تك50: 25).
وفعل موسى النبي ذلك عند الخروج من مصر. فقيل: "وَأَخَذَ مُوسَى عِظَامَ يُوسُفَ مَعَهُ، لأَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَحْلَفَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِحَلْفٍ قَائِلاً: إِنَّ اللهَ سَيَفْتَقِدُكُمْ فَتُصْعِدُونَ عِظَامِي مِنْ هُنَا مَعَكُمْ" (خر13: 19).
وأبانا إبراهيم قال لعبده: "أَسْتَحْلِفَكَ بِالرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ وَإِلهِ الأَرْضِ أَنْ لاَ تَأْخُذَ زَوْجَةً لابْنِي مِنْ بَنَاتِ الْكَنْعَانِيِّينَ..." (تك24: 3).
ونلاحظ أن هذا الاستحلاف حدث مع السيد المسيح له المجد.
كان صامتًا حينما كان يُحاكم أمام مجلس السنهدريم "لا يجيب بشيء". "كَانَ سَاكِتًا. فَأَجَابَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟" فأجابه السيد إلى طلبه وقال له: "أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ" (مت26: 63- 64).
إذن كان الحلفان مباحًا، بشرط أنه لا يكون كذبًا. ولكن احترامًا لاسم الله العظيم، وضُعت وصية إلهية في الوصايا العشر تقول:
"لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلهِكَ بَاطِلاً" (خر20: 7) (تث5: 11).
ووضع معها عقوبة تقول: "أَنَّ الرَّبَّ لاَ يُبْرِئُ مَنْ نَطَقَ بِاسْمِهِ بَاطِلاً". ونلاحظ هنا أنه لم يمنع فقط أن يحلف الإنسان باطلًا، بل حتى مجرد أن ينطق باسم الرب الإله باطلًا. وكلمة (باطلًا) هنا تعني: بدون أي سبب ملزم...
ذلك لأن اسم الرب يليق به الخشوع حيث يُنطق به.
هناك قصة تروي أن عبدًا مسيحيًا متدينًا له سيد كثير الحلفان، وينطق باسم الرب عبثًا، في مناسبة وغير مناسبة. فكان هذا السيد في كل مرة ينطق فيها باسم الرب، يجد عبده المسيحي ينحني خاشعًا ويسجد إلى الأرض. فتعجب وسأله عن سبب ذلك، فشرح له ذلك العبد المسيحي عظمة ورفعة اسم الرب خالق السماء والأرض. وبدأ ذلك السيد يتخشع، ويحترس فلا يذكر اسم الرب - كما كان يفعل - بلا اكتراث!
إن اسم الرب مهوب ومرهوب، لذلك في الصلاة الربية:
لا نقول فقط (أبانا) بل بعدها (الذي في السموات).
لكي شعورنا بالدالة له كأب، لا ينسينا عظمته أنه في السموات، على الرغم من وجوده كذلك في كل مكان. وبذلك لا نسمح للحب أن يفقدنا المهابة، ولا الدالة تفقدنا الخشوع!
وهكذا يقول المرتل في المزمور: "عَظِّموا الرَّبَّ مَعي لنَرْفَع اِسْمَهُ جَميعًا" (مز34: 2).
اسم الرب ترتعد منه الشياطين إن نطقناه بإيمان.
نلاحظ هيبة اسم الرب في تمجيد السارافيم والأربعة أحياء غير المتجسدين.
السارافيم يسبحونه في خشوع، بجناحين يغطون وجوههم، وبجناحين يغطون أرجلهم، وهم يقولون: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ" (إش6: 2- 4). والأربعة أحياء يعطون مجدًا وكرامة وشكرًا للجالس على العرش، وهم يقولون: "قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (رؤ4: 8). فيخلع الأربعة والعشرون كاهنًا أكاليلهم أمام العرش قائلين: "أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ" (رؤ4: 11). ويخرون ويسجدون للحي إلى أبد الأبدين (رؤ5: 14).
وللأسف فإن البعض لا يشعرون بكرامة اسم الله القدوس.
ويحلفون باسمه عبثًا، ويشهدونه على العديد من تفاهاتهم.
البعض يحلف بحكم العادة، ويستخدم اسم الله في حكاياته وأحاديثه، طالبًا أن يصدقه الناس بالحلفان. والبعض يستخدم اسم الله في العبث وفي الأغاني. ويستعمله كمجرد عبارة استحسان، حتى في مجال التهديد، أو في مجال الانتقام، كما فعل داود في غيظه من نابال الكرملي فقال مقسمًا "هكَذَا يَصْنَعُ اللهُ لأَعْدَاءِ دَاوُدَ وَهكَذَا يَزِيدُ، إِنْ أَبْقَيْتُ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ إِلَى ضَوْءِ الصَّبَاحِ بَائِلاً بِحَائِطٍ" (1صم25 : 22).
نلاحظ في قصة مقتل يوحنا المعمدان، أن هيرودس الملك لما رقصت ابنة هيروديا وأعجبته، أنه "وَعَدَ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبَتْ يُعْطِيهَا" (مت14: 7). فطلبت منه رأس يوحنا المعمدان!! وهكذا ما كان يدري ما تجره إليه أقسامه من جريمة نحو نبي عظيم. ولكي لا يحنث في قسمه، أمر بقطع رأس يوحنا !!
إن السيد المسيح قد أمر قائلًا: لا تحلفوا البتة.
ليس فقط باسم الله، بل بكل ما يتعلق به...
"لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ، وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ" (مت5: 34، 35).
ويمكن أن يشمل هذا التعليم أمورًا كثيرة:
كأن يحلف إنسان بالصليب المقدس، أو يحلف بالإنجيل. أو أن يضع يده على الكتاب المقدس ويحلف، أو يضعه على عينيه ويحلف... كل ذلك حلفان ممنوع...
ومثاله: من يحلف بالهيكل أو بالمذبح أو بالقربان.
كما حدث أن الرب وبخ الكتبة والفريسيين قائلًا:
"أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ! الْقَائِلُونَ: مَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَب الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ!.. وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ. أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ! أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلْقُرْبَانُ أَمِ الْمَذْبَحُ الَّذِي يُقَدِّسُ الْقُرْبَانَ؟! فَإِنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِكُلِّ مَا عَلَيْهِ! وَمَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِالسَّاكِنِ فِيهِ، وَمَنْ حَلَفَ بِالسَّمَاءِ فَقَدْ حَلَفَ بِعَرْشِ اللهِ وَبِالْجَالِسِ عَلَيْهِ" (مت23: 16- 22).
نورد كل هذا، لأن البعض ربما يظن عن جهل، أن الحلفان الممنوع هو الحلفان فقط باسم الله.
إن السيد الرب منع الحلفان حتى بما يخصك أنت.
فقال: "وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ" (مت5: 36).
أو قد يحلف إنسان ويقول: وحياة أولادي، وحياتك، ورحمة أبي. ليس لك سلطان في كل هذا. فلا تحلف بالأحياء، ولا بالأموات.
ومن أمثلة ذلك في العهد القديم، في النزاع بين يعقوب وخاله لابان، يقول الكتاب: "وَحَلَفَ يَعْقُوبُ بِهَيْبَةِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ" (تك31: 53) ... أو بشيبة أبيه... وهذا في العهد الجديد غير جائز.
الحلفان بالله للتمييز عن الوثنيين انتهى بانقراض الوثنية وانتهائها.
والحلفان ليصدقك إنسان، دليل على عدم ثقته بكلامك...
فقل الحق، وليصدق سامعك أو لا يصدق. ولكن لا تحلف...
إن كنت موضع ثقة، فسوف يصدقك دون أن تحلف.
وإن كنت لم تصر بعد موضعًا لثقته، فسوف تثبت له الأيام صحة ما تقول. وبالخبرة سوف تصبح بصدقك موضعًا للثقة دون حلفان.
وقد يحلف إنسان فلا يصدقونه، فيزيد في الحلف والقسم، ولا يصدقونه أيضًا!!
فالخير إذن أن تتبع وصية الرب:
"لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ" (مت5: 37).
تكفي هيبة كلامك ومصداقيته، التي لا تحتاج إلى تأكيدات...
سَمعتم أنَه قيل عَين بعَين، وسِن بسن...
سَمعتم أنَه قيل
عَين بعَين، وسِن بسن...
(مت5: 38)
تشريع قضائي:
هكذا قال الرب في العظة على الجبل: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ..." (مت5: 38- 41).
في الواقع إن عبارة (عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ) كان شريعة للتقاضي، وليست للمعاملات الشخصية.
أي أنه إذا اعتدى شخص على آخر، وعرض الأمر على القاضي أو على لجنة للتحكيم، فتكون الشريعة التي يحكمون بها هي هذه عين بعين... وقد ورد ذلك في سفر الخروج (أصحاح21) الذي يبدأ بعبارة "وهذه هي الأحكام التي تضع أمامهم...".
وقد ورد فيها "وَإِنْ حَصَلَتْ أَذِيَّةٌ تُعْطِي نَفْسًا بِنَفْسٍ، وَعَيْنًا بِعَيْنٍ، وَسِنًّا بِسِنٍّ، وَيَدًا بِيَدٍ..." (خر21: 23، 24).
وقد ورد في (لا24: 19، 20): "وَإِذَا أَحْدَثَ إِنْسَانٌ فِي قَرِيبِهِ عَيْبًا، فَكَمَا فَعَلَ كَذلِكَ يُفْعَلُ بِهِ. كَسْرٌ بِكَسْرٍ، وَعَيْنٌ بِعَيْنٍ، وَسِنٌّ بِسِنٍّ...".
وواضح أنه حكم قضائي كما ورد في سفر التثنية "فَافْعَلُوا بِهِ كَمَا نَوَى أَنْ يَفْعَلَ بِأَخِيهِ. فَتَنْزِعُونَ الشَّرَّ مِنْ وَسْطِكُمْ. وَيَسْمَعُ الْبَاقُونَ فَيَخَافُونَ... لاَ تُشْفِقْ... نَفْسٌ بِنَفْسٍ. عَيْنٌ بِعَيْنٍ. سِنٌّ بِسِنٍّ..." (تث19: 19- 21).
إذن هي شريعة للقضاء. وليست تصريحًا للأفراد بأن ينتقموا لأنفسهم.
لا انتقام:
إن الرب لم يغير شريعة العهد القديم في هذا الموضوع. لقد قدّم تفسيرًا لها، ولم يقدم تناقضًا. فالله لم يأمر في العهد القديم بأن ينتقم شخص لنفسه. بل نلاحظ عكس ذلك.
إن داود النبي لم ينتقم من شاول الملك لما وقع في يده.
شاول الذي حاول قتل داود أكثر من مرة، وطارده من برية إلى أخرى، وحرَّض كثيرين على قتله.
وأخيرًا لما وقع في يدي داود، وكان من السهل جدًا أن يقتله، وقد حرضه رجاله على ذلك... رفض داود أن يسمع لهم، وارتفع عن مستوى الانتقام، "فَقَالَ لِرِجَالِهِ: «حَاشَا لِي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ... فَأَمُدَّ يَدِي إِلَيْهِ، لأَنَّهُ مَسِيحُ الرَّبِّ هُوَ" (1صم24: 6) (1صم26: 11).
ولما فكر داود مرة أن ينتقم من نابال الكرملي، وبخته أبيجايل.
وقالت له: "..لاَ تَكُونُ لَكَ هذِهِ مَصْدَمَةً وَمَعْثَرَةَ قَلْبٍ لِسَيِّدِي، أَنَّكَ قَدْ سَفَكْتَ دَمًا عَفْوًا، أَوْ أَنَّ سَيِّدِي قَدِ انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ" (1صم25: 31).
وسمع داود لنصيحة أبيجايل وامتدحها. وقال لها: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ، لأَنَّكِ مَنَعْتِنِي الْيَوْمَ مِنْ إِتْيَانِ الدِّمَاءِ وَانْتِقَامِ يَدِي لِنَفْسِي" (1صم25: 33).
نلاحظ أيضًا أن يوسف الصديق لم ينتقم من إخوته بل أكرمهم.
لقد نزعوا قميصه عنه، وألقوه في بئر جاف ليموت، ثم باعوه بعد ذلك وصار عبدًا لفوطيفار... ولما أحسن الرب إلى يوسف، وصار متسلطًا على كل أرض، ووقع إخوته في يديه، لم ينتقم منهم، بل على العكس أسكنهم في أرض جاسان، واعتنى بهم، وبكى حينما كلموه قائلين: "اصْفَحْ عَنْ ذَنْبِ عَبِيدِ إِلهِ أَبِيكَ". قال لهم: "لاَ تَخَافُوا... أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا... لاَ تَخَافُوا. أَنَا أَعُولُكُمْ وَأَوْلاَدَكُمْ. فَعَزَّاهُمْ وَطَيَّبَ قُلُوبَهُمْ" (تك50: 17- 21).
والمنع عن الانتقام أيّده العهد الجديد، كما قال الكتاب:
"لاَ تُجَازُوا أَحَدًا عَنْ شَرّ بِشَرّ... لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ".
"لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ" (رو12: 17، 19). أي لا تنتقم لنفسك، بل اترك الأمر إلى الله. هو يتصرف، لأن له المجازاة. ويقول معلمنا بطرس الرسول أيضًا: "غَيْرَ مُجَازِينَ عَنْ شَرّ بِشَرّ أَوْ عَنْ شَتِيمَةٍ بِشَتِيمَةٍ، بَلْ بِالْعَكْسِ مُبَارِكِينَ، عَالِمِينَ أَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ..." (1بط3: 9).
فالشخص الذي يشتمه إنسان شرير، ويرد عليه الشتيمة بمثلها، إنما يصير مثله في الخطأ. ولذلك يقول الكتاب: "لاَ تُجَاوِبِ الْجَاهِلَ حَسَبَ حَمَاقَتِهِ لِئَلاَّ تَعْدِلَهُ أَنْتَ" (أم26: 4)..
فالناس حينما يرونكم تتبادلون الشتائم هكذا، يقولون إنكم من نفس المستوى غير الروحي.
لا تأخذ حقك على الأرض. فحقك محفوظ في السماء.
الله سيعطيك حقك، فانتظر الرب. وأيضًا لا تركز مشاعرك حول ذاتك. وبروح المحبة احتمل. فالمحبة "لاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا". والمحبة "تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ" (1كو13: 6، 7).
وعدم المجازاة عن شر بشر، موجود أيضًا في العهد القديم:
فقد ورد في سفر الأمثال "لاَ تَقُلْ: كَمَا فَعَلَ بِي هكَذَا أَفْعَلُ بِهِ. أَرُدُّ عَلَى الإِنْسَانِ مِثْلَ عَمَلِهِ" (أم24: 29). وورد أيضًا "لاَ تَقُلْ: إِنِّي أُجَازِي شَرًّا. انْتَظِرِ الرَّبَّ فَيُخَلِّصَكَ. مِعْيَارٌ فَمِعْيَارٌ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم20: 22، 23).
إذن فالسيد الرب أراد أن يصحح مفهوم البعض لعبارة (عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ) التي لا تعني مطلقًا التصريح بالانتقام الشخصي. وكأنه يقول لهم عبارته للصدوقيين "تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ" (مت22: 29).
فالإنسان لا يحق له أن ينتقم، ولا أن يفرح بضرر لعدوه.
فالكتاب يقول: "لاَ تَفْرَحْ بِسُقُوطِ عَدُوِّكَ، وَلاَ يَبْتَهِجْ قَلْبُكَ إِذَا عَثَرَ، لِئَلاَّ يَرَى الرَّبُّ وَيَسُوءَ ذلِكَ فِي عَيْنَيْهِ" (أم24: 17).
فأنت لا تنتقم، ولا تفرح بالنقمة إن أتت من طريق آخر. ولا تطلب من الرب أن ينتقم لك من شخص أساء إليك. بل الكتاب يقول في العهد القديم:
"إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ خُبْزًا، وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ مَاءً" (أم25: 21).
وهذا اقتبسه بولس الرسول في (رو12: 20). فالشريعة في هذا الأمر واحدة في العهدين. وفي كليهما لا تدعو إلى الانتقام من العدو، بل على العكس تأمر بعمل الخير معه، وتجازي إن لم يفعل الإنسان خيرًا مع عدوه. إن كان في طاقة يده أن يفعل ذلك. فيقول الكتاب:
"إِذَا صَادَفْتَ ثَوْرَ عَدُوِّكَ أَوْ حِمَارَهُ شَارِدًا، تَرُدُّهُ إِلَيْهِ. إِذَا رَأَيْتَ حِمَارَ مُبْغِضِكَ وَاقِعًا تَحْتَ حِمْلِهِ وَعَدَلْتَ عَنْ حَلِّهِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ تَحُلَّ مَعَهُ" (خر23: 4، 5).
ذلك لأنك إن جازيت عن شر بشر، يكون الشر قد غلبك. بينما يقول الكتاب "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ" (رو12: 21).
يقول الرب بعد عبارة (عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ): لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ... فما معنى هذه العبارة؟
لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ
أي لا تقاوموا الشر بالشر.
فالنار لا تطفئها النار، وإنما يطفئها الماء. فلو أنك صارعت مع الشر بأسلوبه، سيكبر الموضوع ويشتعل بالأكثر، ويصعب حله.
فاتركه إلى الرب يتصرف فيه بحكمته، وانتظر الرب.
ولا تجعل راحتك في الانتقام لنفسك، بل راحتك في نقاوة قلبك.
ونقاوة قلبك تكون في انتصارك على الشر، لا في انتصاره عليك. ولتدخل من الباب الضيق الذي فيه تحتمل من أساء إليك.
والله قد وضع أمام الناس درجات في مواجهة الشر:
فالذي لا يستطيع درجة، يستخدم غيرها. فهناك نوع من الناس يمكنه أن يتنازل عن حقه تمامًا ويحتمل ذلك. ونوع آخر يقاوم ويدافع عن حقه، ولكن بطريقة روحية لا يخطئ فيها.
ومن أمثلة ذلك في التاريخ الحديث: المهاتما غاندي الزعيم الروحي للهند. كان لا يستعمل العنف إطلاقًا، ولا يرد على الأذى بأذى. ولكنه في نفس الوقت كان يتمسك بحق بلاده، ويدافع عنه بالطريق السلمي حتى ينال هذا الحق.
وقول الرب: "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ"، ليس معناه: لا تقاوموا الخطية!! كلا، بل الشر هنا بمعنى الأذى.
والسيد المسيح لم يقاوم جالديه وصالبيه، بل كما قيل في النبوءة عنه:
"بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ، وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ" (إش50: 6).
وقيل عنه أيضًا في أحداث صلبه: "كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ... فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (إش53: 7).
ولكنه من جهة الإيمان والحق، قاوم الأشرار.
فقال للكتبة والفريسيين الذين أغلقوا أبواب الملكوت، فما دخلوا ولا جعلوا الداخلين يدخلون: "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ!" (مت23: 15، 16).
وقاوم الشر أيضًا في تطهير الهيكل.
فلما رآهم يبيعون ويشترون في الهيكل، أخرج الباعة منه "وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ وَقَالَ لَهُمْ: مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!" (مت21: 12، 13).
إن الشر بمعنى الخطية، لا بد لنا أن نقاومه.
والقديس بولس الرسول وبخ العبرانيين قائلًا لهم: "لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ" (عب12: 4).
وفيما نقاوم الخطية، نقاوم إبليس نفسه، كما قال الكتاب: "قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ" (يع4: 7). وأيضًا "إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ" (1بط5: 8، 9).
كذلك يجب مقاومة التصرفات المعثرة.
وهكذا فعل القديس بولس الرسول مع القديس بطرس الرسول.
إذ يقول: "قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا لأَنَّهُ قَبْلَمَا أَتَى قَوْمٌ مِنْ عِنْدِ يَعْقُوبَ كَانَ يَأْكُلُ مَعَ الأُمَمِ، وَلكِنْ لَمَّا أَتَوْا كَانَ يُؤَخِّرُ وَيُفْرِزُ نَفْسَهُ، خَائِفًا مِنَ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْخِتَانِ. وَرَاءَى مَعَهُ بَاقِي الْيَهُودِ أَيْضًا... لكِنْ لَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُمْ لاَ يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ، قُلْتُ لِبُطْرُسَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ: إِنْ كُنْتَ وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ تَعِيشُ أُمَمِيًّا لاَ يَهُودِيًّا، فَلِمَاذَا تُلْزِمُ الأُمَمَ أَنْ يَتَهَوَّدُوا؟" (غلا2: 11- 14).
ومن واجبنا أيضًا أن نقاوم التعليم الخاطئ والبدع والهرطقات.
ومن جهة التعليم الخاطئ، قال القديس يوحنا الحبيب: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلاَ يَجِيءُ بِهذَا التَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ. لأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَشْتَرِكُ فِي أَعْمَالِهِ الشِّرِّيرَةِ" (2يو10، 11).
ومعروف أن الكنيسة حاربت البدع والهرطقات، وقاومتها بكل شدة، وعقدت المجامع المكانية والمسكونية لهذا الغرض، وحرمت أصحاب البدع والهرطقات من الكنيسة. والآباء الذين قاوموا تلك الهرطقات، اعتبرتهم الكنيسة من أبطال الإيمان.
إذن من الممكن للإنسان أن يتنازل عن حقه، وليس عن حق الله.
وليس فقط من حقه أن يقاوم الخطأ، بل من واجبه أن يفعل ذلك.
وبهذا المعنى ينبغي أن نفهم عبارة "لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ". فالكتاب يقول: "لاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا" (أف5: 11). وعبارة (وبخوها) تعني بلا شك مقاومتها.
وهناك فرق بين الأمور المادية وغير المادية.
من جهة الأمور المادية "مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا"، "وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ"، "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا" (مت5: 39- 41).
ولا نأخذ هذه الآيات بمعناه الحرفي، بقدر ما نفهم أننا لا نقيم إشكالات ولا ندخل في صراعات من أجل أمور مادية. بل نحتمل ليس فقط ما يحدث لنا، بل ما هو أكثر منه أيضًا.
أما إن أراد أحد أن يبعدنا عن الله وعن الإيمان، أو أن يوقعنا في خطية ما، فينبغي أن نقاوم حتى الدم كما يقول الرسول (عب12: 4). وإن لم نقاوم، تعتبر هذه خطية...
ولكن وصية الرب لا تمنع الدفاع عن النفس، ولا تمنع التقاضي.
ولا تمنع أيضًا الدفاع عن الغير، وبخاصة عن الضعفاء والمظلومين. لأنك في تلك الحالة تكون مدافعًا عن حق غيرك ممن لا يقدر على الدفاع عن نفسه. وهكذا فعل القديس يوحنا ذهبي الفم حينما وقف ضد الإمبراطورة لأنها ظلمت أرملة، بل ومنعها من دخول الكنيسة.
وأمامنا في الدفاع عن النفس، مثالان للقديس بولس الرسول:
مثل منهما حينما مدوه للسياط ليجلدوه: "قَالَ بُولُسُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ الْوَاقِفِ: أَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُوا إِنْسَانًا رُومَانِيًّا غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْهِ؟!" (أع22: 25). فلما وصل الأمر إلى الأمير، وسأل بولس، للوقت تنحوا عنه "وَاخْتَشَى الأَمِيرُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ رُومَانِيٌّ، وَلأَنَّهُ قَدْ قَيَّدَهُ" (أع22: 29).
والمثل الثاني لما طلبه اليهود من الوالي فستوس ليحاكم أمامهم ويقتلوه. حينئذ قال القديس بولس: "أَنَا وَاقِفٌ لَدَى كُرْسِيِّ وِلاَيَةِ قَيْصَرَ حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ أُحَاكَمَ. أَنَا لَمْ أَظْلِمِ الْيَهُودَ بِشَيْءٍ، كَمَا تَعْلَمُ أَنْتَ أَيْضًا جَيِّدًا... إِلَى قَيْصَرَ أَنَا رَافِعٌ دَعْوَايَ" (أع25: 10، 11) "حِينَئِذٍ تَكَلَّمَ فَسْتُوسُ مَعَ أَرْبَابِ الْمَشُورَةِ، فَأَجَابَ: إِلَى قَيْصَرَ رَفَعْتَ دَعْوَاكَ. إِلَى قَيْصَرَ تَذْهَبُ!".
ولم يكن القديس بولس خائفًا من الموت، ولكنه رأى أن يذهب إلى قيصر في رومية، حسبما قال له الرب: "كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ، هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضًا" (أع23: 11).
إذن يمكن أن نقاوم الشر، بحيث لا نقع في خطية.
ونقاوم الشر، فلا نترك له فرصة لينتشر.
أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ
أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ
(مت5: 44)
قال السيد الرب في عظته على الجبل:
"سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟" (مت5: 43-47). "تحب قريبك" عبارة وردت في الشريعة "تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (لا19: 18) لكن عبارة "تبغض عدوك" لم ترد في الشريعة. إنها مفهوم بشري خاطئ قد علَّم السيد المسيح بعكسه. وذلك لسببين:
أولهما: إن الرب لا يأمر بالبغضة في شريعته، بل بالحب.
ثانيهما: لأن الحب والبغضة لا يجتمعان في قلب واحد.
كما يقول الرسول: "أَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ" (2كو6: 14).
فالسيد الرب يدعو إلى الحب، حتى للأعداء. فعدوك لا يكفي أن تحتمله، بل بالأكثر أن تحبه. هذه درجة سامية.
نلاحظ في قول الرب: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم... إلخ.
إنه يوجد أعداء، ولاعنون، ومبغضون، ومسيئون، وطاردون.
ويوجد ايضًا الذين لا يسلمون علينا. إذن الطريق ليس مفروشًا كله بالورود، بل يوجد مقاومون، بل كما قال الرب في موضع آخر: "وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي" (مت10: 22).
فما موقفنا نحن من كل هؤلاء؟ وكيف نتعامل معهم؟
وكيف يمكننا عمليًا أن نطبق عبارة "أحبوا أعداءكم"؟
التطبيق العملي:
1- يجب أولًا أن ننقي القلب من كل مشاعر البغضة نحوهم.
إنهم - في كل عداوتهم لنا - مجرد ضحايا للشيطان، عدونا وعدوهم. وعلينا بقدر الإمكان أن ننقذهم من العداوة التي يعاملوننا بها، لا أن نزيدها بتبادل العداء. وعلى قول الرسول: "إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ. لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ" (رو12: 18، 19).
2- لا تتكلم بالسوء عمن قد أساء إليك.
لأنه يحدث كثيرًا أن المُساء إليه، لا يتكلم حسنًا عن الذي أساء إليه، بل قد يخوض في سمعته، ويدينه، ولو من باب تبريره لنفسه، وأنه كان ضحية لذلك المسيء الذي... وقد يصل عداوته لك. وتكون قد خسرته بالأكثر، وفي نفس الوقت قد خسرت نفسك.
3- إن أتعبتك خطايا المسيء إليك، فقل لنفسك: "وأنا أيضًا خاطئ". فشعورك بأنك خاطئ، لا يجعلك تبغض غيرك. وهكذا فعل السيد المسيح مع الذين كانوا يريدون رجم المرأة الخاطئة المضبوطة في ذات الفعل. إذ قال لهم: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ" (يو8: 7).
وفي شعورك بأنك أيضًا خاطئ، قل لنفسك: لا أريد أن تتسبب إساءة هذا الإنسان في إدخال البغضة إلى قلبي، كما لا أريد أيضًا أن تتسبب خطاياي في إدخال البغضة في قلوب الناس من جهتي.
4- أيضًا لا تضرّ عدوك، ولا تعامله بالمثل، بل احتمله.
على أن الرب لا يقول فقط "احتمله" بل أحسن إليه.
"أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ". والإحسان إلى المبغضين هو عمل إيجابي أقوى بكثير من مجرد الاحتمال. وبالإحسان إليهم يمكن أن نكسبهم، وأن نغيّر قلوبهم من جهتنا. وهكذا ينطبق قول الرسول: "لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ"، "إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ" (رو12: 21، 20). لأنه سوف لا يستطيع أن يحتمل إحسانك إليه. ويجد أنه مثقل بالخير الذي فعلته معه...
لذلك إن وجدت مبغضك في ضيقة، حاول أن تساهم في فك ضيقته. إن وجدته مريضًا، يمكنك أن تزوره وتطلب له الشفاء، بل وتقدّم له هدية أيضًا... وثق أن كل هذا سيترك في نفسه أثرًا، ويغيّر شعوره من نحوك، فلا يستمر في عداوته لك.
5- كذلك تحسن إلى مبغضك بالصلاة من أجله.
وصلاتك من أجله، ستجعله لا يخطئ إليك في المستقبل، ويتدخل الله في حياته فيغيّره. على أن تكون هذه الصلاة مخلصة من قلبك. وتكون بها نفذت وصية الرب القائلة: "صَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44). سواء كانت هذه الصلاة بينك وبين الله، أو كانت كلمة دعاء من قلبك ترجو بها له الخير.
6- ومن أفضل الوسائل أن تنسى إساءة مبغضك إليك.
إن استمرار تذكرك للإساءة، يقسي قلبك من نحوه، ويجعلها لاصقة بفكرك على الدوام... أما محاولة نسيان إساءته، فإنها تصفي القلب من الداخل، وتصفي الفكر أيضًا. وتساعد بمرور الوقت على عودة المحبة.
7- مهما أصابك من أعدائك، قل في إيمان "كله للخير".
وهكذا قال يوسف الصديق لإخوته الذين عادوه وباعوه: "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا... لِيُحْيِيَ شَعْبًا كَثِيرًا" (تك50: 20). وليكن عندك هذا الإيمان: أن الله يمكنه أن يحوّل الشر إلى خير، وأن "يُخرج من الجافي حلاوة" (قض14: 14). وبهذا الشعور يزول التأزم من قلبك بسبب الإساءة، ولا تكون مصدرًا لبغضة في القلب.
8- قاوم كل شعور رديء في قلبك من جهة المسيء.
قل لنفسك باستمرار، لا بد أن احتفظ بنقاوة قلبي، وبالسلام والهدوء داخل قلبي. ولا أجعل مشاعر البغضة تعكر صفاء ذهني وطهارة قلبي... وإن كانت إساءات الناس تحاربني من الخارج، فإن مقابلتها بالبغضة وبالضيق والتأزم، إنما تفقدني سلامي من الداخل، بل وتفقدني أيضًا علاقتي مع الناس، وسلامي مع الله.
فالأفضل لي أن أطلب الخير لهذا المسيء. وبهذا أهدأ من الداخل، ومن الخارج تتحسن علاقتي معه. وبالوقت يتحول هدوئي إلى محبة.
نلاحظ أن السيد المسيح الذي أعطانا هذه الوصية في محبة الأعداء، قد نفذها على نفسه بمغفرته لصالبيه.
بقوله وهو في عمق الألم على الصليب، "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو23: 34). ولم يطلب لهم المغفرة فقط، بل أيضًا أوجد لهم عذرًا. وبنفس المشاعر الطيبة قال للص المصلوب معه: "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو23: 43).
وأظهر لليهود محبة الأعداء في مثل السامري الصالح.
وكيف أن هذا السامري قد فعل خيرًا مع رجل يهودي جريح ملقى بين حيٍّ وميت، وأحسن إليه واهتم به، وتحنن وضمد جراحاته... (لو10: 33، 34) بينما كان "الْيَهُودَ لاَ يُعَامِلُونَ السَّامِرِيِّينَ" (يو4: 9).
وكذلك انتهر تلميذيه اللذين طلبا منه أن يُنزل نارًا من السماء لتفني قرية من السامريين رفضت أن تقبله. وقال لهما: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ" (لو9: 55، 56). وعمل الرب على خلاص السامرة وإيمانها (يو4: 39- 42).
نلاحظ أيضًا أن السماء سوف تشهد محبة الأعداء.
أو ستشهد محبة الأبرار لمن كانوا من قبل أعداء لهم.
إن شاول الطرسوسي كان راضيًا بقتل القديس اسطفانوس أول الشمامسة (أع8: 1). ولا شك أنهما تلاقيا في السماء بكل محبة.
وكذلك كان شعور الشهداء في السماء بالنسبة إلى مضطهديهم الذين عادوا وآمنوا. ثم شعور كثير من الشهداء الذين تعذبوا على يد أريانوس والي أنصنا، وبأمره قُطعت رؤوسهم. ثم آمن أريانوس فيما بعد، واستشهد. وقابله في السماء بكل حب الشهداء الذين قتلهم.
كذلك علينا أن نحب مضطهدينا كما أحب أولئك الشهداء مضطهديهم الذين تقابلوا معهم بعد حين في السماء.
9- ويجب أن نتمنى الخير لأعدائنا، ولا نفرح بشر يصيبهم.
وإن رأينا شيئًا حسنًا في حياتهم نمتدحهم عليه.
ونفعل هذا بكل صدق. متأكدين أن كل إنسان - مهما كان خاطئًا - قد توجد في حياته بعض نقاط بيضاء يستحق عليها المديح.
مثال ذلك مثلًا وكيل الظلم. فلا شك أنه قد ظلم سيده حينما جعل المدينين له يخفضون استحقاقاته عليهم... ومع ذلك يقول الكتاب: "فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ" ولأنه صنع له "أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ" (لو16: 8، 9). وهكذا اهتم بمستقبل حياته...
وضرب الرب قصة وكيل الظلم كمثال يُقتدى به.
كذلك فإن المرأة السامرية الخاطئة التي عاشت مع خمسة رجال، وجد لها الله فضيلة يمتدحها عليها. فقال لها: "حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ... هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ" (يو4: 17، 18).
لهذا إن وجدت في عدوك فضيلة امتدحها. لا عن ملق ولا نفاق، بل بصدق. وثق أن هذا سيترك أثرًا طيبًا في قلبه.
ملاحظة هَامَة:
على أن هناك نقطة هامة في محبة الأعداء، نقولها وهي:
قال الرب: "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ". ولم يقل: "أحبوا أعداء الله".
فإن عدوك إذ تحبه وتغفر له، هذه مسألة شخصية معك.
أما أعداء الله، فيجب أن يكون لك موقف حاسم معهم. وأولهم الشيطان الذي يقول عنه القديس بطرس الرسول:
"إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ. فَقَاوِمُوهُ، رَاسِخِينَ فِي الإِيمَانِ" (1بط5: 8، 9).
ويقول القديس يعقوب الرسول: "قَاوِمُوا إِبْلِيسَ فَيَهْرُبَ مِنْكُمْ" (يع4: 7). ولا تفعل مثلما فكر أحد الهراطقة الذي قال بخلاص الشيطان بعكس تعليم الكتاب إذ يقول: "إِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤ20: 10).
وكذلك قال الرب للذين يقفون على اليسار في يوم الدينونة: "اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ" (مت25: 41).
"فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ" (مت25: 46).
كذلك - في محبة الأعداء - لا نقول نحب الهراطقة والمبتدعين.
محبة هؤلاء تكون بإنقاذهم من هرطقاتهم، وليس مع بقائهم فيها.
كل محبة ينبغي أن تكون داخل محبة الله. ولا يمكن أن نحب الأعداء وهم يحاربون الله أو الإيمان أو الكنيسة.
ونحن في أوشية الاجتماعات نقول: "أعداء بيعتك المقدسة مثل كل زمان... حلّ تعاظمهم، وعرّفهم ضعفهم سريعًا... أبطل حسدهم وسعايتهم ونميمتهم التي يصنعونها فينا. بدّد مشورتهم يا الله الذي بدد مشورة أخيتوفل".
نحن لا نطلب الشرّ لهم، بل أن ينجينا الله من شرّهم.
أو بمعنى آخر: نطلب أن ينجيهم الله من شرهم، فننجو نحن أيضًا من هذا الشر، إذ تستقيم تصرفاتهم.
إن عبارة "أحبوا" في هذه الوصية، ليست عبارة مطلقة.
فكل محبة تبعدنا عن الله، يجب أن نبتعد عنها...
سواء في ذلك محبة القريب أو محبة العدو.
كل محبة ضد محبة الله، ليست محبة حقيقية. وكل محبة أكثر من محبة الله هي محبة مرفوضة وزائفة. فهو الذي قال: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي" (مت10: 37). فكم بالحريِّ إذن من أحب عدوًا!!
بل - من أجل الله - يكون "أَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ" (مت10: 36).
"يَنْقَسِمُ الأَبُ عَلَى الابْنِ، وَالابْنُ عَلَى الأَبِ، وَالأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ، وَالْبِنْتُ عَلَى الأُمِّ..." (لو12: 53). ولا يستطيع القريب أن يحب قريبه، إن كان ذلك ضد الإيمان، وإن كانت فيه عداوة لله.
إذن فلنفهم عبارة "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ" في حدودها التي لا تتعداها، بحيث لا تتعارض مع محبة الله... وعمومًا فإن المحبة نحو الإنسان الخاطئ، تكون في افتقاده روحيًا، وإنقاذه مما يعوق أبديته.
أمور لا تعارض المحبة:
إن المحبة لا تتعارض مع التوبيخ أو العقوبة أو التأديب.
يمكن أن توبخ غيرك، دون أن تصبح عدوًا له. بل من أجل الله تفعل ذلك في محبة. ونلاحظ أن القديس بولس الرسول قد وبخ القديس بطرس الرسول. وقال في ذلك: "قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا" (غلا2: 11). إذ كان والبعض معه "لاَ يَسْلُكُونَ بِاسْتِقَامَةٍ حَسَبَ حَقِّ الإِنْجِيلِ" (غلا2: 14).
نلاحظ أيضًا أن القديسة دميانة وبخت أباها، حينما ضعف وأنكر الإيمان.
ومن جهة التأديب، قيل في الرسالة إلى العبرانيين: "لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ. إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟ وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلاَ تَأْدِيبٍ، قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ، فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لاَ بَنُونَ" (عب12: 6- 8).
وواضح أن التأديب لا يتعارض مع المحبة، حتى إن وصل إلى العقوبة. فالله يحبنا فيما يعاقبنا ويؤدبنا. وبهذا التأديب يكون قد أحسن إلينا فيما نحن نُسيء إليه بكسرنا لوصاياه.
واعتزال الشر ليس ضد المحبة. فقد قيل في المزمور الأول "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (مز1: 1).
كذلك البعد لأجل التفرغ لله. كما يفعل المتوحدون والسوّاح. وقد قيل إن إنسانًا جرى وراء متوحد ليتحدث معه، فهرب منه المتوحد. فقال له ذلك الشخص: "من أجل الله، قف لي لأتحدث معك". فرد المتوحد عليه قائلًا: "وأنا من أجل الله أهرب منك".
مستوى رفيع يشابه الآب:
إن وصايا الرب في محبة الأعداء والإحسان إلى المسيئين، إنما ترفعنا إلى مستوى عالٍ فوق العادي. بأن نحب الذين لا يحبوننا، ونسلّم على الذين لا يسلمون علينا. ويقول الرب في ذلك:
"لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ".
فالمفروض في الابن أن يشبه أباه. والآب السماوي "فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ" (مت5: 45). فكونوا أنتم هكذا، لكي تشبهوا الآب السماوي في صلاحه. وكما يقول الرسول: "نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ. لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ" (1بط1: 15، 16) (لا11: 44، 45).
وهكذا تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، إن كانت لكم صورته ومثاله. في هذا يقول القديس يوحنا الرسول: "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ" (1يو3: 10). ولأن البنوة لله ليست مجرد لقب. بل "كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ" (1يو5: 18) ويقول الرسول أيضًا: "إِنْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ بَارٌّ هُوَ، فَاعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَنْ يَصْنَعُ الْبِرَّ مَوْلُودٌ مِنْهُ" (1يو2: 29).
فإن كنت تفعل مشيئة الآب، تدل على أنك ابن له.
فالسيد المسيح يقول: "مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتي؟ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي" (مت12: 48- 50).
نحن نصلي كل يوم ونقول: "أبانا الذي في السموات". ولكن هل بالحقيقة نسلك كأبناء للآب السماوي؟ هل نحن مثله نحب الأعداء ونحسن إلى المسيئين، ونغفر للصالبين؟ لقد ترك لنا مثلًا لكي نتبعه. وحقًا هو مستوى عالٍ، مستوى الكمال. وقد قال لنا فيه:
"فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48).
لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ
لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ
(مت6: 19)
قال الرب في عظته على الجبل: "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ... لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" (مت6: 19- 21).
والمقصود بالكنز ليس مجرد المال: الذهب والفضة.
الذي لأجله "يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ". وإنما كل ما يملكه الإنسان أو يقتنيه، حتى من الغلال التي يفسدها السوس، أو المعادن التي يفسدها الصدأ.. إنه يحذر من كل مظاهر الغنى بوجه عام. ولذلك فإنه يقول في موضع آخر:
"مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!" (لو18: 24).
ويتابع "لأَنَّ دُخُولَ جَمَل مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!" (لو18: 25) ويكرر هذا في (مر10: 25) وفي (مت19: 24). فهل يعني هذا أن جميع الأغنياء لا يخلصون؟! كلا، بلا شك.
أغنياء قديسون:
فالكتاب المقدس يقدم لنا أمثلة من أغنياء أبرار قديسين.
منهم أيوب البار. وكان غنيًا جدًا.
ويقول عنه الكتاب إنه كان في غناه: "أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ". "وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَل، وَخَمْسَ مِئَةِ فَدَّانِ بَقَرٍ، وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ، وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدًّا" (أي1: 3). وعلى الرغم من كل هذا الغنى، قال عنه السيد الرب وهو يتحدى به الشيطان: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" (أي1: 8).
وقد سمح له الله بتجربة صعبة جدًا، ومع ذلك احتملها. وقال الرب عنه بعدها: "وَإِلَى الآنَ هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِكَمَالِهِ" (أي2: 3).
نذكر أيضًا إبراهيم أبا الآباء والأنبياء. وكان غنيًا جدًا.
ويقول الكتاب في ذلك: "وَكَانَ أَبْرَامُ غَنِيًّا جِدًّا فِي الْمَوَاشِي وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ" (تك13: 2). "وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ" (تك12: 16). وكان في مستوى الملوك في أيامه. يحاربهم وينتصر، كما حدث عندما أنقذ لوطًا من سبي سادوم (تك14). وفي كل ذلك كان قديسًا، موضع رضى الرب ووعوده. وقد باركه الرب وقال له: "وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً... وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (تك12: 2، 3).
من الأغنياء القديسين أيضًا: يوسف الرامي.
وقيل عنه بعد صلب السيد المسيح: "جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا تِلْمِيذًا لِيَسُوعَ" (مت27: 57). وأنه "مُشِيرٌ شَرِيفٌ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا مُنْتَظِرًا مَلَكُوتَ اللهِ" (مر15: 43). وعلى الرغم من غنى يوسف الرامي ومركزه كرجل مشير شريف، فإن الإنجيل يقول عنه إنه كان "رَجُلاً صَالِحًا بَارًّا" (لو23: 50). وهو الذي أنزل جسد المسيح من على الصليب، وكفنه مع نيقوديموس. "وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ مَنْحُوتٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ وُضِعَ قَطُّ" (لو23: 53).
وفي التاريخ: نذكر القديس أنطونيوس الكبير.
وكان شابًا غنيًا ورث عن أبيه ثلاثمائة فدانًا من أجود أطيان بني سويف. وقد تأثر بوصية الرب في (مت19: 21) فمضى وباع كل أملاكه ووزعها على الفقراء. ومضى فعاش حياة الوحدة والنسك. وصار أبًا لجميع الرهبان، بل أبًا لحياة الرهبنة ذاتها.
نذكر أيضًا في التاريخ المعلم إبراهيم الجوهري وأخاه جرجس.
وكان إبراهيم الجوهري من أكبر أغنياء الأقباط. وكان صاحب مركز كبير أيام محمد علي. وكان رغم غناه ومركزه محبًا للخير وللكنيسة. وقد عمّر الكثير من الأديرة والكنائس. وكان محبًا للفقراء، ينفق عليهم في سخاء، ويفرح بأن يعطي، وأن ينقذ من هم في ضيقة. وكذلك كان أخوه أيضًا، والمعلم فانوس المعاصر لهما.
ويعوزنا الوقت لذكر الأمثلة العديدة في الكتاب وفي التاريخ.
الموقف مِن المَال:
ليس اقتناء المال خطية. إنما محبة المال هي الخطية. وكذلك عبادة المال، والاتكال على المال، والبعد عن الله.
فلما تحير التلاميذ من قول الرب أجابهم: "مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!" (مر10: 24). فالذي يتكل على ماله في كل ما يحتاج إليه، قد لا يفكر في الاتكال على الله والالتجاء إليه بالصلاة...
ومحبة المال تجعل الإنسان يكنز بلا غرض، سوى أن يفرح بكثرة وازدياد ما يكنزه.
يفرح أن يصير الألف عدة آلاف أو عشرات الآلاف. ويفرح بأن يصبح من أصحاب الملايين، أو أن يوصف بأنه من كبار الأغنياء. وربما في فرحه بازدياد رصيده، يعزّ عليه أن ينفق، فيصاب بالبخل والتقتير. ولذلك بعد وصية "لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ"، قال الرب: "لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ... اللهَ وَالْمَالَ" (مت6: 24).
هنا تتحول محبة المال إلى عبادة، ويتحول المال إلى سيد. ولذلك نقول: ليست الخطية أن تملك مالًا. إنما الخطية هي أن يملكك المال. فيصبح هو الموجه لك في تصرفاتك، والمتحكم في تشكيل شخصيتك، والمؤثر عليها.
فالاعتزاز بالمال قد يقود إلى التعالي والكبرياء.
وإلى الافتخار بالمال، وفي نفس الوقت ربما يؤدي إلى احتقار الفقراء والارتفاع عن مستواهم، واختيار طبقة مماثلة من الأغنياء يلتصق بها الغني، ويجاريها في أسلوب الحياة.
كما قد يقود المال إلى حياة الرفاهية والمتعة.
وقد حدث هذا مع سليمان الملك الذي قال: "بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا، غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا. عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ... جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضًا فِضَّةً وَذَهَبًا وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ. اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ... وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا..." (جا2: 4- 10). وإذا بكل ذلك بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ...
مثال ذلك أيضًا الرجل الغني الغبي.
الذي "أَخْصَبَتْ كُورَتُهُ" فقال: "أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي، وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي! فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟!" (لو12: 16- 20).
إن ما كان يكنزه من مال، جعله يفكر في المتعة وفي طول سنين على الأرض. ولم يفكر أبدًا في أبديته.
وقد تشمل محبة المال محبة الزينة والقنية.
منها محبة التحف بكافة أنواعها، والتزين بألوان من الذهب والأحجار الكريمة. كامرأة تكنز ليس فقط في البنوك، إنما تكنز في أصابعها، وعلى صدرها، وحول سواعدها ثروة كبيرة، وكذلك أقراطًا في أذنيها. وتفتخر بذلك وتُعجب... ولكنها كنوز على الأرض.
وربما تشمل محبة المال الاهتمام بعديد من الكماليات ومن متعة الحياة الدنيا، ومن الأطعمة الفاخرة، والملابس والأثاثاث المرفهة. ويأتي وقت يترك فيه الإنسان كل ذلك، ويخرج من هذه الحياة الأرضية، عاريًا عن كل ما جمع العقل بجهل واقتنى.
والمشكلة هي أن ما يكنزه على الأرض تعلق به قلبه كقول الرب:
حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا.
أنت لا تكنز إلا الذي تحبه. أما ما لا تحبه، فإنك تهمله. لذلك فإن قلبك يبقى متعلقًا بما تكنزه. إن كنت تكنز مالًا فإن قلبك يتعلق بالمال، تهتم به وتحرص عليه. وإن كنزت تحفًا أو كتبًا أو بيوتًا، فإن قلبك يبقى متعلقًا بها، يخشى عليها من الضياع...
إن كان كنزك في الأرض يكون قلبك متعلقًا بالأرض.
وإن كان كنزك في السماء، يكون قلبك متعلقًا بالسماء.
اكنزوا في السَماء:
هذه الأرض فانية، وليست لنا إقامة دائمة فيها. ولا بد سنتركها في يوم ما، ونترك ما قد اكتنزناه فيها. حتى لو كان لأجل أولادنا! وقد تعرض سليمان الحكيم لهذه النقطة فقال عن تعبه في الدنيا: "حَيْثُ أَتْرُكُهُ لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدِي. وَمَنْ يَعْلَمُ، هَلْ يَكُونُ حَكِيمًا أَوْ جَاهِلاً، وَيَسْتَوْلِي عَلَى كُلِّ تَعَبِي الَّذِي تَعِبْتُ فِيهِ وَأَظْهَرْتُ فِيهِ حِكْمَتِي تَحْتَ الشَّمْسِ؟ هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ" (جا2: 18، 19).
أما ما أكنزه في السماء، فهو باق، وسوف ألقاه.
مما تكنزه في السماء، كل ما توزعه على الفقراء والمحتاجين.
وهكذا قال الرب للشاب الغني: "اذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مت19: 21).
يقول الكتاب: "مَنْ يَرْحَمُ الْفَقِيرَ يُقْرِضُ الرَّبَّ، وَعَنْ مَعْرُوفِهِ يُجَازِيهِ" (أم19: 17). هذا القرض سيوفيه لك الله هنا، وكذلك بكنز في السماء.
أحد الرهبان كان يتعب كثيرًا في أن يذهب إلى البئر، ويملأ جرارًا بالماء لخدمة الآباء. وفي يوم من الأيام وقد أدركه التعب في خدمته، شعر بشخص يسير خلفه. فالتفت فإذا ملاك بيده ورقة، وهو يكتب فيها كل خطوة يخطوها ذلك الراهب في تعبه لأجل غيره، لكي يكافئه الله عليها، ولا يضيع أجره...
مما تكنزه في السماء أيضًا كل أعمال الرحمة، حسب قول الرب:
"طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مت5: 7).
أعمال الرحمة التي يقدمونها للغير، تكنز لهم في السماء، سواء كانت أعمالًا مادية، أو حتى مشاعر روحية في القلب. حتى لو كانت "كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَطْ" (مت10: 42)، أو كانت كلمة حنان، أو عبارة تشجيع، أو ابتسامة حب يحتاجها إنسان مرّ القلب يتعبه صغر النفس..
وأيضًا كل مجهود تبذله "لأجل الملكوت"، هو مكنوز لك.
كما يقول القديس بولس الرسول في ذلك: "كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ" (1كو15: 58). أجر هذا التعب هو كنز محفوظ لك في السماء. وعنه يقول الرسول: "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو3: 8).
ليست كنوزك في السماء مجرد أمور مادية! كلا...
بل حتى لو صلواتك ودموعك، ومشاعرك الروحية، وما تقدمه لله من حب، ومن توبة ومخافة، مع كل أعمالك الصالحة... كل هذه مكنوزة في السماء. سوف تتبعك ويراها الكل يوم تفتح الأسفار، وتُكشف الأعمال، وتفحص الأفكار. ويدان الكل "مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ" (رؤ20: 12). وكل ما نكيله على الأرض، سوف يُكال لنا في ذلك اليوم" (لو6: 28) (مت7: 2).
فما هو كشف حسابك في السماء، مما اكتنزته هناك؟
لا شك أن أعمال الخير التي عملتها في الخفاء، ولم تأخذ عنها أجرًا على الأرض، هي مكنوزة في السماء حسب قول الرب: "أَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً" (مت6: 4، 6). كل ما تزرعه على الأرض، سوف تحصده في السماء.
البار يجد كنزه في السماء رصيدًا، والشرير يجد كنزه ديونًا.
v واعرف أن المال هو وسيلة وليس غاية.
إن كان الأشرار يتخذونه وسيلة لكبريائهم وملاذهم وفجورهم، فاتخذه أنت لكي تكنز به كنوزًا في السماء. حوّله من عملة مادية فانية إلى عملة روحية باقية. كما يقول الأب الكاهن مصليًا في أوشية القرابين: "عوّضهم عوض الفانيات بالباقيات، والأرضيات بالسمائيات".
الملكة هيلانة كانت تملك من المال الكثير. ولكنها ظلت تبني الكنائس وتحول هذا المال إلى كنز في السماء.
وطابيثا المملوءة من أعمال صالحة، كانت تعمل ثيابًا وقمصانًا وتقدمها للأرامل، وتكنز لها كنوزًا في السماء، بل وكنوزًا أيضًا من محبة كل أولئك على الأرض. فلما ماتت بكين عليها، وسألن القديس بطرس الرسول لأجلها، فصلّى وأقامها من الموت (أع9: 36- 40).
سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ
سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ
(مت6: 22)
قال السيد الرب في العظة على الجبل:
"سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!" (مت6: 22، 23)
فلنأخذ العين، السراج موضوعًا لتأملنا....
العين:
العين هي سراج الجسد. والسراج يرمز إلى النور.
فالعين إذًا هي النور الذي يرى به الإنسان كل شيء. ولذلك فمن عبارات الدعاء "ليت الله ينير لك عينيك" أي تحتفظ كل عين بنورها. لأنه إن فقدت العين نورها، يعيش الإنسان في ظلام.
العين نَرى بها، ونُرى بها. هي تكشف لنا كل شيء أمامنا.
وأيضًا نحن ننكشف بها. تنظر إلى عين شخص، فتعرف دواخله.
وكأن العين مرآة، نرى فيها كل مشاعر الإنسان وأفكاره وأحاسيسه. إن كان يحبك، ترى في نظراته الحب. وإن كان يكرهك، ترى الكراهية في عينيه. إن كان في قلبه، غضب أو غيظ أو حقد، يظهر كل ذلك في نظرات عينيه. إن كانت في مشاعره قسوة أو رغبة في العدوان أو في الانتقام، تكشف ذلك عيناه. المكر يظهر في عينيه. والكبرياء والتعالي تظهر في عينيه. وكذلك الحسد والغيرة، بل أيضًا الاشمئزاز والضيق، وباقي المشاعر.
لذلك فالبعض يلبس أحيانًا نظارة سوداء ليخفي بها مشاعره.
ويخفي بها أيضًا أفكاره ونياته، فلا تنكشف لناظريه...
لكن لا بد سيأتي الوقت الذي ينزع فيه الله كل النظارات السوداء من فوق عيون الناس، لكي يظهروا على حقيقتهم.
العين أيضًا تظهر ضعفات الناس: إن كان عندهم خوف ورعب، أو قلق واضطراب، أو يأس ومذلة وصغر نفس، أو كان في نظراتهم توسل أو استعطاف، أو شهوة. كل ذلك تظهره العين...
فما معنى إذن: إن كانت عينك بسيطة...
بسيطة أي كما خلقها الله، بغير إضافة المشاعر البشرية الخاطئة. لا أضيف حقد ولا مكر ولا شهوة ولا كبرياء... إلخ. لأنها بهذه الإضافات لا تكون بسيطة. لذلك فالترجمة الإنجليزية لهذه الآية: a single eye وليس a simple eye. هي منفردة بغير إضافة.
وهذا هو ما نعرفه في الكيمياء: فمثلًا النحاس مادة بسيطة. ولكنه إذا اتحد بالأوكسجين، وصار أكسيد نحاس، يصبح مادة مركبة وليست بسيطة. عينك إذن تكون بسيطة إذا لم تختلط بمشاعر شريرة.
نضرب لهذا مثلًا بأبوينا الأولين: آدم وحواء.
كانت عيونهما بسيطة في بادئ الأمر. وكانت شجرة معرفة الخير والشر في وسط الجنة (تك3: 3). ولعلهما كانا يمران عليها كل يوم دون أن تسبب لهما أية عثرة. ولكن لما أُضيف إلى بساطة أعينهما إغراء الحية بأنهما "يَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك3: 5)، لم تعد العين حينئذ بسيطة. وهكذا "رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ" (تك3: 6) ... تغيّر الحال تمامًا، لأن العين فقدت بساطتها.
وكما تغيرت نظرتهما للشجرة، تغيرت نظرتهما لبعضهما البعض!
"كَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ... وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ" (تك2: 25) حينما كانت أعينهما بسيطة. فلما فقدت بساطتها بالأكل من الشجرة "عَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ" (تك3: 7). عرفا أن هذا ذكر وهذه أنثى، فتغطيا بأوراق التين (تك3: 7).المعرفة التي أضيفت إلى العين، أفقدتها بساطتها.
إذن إن كانت عينك بسيطة، لا تضاف إليها شهوة أو إغراء أو أفكار معينة. فبهذه البساطة يكون جسدك كله نيرًا.
أما إذا أضيف إلى عينك شيء آخر، كالغضب والانتقام مثلًا، تجد ملامحك تتغير، وضغط الدم عندك يزيد، ومشاعرك تترك أثرها على جسدك، وحينئذ "جَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا" (مت6: 23).
ونفس الوضع إذا أضيفت إلى عينك شهوة الزنى، فللتو تتغير حالتك، وتفقد بساطتك، وجسدك كله يصير مظلمًا.
وبالمثل في حالة مشاعر كثيرة تضاف إلى العين، فتتغير نظرتها، وتفقد بساطتها. ويترك ذلك أثره على الجسد فيصير مظلمًا.v لنفرض مثلًا أن عينك أضيف إليها شيء من اليأس، تجد أنك أصبحت هامدًا وذابلًا ومتعبًا، ولا قدرة لك أن تفعل شيئًا!! يظهر اليأس في نظرات عينيك، وفي حالة قلبك المظلم.
ولهذا فإن الروح المعنوية تقوي الإنسان، وتعيد إلى عينه نورها، وإلى ملامحه بشاشتها، ويصبح الجسد نيرًا.
العين الشريرة أضيف إليها الشر، فأصبحت مظلمة بالشر الذي في القلب. وإن كان الكتاب يقول: "مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ" (مت12: 34)، فإنه يمكنا أن نقول أيضًا إنه من فضلة القلب تنظر العين. حالة القلب تظهر واضحة في العين. أصلح القلب، تصلح نظرات العين. وإن فسد القلب يظهر ذلك في نظرة العين وكذلك في ملامح الوجه، وفي الجسد الذي يصبح مظلمًا.
النور الذي فيك:
يقول السيد الرب: "فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ!" (مت6: 23). فما هو هذا النور الذي فيك؟
نور العين يمثل النور المادي. فهل هناك أنوار أخرى فيك؟
هناك مثلًا نور العقل، ونور الضمير، ونور الإيمان، وأنوار أخرى.
النور عمومًا يرمز إلى المعرفة. والمعرفة بلا شك على أنواع.
المعرفة الحسية تأتي عن طريق العين وباقي الحواس.
ولكن هناك معرفة أخرى ذهنية، ومعرفة روحية. وهنا نذكر القديس أنطونيوس الكبير قال للقديس ديديموس الضرير معزيًا "لا تحزن يا ديديموس لأنك فقدت بصرًا ماديًا تتساوى فيه الحيوانات والحشرات. ولكن ينبغي أن تفرح أن لك عينًا روحية تستطيع أن تبصر بها نور اللاهوت...".
وهنا لا نأخذ كلمة (العين) بمعناها الحرفي والمادي، كمصدر للنور المادي، إنما نأخذها بمعناه الواسع الذي يشمل كل استنارة.
فالعقل أيضًا نور، وعين ترى وتفهم. والضمير أيضًا نور نرى به الحق، ونميزه عن الباطل. والإيمان أيضًا نور، نرى به ما لا يُرى. كلها عيون للإنسان فوق المستوى المادي. وكذلك الروح الذي قال عنه الكتاب إنه: "يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ" (1كو2: 10). وهكذا قال الرب لتلاميذه القديسين:
أما أنتم فطوبى لعيونكم لأنها تبصر...
ذلك لأنه توجد عيون، ولكنها لا تبصر.
يقول لنا المزمور: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مز19: 1). وكثيرون ينظرون فيرون السماوات، ولكنهم لا يرون مجد الله الذي تتحدث عنه السماوات فلماذا؟
لأن عيونهم ليست لها قوة إبصار ما وراء المادة!
تنظر الطبيعة، ولكنها لا تبصر الله الذي خلق الطبيعة! إنها تقف عند حدّ الطبيعة المادية، ولا تمتد أكثر...
ونحن أيضًا نرى ما يمر أمامنا من أحداث، دون أن نرى يد الله وراء الأحداث. لأن لنا عيونًا ولكنها لا تبصر.
حولنا ملائكة كثيرة تحرسنا، ولكننا لا نبصرها. لأن عيوننا صارت سراجًا للجسد فقط، لا ترى غير الجسدانيات. لذلك صلّى أليشع النبي من أجل تلميذه جيحزي، وقال: "يَا رَبُّ، افْتَحْ عَيْنَيْهِ فَيُبْصِرَ" (2مل6: 17). فلما فتح عينيه، أبصر مركبات نار حول أليشع.
أيضًا كلمات الرب أمامنا في الكتاب المقدس، ولا نبصر كل الأسرار العميقة التي فيها! ولا ما فيها من رموز ومن معانٍ.
لذلك قيل عن السيد الرب في لقائه مع تلاميذه بعد القيامة، إنه "فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ" (لو24: 45). وهكذا بالنسبة إلى تلميذي عمواس "ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ" (لو24: 27). لذلك كله يقول المزمور: "اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ" (مز119: 18).
إنها موجودة، لكنها تحتاج إلى كشف. لأن عيوننا من ذاتها لا تبصر! لأنه "حَتَّى الْيَوْمِ، حِينَ يُقْرَأُ مُوسَى، الْبُرْقُعُ مَوْضُوعٌ عَلَى قَلْبِهِمْ" (2كو3: 15). فمتى يكشف الرب عن عيوننا فنبصر؟
العين من طبيعتها أن تبصر. ولكن بعض العيون، ليست لها قوة الإبصار الكافية في الأمور الروحية، وتحتاج في ذلك إلى معونة إلهية، وإلى كشف إلهي. وحينما تعجز عين العقل أيضًا، تساعدها كلمة الله على الرؤيا، كما يقول المرتل في المزمور:
"سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (مز119: 105).
كما أن العين هي سراج الجسد، وهي نور. كذلك كلمة الله هي أيضًا سراج ونور. تكشف وتهدي. ولهذا يقول المرتل في مزمور آخر: "وَصيَّةُ الرَّبِّ مُضيئةٌ. تُنَيرُ العَيْنيْنِ" (مز19: 8). العين هي سراج للجسد. وكلمة الله سراج ينير للعينين.
فالذي لا يستنير بذاته، يمكن أن يستنير بكلمة الله.
أيضًا الأشياء التي لا تراها العين، يمكن أن يراها العقل، وأن يراها الإيمان. فالإيمان يرى ما لا يُرى.
كما يقول الرسول: "الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى" (عب11: 1) وقد قال السيد المسيح لتلميذه الشكاك توما: "طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا" (يو20: 29). أي طوبى للذين حلَّت عين الإيمان عندهم محل العين الجسدية، وبنفس اليقين...
وبعين الإيمان ننظر باستمرار إلى غير المرئيات، إلى الأبديات والسماويات. كما قال الرسول: "وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2كو4: 18).
فإن ركزت العين اهتمامها في المرئيات، تفقد نورها ويدركها الظلام.
وعن هذا الأمر وبخ السيد الرب مرثا قائلًا: "مَرْثَا، مَرْثَا، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ" (لو10: 41). كان هذا الواحد معها في البيت. ولكن مرثا انشغلت عنه، وأصبحت "مُرْتَبِكَةً فِي خِدْمَةٍ كَثِيرَةٍ" (لو10: 40). فاضطربت وأدركتها الظلمة.
متى ننحل من الارتباك والاضطراب بأمور كثيرة تمنعنا عن الانشغال بالرب وحده؟! وحينئذ نقول مع الشاعر في الترتيلة:
هي ذي العين وقد أغمضتها |
| عن رؤى الأشياء علّي أن أراك |
إننا نقول ذلك لو استطعنا أن نقول أيضًا معه:
لَيس لي رأيٌ ولا فكرٌ ولا |
| شهوة أخرى سوى أن أتبعك |
حقًا إن العين المنشغلة بالماديات ليست عين بسيطة a single eye، يصبح النور الذي فيها ظلامًا.
نور يصير ظلامًا:
إن العقل نور، وقد يصير ظلامًا. وكذلك الضمير.
العقل نور وضعه الله فيك، مصدرًا للفهم والتمييز والحكمة. ولكن إن سيطرت عليه مفاهيم خاطئة ومبادئ هدامة. حينئذ يصير ظلامًا.
وكذلك إن سيطرت عليه الشكوك ووصل إلى خداع النفس، فإنه كذلك يصير ظلامًا. وإذا العقل سيطرت عليه العادات والشهوات، وأصبح عبدًا لها يفكر في مطالبها، ويخترع الوسائل لتحقيقها، حينئذ يصير ظلامًا. وهكذا إن قادته المصالح الخاصة، يصير ظلامًا.
وإن صار العقل ظلامًا، فالظلام - الجهل - كم يكون؟!
إن الحكمة وهي نور، صارت ظلامًا - كالحكمة عند الحية - (تك3: 1). وتحولت الحكمة إلى مكر وخديعة، فالحماقة كم تكون؟!
ذلك إن العقل لم يعد عقلًا بسيطًا، بل دخلت إليه أفكارًا شوهته، وأفقدته حكمته ونوره. مثل عقول المبتدعين والهراطقة ومفسري الكتاب حسب أهوائهم، ومثل العقول المنحرفة بفلسفات باطلة... نعم، ماذا يكون إذا ضلَّ العقل. والنور الذي فيك صار ظلامًا!!
وبنفس الوضع نتكلم عن الضمير، وهو نور قد يصير ظلامًا!
هو نور وضعه الله في الإنسان، لكي يهديه إلى الخير، ويبعده عن الشر بل ويبكته عليه. ماذا إذن إذا انحرف الضمير وضلّ؟!
مثل أولئك الذين قال عنهم السيد الرب: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً ِللهِ" (يو16: 2). ومن أمثلة أولئك: "صَنَعَ بَعْضُ الْيَهُودِ اتِّفَاقًا، وَحَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ لاَ يَأْكُلُونَ وَلاَ يَشْرَبُونَ حَتَّى يَقْتُلُوا بُولُسَ. وَكَانَ الَّذِينَ صَنَعُوا هذَا التَّحَالُفَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ" (أع23: 12، 13). وأخبروا رؤساء الكهنة بذلك..
إنه ضمير قد أختل. يظن أن القتل فضيلة...!
نقطة أخرى. وهي أن إنسانًا لا يسنده نوره الطبيعي من عقل وضمير. فيلجأ إلى نور خارجي هو المرشد. فماذا إذا ضلّ المرشد؟!
وهذا أمر وارد، سجله الكتاب المقدس، فيما قيل مثلًا عن الكتبة والفريسيين الذين جلسوا "عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى" في التعليم (مت23: 2). ولكنهم كانوا "قادة عميان" لا دخلوا الملكوت ولا جعلوا الداخلين يدخلون. وقد وبخهم الرب قائلًا لهم: "لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا" (مت23: 15).
يمكن إذن أن يضل المرشد، ويصير نوره ظلامًا. وقد قال الرب: "يَا شَعْبِي، مُرْشِدُوكَ مُضِلُّونَ" (إش3: 12).
ومن العجب أن البعض قد يتمسكون بالمرشد، حتى إن فقد نوره وصار ظلامًا، ويطيعونه أكثر مما يطيعون الله!! بينما الكتاب يقول: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع5: 29).
أما أنتم فطوبى لعيونكم لأنها تبصر. تبصر الله، وتبصر الحق، وتبصر الأشياء التي لا تُرى...
على أن هناك عينًا لا تبصر. قال الرب عنها إنها "عَيْنٌ شِرِّيرَةً" (مت6: 23).
إنها عين عليها سحابة من الماديات والعالميات، وسحابة أخرى من الشهوات ومن الدوافع الخاطئة...
هذه العين الشريرة ليست سراجًا للجسد، بل على العكس إنها تجعل الجسد أن يكون كله مظلمًا...
لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ
لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ
(مت6: 24)
هكذا قال الرب في العظة على الجبل:
"لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ...".
وهنا اذكر قاعدة في التفسير تقول: "حذف المعلوم جائز". فالمقصود هنا: "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين مختلفين في الاتجاه".
فإن خدمهما معًا، لا تكون خدمته لكل منهما بنفس المساواة وبنفس الأمانة. أو تكون خدمته بالنسبة إلى أحدهما خدمة حقيقية من القلب، وتكون خدمته للآخر بالادعاء أو بالرياء.
أما إن كان الاتجاه واحدًا، فمن الممكن للإنسان أن يخدم الجميع... يمكنه أن يخدم الله، ويخدم الكنيسة، ويخدم المجتمع والدولة، ويخدم العلم... ولكن لا يمكن أن يخدم الله، وسيدًا آخر ضده أو ينافسه في طاعته. سواء كان هذا السيد شخصًا أو شيئًا.
ذلك أن خدمة الله، ينبغي أن تكون كاملة وشاملة، ومن كل القلب.
وعن هذا الأمر قال الكتاب: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ" (تث6: 5). وتكررت نفس العبارة في العهد الجديد: "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى.
وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ" (مت22: 37- 40).
تحب الرب إلهك، وتحب قريبك. لأنهما في نفس الاتجاه.
أما إذا تعارضت محبة الله ومحبة القريب، فإن الرب يقول: "مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي..." (مت10: 37). ذلك لأنه ما دام القلب كله لله، إذن تحب الكل داخل محبة الله. ولا تكون حينئذ تخدم سيدين، بل الله وحده.
فلا تحب القريب محبة ضد محبة الله، ولا محبة أكثر من محبة الله.
الله وقيصَر:
ونفس الوضع بالنسبة إلى الله وقيصر (أي الحاكم):
يمكن أن تخدم الله وتخدم قيصر، إذا كانت خدمتهما في نفس الاتجاه، لا تعارض إحداهما الأخرى. وفي ذلك قال السيد المسيح: "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ ِللهِ" (مت22: 21).
أما إذا تدخل قيصر في ما لله، وأراد أن يبعد الناس عن الله، فهنا لا يقدر إنسان أن يخدم سيدين، بل يقول كما قال الآباء الرسل: "يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع5: 29). وهكذا حدث اصطدام بين المسيحية وقيصر، وبدأ عصر الاستشهاد، وعصر من الاضطهاد.
ولكن لما عاد الاتجاه الواحد بين المسيحية والقياصرة القديسين، أمكن للآباء أن يخدموا الله وقيصر معًا، في ظل الحق، بدون تعارض.
الله والعَالم:
يقول الكتاب: "مَحَبَّةَ الْعَالَمِ عَدَاوَةٌ ِللهِ" ( يع4: 4).
ويشرح ذلك فيقول: "لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ. لأَنَّ كُلَّ مَا فِي الْعَالَمِ: شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ... وَالْعَالَمُ يَمْضِي وَشَهْوَتُهُ" (1يو2: 15- 17).
ومن الأمثلة البارزة على عدم الجمع بين محبة الله ومحبة العالم، ما حدث لديماس تلميذ بولس الرسول، إذ قال الرسول عنه:
"دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ" (2تي4: 10).
ومثله سليمان الحكيم، حينما استغرق في شهوات العالم المادية.
وقال في ذلك عن نفسه: "عَظَّمْتُ عَمَلِي: بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا، غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا. عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ... عَمِلْتُ لِنَفْسِي بِرَكَ مِيَاهٍ لِتُسْقَى بِهَا الْمَغَارِسُ الْمُنْبِتَةُ الشَّجَرَ. قَنَيْتُ عَبِيدًا وَجَوَارِيَ... وَكَانَتْ لِي أَيْضًا قِنْيَةُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ... جَمَعْتُ لِنَفْسِي أَيْضًا فِضَّةً وَذَهَبًا وَخُصُوصِيَّاتِ الْمُلُوكِ وَالْبُلْدَانِ. اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ. وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا" (جا2: 4- 10).
الروح والجَسَد:
لا يقدر إنسان أن يخدم الروح والجسد معًا، ما دام "الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ..." (غلا5: 17). ويقول الرسول أيضًا: "لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَادًا، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً" (غلا6: 8).
العجيب أن سليمان الحكيم، بعد أن نال الكثير جدًا من تنعمات الجسد، يقول: "وَبَقِيَتْ أَيْضًا حِكْمَتِي مَعِي" (جا2: 9). وأنا أعاتبه في ذلك وأقول: ربما بقيت حكمتك معك إلى حين، ولكنها لم تستمر! إذ يقول الكتاب:
"وَكَانَ فِي زَمَانِ شَيْخُوخَةِ سُلَيْمَانَ أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ إِلهِهِ كَقَلْبِ دَاوُدَ أَبِيهِ" (1مل11: 4).
حقًا إنها لكارثة! سليمان الحكيم الذي أخذ الحكمة من فوق، من الله مباشرة (1مل3: 11، 12) الذي تراءى له الله مرتين (1مل9: 2). سليمان هذا - بسبب النساء - "ذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ..." (1مل11: 5، 6). وحل عليه غضب الرب فعاقبه، ومزق مملكته (1مل11: 11- 13).
حقًا لا يقدر إنسان أن يخدم سيدين: الله وشهوة النساء.
ومن الأمثلة البارزة التي أتلفتها شهوة النساء: شمشون الجبار.
الذي كان نذيرًا للرب من بطن أمه (قض13: 7). وقد "بَارَكَهُ الرَّبُّ. وَابْتَدَأَ رُوحُ الرَّبِّ يُحَرِّكُهُ" (قض13: 24، 25). وحلّ عليه روح الرب أكثر من مرة (قض14: 6، 19) (قض15: 4). وصنع الرب معه عجائب، وصنع به خلاصًا... شمشون هذا وقع في شهوة النساء، ولم يقدر أن يخدم الله وهذه الشهوة معًا...
وقع في شهوة امرأة تمنة (قض14: 2). وألحت عليه فكشف لها سرّ الأحجية التي قالها للفتيان (قض14: 16، 17).
وعاد فوقع في شهوة امرأة زانية في غزة (قض16: 1).
ثم أحب امرأة في وادى سورق اسمها دليلة (قض16: 4). وكان ضياعه على يديها، إذ خانته وألحت عليه في كشف سرّ قوته لها. فضاقت نفسه إلى الموت، وكشف لها كل قلبه (قض16: 16، 17). وكانت النتيجة أنه فقد نذره، وحلقوا شعره، وقلعوا عينيه، وأوثقوه بسلاسل، وكان يطحن في بيت السجن (قض16: 21). وانطبق عليه المثل القائل:
إن كان وراء كل رجل عظيم امرأة، فإن وراء كل رجل فاشل أكثر من امرأة.
وهكذا تحقق قول الكتاب عن شهوة النساء إنها "طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم7: 26).
إذًا لا يقدر أحد أن يخدم الروح والجسد المنحرف معًا. أما إذا اتحد الاثنان معًا، وسارا في اتجاه واحد روحي، حينئذ ينطبق عليهما قول الكتاب: "مَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ" (1كو6: 20).
الله والشيطان:
طبيعي أنه لا يقدر أحد أن يخدم الله والشيطان معًا.
وهذا واضح في الخطية الأولى في سقطة أمنا حواء.
لم تقدر حواء أن تجمع بين وصية الله وما قالته لها الحية، إذ كان هناك تناقض بينهما. ولما أطاعت الحية، عصت الله وسقطت (تك3). وجرّت على البشرية - من بعدها - قضية الموت.
وهكذا فإن إيليا النبي - فيما كان يحذر بني إسرائيل - يحذرنا نحن أيضًا بقوله: "حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ (هو الله) فَاتَّبِعُوهُ" (1مل18: 21).
ذلك لأنه لا يقدر أحد أن يخدم سيدين...
الله والذات:
أكبر عدو هو الذات الـ Ego. ولذلك أمرنا الله بإنكار الذات فقال: "مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (يو12: 25). وقال: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ... حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا" (لو14: 26). وقال بنفس المعنى: "مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا" (مت10: 39)... لذلك كثيرون أضاعوا أنفسهم، لأنهم ركزوا كل اهتمامهم في الذات، أو جعلوا ما يختص بذاتهم، أهم مما يختص بالله!
سقطة الشيطان الكبرى كانت بسبب الذات.
كان ملاكًا عظيمًا من طغمة الكاروبيم. وقال له الله: "أَنْتَ خَاتِمُ الْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ... أَنْتَ الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ" (حز28: 12، 14). وقال له أيضًا: "أَنْتَ كَامِلٌ فِي طُرُقِكَ مِنْ يَوْمَ خُلِقْتَ حَتَّى وُجِدَ فِيكَ إِثْمٌ" (حز28: 15).
وكيف وجد فيه إثم؟ كان كذلك يوم فكّر في إعلاء ذاته. وهكذا وبخه الله قائلًا: "وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ... أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 13، 14).
ولم يقدر الشيطان أن يجمع بين شهوة الذات وخدمة الله.
فانحدر إلى الهاوية، إلى أسافل الجب (إش14: 15).
الذات أيضًا أسقطت شاول الملك، حين استقل عن الله وتصرف بذاته. وكانت الذات هي التي أشعلت حقده على داود ولسعيه لقتله. ولم يقدر شاول أن يجمع بين خدمته له وخدمته لذاته. ولا أن يجمع بين خدمة ذاته ومحبته لداود، فهلك...
الله والمَال:
إن السيد الرب يقول في صراحة: "لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ" (مت6: 24). ويقول أيضًا: "مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!... مُرُورُ جَمَل مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ" (مر10: 23، 25).
وكانت هذه هي مشكلة الشاب الغني الذي كان يسعى إلى الملكوت، وقال للسيد الرب: "أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟" (مت19: 16). فلما قال له الرب: "اذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ..."، "مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ" (مت19: 21، 22).
لم يقدر الشاب الغني أن يجمع بين سيدين: الله والمال.
ومع ذلك فهناك أغنياء كثيرون كانوا أبرارًا ومن بني الملكوت.
إبراهيم أبو الآباء كان: "غَنِيًّا جِدًّا فِي الْمَوَاشِي وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ" (تك13: 2). وكان مباركًا من الرب (تك12: 2). وأيوب الصديق كان في الغني "أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ" (أي1: 3) وشهد له الله إنه رجل كامل ومستقيم (أي1: 8)، ويوسف الرامي الذي كّفن جسد المسيح ودفنه في مقبرته، "كان غنيًا... وَكَانَ هُوَ أَيْضًا تِلْمِيذًا لِيَسُوعَ" (مت27: 57).
وإبراهيم الجوهري في العصر الحديث كان غنيًا جدًا. وكان من الأبرار، محبًا للكنيسة وللفقراء... والأمثلة عديدة.
وهنا أحب أن أفرق بين عبارة "يخدم المال"، و"يخدم بالمال".
كل الأغنياء القديسين الذين ذكرناهم، ما كانوا يخدمون المال. بل كانوا يخدمون الله بالمال. ومثلهم النسوة اللائي كن يتبعن الرب: "كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ" (لو8: 3). وكذلك فعل المؤمنون في العصر الرسولي. "كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُول أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوزَّعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ" (أع4: 34 ،35). وكذلك النسوة اللائي جعلن بيوتهن كنائس (رو16: 3- 5).
عكس ذلك حنانيا وسفيرة (أع5) لم يقدرا أن يجمعا بين الله ومحبة المال. ما كانا يملكان المال. بل المال كان يملكهما.
دفعهما المال إلى الكذب ليس على الرسول فقط، بل على روح الله الذي فيه. كذلك فإن الذي يخدم المال، يريد باستمرار أن يزيده وينميه، لا أن ينقص منه. وهكذا يصبح من الصعب عليه أن يصرف منه للفقراء. كذلك يصعب عليه أن يدفع العشور والبكور وباقي استحقاقات الله من ماله، ويكثر عنده "مَالِ الظُّلْمِ" (لو16: 9). أي المال الذي ظلموا فيه الفقراء واستبقوه عندهم، أو المال الذي سلبوه من الله نفسه (ملا3: 8).
الذي يخدم المال يقع أيضًا في خطية الجمع والتكويم.
كما قال سليمان في سفر الجامعة: "أَمَّا الْخَاطِئُ فَيُعْطِيهِ شُغْلَ الْجَمْعِ وَالتَّكْوِيمِ" (جا2: 26). هذا الذي كتبت عنه قديمًا مقالًا بعنوان "شيطان الرصيد". إذ يفرح كلما زاد الرصيد. كما لو كان الرصيد هو الهدف، وليس الهدف هو استخدام الرصيد في الخير، بتوزيعه على المحتاجين!
وفي هذه الحالة لا يقدر أن يدفع المال على الحالات التي تتطلب معونات كبيرة مثل عمليات زرع الكبد أو زرع الكلى وما أشبه...
كذلك من أخطر نتائج خدمة المال: الاتكال عليه.
فيحدث أن صاحب المال، يتكل عليه وليس على الله.
ولذلك فإن السيد الرب عندما قال: "مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!" وتحير التلاميذ من ذلك أجابهم: "مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!" (مر10: 23، 24).
والمتكل على المال، إذا أعوزه المال يقلق ويحمل الهمّ.
لذلك قال الرب لهؤلاء: "لاَ تَهْتَمُّوا... بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ... بِمَا تَلْبَسُونَ.. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا" (مت6: 25، 32).
اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ... تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ...
اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ...
تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ...
(مت6: 26، 28)
هكذا قال الرب في العظة على الجبل: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟... تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا" (مت6: 26- 29).
التأمُل:
إن التأمل موجود منذ القدم. ولعله من الآيات التي تثبته، قول الكتاب عن إسحاق أبي الآباء "وَخَرَجَ إِسْحَاقُ لِيَتَأَمَّلَ فِي الْحَقْلِ عِنْدَ إِقْبَالِ الْمَسَاءِ" (تك24: 63). كذلك من جهة التأمل في الطبيعة، قال المرتل في المزمور: "بِصَنَائِعِ يَدَيْكَ أَتَأَمَّلُ" (مز143: 5). ومن أمثلة التأمل في المخلوقات، قول الكتاب: "اِذْهَبْ إِلَى النَّمْلَةِ أَيُّهَا الْكَسْلاَنُ. تَأَمَّلْ طُرُقَهَا وَكُنْ حَكِيمًا" (أم6: 6).
والتأمل عَلىَ أنواع:
هناك تأمل في الطبيعة. وتأمل في الكتاب المقدس. وتأمل في الصلوات وفي المزامير. وتأمل في الأحداث. وتأمل في الله وصفاته...
وحينما قال الرب: تأملوا طيور السماء، وتأملوا زنابق الحقل، إنما هذا جزء من التأمل في الطبيعة بوجه عام.
وما أكثر الدروس التي نأخذها من الطبيعة. فما هي؟
دروس مِن الطبيعَة:
التأمل في الطبيعة يقودنا إلى الإيمان بالله.
إنها تعطينا فكرة عن قدرة الله، وعن إبداع عمل يديه. وفي ذلك يقول المزمور: "اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ" (مز19: 1). الأرض أيضًا بما فيها من جبال وبحار ومحيطات، وما عليها من أشجار وأزهار، وما فيها من مناظر وتنوع الخليقة، تعطي أيضًا فكرة عن قدرة الخالق.
قديمًا كان يدرسون علم الفلك في كليات اللاهوت. لأن التأمل في الشمس والقمر والكواكب والنجوم والمجرات، وفي عظمتها وتحركاتها وصلتها ببعضها البعض، إنما يقنع المتأمل بأن وراء كل هذه الخليقة السمائية إلهًا خلق فأبدع. وأتذكر بهذه المناسبة إنني قرأت كتابًا في شبابي المبكر اسمه (مع الله في السماء) للأستاذ الدكتور أحمد زكي باشا يتأمل فيه مواكب النجوم في أسلوب جميل مشوّق يعطي فكرة عن عظمة الله في خلقه.
والطبيعة قد تغنى بها الشعر. فقال أحمد شوقي أمير الشعراء:
هذي الطبيعة قف بنا يا ساري |
| حتى أريك بديع صنع الباري |
إننا نرى كواكب الله في السماء. فهل هي موضع لتأملاتنا؟ لا شك أنها كذلك في هوسات تسبحة نصف الليل.
التأمل في الطبيعة يعطينا أيضًا درسًا في النظام.
من أمثلة النظام العجيب في الفلك، الذي ينتج عنه تتابع الليل والنهار، وتوالي الفصول، بنظام دقيق لا يختل على مرّ آلاف السنين. كذلك نظام الحرارة والبرودة، والضغط والرياح، وما ينتج عن كل ذلك. وأوجه القمر التي تتابع أيضًا في دقة كل شهر منذ نشأة العالم حتى الآن.
نظام أيضًا نراه في الجسد البشري، في مراكز المخ المتعددة الخاصة بالحركة والسمع والنطق والذاكرة والنظر. مع النظام في دقات القلب، وفي عمل الأعصاب. بل في كل عضو من أعضاء الجسد وفي وظائف تلك الأعضاء. حتى أنهم كانوا يدرسون الطب في كليات اللاهوت كما يدرسون الفلك، لأنه يثبت وجود الخالق وقدرته.
والتأمل في الطبيعة يعطينا درسًا آخر في العمل الجماعي.
الكل يعمل معًا وفي تعاون عجيب.
أكلة مثلًا تأكلها: تجد أعضاء الجسد كلها تتعاون معًا: اليد والفم والأسنان، والجهاز الهضمي كله. وإفرازات خاصة لهضم كل من المواد الدهنية والكربوهيدراتية والبروتينات... وتتحول إلى مواد لبناء أنسجة الجسم وتوليد الطاقة اللازمة لوظائف الأعضاء المختلفة... وفيما يعمل الجهاز الهضمي، يعمل القلب في ضخ الدم، ويعمل الكبد وتعمل الكلى، ويشرف المخ على العمل كله. إنه تعاون في العمل الجماعي.
نفس الوضع نجده في عمل الأشجار: الجذر والجذع والفروع والأوراق، مع عمل المطر الذي يروي، وتربة الأرض التي تغذي، وحرارة الشمس، وندى الليل، والرياح التي تنقل البذور...
الطبيعة أيضًا تعطينا درسًا في الطاعة:
إنها تنفذ مشيئة غيرها لا إرادتها الخاصة، سواء الطبيعة السمائية التي للملائكة، أو طبيعة أرضنا. الكل يسير وفق نظام إلهي موضوع له، ما عدا الإنسان الذي يستخدم عقله وحريته أحيانًا في التمرد على مشيئة الله. لذلك نقول للرب في صلواتنا: "لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ" (مت6: 10).
مثال لهذه الطاعة ما ورد في قصة يونان النبي.
أُعدَّ له حوتًا عظيمًا ليبتلع يونان فابتلعه (يون1: 17). "وَأَمَرَ الرَّبُّ الْحُوتَ فَقَذَفَ يُونَانَ إِلَى الْبَرِّ" (يون2: 10). وبنفس الوضع سلكت اليقطينة التي ظللت على يونان لكي تخلصه من غمه. والدودة التي نفذت الأمر فضربت اليقطينة فيبست. والشمس التي ضربت على رأس يونان فذبل (يون4).
الشخص الوحيد في تلك القصة الذي لم يكن مطيعًا هو الإنسان يونان. عقله أتعبه، وكذلك إرادته...!
الطبيعة الجامدة تعطي مثالًا في طاعة الله. وكذلك الملائكة الذين قال عنهم المزمور: "بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ... الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ" (مز103: 20). ليت الإنسان يأخذ درسًا حينما يتأمل الطبيعة في طاعتها.
الطبيعة تعطينا درسًا آخر في الحركة والنشاط.
خذها مثالًا من الأرض في دورانها حول نفسها مرة كل يوم، وحول الشمس مرة كل عام. منذ خلقها وهي تدور لا تتوقف. وما زالت تدور حتى في هذه اللحظة التي أكتب لكم فيها. وستظل تدور إلى نهاية العالم، في حركة لا تنقطع. لا تتذمر ولا يقل نشاطها. ترى لو فكرت الأرض أن تستريح قليلًا من هذا الدوران، ماذا كان سيحدث لليل والنهار وللفصول الأربعة؟!
طبيعة جسدنا أيضًا هي درس في الحركة التي لا تتوقف. القلب في عمله، وكذلك المخ والكبد والدم. لو توقف أحد من هذه الأعضاء، لتعرض الإنسان للضياع. نفس الوضع في الشجر والنبات. دروس في الحركة.
مثال عجيب آخر في الحركة والنشاط هي النملة. في حياتي كلها، لم أرَ نملة واحدة واقفة. هي دائمًا تعمل، وتتصل بغيرها وتوصل رسالات!
الطبيعة تعطينا أيضًا درسًا في العطاء.
الشمس تعطينا حرارة ودفئًا ونورًا. والنجوم والكواكب والقمر تعطينا ضوءًا. المطر يعطينا ريًّا. والأشجار تعطينا ظلًا. الورود والأزهار تعطينا رائحةً وعطرًا، وتعطينا فرصة للتمتع بألوانها وجمال منظرها. والنباتات تعطينا طعامًا. وكثير من الأشجار تعطينا فاكهة وثمرًا. الماء من أجلنا يجري في الأنهار، ويجري في عروق الأشجار. الجبال تعطينا معادن نافعة لنا، وتعطينا أحجارًا لمبانينا، وتعطينا حدودًا، وبعضها يصلح للزرع وللسكنى. والهواء يعطينا ما نستنشقه لنحيا. بل حتى ظلام الليل يعطينا فرصة لنغفو ونستريح.
كل الطبيعة لا تعمل لأجل نفسها، بل لغيرها، لأجلنا نحن. الأرض لماذا تتعب لتنتج وتثمر؟ أليس لأجلنا؟ إنها درس لنا بلا شك.
والطبيعة تعطينا كذلك درسًا في إنكار الذات.
ولعلني في هذا أعطيكم مثالًا بالجذر الذي يحمل الشجرة كلها وهو مختفِ لا يظهر. إنه يمتص العصارة من الأرض، ويقدمها للشجرة فتنمو وتزهر وتثمر. ويمتدح الناس زهرها وثمرها وظلها، ولا تنال الجذور شيئًا من هذا المديح، بل تحيا في إنكار ذات دائم. هي لا تظهر ولكن تعطي للجذع في أن يعلو شامخًا، وللفروع فرصة في أن تمتد وأن تهتز. وتعطي فرصة للزهر والثمر أن يظهر. أما هي فمنكرة لذاتها...
والجذور لا تحسد الفروع على علوها، ولا تحسد الزهر على ظهوره، ولا الثمر على طعمه. بل هي تبذل جهدها لأجل الكل. وتمتد وتتعمق في الخفاء تحت الأرض لكي تعطي للشجرة علوًا إلى فوق...
نفس الوضع بالنسبة إلى الأساسات في الأبنية. هي أيضًا تحمل البناء كله ولكنها لا تظهر. وقد ترى ناطحة سحاب، فتمتدح علوها الشاهق، وجمال ما فيها من مساكن في أحسن رونق، وفي منظر وطلاء خارجي. أما الأساسات فلا يتحدث أحد عنها! إنها في أعماقها منكرة لذاتها. تقول عن المبنى العالي: "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ" (يو3: 30).
الطبيعة أيضًا تعطينا درسًا في الجمال، وفكرة عن محبة الله للجمال.
ما أعجب جمال السمك الملون، وجمال الفراشات. كلها بألوان عجيبة ومجموعات نادرة يصعب على فنان أن يرسم بعضًا منها. وكلها تدل على قدرة الخالق في تنسيق وتنويع وترتيب تلك الألوان جميعها، وتلك الأشكال المتعددة. نراها فنؤمن أن الله هو الفنان الأول.
أراني البعض باقة من ورد وأزهار صناعية. وعلى الرغم من محاولة تقليدها للورد والأزهار الطبيعية، إلا أنني رأيت بين النوعين فارقًا كبيرًا.
فالورد الطبيعي له الرائحة والنضرة والحيوية. وحتى اللون أيضًا شتان بين الطبيعي والصناعي. حقًا إن الطبيعة لها جمالها.
ونحن نرى ذلك فنأخذ درسًا أن الجمال هو الوضع الطبيعي.
نضيف إلى ذلك مديح الرب إذ قال عن زنابق الحقل: "وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا" (مت6: 29).
ماذا نقول أيضًا عن جمال الأصوات وتنوعها في طيور السماء؟!
اهتمام الله بالطيُور
اهتمام الله بالطيُور
أول تأمل نأخذه من طيور السماء، هو اهتمام الرب بها.
وهذا هو الذي ذكره الرب في العظة على الجبل إذ قال: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا" (مت6: 26). ليس فقط الطيور الجميلة، وإنما أيضًا يعطي طعامًا "ولِفِراخِ الغِرْبانِ الَّتي تَدْعوهُ" (مز147: 9).
وهكذا أعطانا الرب درسًا في عنايته بنا، من تأمل عناية الله بهذه الطيور.
إنه يعتني بالطير في غذائه، وفي حمايته له.
وهكذا يقول: "لاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ... أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ... فَلاَ تَخَافُوا! أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ!" (مت10: 28- 31). إنه درس لنا. إن كان الله يهتم بحماية عصفور ثمنه نصف فلس، فكم بالحريِّ يهتم بنا. لذلك قال في هذه المناسبة: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ" (مت10: 30) (لو12: 6، 7).
وفي حمايته لهذه الطيور الصغيرة، والتأمل في ذلك لنثق في حمايته لنا، يقول المرتل في المزمور: "نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا. عَوْنُنا باِسْمِ الرَّبِّ، الَّذي صَنَعَ السَّماءَ والأرْضَ" (مز124: 7، 8).
ومن اهتمام الله بالطيور أنه منحها مواهب معينة:
مواهب في الغناء، كما منح البلبل الفريد، والعصفور المغني، والحمامة التي تهدل، وغير ذلك من الطيور المتعددة الأصوات في جمالها.
ومنح الله الطيور جمالًا، مثل الطاووس في جمال ريشه وذيله.
ومنح بعضها قوة مثل النسور التي قيل عنها في سفر إشعياء النبي: "وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ" (إش40: 31). وقيل في المزمور: "يَتَجَدَّدُ مِثْلَ النَّسْرِ شَبَابُكِ" (مز103: 5).
ومن اهتمام الرب بالطيور، أنه راعى مشاعر الأمومة عندها.
وهكذا قال في سفر الثنية: "إِذَا اتَّفَقَ قُدَّامَكَ عُشُّ طَائِرٍ فِي الطَّرِيقِ فِي شَجَرَةٍ مَا أَوْ عَلَى الأَرْضِ، فِيهِ فِرَاخٌ أَوْ بَيْضٌ، وَالأُمُّ حَاضِنَةٌ الْفِرَاخَ أَوِ الْبَيْضَ، فَلاَ تَأْخُذِ الأُمَّ مَعَ الأَوْلاَدِ. أَطْلِقِ الأُمَّ وَخُذْ لِنَفْسِكَ الأَوْلاَدَ..." (تث22: 6، 7).
أيضًا نلاحظ أن الرب قد كلَّف بعض الطيور بمسئوليات قامت بها:
كلَّف بعض الغربان بإعالة إيليا النبي وقت المجاعة. فأمره أن يختبئ عند نهر كريث. وقال له: "فَتَشْرَبَ مِنَ النَّهْرِ. وَقَدْ أَمَرْتُ الْغِرْبَانَ أَنْ تَعُولَكَ هُنَاكَ" (1مل17: 4). وبالمثل قامت الغربان بإعالة القديس الأنبا بولا السائح.
ولا ننسى الدور الذي قامت به الحمامة في أيام أبينا نوح، إذ أحضرت له ورقة زيتون خضراء في فمها، مبشرة بأن مياه الطوفان "قَدْ قَلَّتْ عَنِ الأَرْضِ" (تك8: 11).
نلاحظ أيضًا أنه من المهام التي يقوم بها الهدهد وبعض طيور أخرى، أنها تنظف الأرض الزراعية من الديدان. وهبها الله هذه المهمة.
من الأمور التي سمح بها الله، أن تكون الطيور ذبيحة للمحرقة.
فأمر بتقديمها "مِنَ الْيَمَامِ أَوْ مِنْ أَفْرَاخِ الْحَمَامِ" (لا1: 14). يقدمها الفقير الذي لا يقدر أن يقدم محرقة من البهائم أو من الغنم. ومع ذلك فإنه على الرغم من صغرها، تكون "مُحْرَقَةٌ، وَقُودُ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ" (لا1: 17). مثلها كباقي الذبائح الكبيرة.
وكانت هكذا الذبيحة التي قدمتها السيدة العذراء، حينما دخلت بابنها الرب يسوع إلى الهيكل في اليوم الأربعين من ميلاده بالجسد. فقدمت ذبيحة "كَمَا قِيلَ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ" (لو2: 24).
ومن اهتمام الرب بالطيور، إنها كانت تمثل واحدًا من الأحياء الأربعة التي حول العرش الإلهي:
كما ورد في سفر الرؤيا إن "الرَّابِعُ شِبْهُ نَسْرٍ طَائِرٍ" (رؤ4: 7). هذا هو الذي رآه القديس يوحنا الإنجيلي في رؤياه. وأيضًا ما رآه حزقيال النبي عندما انفتحت له السموات وهو مسبي عند نهر خابور فرأى الأحياء الأربعة. ومنها "وَجْهُ نَسْرٍ" (حز1: 10). وكرر ذلك في رؤيته للكاروبيم. فقال: "وَالرَّابعُ وَجْهُ نَسْرٍ" (حز10: 14).
ولما تحدث القديس يوحنا الرائي عن "آيَةٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ: امْرَأَةٌ مُتَسَرْبِلَةٌ بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهَا" (رؤ12: 1)، قال في مقاومة التنين لها: "فَأُعْطِيَتِ الْمَرْأَةُ جَنَاحَيِ النَّسْرِ الْعَظِيمِ لِكَيْ تَطِيرَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ..." (رؤ12: 14).
هذه فكرة موجزة عن اهتمام الرب بالطيور، في ذاتها أو في رموزها. ننتقل بعد ذلك للحديث عن فضائل الطيور لنتأملها...
نتعلم مِن الطيور:
أول درس نتأمله ونتعلمه هو القناعة والإيمان.
يقول عنها الرب إنها: "لاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ" وذكر أن السبب في ذلك هو عبارة "أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا" (مت6: 26). إنها تؤمن بهذه الحقيقة، أو على الأقل: لقد وضع الله ذلك في طبعها، لنتعلمه منها.
ولقد اختبرت ذلك بنفسي في تأملي للطير:
كنت في أحد الأيام جالسًا أمام قلايتي في حديقة الدير. وكان أحد العمال وهو ينقل القمح من مكان إلى آخر، قد وقع بعض منه على الأرض، كمية كقبضة اليد. فجاءت عصفورة وأخذت حبة واحدة أو حبتين، وطارت. تركت كل ذلك الرزق. لم تصنع لها عشًا إلى جواره، ولم تنقله إلى عش لها. ولم تفكر في أنه ينفعها في المستقبل. وإنما بكل قناعة التقطت حبة واحدة وطارت. وهي تؤمن بأن الله يقوتها حيثما تذهب.
كما أنها لا تهتم لحياتها بما تأكله. فالله هو المهتم بها.
وتشبهًا بها علمنا الرب قائلًا: "لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ" (مت6: 25). كونوا مثل هذه العصفورة القانعة التي لا تكنز لها "كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ" (مت6: 19). بعكس الإنسان الذي يهتم بما يأكل ويشرب ويلبس!
تعلمت من العصفورة أيضًا أنها لا تحمل همًا. لا تهتم بمشكلة أين تجد طعامًا حينما تطير إلى مكان آخر "فَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا" في كل موضع.
لذلك قال لنا الرب: "لاَ تَهْتَمُّوا... بِمَا تَأْكُلُونَ". أو لا تهتموا، أي لا تحملوا همًا بسبب ذلك. وتعلموا من طيور السماء...
الطير يستخدم الإيمان فلا يحمل همًا. أما الإنسان فيستخدم العقل فيهتم.
عقله يتعبه، ويقول له: ماذا ستفعل غدًا. اهتم بالغد واستعد له. بينما يقول لنا الرب: "لاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ" (مت6: 34). يكفيه شرًا عدم الإيمان بأن الله سيرعى حياتنا في الغد. وعدم الإيمان هذا، هو الذي يجعلنا نهتم للغد.
إنني لم أرَّ في حياتي كلها عصفورة تهتم للغد.
إن الغد في يد الله، وهو المهتم به وبنا.
هناك بعض من الطير المهاجر، كالوز العراقي مثلًا. يطير إلى مسافات بعيدة جدًا، يعبر فيها قارات أو محيطات. ولا يهتم أين يجد رزقه حينما يصل. بل يوقن أنه في كل مكان يصل إليه، الله يعدّ له رزقًا هناك.
العصفورة تطير: لا تحمل همًا لأكلها، ولا همًا لسكناها.
تترك هذه الشجرة إلى غيرها، وهذه الحديقة وهذا المكان إلى غيرهما. لا تتمسك بمكان معين. أو أقول إنه ليس لها عنوان ثابت يزورها فيه أصحابها. تذكرني بالسواح، أو بقصيدة (سائح) التي قلت فيها:
ليس لي دير، فكل البيدِ والآكامِ ديــــــــري |
حقًا إن حياة التجرد موجودة عند الطير، ليتنا نتعلمها منه.
يعجبنا في الطيور أيضًا انتسابها للسماء، فهي طيور السماء.
وهكذا لقبّها الرب في قوله: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ" (مت6: 26). لا تستريح إلى البقاء في الأرض، ولا تبني لها بيوتًا ثابتة على الأرض. إنما هي منطلقة على الدوام إلى السماء. قد تستريح قليلًا لأجل ضرورة لتأكل أو تشرب، أو لتبيض وترعى فراخها. ولكنها تعود بسرعة لتطير في السماء، فهذا هو موضعها الأصلي الذي تنتسب إليه، وتعلّم فراخها أيضًا أن تطير في السماء.
ليتنا نتعلم من الطيور أن ننتسب إلى السماء مثلها...
والطير حينما يطير في السماء، إنما يفرد جناحيه، ويصير كعلامة الصليب، حسبما لاحظ القديس أثناسيوس الرسولي. أليس هذا درسًا آخر لنا، أن ننطلق دومًا إلى السماء بعلامة الصليب هذه...
نتعلم من الطير أيضًا: حياة الفرح، ودوام الغناء...
إنها دائمًا تغني، في طيرانها، وفي وقوفها على غصن. تذكرنا بقول الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في4: 4)... حتى حينما يطردها البعض من عشِ لها، تطير فرحة. إن حياة التجرد علمتها الفرح وعلمتها الغناء.
جميل أن إحدى ترجمات المزمور تقول: "غنوا للرب أغنية جديدة" (مز96: 1)، أو "رَنِّمُوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً". وفي ترجمات كنيستنا القبطية "سَبِّحوا الرَّبَّ تَسْبيحًا جَديدًا" أترى العصفورة وهي تُنفذ هذا المزمور، تسبح الرب وهي تغني.
والطير وهو يغني، يحيا في سلام قلبي، ولا يخاف.
فخاخ كثيرة منصوبة له، وإلى جوارها قول المزمور: "نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا" (مز124: 7). وكذلك تغني العصافير، على الرغم من نبال الصيادين ومن وجود بعض الطيور الجارحة. ولكنها مع كل ذلك تغني في فرح وسلام، وهي تصغي إلى قول الرب: "تَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22).
إنه سلام داخلي لا يعرف خوفًا، على الرغم من الأخطار الخارجية، وعلى الرغم من أن هذه الطيور الصغيرة مخلوقات ضعيفة ولا تملك سلاحًا...
مما يتصف به الطير أيضًا: الدالة وشعورها أن كل شيء لها!
إنها عشرية Familiar. تقف على أية شجرة، وكأنها لها. لا تسأل من هو صاحب الشجرة، وهل أذن لها بالوقوف على أشجاره أم لا؟ وهكذا تفعل حينما تلتقط حَبًا لتأكله، أو حينما تشرب من ينبوع ماء. بنفس الدالة تأكل وتشرب. إن كل ذلك من خيرات الله، لا من خيرات الناس. هذه الطبيعة التي يتحرك فيها الطير وينال منها ما يريد، هي ملك لله وحده كما قال المزمور: "لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا" (مز24: 1). والله صرح للطير أن يأخذ منها ما يريد...
أو أن الطير يسلك حسب شريعة الله في التوراة حينما قال: "إِذَا دَخَلْتَ كَرْمَ صَاحِبِكَ فَكُلْ عِنَبًا حَسَبَ شَهْوَةِ نَفْسِكَ، شَبْعَتَكَ. وَلكِنْ فِي وِعَائِكَ لاَ تَجْعَلْ. إِذَا دَخَلْتَ زَرْعَ صَاحِبِكَ فَاقْطِفْ سَنَابِلَ بِيَدِكَ، وَلكِنْ مِنْجَلاً لاَ تَرْفَعْ عَلَى زَرْعِ صَاحِبِكَ" (تث23: 24، 25). وبنفس التصريح الإلهي، لما جاع تلاميذ الرب "وَابْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ" (مت12: 1).
ما أكثر الفضائل الأخرى التي يتصف بها بعض الطير.
كالوداعة التي يتصف بها الحمام مثلًا. ولهذا قال لنا الرب: "كونوا ودعاء كالحمام" أو "بُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ" (مت10: 16).
أو كالنظام الذي نراه في سرب من الطيور. فهو يتبع قائدًا للسرب، حيثما يتوجه تتوجه باقي الطيور وراءه.
جميل أن الرب وصف بعض الطيور بأنها من "الطُّيُورِ الطَّاهِرَةِ" (تك8: 20)، هذه التي قدّم منها أبونا نوح محرقات للرب، "فَتَنَسَّمَ الرَّبُّ رَائِحَةَ الرِّضَا" (تك8: 21).
لاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ
لاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ
(مت6: 34)
لقد تكررت عبارة "لا تهتموا" ثلاث مرات في فقرة واحدة من العظة على الجبل، في إنجيل متى (مت6: 25- 34).
فقال الرب: "لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُون" (مت6: 25). وقال: "فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟" (مت6: 31). ثم قال أخيرًا: "فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ... يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ" (مت6: 34).
المقصود عدم الاهتمام بالماديات. أما الروحيات فلا شك أننا نهتم بها.
فقال في الاهتمام بحساب النفقة في الحياة الأبدية ضاربًا مثلًا ببناء برج. فقال: "وَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بُرْجًا لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَحْسِبُ النَّفَقَةَ، هَلْ عِنْدَهُ مَا يَلْزَمُ لِكَمَالِهِ؟ لِئَلاَّ يَضَعَ الأَسَاسَ وَلاَ يَقْدِرَ أَنْ يُكَمِّلَ، فَيَبْتَدِئَ جَمِيعُ النَّاظِرِينَ يَهْزَأُونَ بِهِ، قَائِلِينَ: هذَا الإِنْسَانُ ابْتَدَأَ يَبْنِي وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكَمِّلَ" "وَأَيُّ مَلِكٍ إِنْ ذَهَبَ لِمُقَاتَلَةِ مَلِكٍ آخَرَ فِي حَرْبٍ، لاَ يَجْلِسُ أَوَّلاً وَيَتَشَاوَرُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُلاَقِيَ بِعَشَرَةِ آلاَفٍ الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ أَلْفًا؟ وَإِلاَّ فَمَا دَامَ ذلِكَ بَعِيدًا، يُرْسِلُ سِفَارَةً وَيَسْأَلُ مَا هُوَ لِلصُّلْحِ" (لو14: 28- 32).
وأيضًا امتدح الرب وكيل الظلم، لأنه بحكمة صنع، لما بدأ يفكر في مستقبله. فقال: "مَاذَا أَفْعَلُ، حَتَّى إِذَا عُزِلْتُ عَنِ الْوَكَالَةِ يَقْبَلُونِي فِي بُيُوتِهِمْ" (لو16: 4). وبدأ يدبر أموره بما يكفل راحته في المستقبل. وعلَّق الرب على ذلك بقوله: "وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ، حَتَّى إِذَا فَنِيتُمْ يَقْبَلُونَكُمْ فِي الْمَظَالِّ الأَبَدِيَّةِ" (لو16: 9).
والكتاب المقدس كله يدور على اهتمامنا بالحياة الأبدية.
أما عن المأكل والمشرب والملبس، فقال الرب: "لا تهتموا".
وعبارة "لا تهتموا" هنا، معناها: لا تحملوا همًا.
أي لا تقلقوا من جهة ما سوف يحدث لكم في الغد.
ونحن نريد أن نركّز في هذا المجال على عدم القلق.
وصية الرب إذن هي عدم القلق بسبب أمور العالم الحاضر، وعدم الاضطراب من جهة الغد، أي من جهة المستقبل...
فالإنسان عليه أن يهتم، ولكن لا يحمل همًا بسبب ذلك.
فالتلميذ عليه أن يهتم بدروسه، وبما يوصله إلى النجاح وإلى التفوق. ولكن لا يقلق بسبب ذلك ولا يحمل همًا، فربما القلق يقوده إلى الاضطراب، والاضطراب يتعب نفسيته، ولا يوصله إلى هدفه في النجاح.
كذلك رب الأسرة عليه أن يهتم بأن "يُدَبِّرُ بَيْتَهُ حَسَنًا" (1تي3: 4). ولكن لا يظل مهمومًا بذلك. لأن حمل الهمّ يتعب نفسيته، ولا يمنحه الحكمة التي يدبر بها بيته. كما يكون بهمومه قدوة سيئة للبيت، ومصدر نكد.
إن حَمل الهمّ، دليل على عدم الثقة بالله كمدبر لأمورنا.
لذلك قال الرب في هذا الفصل من إنجيل متى: "لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا" (مت6: 32). وما دام يعلم، فهو بمحبته للبشر سوف يوفي جميع احتياجاتنا، حتى دون أن نطلب... هذا الذي قبل أن يخلق إنسان، أوجد له رزقه. ودبَّر له ما سوف يأكل ويشرب، ولم يدعه معوزًا شيئًا من أعمال كرامته كما نقول في القداس الغريغوري...
إن قلقنا وحملنا الهم، يدل على عدم إيماننا برعاية الله لنا.
والكتاب المقدس - في أكثر من موضع، وفي أكثر من سفر- يقدّم الله باعتباره الراعي الصالح، الذي قال عن نفسه: "أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا... وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ" (حز34: 15، 16). وهو الذي قال عنه داود في المزمور: "الرَّبُ يَرْعاني فَلا يُعْوزُني شَيء. في مَراعٍ خُضْرٍ يُسْكِنُني، إلَي مَاءِ الرّاحةِ يورِدُني. يَردُّ نَفْسي. يَهْديني إلَي سُبُل البرِّ مِنْ أجْلِ اِسْمِهِ" (مز23: 1- 3).
إن الكتاب يعلمنا أن لا نقلق من جهة المأكل والمشرب.
ê هوذا داود النبي يقول: "كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ، وَلَمْ أَرَ صِدِّيقًا تُخُلِّيَ عَنْهُ، وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزًا" (مز37: 25).
ê ولنا مثل واضح في إيليا النبي، وكيف كان الله يرعاه في زمن المجاعة، سواء وهو عند نهر كريث، أو في بيت أرملة صرفة صيدا (1مل17). أو وهو هارب من وجه الملكة إيزابل (1مل19).
ê ولنا مثل آخر في تاريخ السوّاح والمتوحدين: وكيف كان الله يوفّر لهم الطعام والشراب، وهم في برية قفرة بعيدين عن كل معونة بشرية. ولنقرأ عن ذلك في سيرة أنبا بولا السائح وآبا نفر السائح وغيرهما.
ê وقد ذكر لنا الكتاب المقدس مثالًا عمليًا عن الشعب في البرية، وكيف رعاهم الله من جهة الطعام بالمن والسلوى، ومن جهة الشراب بأن فجّر لهم من الصخرة ماء. كما كان يقود خطاهم بالسحابة نهارًا وبعمود النار ليلًا (خر13: 21) (خر16: 17).
وليس اهتمام الله بالبشر فقط، بل بباقي الطبيعة:
وهكذا يقول الرب: "اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا... تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ... أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا" (مت6: 26- 29). ثم يوبخنا الرب قائلًا: "أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟" (مت6: 30).
إن قلقنا إذن هو مظهر من مظاهر عدم الإيمان.
وهكذا سأل الرب تلاميذه: "حِينَ أَرْسَلْتُكُمْ بِلاَ كِيسٍ وَلاَ مِزْوَدٍ وَلاَ أَحْذِيَةٍ، هَلْ أَعْوَزَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالُوا: لاَ" (لو22: 35).
إذن فالطريق الذي يسلكه المؤمن - وهو غير واثق بأن الله سوف يوفر له احتياجه فيه، خير له أن لا يسلكه.
إن لنا في تاريخنا المعاصر قصصًا من إيمان في تأسيس الكنائس.
بدأنا الخدمة في إفريقيا بلا كيس ولا مزود، وبدون أية معونات مادية. وتولى الله الخدمة كلها وزوّدها باحتياجاتها ونشرها.
وبنفس الإيمان بدأنا الخدمة في إيطاليا - في ميلانو وفي رومه - بدون أية استعدادات مادية. وإذا بالرب يكفل كل شيء، وهو نفسه ينفق على الخدمة، ويؤسس لنا كنائس، ويدبر كل أمورها.
وبنفس الوضع بدأت أسقفية الخدمات، من تحت الصفر، بلا مقرّ وبلا إمكانيات. وتأسست وعمرت وانتشرت. واستظل كثيرون تحت أغصانها.
وهكذا أيضًا بدأت الخدمة في برمنجهام، وفي أيرلندا وأسكتلندا، وفي البرازيل، بلا شيء إلا الإيمان بأن الله سيتولى كل شيء، ويقول لنا:
"لاَ تَهْتَمُّوا... فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ... أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا".
وبنفس الإيمان نذكر تعمير الأديرة والكنائس. والقصص كثيرة.
ووراء كل كنيسة من كنائس المهجر، قصة من الإيمان حول تأسيسها وبنائها. نود أن نجمعها وننشرها قبل أن تُنسى.
حسن إذن قول الرب: "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (مت6: 33). يكفي أن نبدي لله محبتنا لملكوته، ورغبتنا في بناء هذا الملكوت. وهو يقول: لا تهتموا سأعمل لأجلكم كل شيء...
إن القلق لا فائدة منه. بل هو بالأكثر معطل.
فالذي يقلق، وينظر إلى الغد بخوف، لن يعمل شيئًا...
وصدق سفر الجامعة حينما قال: "مَنْ يَرْصُدُ الرِّيحَ لاَ يَزْرَعُ، وَمَنْ يُرَاقِبُ السُّحُبَ لاَ يَحْصُدُ" (جا11: 4). كذلك البحّار الذي تخوف وقلق من جهة الرياح والأمواج، فلن يبحر على الإطلاق.
إن القلق يسبب الخوف. والخوف يشلّ الحركة ويوقف العمل.
لا تحملوا همًا إذن، ولا تخافوا. ولتكن لكم ثقة في عمل الله لأجلكم، واشتراكه في العمل معكم. فهوذا داود النبي يقول في المزمور: "أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ" (مز55 :22) "الرَّبُّ يَهْتَمُّ بِي" (مز40: 17). وإن تعبت في حياتك، وثقُل حملك عليك، استمع إلى قول الرب:
"تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت11: 28).
ليس قلقك هو الذي يريحك، ولا حملك الهم سيرفع الهمّ عنك. بل التجاؤك إلى الله واثقًا بتدخله في حياتك. هذا هو الذي سوف يريحك. لا تضع همومك أمام عينيك، فيرفعها عنك ويحملها بدلًا منك. ويمنحك الراحة والطمأنينة أن مشاكلك وصلت إلى يد أمينة وإلى قلب حنون.
إن القلق وحمل الهم، يفقدانك سلامك القلبي.
هوذا الرسول يقول: "اَلرَّبُّ قَرِيبٌ. لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (في4: 5- 7).
إن الذي يقلق من جهة المستقبل، يتخيل أمورًا متعبة ستحدث.
القلق يورثه الخوف والنظرة المتشائمة. فيتخيل مشاكل ستحدث ونتائج سيئة ومتاعب وأسوأ ما يمكن أن يصل إليه الخيال، فيزداد قلقه وخوفه، لأنه لم يضع الله أمامه. ويصبح تحت سيطرة صورة من التخيلات التي تفزعه. وقد يتحول قلقه إلى حالة مرضية، تجلب له أمراضًا جسدية أيضًا في أعصابه وضغط دمه وفي قلبه أيضًا.
أما إن جاء القلق بسبب مؤامرات الأعداء فلنثق بالرب.
أمامنا كنز في المزامير يجيب على ذلك. إذ يقول المرتل: "إنْ يُحارِبَنِي جَيشٌ فلَنْ يَخافَ قَلْبي. وَإنْ قامَ عَليَّ قِتالٌ فَفي هَذا أنَا أطَمْئنُّ"، "اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟! (مز27: 3، 1). ويقول أيضًا: "الرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرّ. يَحْفَظُ نَفْسَكَ. الرَّبُّ يَحْفَظُ خُرُوجَكَ وَدُخُولَكَ" (مز121: 7). ويتحدث عن خيراته فيقول: "لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء... مُبارَكٌ الرَّبُّ الّذي لَمْ يُسَلِّمْنا فَريسةً لأسْنانِهِم. نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا. عَوْنُنا باِسْمِ الرَّبِّ، الَّذي صَنَعَ السَّماءَ والأرْضَ" (مز124: 2- 8).
إن موسى النبي لم يقلق وهو واقف أمام البحر الأحمر، وفرعون يطارده بمركباته. لكن قلق الشعب الضعيف الإيمان.
لذلك طمأنهم موسى ناقلًا إليهم إيمانه بعمل الله. وقال لهم: "لاَ تَخَافُوا. قِفُوا وَانْظُرُوا خَلاَصَ الرَّبِّ الَّذِي يَصْنَعُهُ لَكُمُ الْيَوْمَ... الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر14: 13، 14).
فلنتذكر أن بطرس - وهو في السجن - وهيرودس الملك مزعم أن يقتله، كان بطرس نائمًا نومًا ثقيلًا وهو مربوط بسلسلتين، في غير خوف ولا قلق مما سيحدث في الغد. حتى أن الملاك لكزه وأيقظه (أع12: 6، 7).
إن خطية القلق وحمل الهم تحمل وتسبب خطايا كثيرة.
تحمل الاضطراب، والخوف، وعدم الإيمان بعمل الله، والنظرة التشاؤمية، وعدم الاطمئنان، وتعب الفكر والنفس، وقد تؤدي إلى الأرق والمرض مع عدم الاستقرار النفسي وتذكرنا بقول الشاعر:
كريشة في مهب الريح طائرة |
| لا تستقر على حالٍ من القلق |
وربما يؤدي القلق إلى حلول خاطئة غير مدروسة، وكذلك إلى الاعتماد على الذراع البشري، أو إلى اللجوء إلى العرافين والسحرة كما حدث مع شاول الملك (1صم 28: 5- 7).
ولما ازدادت خطية إسرائيل في العهد القديم، أسلمهم الرب إلى القلق.
كما ورد في سفر إرميا النبي (إر15: 4) (إر24 : 9).
وكما ورد في لعنات الناموس "وَتَكُونُ قَلِقًا فِي جَمِيعِ مَمَالِكِ الأَرْضِ" (تث28: 25).
فليعطنا الرب حياة الإيمان، التي نثق فيها بعمل الله معنا وبعمله لأجلنا، فنطمئن ولا نقلق، ولا نهتم بالغد، بل نتركه إلى الله يدبره حسب حكمته ومحبته وصلاحه.
لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا
لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا
(مت7: 1)
هكذا قال الرب في العظة على الجبل:
"لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا. لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!" (مت7: 1- 5).
مَتى يُسمَح بالإدانة:
عبارة "لاَ تَدِينُوا" ليست حُكمًا مطلقًا لأن هناك حالات تجوز فيها الإدانة، بل تكون واجبة.
مثالها الإدانة من شخص له سلطان.
كالأب الروحي أو الأب الجسدي. فإنه إن أدان ابنه، لا تكون خطية إدانة، لأن واجبه أن يفعل ذلك. ونحن نعلم أن عالي الكاهن عوقب من الله عقوبة شديدة، لأنه لم يكن حازمًا في إدانة وتأديب أولاده (1صم3: 10- 14).
كذلك كل مسئول في حدود مسئوليته.
وكل رئيس بالنسبة إلى مرؤوسيه، له أن يدينهم. هي إدانة ولكنها ليست خطية إدانة. وإلا فإن الفوضى تسود مع عدم الانضباط. والكتاب يقول: "اخْضَعُوا لِكُلِّ تَرْتِيبٍ بَشَرِيٍّ مِنْ أَجْلِ الرَّبِّ" (1بط2: 13).
والقديس باسيليوس الكبير، عندما سُئل في نسكياته عن الإدانة، قال إنه إذا اجتمع المسئولون في المجمع للنظر في شئون الإخوة وتدبيرهم... فإن ما يقررونه، لا يدخل في الإدانة، لأن وظيفتهم أن يفعلوا هكذا...
وهكذا القاضي في مجلس القضاء، والمعلم بالنسبة إلى تلاميذه، والكبار بالنسبة إلى الصغار، وكل المسئولين عن التربية والتهذيب والتدريب.
وأيضًا الكنيسة لها سلطان أن تدين.
والسيد الرب يقول عن المسيء: "وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ" (مت18: 17). والقديس بولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس الأسقف: "وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ" (2تي4: 2). وتقول الدسقولية للأسقف: "كما أنك أعطيت سلطانًا أن تحلّ، كذلك أعطيت سلطانًا أن تربط. فاحكم بسلطان كمثل الله".
وبهذا السلطان حكمت المجامع المسكونية والمكانية على الهراطقة والمبتدعين.
حكمت بالقطع والفرز والحرمان، وحطهم من رتبهم الكهنوتية. كانت إدانة ولكنها لم تكن خطية إدانة. بل كانت أحكامًا لازمة وواجبة من أجل حفظ الإيمان وسلامة الكنيسة.
والقديس بولس الرسول يقول: "اَلَّذِينَ يُخْطِئُونَ وَبِّخْهُمْ أَمَامَ الْجَمِيعِ، لِكَيْ يَكُونَ عِنْدَ الْبَاقِينَ خَوْفٌ" (1تي5: 20).
هناك نقطة أخرى لا تدخل في خطية الإدانة. وهي التمييز الطبيعي.
أقصد استنارة الضمير في التمييز بين الخير والشر. فإن رأيت إنسانًا سكرانًا ملقى على الطريق، أو سمعت إنسانًا يشتم ويتفوه بألفاظ غير لائقة، لا بد ستدرك أن هناك خطأ. وإلى هنا لا تعتبر خطية إدانة. مع ملاحظة وهي:
الحكم على الفعل الخاطئ، وليس على الشخص الخاطئ.
حقًا كما يقول الكتاب: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ" (مت7: 20). لكننا مع معرفة العمل، لا نعرف ظروف الشخص الداخلية والخارجية.
وعندما يقول المزمور عن الإنسان البار إنه: "لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (مز1: 1). معنى هذا: أن البار يدرك أن هذه مجالس مستهزئين، فلا يشارك في الجلوس معهم.
ولا تكون هذه إدانة لهم، بل هي احتراس منهم.
المهم أننا لا نلوك بألسنتنا سمعة أولئك الناس، بل نكتفي بالبعد عنهم. ولا تعتبر هذه إدانة منا، لأنه كما يقول الرسول: "خَطَايَا بَعْضِ النَّاسِ وَاضِحَةٌ تَتَقَدَّمُ إِلَى الْقَضَاءِ" (1تي5: 24).
وفي مجال الإدانة، نقول: إن كان من عمل القاضي أن يدين، إلا أن للقضاء شروطًا، نذكر من بينها:
لا يكون القاضي متحيزًا، ولا يحكم بدافع شخصي. فإن وُجد مثل هذا الدافع الشخصي، يمكن للدفاع أن يرد المحكمة. أيضًا القاضي يحقق ويفحص، ولا يحكم بتسرع. بل المتهم يتم التحقيق معه أمام البوليس، ثم أمام النيابة. وأخيرًا أمام القضاء. وهكذا يكون الحكم بمعرفة واستقصاء. ولا يتم إلا بثبوت الأدلة.
فهل الذين يدينون غيرهم، يفعلون كل هذا، أم أحكامهم عشوائية؟!
القاضي أيضًا يتصف حكمه بالعدل. ويقتضي العدل أن يعطي المتهم فرصة للدفاع عن نفسه، ويكون له محامٍ أو أكثر للدفاع عنه. ويعتبر المتهم بريئًا إلى أن تثبت إدانته.
فهل كل من يدين غيره، يعطيه فرصة للدفاع عن نفسه؟!
النصح والتأديب:
هنا نسأل: هل التأديب والتوبيخ والنصح يعتبر إدانة؟
هل إذا رأيت صديقك يخطئ، فأظهرت له خطأه حتى لا يستمر فيه، أو ليعالج نتائجه، أتكون هذه إدانة؟!
النصح لا يعتبر خطية إدانة، إن كان بمحبة واتضاع.
فأنت إن نصحت صديقك بمحبة، يقبل منك. وإن وجهّته باتضاع يقبل منك التوجيه. أما إن كان النصح بكبرياء وبطريقة جارحة، فإنه لا يكون مقبولًا. كذلك إن كان بقسوة، أو بأسلوب فيه شيء من الاحتقار أو من التعالي، ففي ذلك تكون قد أخطأت. لا تكون قد أخطأت في النصح، إنما في الأسلوب الذي تنصح به.
كذلك التوبيخ، لا يعتبر إدانة ممن له سلطان وعليه واجب التربية.
ونلاحظ أن أبيجايل قد وبخت داود النبي، ولم تخطئ.
بل قال لها داود: "مُبَارَكٌ عَقْلُكِ، وَمُبَارَكَةٌ أَنْتِ، لأَنَّكِ مَنَعْتِنِي الْيَوْمَ مِنْ إِتْيَانِ الدِّمَاءِ وَانْتِقَامِ يَدِي لِنَفْسِي"، "اُنْظُرِي. قَدْ سَمِعْتُ لِصَوْتِكِ وَرَفَعْتُ وَجْهَكِ" (1صم25: 33، 35). لقد أظهرت أبيجايل لداود خطأ ما كان مزمعًا أن يفعله. ولكن بأسلوب فيه الاتضاع والاحترام. ولم تخدش شعوره بكلمة، بل كانت تخاطب ضميره في أدب. وكانت حكيمة في توبيخها له...
يلزم في التوبيخ: الهدف والدافع من جهة، والأسلوب من جهة أخرى.
فإن كان الهدف هو الإنقاذ وبدافع المحبة، لا تكون هناك خطية. كذلك إن كان الأسلوب مقبولًا. مع ملاحظة أخرى:
أن يكون ذلك "بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا" (مت18: 15).
غالبية المخطئين يقبلون مثل هذا التوبيخ، الذي في سرّ أما إن كان أمام الناس، حينئذ يكون الشعور بالحرج، وإقلال نظرة الناس إليه. فيتحول التوبيخ في نظره إلى إهانة.
ومن التوبيخ غير المقبول، أن توبخ شخصًا على خطأ ليس فيه، يكون قد وصل إليك بالسماع. أو أن يكون الذي يقوم بالتوبيخ واقعًا في نفس الخطأ الذي يوبخ غيره عليه. وحينئذ ينطبق عليه المثل القائل "أَيُّهَا الطَّبِيبُ اشْفِ نَفْسَكَ" (لو4: 23).
إن الخطاة لا يجوز لهم أن يجلسوا على مقاعد المعلمين.
أما عن التأديب، فهو واجب لمن له هذا السلطان.
فالأب - مثلًا - من واجبه أن يؤدب ابنه. وهكذا يقول الرسول: "فَأَيُّ ابْنٍ لاَ يُؤَدِّبُهُ أَبُوهُ؟!" (عب12: 7). وأيضًا المعلم عليه أن يؤدب تلاميذه. وكذلك السلطان بالنسبة إلى رعاياه. وفي هذا يقول الكتاب عنه إنه: "لاَ يَحْمِلُ السَّيْفَ عَبَثًا" (رو13 :4) بل لينتقم ممن يفعل الشر.
ليس التأديب خطية إدانة، بل الخطية هي عدم التأديب.
خطورة الإدانة:
الإدانة هي جزء من اختصاصات الله، تدعيه لنفسك!
فالله هو "دَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ" (تك18: 25). فبأي حق أنت تدين؟! هوذا الرسول يقول: "مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ" (رو14: 4).
وهكذا قال أحد القديسين: "لماذا تدين إنسانًا قبل أن يدينه الله؟! الله هو الذي سيدينه. ومن الجائز أنه يتوب قبل الدينونة، فيسامحه الله".
القديس يوحنا القصير كان يبكي إن رأى أحدًا يخطئ. فلما سألوه عن ذلك قال: هوذا الشيطان قد أوقع أخي اليوم، وربما يوقعني غدًا. وربما هو يتوب، وأنا لا أتوب. على هذا القدر كانت حساسية القديسين!
ومن خطورة الإدانة قول القديس يعقوب الرسول: "مَنْ أَنْتَ يَا مَنْ تَدِينُ غَيْرَكَ؟!" (يع4: 12). "لاَ يَذُمَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ. الَّذِي يَذُمُّ أَخَاهُ وَيَدِينُ أَخَاهُ يَذُمُّ النَّامُوسَ وَيَدِينُ النَّامُوسَ. وَإِنْ كُنْتَ تَدِينُ النَّامُوسَ، فَلَسْتَ عَامِلاً بِالنَّامُوسِ، بَلْ دَيَّانًا لَهُ" (يع 4: 11).
لقد كرر الرسولان يعقوب وبولس عبارة "مَن أنت يا من تدين غيرك".
أنت بالإدانة تعرض نفسك أيضًا للدينونة، لأن الرب يقول: "بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ" (مت7: 2).
أنت إذًا توقع نفسك في مشكلة. بينما بعدم الإدانة تتبرر.
قيل إن أخًا في الدير كان متوانيًا. ولكنهم وجدوه ساعة الموت متهللًا! فسألوه قائلين: من أجل الرب أخبرنا أيها الأخ كيف أنت متهلل، ونحن نعرف عنك أنك كنت مقصرًا في كل واجباتك الروحية؟ فقال لهم: ولكنني كنت متمسكًا بوصية "لا تدينوا". وقلت للرب "إنك قلت "لا تدينوا لكي لا تدانوا" فلتنطبق عليَّ هذه الوصية، ولا أدان..!
وعكس هذا الإنسان، أخ آخر ذهب للقديس برصنوفيوس وقال له: "إن أفكار الزنا تتعبني" فردّ القديس: ذلك لأنك تدين أخاك. فترتفع عنك النعمة بسبب كبريائك، فتقع في أفكار الزنا. حتى إذا ما شعرت بضعفك، تتضع فلا تدين غيرك.
إذن الإدانة ضد سلطان الله الديان، وضد نفسك، وضد الذي تدينه. وضد من يسمع إدانتك، فتشوّه أفكاره.
ربما الذي يسمعك، أفكاره بريئة وبسيطة من جهة الذي تدينه. فعندما يسمعك قد يتغير فكره، وتتغير مشاعره تبعًا لذلك. وقد يقول نفس الكلام لغيره فيشوّه فكره كذلك. وتكون أنت المسئول عن الكل!
الإدانة أيضًا ضد المحبة وضد الاتضاع وضد علاقاتك بالآخرين.
ضد المحبة، لأنك إن كنت تحب شخصًا، لا تسيء إلى سمعته.
وضد الاتضاع، لأنك أثناء الإدانة تكون ناسيًا خطاياك.
وضد علاقاتك بالآخرين، لأنك تفسد علاقتك بمن تدينه. كما أنك قد تفسد علاقتك أيضًا بمن يسمعك، إذ يأخذ عنك فكرة أنك من النوع الذي يمسك سيرة الناس...
من خطورة الإدانة أيضًا، من يقع في إدانات شاملة كاملة.
سواء من جهة فرد واحد، إذ يدين حياته كلها، وليس فقط نقطة واحدة منها! أو قد يدين بلدًا بأسره فيصفه بالبخل مثلًا، أو بمحبة المال، أو بالعنف. بينما من غير المعقول أن يكون كل سكان بلد بطبع واحد! بل قد تتعدد الطباع وتختلف داخل الأسرة الواحدة: فكان يعقوب وعيسو مختلفين، وهما أخوان. وكان سليمان وأبشالوم مختلفين في طباعهما وهما أخوان!
وتزيد خطورة الإدانة: إن كانت ظلمًا وبغير معرفة.
مثل الذي يدين البعض بناء على السماع أو الشائعات، بغير تحقيق! أو بناء على ما تكتبه بعض الصحف، وقد تكون أخبارها غير صحيحة. أو من يدين الغير بناء على الشبهة والظن، وقد يكون بريئًا! أو من يدين شخصًا مجاملة لقريب أو صديق له لا يحبه!
أو قد يدين إنسانًا، وهو على غير علم بظروفه!
كأن يدينه مثلًا، لأنه شرب كوب لبن في يوم صوم. بينما يكون قد فعل ذلك - وهو متغصب - بناء على أمر الطبيب، بسبب مرضه بقرحة في المعدة، فتناول اللبن كدواء.
وربما يعرف الحقيقة بعد ذلك، فيندم على سوء ظنه.
ومن خطورة الإدانة، أن يحكم شخص على نيات إنسان ودواخله!
فيقول مثلًا: هذا الإنسان نيته سوداء! مشاعره شريرة! يفكر في خطط مدمرة! بينما لا يعرف النية والمشاعر والأفكار إلا الله وحده - ولكن هذا (الديان) يتجاوز حدوده في الإدانة.
أنواع مِن الإدانة:
هناك إدانات بالفكر، وبالسماع، وبالقلب، وباللسان، وبالكتابة.
فبالفكر: قد تمر بالفكر حرب إدانة من جهة شخص ما. فلا يرفضها الفكر بل يلتذ بها، بسبب كراهيته لهذا الشخص، ويستمر في الفكر ويزيد عليه، ويتصور أمورًا قد حدثت ضد هذا الشخص، وفضائح وكوارث..!
إنه لم يتكلم بكلمة إدانة واحدة، ولكن فكره يشتمل على إدانات كثيرة ربما لا يجرؤ على النطق بواحدة منها، في تخيله لمواقع سقوط من لا يحبه!
أما الإدانة باللسان فتشمل الغيبة، والنميمة، والإدانة، والتشهير، والتهكم، والتحقير والازدراء...
فالغيبة أن تسيء إليه في غيبته بما لا تقوله في حضرته. والمثل يقول: الملك من هيبته، يشتمونه في غيبته.
والنميمة: هي أن تتحدث مع الآخرين ضد سمعة شخص ما.
والإدانة: هي أن تلفظ كلمة الإساءة، حتى لو كنت وحدك.
والتشهير: هو أن يتسع نطاق الإدانة حتى يصبح العيب مشهورًا.
والتهكم: هو اتخاذ المدان مجالًا للهزء وإضحاك الآخرين.
ومن ضمن التشهير بعض مقالات الصحف ضد سمعة شخص معين.
ومن التهكم ما يُقال عن شخص أو مجموعة من فكاهات.
أما الإدانة بالسماع، فهي أن تسمع إدانة فتنقلها وتصدقها. وقد تصبها بدورك في أذن غيرك، فتوقعه هو أيضًا في الإدانة بالسماع. نصيحتي لك أن تبعد عن مجالس الإدانة هذه. وإن وقعت في ذلك، حاول بقدر الاستطاعة أن تغير مجرى الحديث.
أما إن سررت بما تسمعه، تكون قد أخطأت قلبًا وأذنًا.
وهناك من يجر غيره إلى الإدانة، ويبدو لا يدين!!
كأن يسأل عن أخبار شخص معين، وهو عارف تمامًا أن الإجابة ستكون ضد سمعته. ثم يطلب مزيدًا من المعلومات - ولو رياء بقصد الاطمئنان عليه!! - والمنتظر أن يسمع عن فضائحه أو كوارثه!!
وفي كل ذلك يسهل الإدانة، دون أن يلفظ بكلمة إدانة.
كلمات بَعض الآباء:
قال القديس بولس الرسول (1تس5: 14) غير ما ذكرناه:
"شَجِّعُوا صِغَارَ النُّفُوسِ. أَسْنِدُوا الضُّعَفَاءَ. تَأَنَّوْا عَلَى الْجَمِيعِ".
قال القديس يوحنا ذهبي الفم:
إن كنت لا تستطيع أن تستر على أخيك وتُخفي خطيته، فعلى الأقل لا تتكلم عنها أنت...
وإن كنت لا تستطيع أن تسدّ فم من يتكلم بالسوء على الآخرين، فلا تفتح أنت فمك، وتتكلم بالسوء عليهم.
وقال القديس الأنبا أنطونيوس الكبير:
لا تغب أحدًا مهما كانت الأسباب، ولو رأيته عاجزًا عن إتمام كل الفضائل.
وقال القديس الأنبا باخوميوس:
لا تحتقر أحدًا ولا تدنه، ولو رأيته ساقطًا في الخطية.
وقال القديس أبرايوس
لا تأكل لحوم الأخوة ولا تشرب دماءهم بالوقيعة.
وقال القديس أنسطاسيوس:
لا تكن ديانًا لأخيك، لكي تؤهل أنت للمغفرة.
(لأنك إن أدنته قد تفقد مغفرة خطاياك أنت).
وقال القديس بولس السينائي:
تنهد على قريبك إذا أخطأ، كما تتنهد على نفسك، لأننا كلنا تحت الزلل.
وقال مار إسحاق:
"غطّ على أخيك وقوّه، دون أن تشمئز منه، لكي تحملك رحمة سيد الكل". وقال أيضًا "اسند الضعفاء وصغيري النفوس، فتسندك اليمين التي تحمل الكل".
وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ...
وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ...
(مت7: 2)
هكذا قال الرب في عظته على الجبل: "بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ".
أي بنفس المعاملة تعاملون: فإن كنت تكيل لغيرك بالعنف، يسمح الله أن يصيبك العنف. وإن كنت تعامل بالقسوة، يسمح أيضًا أن تُعامل بالقسوة. وهكذا إذا كنت تعامل الغير بالرحمة، فإنه يقول: "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مت5: 7). ويقول الكتاب أيضًا:
"مَنْ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَنْ صُرَاخِ الْمِسْكِينِ، فَهُوَ أَيْضًا يَصْرُخُ وَلاَ يُسْتَجَابُ" (أم21: 13). إن أردت إذن أن يعاملك الله بالرحمة، كن رحيمًا في التعامل مع غيرك. حتى في المغفرة يقول الرب "اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" (لو6: 37). وقال في التعليم على الصلاة الربية: "فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ" (مت6: 14، 15).
ذلك لأنه "لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (لو6: 38).
استر إذن على الناس، ولا تتحدث عن زلاتهم، ليستر الله عليك.
ألسنا في صلاة الشكر، أول شيء نشكر الله عليه هو "لأنه سترنا". لماذا إذن لا نستر على الغير؟! هل لأن الله قد غطى على عيوبك فلا يراها الغير، لا تحفظ الجميل، وتظل تتحدث عن عيوب غيرك فيتداولها السامعون وينقلونها إلى آذان أخرى. أنت أيضًا لك عيوب. ويقول المثل:
من كان بيته من زجاج، فلا يقذف الناس بالحجارة!
إذن كما عاملك الله وستر عليك، عامل غيرك بالمثل. وإن عرفت عنه عيبًا لا تكشفه. وإن حوربت بالحديث عن ضعفات الناس، قل لنفسك: "مَنْ أَقَامَنِي... قَاضِيًا؟!" (لو12: 14).
القذى والخشبة:
يقول السيد الرب: "وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟! يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!" (مت7: 3- 5).
أتريد أن تصلح أخاك بإخراج القذى من عينه؟ إن إصلاحه لا يكون بالتشهير به وتحقيره أمام الناس! هوذا الرسول يقول:
"أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا" (غلا6: 1).
تصلحه بروح الوداعة، وليس بإساءة سمعته. وفي نفس الوقت تدرك أنك مثله تحت الضعف "لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا". ويقول بعدها: "اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ" (غلا6: 2). والذي يحمل أثقال غيره، يشفق ولا يدينه.
ويقول الرسول أيضًا: "يَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ، وَلاَ نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا" (رو15: 1).
ما أسهل أن يقع الإنسان في نفس الخطأ الذي يدين به غيره.
ولذلك قال: "لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا". أي لئلا بسبب عدم محبتك لأخيك وتشهيرك به، يرفع الرب نعمته عنك، فتسقط، لكي تتضع ولا تعود تتحدث عن أخطاء الغير. بل كما قال الرسول:
"اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب13: 3). فلا تظن أنك فوق مستوى التجربة والخطية، فكلنا معرضون لذلك. فهوذا القديس يعقوب الرسول يقول عن إيليا النبي العظيم الذي صعد في مركبة نارية إلى السماء (2مل2) "كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا" (يع5: 17)! لذلك قال الرب أنك تبصر القذى الذي في عين أخيك، ولا تبصر الخشبة التي في عينك. أي تبصر الخطية البسيطة التي عنده، ولا تبصر الخطية الثقيلة التي هي عندك! فلماذا؟
ذلك لأنه غالبًا ما يكون للإنسان ميزانان: أحدهما في منتهى التساهل يزن به خطاياه، والآخر في منتهى التدقيق يزن به خطايا الغير!
وفي ذلك عدم محبة للغير. لهذا تحدث الرب عن القذى والخشبة... وقال: "أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ". فما هي تلك الخشبة؟ وما معنى تبصر جيدًا؟
الخشبة قد تكون القسوة، أو عدم محبتك لأخيك، أو الغيرة والحسد. أو قد تكون الكبرياء أو التعالي، أو التلذذ بالحديث عن ضعفات الغير.
وفي كل ذلك عدم رؤيتك لنفسك على حقيقتها. وقد شرح لنا الكتاب أمثلة عديدة لهذه الأنواع وموقف السيد الرب منها.
أمثلة:
* الكتبة الفريسيون الذين أرادوا رجم الخاطئة المضبوطة في ذات الفعل.
كانوا لا يرون خطاياهم. وكل تركيزهم على خطية المرأة. وبكل قسوة أرادوا الحكم برجمها. لذلك أخذ السيد أن "يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ". وكان يكتب لكل واحد منهم خطاياه. ثم قال لهم عبارته الشهيرة: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ" (يو8: 7). أما هم فخرجوا واحدًا فواحد متبكتين على خطاياهم، التي ما كانوا يرونها. أو كانت (الخشبة) تُخفيها...
مثال آخر هو الفريسي الذي أدان الخاطئة الباكية (لو7: 39- 48).
تلك التائبة التي بللت قدمي المسيح بدموعها، ومسحتهما بشعر رأسها. فقال ذلك الفريسي في قلبه - عن السيد المسيح - "لَوْ كَانَ هذَا نَبِيًّا، لَعَلِمَ مَنْ هذِهِ الامَرْأَةُ الَّتِي تَلْمِسُهُ وَمَا هِيَ! إِنَّهَا خَاطِئَةٌ"! فبكته السيد المسيح بمثل الإنسان الذي "كان له مَدْيُونَانِ. عَلَى الْوَاحِدِ خَمْسُمِئَةِ دِينَارٍ وَعَلَى الآخَرِ خَمْسُونَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا" (لو7: 39-41). وأراه أن تلك الخاطئة كانت أفضل منه. على الأقل هي خاطئة وتابت. وهو خاطئ ولم يتب. في قسوته كان يدينها. وفي كبريائه لم يكن يرى خطاياه!!
v مثال آخر: هو مثل الفريسي والعشار (لو18: 10- 14).
كان ذلك الفريسي يرى خطايا الناس، وخطايا ذلك العشار. فقال في صلاته مفتخرًا: "اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ".
كانت خشبة البر الذاتي في عينيه تمنعه من رؤية خطاياه. وكانت خشبة التعالي تجعله يحتقر الآخرين. لذلك لم يرّ انسحاق العشار وتوبته، وكل ما كان أمامه هو سمعة العشارين. لذلك خرج العشار "مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ".
ومن الأمثلة الواضحة أيضًا الكتبة والفريسيون المراؤون، الذين كانوا يقيسون الناس بمثاليات لا يقدرون هم عليها، فيغلقون أمامهم باب الملكوت.
كانوا خطاة هم أيضًا. وصفهم الرب بأنهم مراؤون، وبأنهم قادة عميان. وأنهم في ريائهم ينظفون "خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ، وَهُمَا مِنْ دَاخِل مَمْلُوآنِ اخْتِطَافًا وَدَعَارَةً" (مت23: 25). ومع ذلك فإن خشبة الرياء ومحبة العظمة التي في أعينهم، جعلتهم ينظرون القذى في أعين الغير ويدينونها. ولم يسلم أحد من إدانتهم، حتى السيد المسيح نفسه وتلاميذه القديسون!!
أدانوا التلاميذ أنهم يأكلون "بِأَيْدٍ دَنِسَةٍ، أَيْ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ" (مر7: 2، 5). فشرح لهم الرب أن الذي يدخل الفم لا ينجس الإنسان، بل الذي يخرج من الفم (مت15: 17- 20). كانوا ينظرون إلى القذى الذي في أعين الغير، ولا يبصرون خطاياهم ونجاساتهم.
بل كانوا بالنسبة إلى السيد المسيح نفسه، لا ينظرون إلى معجزاته التي لم يحدث مثلها من قبل، مثل منح البصر للمولود أعمى (يو9). ويقول عنه إنه إنسان خاطئ، لأنه عمل هذه المعجزة في يوم سبت!!
كانوا يدينونه. لأنه دخل بيت رجل خاطئ هو زكا (لو19). ولا ينظرون إلى توبة زكا، وأنه حدث خلاص في ذلك اليوم لذلك البيت.
كانوا في إدانتهم للآخرين، لا ينظرون إلا إلى العيوب فقط، أو ما يرونه عيوبًا، فأظهر لهم الرب أن المدانين منهم لهم فضائل.
كانوا يدينون السامريين ولا يتعاملون معهم (يو4: 9). فضرب لهم الرب مثل السامري الصالح الذي قام بعمل رحمة لم يقم به الكاهن اليهودي ولا اللاوي (لو10: 30- 36). وكانوا يرون أن الأمم أنجاس، فقال الرب على قائد المائة: "لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَانًا بِمِقْدَارِ هذَا!" (مت8: 10). وقال للمرأة الكنعانية "عَظِيمٌ إِيمَانُكِ!" (مت15: 28).
عجيب إنهم في إدانتهم: لما قام السيد المسيح بتطهير الهيكل، وطرد منه الباعة والصيارفة، قائلًا: "مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!" (مت21: 13)... لم ينظروا إلى هذه الغيرة المقدسة والحفاظ على كرامة الهيكل، بل قالوا له في انتقاد: "بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا؟ وَمَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟" (مت21: 23).
بل في إدانتهم كانوا يراقبونه "لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ" (مت22: 15).
إذن هم ما كانوا يرون عيبًا يدينونه عليه، بل كانوا يبحثون عن عيب، أو يجربونه لعله يقع في خطأ. كما سألوه قائلين: "أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟" "فَعَلِمَ يَسُوعُ خُبْثَهُمْ وَقَالَ: لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي يَا مُرَاؤُونَ؟" (مت22: 17، 18). ومثال ذلك أيضًا سؤال الصدوقيين له عن المرأة التي تزوجت سبعة أخوة كل منهم بعد موت الآخر: لمن تكون في القيامة؟ (مت22: 23- 32). ومثلما سأله ناموسي: "لِيُجَرِّبَهُ قِائِلاً: يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟" (مت22: 35، 36).
ليست الإدانة مجرد كلمة إدانة، إنما أيضًا البحث عن سبب للإدانة.
أما السيد الرب، فكان يظهر النقط البيضاء حتى في المخطئين.
مثال ذلك المرأة السامرية التي عاشت في الخطية مع خمسة رجال، لم يقم السيد الرب بإدانتها، بل حدثها عن "الماء الحي" وعن "السجود لله بالروح والحق" (يو4: 14، 23). ووجد شيئًا حسنًا تُمتدح عليه وهو الصدق. فقال لها: "حَسَنًا قُلْتِ لَيْسَ لِي زَوْجٌ... هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ" (يو4: 17، 18). وبهذا اقتداها إلى الإيمان والتوبة.
أيضًا مثل وكيل الظلم، الذي بدد بضع مال سيده (لو16).
هذا على الرغم من أخطائه وتلقيبه بوكيل الظلم، وجد فيه الرب شيئًا صالحًا هو اهتمامه بمستقبله ومصيره، وكذلك لأنه تصرف بعقل. وهكذا قيل عنه في الإنجيل "فَمَدَحَ السَّيِّدُ وَكِيلَ الظُّلْمِ إِذْ بِحِكْمَةٍ فَعَلَ" (لو16: 8).
كذلك فإن الأرض التي أنتجت ثلاثين فقط، اعتبرها الرب أرضًا جيدة، ووضع إنتاجها مع إنتاج الستين والمائة (مت13: 23). يكفي أنها أتت بثمر، ولو أنه قليل.
أيضًا تلاميذه الذين في ليلة آلامه، لم يستطيعوا أن يسهروا معه في البستان ساعة واحدة، بل ناموا... لم يدنهم الرب، بل قال لهم: "الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ" (مت26: 41).
وهكذا أعطانا أمثلة عن كيف ننظر إلى النقط البيضاء - متى وجدت - حتى في الخطاة والضعفاء، لا أن ندينهم.
الخطوة الأولى إلى الخطيَة
الخطوة الأولى إلى الخطيَة
هكذا تعلمنا العظة على الجبل، أن نبعد عن هذه الخطوة الأولى
والأمثلة التي ذكرها الرب عن ذلك كثيرة:
فقد قال: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ... وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ... سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ... سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ..." (مت5: 21- 39).
وفي كل هذا يحذرنا من الخطوة الأولى إلى الخطية...
واضح طبعًا أن الغضب هو الخطوة الأولى إلى القتل. فالذي يبعد عن الغضب الباطل، مستحيل أن يتدرج لكي يصل إلى القتل. وهنا يأمرنا الرب أن نبعد عن نقطة البدء.
وبنفس المنطق يتكلم عن وصيته لا تزنِ. فيحذرنا من نظرة الشهوة، ومن الشهوة التي في القلب.
النظرة والشهوة:
يقول الرب: "كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ" (مت5: 28). وبهذا نتعلم أن الخطية تبدأ أولًا في القلب كشهوة، ثم تتحول منه إلى العين كنظرة. وما أسهل أن تتحول من النظر إلى العمل. فالشهوة إذن هي الأصل وهي الدافع.
وهذا الأمر واضح أيضًا في العهد القديم.
ففي الوصية العاشرة أمر الرب بالابتعاد عن الشهوة الخاطئة فقال: "لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ" (خر20: 17) (تث5: 21).
فالشهوة هنا هي الخطوة الأولى في سرقة مقتنياته، وفي الزنا بالنسبة إلى امرأة قريبك. أما عن النظرة الشهوانية، فقد قال أيوب الصديق:
"عَهْدًا قَطَعْتُ لِعَيْنَيَّ، فَكَيْفَ أَتَطَلَّعُ فِي عَذْرَاءَ؟!" (أي31: 1).
والنظرة الشهوانية كبداية للزنى، تنطبق على المرأة كما تنطبق على الرجل. وهذا هو الذي حدث مع امرأة فوطيفار بالنسبة إلى يوسف. فقد قيل عنها إنها "رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَى يُوسُفَ وَقَالَتِ: اضْطَجعْ مَعِي" (تك39: 7).
إن النظرة والشهوة كانتا بداية الخطية بالنسبة إلى الإنسان.
كانت النظرة والشهوة سابقتين لقطف الثمرة المحرمة. وفي ذلك يقول الكتاب عن أمنا حواء: "فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ" (تك3: 6). وواضح في هذه الآية الشهوة والنظر.
على أن هناك خطوة أولى سبقت كل ذلك في خطية حواء. وهي تغير قلبها وفكرها بعد أن سمعت إغراء الحية. فبذلك السماع دخلت الشهوة إلى القلب. وبالشهوة نظرت إلى الشجرة، فإذا بها شهية للنظر، وبهجة للعيون وجيدة للأكل، فقطفت منها وأكلت.
الخطوة الأولى بطبيعتها تجرّ إلى خطوات أخرى...
فالذي يريد أن ينجو من تلك الخطوات وخطورتها، عليه أن يبعد عن نقطة البدء، عن الشهوة والنظر، وعن تغير الفكر والقلب، حتى لا ينحدر فيصل إلى السقوط بالفعل...
ندرك ذلك من خطية داود الملك وكيف تدرجت:
معروف أن داود وصل به الأمر إلى ارتكاب كل من خطية الزنا والغدر. فهل بدأ في سقوطه هكذا؟ كلا. بل بدأ بالنظرة والشهوة. وفي ذلك يقول الكتاب: "وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدًّا..." (2صم11: 2). وكانت هذه هي البداية التي جرته إلى الزنى، والتحايل على الاخفاء ثم إلى القتل.
هل نتطور فنستنتج خطوة سبقت كل هذا، وهي التراخي: كان داود قبلًا يخرج إلى الحرب بنفسه ويقاتل. أما الآن فهو يرسل الجيش ليحارب، ويجلس هو في بيته، ثم يتمشى على السطح ويرى جارته تستحم، فينظر ويشتهي ويسقط فيزني. لا شك أيضًا أنه كان بعيدًا عن مزاميره في ذلك الوقت... وبهذا كله تدرج ذلك الجبار فسقط في سلسلة من الخطايا، بدأت بالفعل بالنظرة الخاطئة والشهوة.
نلاحظ أن السيد المسيح له المجد لم يقل إن كل من نظر إلى امرأة فقط أخطأ! وإنما من نظر إليها ليشتهيها.
لأنه من المستحيل أن يغمض كل الرجال عيونهم عن نظر النساء. إنما الخطأ هو في النظرة المختلطة بالشهوة.
ومن أين تأتي الشهوة؟ تأتي من القلب غير الطاهر. إذن على الإنسان أن يهتم بطهارة قلبه ونقاوته.
القلب والفكر:
إن تنقى القلب، لا يشتهي الزنى، ولا ينظر إلى امرأة ليشتهيها. وإن تنقى القلب، لا يغضب باطلًا، ولا يقول لأخيه رقا، ولا يقول له يا أحمق، لأنه "مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ" (مت12: 34).
فإن كان القلب نقيًا، لا يتنرفز ولا يشتم. وهنا أعجب من بعض الناس يبررون خطأ إنسان غضوب، فيقولون: "حقًا إنه يغضب ويشتم، ولكن قلبه أبيض!!". وأنا أردّ دائمًا على أمثال هؤلاء وأقول. القلب الأبيض لا تخرج منه إلا ألفاظ بيضاء. لأن الرب يقول: "اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ" (مت12: 35).
فإن كانت الخطوة الأولى للخطية تصدر من القلب والفكر، فإن الخطوة الأولى إلى التوبة تصدر أيضًا من القلب والفكر.
وهكذا يقول معلمنا القديس بولس الرسول: "تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ" (رو12: 2) أي بتغيير نظرتكم إلى الأمور. أي - من جهة النجاة من الزنى - تغير نظرته إلى المرأة. فلا تنظر إليها كمجرد أداة إلى إشباع الشهوة، إنما انظر إليها كأنها أمك أو أختك أو ابنتك، حسب مقدار سنها وسنك. وانظر إليها كإنسانة بارة تعمل في ملكوت الله، ويهمك خلاصها وأبديتها...
هذا هو تجديد الذهن، وهذا هو القلب الصالح الذي لا تخرج منه إلا الصالحات. وبهذا لا تنظر إلى المرأة لتشتهيها.
وبهذا القلب الطاهر والذهن الطاهر، لا تعثرك المرأة. لأن "كُلُّ شَيْءٍ طَاهِرٌ لِلطَّاهِرِينَ" (تي1: 15). ويكمل الرسول فيقول: "وَأَمَّا لِلنَّجِسِينَ وَغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ شَيْءٌ طَاهِرًا، بَلْ قَدْ تَنَجَّسَ ذِهْنُهُمْ أَيْضًا وَضَمِيرُهُمْ" (تي1: 15).
ومن هذا المنطلق نناقش موضوع العثرة.
العثرة:
يقول السيد الرب: "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ... وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ" (مت5: 29، 30). فما معنى ذلك.
لا نأخذ إحدى هذه الآيات بحرفيتها.
عينك اليمنى ترمز إلى أي شخص عزيز عليك.
ويدك اليمنى ترمز إلى أكثر شخص يساعدك في حياتك.
فإن كان أحد منهما يعثرك، فاقطع صلتك به، وألقها عنك، فخير لك أن تخسر هذه العلاقة "من أن تُلقى في جهنم".
فالعثرة هي التي تسبب الشهوة. والشهوة هي التي تسبب النظرة الشهوانية. وهذه تقود إلى الفعل.
إذن إن أعثرتك صداقة أو علاقة، فمن الخير لك أن تبعد عنها، وأن تلقيها عنك. ابعد عن هذه الخطوة الأولى.
العثرة تتعب القلب فيشتهي. هذا إن بدأ بالعثرة.
وأما إن بدأت بالشهوة، فإنها تتعب القلب فيبحث عن عثرة لتشبع شهوته. وهكذا تتبادل الأدوار بين العثرة والشهوة.
والعثرة لا تنحصر في العين فقط، إنما هي هنا رمز لباقي الحواس. فيلزم الإنسان أن يضبط حواسه.
وعبارة اقلعها واقطعها لا تعني الحرفية كما قلنا.
إنما اقلع منها النظرة الشريرة، واقطع الخطأ من يدك. اضبط إذن كل حواسك واحتفظ بها طاهرة.
ابعد عن العثرة دون أن تدين من تظنه مصدرًا للعثرة.
فمصدر العثرة هو أصلًا في قلبك، وليست خارجًا منه. والقلب الطاهر لا يُعثر، ولا تسقطه العثرة. وصدق القديس يوحنا ذهبي الفم حينما قال: "لا يستطيع أحد أن يؤذي إنسانًا، ما لم يؤذِ هذا الإنسان نفسه".
ومن يدقق يلاحظ أمرًا عجيبًا في قول السيد الرب:
لم يقل: "إن أعثرتك امرأة"، بل قال: "إن أعثرتك عينك".
أي إن العثرة تأتيك من الداخل، من حالة قلبك الذي تؤثر فيه العثرة. فإن كان لا يتأثر بها، ولا يتجاوب معها، فلا ضرر عليه. إن القديس الأنبا أنطونيوس لم تسقطه المرأة التي خلعت ملابسها أمامه لتستحم في النهر، بل انتهرها. والقديس الأنبا أبرام السرياني لم تعثره المرأة التي نظرت إليه.
ويوسف الصديق لم تسقطه امرأة فوطيفار لما طلبت منه أن يضطجع معها، وكررت الطلب (تك39).
ذلك لأن قلبه كان نقيًا من الداخل، خاليًا من الشهوة الخاطئة، فلم تؤثر فيه تلك العثرة الخارجية. لأن العثرة التي تسقط لم تكن في داخل قلبه.
وبهذا إن تعرض إنسان لعثرة يمكنه أن يقول:
إن العثرة لا تسقطني. فالذي يسقطني هو ضعفي.
الضعف الداخلي هو الذي يجعلني أتأثر بالعثرة التي من الخارج، سواء أتت من الشيطان أو من الناس.
فالحروب الخارجية كثيرة ومتنوعة، ويتعرض لها أيضًا القديسون، ولكنهم لا يسقطون بها.
والرب قد أعطانا - في العظة على الجبل - مثل البيتين:
أحدهما كان مبنيًا على الصخر، والآخر كان مبنيًا على الرمل. وكل منهما تعرض لنفس العثرات الخارجية "فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ" (مت7: 25، 27). وصدمت كلًا منهما. فسقط البيت المبني على الرمل، وكان سقوطه عظيمًا. أما البيت المبني على الصخر فلم يسقط.
فأي نوع من البيتين تكون، حينما تصدمك العثرة؟!
يذكرني هذا الأمر بشكوى بعض الشباب من زينة النساء أو من أزيائهن، حتى في داخل الكنيسة!!
ويقولون إن ذلك يعثرهم!! وربما لا تكون الأزياء معثرة كما يقولون. وحتى إن كانت ملابس البعض غير لائقة، فإنها لا تعثر الشخص الذي يدخل إلى الكنيسة في خشوع، مركزًا كل ذهنه في الصلاة والطقس والعظة، غير ملتفت إلى ناحية النساء وأزيائهن. بل قد لا يرى منهم شيئًا. وإن رأى لا يتأثر. لأنه حينما يقول الأب الكاهن "أين هي عقولكم؟! يجيبه بصدق "هي عند الرب" وإنها كذلك.
لسنا بهذا نعطي حِلًا للنساء أن يلبسن بغير ضابط من الحشمة والعفة، ملقين المسئولية على الرجال وحرصهم!!
فإن السيد الرب يقول: "وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ" "فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ" (مت18: 7، 6).
فإن كان كبار النفوس لا يعثرون، فعلى الأقل على من تأتي به العثرة، يجب أن يحترس لئلا يعثر "أحد هؤلاء الصغار". لأن الرب يركز على ذلك قائلًا: "وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي..." (مت18: 6).
مثال ذلك: عثرة المدخنين لغيرهم.
هناك شخص ينفث دخان سيجارته في اجتماع يحضره غيره أو في مكان عام. فالإنسان الذي لم يقع في عادة التدخين ينفر من رائحة الدخان ولا يتأثر بها، بينما الذي قد اعتاد التدخين قد يعثر، ويبحث في جيبه عن سيجارة يدخنها!
إذن يجب البعد عن العثرة من الطرفين: من المسبب لها، ومن المتعرض لها. المسبب لها قد وقع في خطية إعثار غيره بما لها من عقوبة خطيرة. والمتعرض لها هو في خطر السقوط إن كان ضعيفًا، وإن لم يقطع هذه العثرة عنه.
لا تقل تعثرني المرأة الجميلة كما أعثرت داود.
فمن غير المعقول أن يحرم الله جميع النساء من نعمة الجمال حتى لا يسقط الرجال الضعفاء! إنما كن قويًا في قلبك. وكن طاهرًا في نظرتك، فلا تعثر.
وأيضًا ليس كل جمال معثر، إن كان جمالًا عفيفًا، فإن العفة والطهارة والحشمة، تلقي على الجمال مسحة من الهيبة والوقار تصونه من عيون الأشرار.
مثال آخر من الشهوة، هو الأطعمة الشهية في الصوم.
لعلك تقول هذه الأطعمة الشهية تعثرني، كما أُعثرت أمنا حواء من الثمرة المحرمة ووجدتها "شهية للنظر، وجيدة للأكل". لقد أُعثرت بها حواء، لأن فكرها كان قد تغير بعد الذي سمعته من الحية. لكن نفس الشجرة أو نفس الثمرة لم تكن معثرة لها قبل ذلك، بينما ربما كانت تمر عليها كل يوم لأنها كانت "فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ" (تك3: 3).
إن الطعام الشهي لا يعثر الصائم الزاهد.
وأمامنا دانيال النبي الذي زهد في كل "أَطَايِبِ الْمَلِكِ... وِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ" واعتبرها نجاسة (دا1: 8). كما أنه قال أيضًا عن فترة صومه "نَائِحًا ثَلاَثَةَ أَسَابِيعِ أَيَّامٍ. لَمْ آكُلْ طَعَامًا شَهِيًّا وَلَمْ يَدْخُلْ فِي فَمِي لَحْمٌ وَلاَ خَمْرٌ، وَلَمْ أَدَّهِنْ حَتَّى تَمَّتْ ثَلاَثَةُ أَسَابِيعِ أَيَّامٍ" (دا10: 2، 3).
فإن أعثرك طعام شهي، فاعرف أن الذي يعثرك ليس هو الطعام، بل محبتك أنت لهذا الطعام.
لهذا كله نرى أن القلب هو السبب، كما قال الكتاب:
"فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ" (أم4: 23).
فلنحفظ أيضًا قلوبنا، ولنعمل على تنقيتها من كل ما فيها من ضعفات هي سبب السقوط أمام العثرات.
ولنطلب إلى الله أن ينجينا من أنفسنا ومن شهواتنا.
ولنملأ أذهاننا بالأفكار الروحية التي تحصننا من العثرات.
فالعثرة حينما تأتينا وتجد عقولنا منشغلة بعمل روحي وبفكر مقدس، تولي وتعبر ولا تجد لها فينا مكانًا...
أما إن كنا ضعافًا من الداخل، متأثرين بكل عثرة، فلا نلم العثرات، ولا نلق محاضرات ضدها طالبين منعها. بل نضع أمامنا في كل ذلك قول الكتاب: "أَيُّهَا الطَّبِيبُ اشْفِ نَفْسَكَ" (لو4: 23).
لأنه إن كان الضعف فيك "عالج نفسك من هذا الضعف. فهذا أنفع لك عمليًا من إدانة غيرك.
وتذكر قول الرب: "إن أعثرتك عينك.. إن أعثرتك يدك"... واعترف قائلًا للرب: نعم إن العثرة هي مني.
كيفَ تتخلص مِن خطية الإدانة تدَاريب وَآيَات
كيفَ تتخلص مِن خطية الإدانة
تدَاريب وَآيَات
هناك وسائل كثيرة للتخلص من خطية الإدانة، بفضائل مضادة لها تُوضع أمامها، وبآيات من الكتاب المقدس يحسن بنا أن نحفظها ونستخدمها في الوقت المناسب، ومن قصص للآباء القديسين وأحداث وردت في الكتاب. ومن هذه الوسائل نذكر:
1- الاتضاع:
الإنسان الذي يتذكر خطاياه، لا ينشغل بخطايا غيره. لذلك إن خطر لك فكر من جهة خطايا أخيك، أو حاولت لفظة ضده أن تقفز إلى لسانك، قل لنفسك: "أنا أيضًا خاطئ". وتذكر قول الرب:
"مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ" (يو8: 7).
هذه العبارة التي قالها للكتبة والفريسيين حينما أرادوا أن يأخذوا منه حكمًا برجم امرأة خاطئة ضُبطت في ذات الفعل.
تذكر أيضًا قصة القديس موسى الأسود، لما دُعي لحضور مجمع الآباء للحكم على أحد الأخوة. فحمل زنبيلًا مملوءًا بالرمل ومثقوبًا. ولما سألوه عن ذلك قال: "هذه خطاياي وراء ظهري تجري ولا أراها. وقد جئت اليوم لإدانة أخي!". فلما سمعوه انتفعوا...
تذكر أيضًا قصة القديس بيساريون: الذي لما رأى أخًا قد أخرجوه من المجمع بسبب خطيته، خرج أيضًا معه القديس بيساريون وهو يقول: "وأنا أيضًا خاطئ". اذكر أيضًا المثل القائل "من كان بيته من زجاج، لا يقذف الناس بالحجارة"، ومثلًا غيره يقول: "من غربل الناس نخلوه"...
أيضًا ربما تكون خطيئتك أكبر من خطية الذي تدينه. مثلما قال الرب:
"لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟!" (مت7: 3).
حقًا إن الاتضاع وسيلة نافعة لمحاربة الإدانة. لأن الإدانة تحوي في داخلها شيئًا من الكبرياء أو البر الذاتي. فالاتضاع يخزيها...
2- بالخَوف:
تعالج الإدانة بالخوف. الخوف من أن تسقط أنت أيضًا. كقول الكتاب:
"... نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا" (غلا6: 1).
فقد يسمح الله أن تُجرب، لكي تشعر بضعفك فتتضع ولا تدين.
أحد الأخوة قال للقديس برصنفيوس: "إن أفكار الزنا تحاربني بشدة"، فقال له القديس: "ذلك لأنك تدين أخاك. فترتفع عنك النعمة بسبب كبريائك وعدم محبتك. فتحاربك الأفكار النجسة".
حقًا إنه أمر مخيف، أن تفارقنا النعمة في حالة إدانتنا للآخرين. وذلك بسبب ما تحمله الإدانة من كبرياء...
ومما يخيف أيضًا هو حكم الرب على الذين يدينون، بقوله:
"لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (مت7: 2).
أليس مخيف لنا أن نتعرض للحكم، بسبب حكمنا على الآخرين؟
وأن نتعرض لدينونة الله، بسبب إدانتنا لغيرنا؟
القديس يوحنا القصير قدّم لنا مثالًا في تفاديه خطية الإدانة بالخوف: إذ رأى أخًا يخطئ، فبكى إذ شعر بنشاط الشيطان. وقال: "هوذا الشيطان قد أسقط أخي اليوم، وقد يسقطني غدًا. وربما يتوب أخي بعد سقوطه، وأنا لا أتوب". وبهذا الخوف لم يسقط في خطية الإدانة...
حسن إذن أن نخاف من الدينونة بسبب إدانتنا. كقول الرسول:
"وَأَمَّا أَنْتَ، فَلِمَاذَا تَدِينُ أَخَاكَ؟ أَوْ أَنْتَ أَيْضًا، لِمَاذَا تَزْدَرِي بِأَخِيكَ؟ لأَنَّنَا جَمِيعًا سَوْفَ نَقِفُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ" (رو14: 10).
سوف نقف أمامه ليديننا على خطايانا الخاصة، وأيضًا يديننا على إدانتنا لإخوتنا وازدرائنا بهم. وهذا ليس من حقنا... ويقول الرسول أيضًا:
"كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا ِللهِ. فَلاَ نُحَاكِمْ أَيْضًا بَعْضُنَا بَعْضًا" (رو14: 12، 13).
ومن الأسباب التي تمنعنا من الإدانة، شعورنا أنها حق الله.
3- حَق الله:
الله هو "دَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ" (تك18: 25) كما وصفه أبونا أبو الآباء والأنبياء. ولهذا فكأننا بالإدانة نتعدى على حق الله، ونأخذ لأنفسنا عمله واختصاصه. ومن هذا يحذرنا الرسول بقوله:
"مَنْ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ عَبْدَ غَيْرِكَ؟ هُوَ لِمَوْلاَهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْقُطُ. وَلكِنَّهُ سَيُثَبَّتُ، لأَنَّ اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُثَبِّتَهُ" (رو14: 4).
عبارة "من أنت يا من تدين غيرك" عبارة لا شك تخيفنا، إذا ما دخلنا إلى عمقها... من أنت أيها التراب والرماد، حتى تأخذ اختصاص الله، الديان العادل؟!.. وكما قال القديس بولس الرسول هذه العبارة "من أنت؟!"، هكذا قالها القديس يعقوب الرسول أيضًا:
"وَاحِدٌ هُوَ وَاضِعُ النَّامُوسِ، الْقَادِرُ أَنْ يُخَلِّصَ وَيُهْلِكَ. فَمَنْ أَنْتَ يَا مَنْ تَدِينُ غَيْرَكَ؟!" (يع4: 12).
وقال قبلها: "لاَ يَذُمَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ..." (يع4: 11).
إذن فمن يدين غيره، أو يذمه، عليه أن يقول لنفسه "من أنا؟!" ما هو حقي وما هو اختصاصي؟! بأية صفة أجلس على كرسي القضاء لكي أحكم على غيري؟! ما أعمق أن أقول تلك العبارة:
"مَنْ أَقَامَنِي... قَاضِيًا" (لو12: 14).
عبارة قالها السيد المسيح بأسلوب اتضاع، حينما طلب إليه أخ أن يقسم له الميراث مع أخيه. أفلا نقولها نحن، حينما نحارب بأن نحكم على إخوتنا؟ وإن كان السيد يخجلنا بعبارة "من أقامني قاضيًا؟" فبلا شك يخجلنا بالأكثر في قوله للخاطئة المضبوطة في ذات الفعل:
"وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ" (يو8: 11)
قالها الرب الحنون الشفوق، مع أن خطية تلك المرأة كانت واضحة وثابتة. ولكنه لم يكتفِ بأن خلصها من الساعين إلى إدانتها، بل قال أيضًا: "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ"!
فهل نحن بعد كل ذلك ندين، على الرغم من أنه لا سلطان لنا، وقد لا نملك الأدلة أيضًا! يضاف إلى كل ذلك أننا نحن أيضًا خطاة، وربما أكثر خطية من الذين ندينهم، بمثال (القذى والخشبة) [مت7: 3- 5].
هناك طريقة أخرى نتخلص بها من إدانة غيرنا، وهي:
4- المحَبة والشفقة:
طبيعي أن الذي يحب شخصًا، لا يدينه، بل يشفق عليه. لأن "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ".. وأيضًا كما قال عنها الرسول:
"الْمَحَبَّةُ... لاَ تُقَبِّحُ... وَلاَ تَظُنُّ السوء" (1كو13: 4، 5).
وبالمحبة، تذكر أن هذا الذي تدينه هو أخوك، تعامله كأخ وليس كخصم. وهكذا في كلام السيد الرب ضد خطية الإدانة كرر كلمة (أخيك) ثلاث مرات، أولها "لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ...؟". وهكذا بالحب "تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ" (مت7: 3، 5). وبهذا الحب يقول الرسول:
"اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ" (عب13: 3).
هنا العطف الأخوي، الممزوج أيضًا بالتواضع. كلنا تحت الآلام، وكلنا معرضون للتجارب والسقوط. وكلنا أخوة نرتبط بالحب. وفي هذا الحب لا يذم بعضنا بعضًا. والحب يدعونا أن ننقذ بعضنا بعضًا، لا أن ندين وأن نحكم... وفي هذا المجال ما أجمل قول السيد الرب:
"لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ" (لو9: 56). وقوله: "أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَدًا" (يو8: 15).
فإن كان السيد الرب، جاء يخلص ولا يدين. مع أن "كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ" (يو5: 22). فهل نحن نتطوع وندين، وبلا سلطان؟!
لماذا تكون لنا تلك القسوة التي بها تكلم التلميذان عن القرية السامرية التي رفضت الرب قائلين: "يَا رَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟". فوبخهم الرب قائلًا: "لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا!" (لو9: 54، 55).
بالحب: إن لم تستطع أن تخلص الناس المعرضين للدينونة، فعلى الأقل يمكنك أن تصلي لأجلهم. وإن أتاك شخص وأدان أخًا أمامك، ولم تستطع أن تسكته... فعلى الأقل قل: "ليت الرب يساعده على خلاص نفسه".
لقد صلى الرب لأجل صالبيه وقال: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو23: 34)... وأوجد عذرًا لهم.
5- يتذكر فضائل لهُم:
ليس كل إنسان مدان بجميع الخطايا. فربما الشخص الذي تُحارب بإدانته، له بعض الفضائل. اذكرها أو تذكرها، فتخف إدانتك له، أو على الأقل تقيم شيئًا من التوازن في تقييم شخصيته.
بهذا الأسلوب تعامل السيد المسيح مع السامريين، فذكر قصة السامري الصالح. وقال للمرأة السامرية: "حَسَنًا قُلْتِ: لَيْسَ لِي زَوْجٌ... هذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ" (يو4: 17، 18). وبالمثل فعل مع العشارين: في مثل الفريسي والعشار (لو18: 10، 14)، وفي تعامله مع زكا العشار (لو19: 9)...
6- غيّر مجرى الفكر والحَديث:
إن حورب فكرك بالإدانة، غيّر مجرى تفكيرك لكي لا يتمادى في الإدانة ولا يركز فيها. وإن كنت وسط أناس يدينون الآخرين، حاول أن تغير مجرى الحديث. اشغل نفسك والحاضرين بموضوع آخر.
اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَة...
اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَة...
(مت7: 15)
لقد حذرنا السيد المسيح من الأنبياء الكذبة:
سواء الذين أتوا قبله مثل ثُودَاس، ويهوذا الجليلي (أع5: 36، 37) وأمثالهما ممن قال عنهم: "الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ، وَلكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ" (يو10: 8). أو الذين سوف يأتون في آخر الزمان قبل مجيئه الثاني، إذ قال عن تلك الأيام: "وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ" (مت24: 11). وقال أيضًا: "لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا" (مت24: 24).
ولعل من أخطر الأنبياء الكذبة في ذلك الوقت الـ Anti-Christ.
(ضد المسيح) الذي سيأتي قبل المجيء الثاني، ويسبب الارتداد العام. وقد حذر منه القديس بولس الرسول. فقال عن المجيء الثاني للسيد المسيح إنه: "لاَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الارْتِدَادُ أَوَّلاً، وَيُسْتَعْلَنْ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ، الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلهًا أَوْ مَعْبُودًا، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلهٍ، مُظْهِرًا نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلهٌ" (2تس2: 3، 4).
وقال عنه القديس بولس أيضًا: "الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ" (2تس2: 9، 10). وقال إن: "الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ" (2تس2: 8).
وكان هناك أنبياء كذبة حتى في القرن الأول للمسيحية:
وقد حذّر منهم القديس يوحنا الرسول الإنجيلي، إذ قال: "أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ" (1يو4: 1).
بل قد حذّر من الأنبياء الكذبة: موسى النبي في العهد القديم:
فقال في سفر التثنية للشعب: "إِذَا قَامَ فِي وَسَطِكَ نَبِيٌّ أَوْ حَالِمٌ حُلْمًا، وَأَعْطَاكَ آيَةً أَوْ أُعْجُوبَةً، وَلَوْ حَدَثَتِ الآيَةُ أَوِ الأُعْجُوبَةُ الَّتِي كَلَّمَكَ عَنْهَا قَائِلاً: لِنَذْهَبْ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفْهَا وَنَعْبُدْهَا، فَلاَ تَسْمَعْ لِكَلاَمِ ذلِكَ النَّبِيِّ أَوِ الْحَالِمِ ذلِكَ الْحُلْمَ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ يَمْتَحِنُكُمْ لِكَيْ يَعْلَمَ هَلْ تُحِبُّونَ الرَّبَّ إِلهَكُمْ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ وَمِنْ كُلِّ أَنْفُسِكُمْ" (تث13: 1- 3).
وفي كل هذا نرى تواضع الرب في تلقيبه أولئك الكذبة بالأنبياء!
وأيضًا في منح مبدأ تكافؤ الفرص لأعوان الشيطان بالآيات والعجائب!
فقد قيل عن النبي الكاذب في سفر التثنية: "وَلَوْ حَدَثَتِ الآيَةُ أَوِ الأُعْجُوبَةُ الَّتِي كَلَّمَكَ عَنْهَا" (تث13: 2).
وقيل عن "ضد المسيح" في آخر الزمان: "الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ" (2تس2: 9).
وقيل عن الأنبياء والمسحاء الكذبة قبل المجيء الثاني للمسيح، إنهم "يُعْطُونَ آيَاتٍ وَعَجَائِبَ، لِكَيْ يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا" (مر13: 22).
لعل تلك الآيات والعجائب الكاذبة، ضمن ثياب الحملان التي يأتون بها!!
إنهم يذكروننا ببعض (العجائب) التي كان يقوم بها سحرة مصر في أيام موسى النبي العظيم (خر7: 11، 22)... قيل في بستان الرهبان إن هرطوقيًا جعل ميتًا يتحرك ويتكلم! فتعجب البعض، فقال لهم أحد الآباء مفسرًا: إن الميت لم يقم ولم يتكلم. ولكن الشيطان الذي يعمل في ذلك الهرطوقي، حرّك جثة الميت، وتكلم من فمه، وهو لا يزال ميتًا!!
إن الشيطان هو القوة المحركة وراء الأنبياء الكذبة.
بل هو أول كاذب، جاء بثياب الحملان إلى حواء، مدعيًا منفعتها بقوله: "لَنْ تَمُوتَا!. بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ (من ثمر الشجرة) تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك3: 4، 5).
إنه في ذلك الإغراء الذي (بشّرها) به، كان ينبئ عن شيء يدّعي أنه سوف يحدث في المستقبل: "تنفتح أعينكما" "تكونان كالله"!!
أمثلة للأنبياء الكذبَة:
كل من يدعي المعرفة بالغيب هو من الأنبياء الكذبة.
ذلك لأن معرفة الغيب هي من صفات الله وحده. وهو الذي يكشف لنا ما يريد أن يكشفه عن طريق أنبيائه ورسله القديسين.
وهناك أمور يشاء الله أن تبقى في علمه وحده، مثل معرفة ذلك اليوم أو تلك الساعة التي ينتهي فيها العالم الحاضر ويأتي الرب (مت24: 36).
لذلك حينما حدّد شهود يهوه موعد المجيء الثاني أنه سيكون في سنة 1918م كانوا من الأنبياء الكذبة.
ولما مرت تلك السنة ولم يأتِ المسيح، ولم يملك على الأرض كما أدعوا، حاولوا أن يغطوا خجلهم بقولهم إن المسيح قد جاء فعلًا في تلك السنة، ولكنه باشر ملكه في أورشليم السمائية.
ومثلهم السبتيون الذين يسمون أنفسهم الأدفنتست (المجيئيين) Adventists:
نسبة إلى مجيء السيد المسيح، وتحديد الموعد والأسلوب الذي يجيء بهم. واعتبروا زعيمتهم (إيفيلين هوايت) نبية. ولكن ثبت أن نبوءاتها كانت كلها كاذبة، ولم يتم شيء...
وبالمثل كل من حددوا موعدًا لنهاية العالم!!
محاولين إثبات ذلك بتفسيرات وأرقام اعتمدوا فيها على ما فهموه من نبوءات دانيال وحزقيال وسفر الرؤيا، ناسين قول الرب لرسله القديسين: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ" (أع1: 7).
ومن الأنبياء الكذبة من يتحدثون عن أحداث المستقبل، وعن البخت والطالع:
ومنهم المنجمون الذين يستنتجون المستقبل بدراسة النجوم، وينشرون عن أخبار الناس وما سوف يحدث لهم، عن طريق فهمهم للأبراج التي وُلدوا فيها!! وينضم إلى أولئك من يقرأون الكف ويعتبرونه علمًا!! ومن يقرأون الفنجان... ومن يضربون الرمل ويوشوشون الودع! وكذلك من يستخدمون التنويم المغناطيسي في معرفة الغيب... ألعلهم جميعًا أنبياء لم يرسلهم الله!!
ثيَاب الحملان:
كل إغراء يقدمه الشيطان أو أعوانه، هو من ثياب الحملان.
ويبدو في ذلك مشفقًا أو مقدمًا نصيحة (نافعة) كما فعل مع حواء!
تقدم إلى السيد المسيح، وهو صائم الأربعين يومًا وقد "جَاعَ أَخِيرًا" (مت4: 2)، ليقدم إليه نصيحة (تنقذه) من جوعه! بأن يستخدم سلطانه كابن الله، ويقول: "تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" (مت4: 3).
وبهذا، ليس فقط يتخلص من الجوع. بل أيضًا بتحويل الحجارة إلى خبز، يصير مصلحًا اجتماعيًا يشبع الشعب فيلتف حوله!! وطبعًا لم يقبل السيد منه ذلك النصح.
إذ في تلك النصيحة كان ذئبًا خاطفًا: أول شيء كان يريد أن يختطف حقيقة المسيح "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ"؟!
والأمر الثاني أن يختطف مبدأ الفداء والصليب، وتحويل الفادي إلى مجرد مصلح اجتماعي!!
في ثياب الحملان تقدم إلى أبشالوم كمعين يوصله إلى الملك.
قدّم له النصيحة الأولى على لسان أخيتوفل، في الدخول إلى سراري أبيه، لأنه إذ يصبح بذلك مكروهًا من أبيه، يتشدد معاونوه كأنه قطع عليهم خط الرجعة (2صم16: 21- 23).
وكانت المشورة الثانية على لسان أخيتوفل أيضًا في اختيار اثني عشر ألف رجل، لينقض على أبيه وهو متعب ومرتخي اليدين، فيهرب الشعب ويضرب داود وحده (2صم17: 1، 2). ولم يسمح الرب بتنفيذ تلك الخطة بسبب صلاة داود "حَمِّقْ يَا رَبُّ مَشُورَةَ أَخِيتُوفَلَ" (2صم15: 31).
كان أخيتوفل في ثياب الحملان بالنسبة إلى أبشالوم، يحقق له رغبته في الحصول على عرش المملكة. وكان من الذئاب الخاطفة إذ يساعد أبشالوم على خيانة أبيه وقتله...
وهكذا يفعل الشيطان أيضًا في تحقيق كل لذة خاطئة.
كل لذة ضد العفة، وكل لذة في جمع المال ومحبته، كما فعل مع الغني الغبي (لو12: 16-20). إذ قدّم له ذلك الفكر في بناء مخازن أوسع يجمع فيها خيراته ويقول لنفسه: "يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي"...
وفي ثياب الحملان، يقدم الشيطان لكل حاكم اللذة في استخدام السلطة، والتحكم بتنفيذ مشيئته. بينما يكون ذئبًا يخطف منه محبة الشعب...
وفي ثياب الحملان، يفتح الشيطان أمام الناس الباب الواسع الذي يؤدي إلى الهلاك، ويبعدهم عن الباب الضيق المؤدي إلى الحياة (مت7: 13، 14). حنو في الظاهر، ولكن يختطف منهم الملكوت!!
وهكذا إن بدأوا الصوم، يُلقى عليها محاضرات في البروتينات والأحماض الأمينية الأساسية، وحاجة الجسد الماسة إلى الغذاء. وكيف أن الجسد هو أمانة في أيدينا، وزنة هامة، وينبغي أن نقوته ونربيه حسب قول الرسول (أف5: 29). كذلك بنفس الأسلوب ينصح بعدم التعب في السهر والصلاة وفي الخدمة.
وبثياب الحملان يحاول أن نتخلص من الناموس والوصايا، لأننا تحت النعمة لا تحت الناموس (رو6: 14). وأننا في حرية مجد أولاد الله (رو8: 21).
بينما حرية مجد أولاد الله سوف لا ننالها هنا في هذا الجسد المادي، بل في العالم الآخر عندما "تُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ" (رو8: 21). والحريِّة الحقيقية ليست هي التحرر من الوصية، بل هي التحرر من الخطية. كذلك فإن النعمة لا تتعارض مع الناموس، بل هي تساعدنا على طاعة الناموس والوصايا... "لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ: الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ" (رو10: 4). والسيد المسيح أعلن أنه لم يأتِ لكي ينقض الناموس والوصايا، ولا حرفًا واحدًا منه ولا نقطة واحدة (مت5: 17، 18).
إن الحريِّة كلمة جميلة. ولكن حذار أن تقودنا إلى التسيب!
فالذين - باسم الحريِّة - يدعون إلى التسيب من الوصية، هم ذئاب خاطفة. والحريِّة عندهم هي نوع من ثياب الحملان.
وباسم الحريِّة، وبنفس ثياب الحملان، يتظاهرون بالدفاع عن المرأة. فيقولون لماذا تحرم المرأة من بعض بركات الكنيسة، لأسباب جسدية خلال أيام معينة من الشهر؟! وما ذنبها؟ والجسد طبيعته هكذا!!
بل في بعض بلاد الغرب، في مظهر من ثياب الحملان، يسمحون بالكهنوت للمرأة، دون أن يسندهم أي نص من الكتاب، ولا شيء من التاريخ والتقاليد!!
لهذا كله ولغيره، يقول الرب: احترزوا من الأنبياء الكذبة.
احترزوا:
أي احترسوا. حذوا حرصكم. لا تكونوا من البساطة بحيث تصدقون كل ما يقوله هؤلاء. إن عبارة "الْمَحَبَّةُ... تُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ" (1كو13: 7). تنطبق على محبتنا لله التي تجعلنا نصدق كل مواعيده لنا. أما من جهة الناس، فإن الرسول يقول: "لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ" (1يو4: 1). بل الرب نفسه يقول:
"انْظُرُوا! لاَ يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ" (مت24: 4) (مر13: 5).
كونوا حكماء (مت10: 16) "اَلْحَكِيمُ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ، أَمَّا الْجَاهِلُ فَيَسْلُكُ فِي الظَّلاَمِ" (جا2: 14). ويقول الرب أيضًا: "هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسْطِ ذِئَابٍ... احْذَرُوا مِنَ النَّاسِ" (مت10: 16، 17). احذروا من التعليم الخاطئ.
إن عبارة "أنبياء كذبة" يمكن أن تنطبق أيضًا على المعلمين الكذبة.
وهكذا يقول لنا القديس يوحنا الحبيب: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلاَ يَجِيءُ بِهذَا التَّعْلِيمِ، فَلاَ تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلاَ تَقُولُوا لَهُ سَلاَمٌ. لأَنَّ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ يَشْتَرِكُ فِي أَعْمَالِهِ الشِّرِّيرَةِ" (2يو10: 11).
واحد من شهود يهوه، يدخل إلى بيتك بثياب الحملان، لكي يفتح الكتاب بحجة دراسة كلمة الله معًا، فلا تقبله في البيت، ولا تسمع منه تعليمًا، فترجمة الكتاب التي بين يديه، قد حرّفوا فيها الكثير من الآيات لتتفق مع عقائدهم...
إن قال لك: "كلنا واحد في المسيح، فلا تصدقه. لأن اعتقاده في المسيح ليس هو اعتقادنا. بل يعتقد أن المسيح هو الملاك ميخائيل!!
وبعض هؤلاء الأنبياء الكذبة، أعني المعلمين الكذبة، يقدمون تفسيرات جديدة للكتاب المقدس مغايرة تمامًا للمعروف والمألوف...
ليظهروا بذلك أنهم أكثر علمًا من السابقين، متهمين إياهم بالخطأ! وبذلك يشككون في كثير من المسلّمات، مدعين فيما يبتدعونه من أفكار جديدة، أنهم أكثر علمًا وفهمًا!!.. وربما في كل ذلك يقدّمون ترجمات أخرى للكتاب. قائلين إنها أكثر موافقة للأصل العبري للعهد القديم، أو للأصل اليوناني للعهد الجديد. بينما هم ليسوا علماء في إحدى هاتين اللغتين. لكنهم ينقلون عن كتب أجنبية غربية، ويريدون إدخالها في مفهومنا الأرثوذكسي... فاحذروا هؤلاء أيضًا. ولا تصدقوا كل فكر جديد يحطم فيكم مفهومًا قديمًا ثابتًا..
احذروا أيضًا الذين يدعون أنهم يأتونكم برسالات من الروح القدس!
أولًا: كيف تضمن أن هؤلاء لهم صلة بروح الله القدوس، وأنهم يتلقون من الروح رسائل لأفراد معينين، ورسائل عامة لكل الجماعة، مما يمكن أن نسميه بالوحي الإلهي!! وقد يقدم لك أحد هؤلاء رسالة مفرحة لك، فتطمئن إليه وتثق به. ثم يتولى قيادتك برسائله!! فاحذر هؤلاء...
هوذا الرسول يقول إن: "اَللهُ... كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا" (عب1: 1). فهل تأتيك برسالة من الروح، هي واحدة من الأنبياء؟! احذر...
ومن الأنبياء الكذبة من يأتونك برؤى وأحلام تقود حياتك!
فيقول لك أحدهم: لقد رأيت لك رؤيا... أو يكون "حالمًا حلمًا" حسب تعبير الكتاب (تث13: 1). فأحذر أن تتولى قيادتك أمثال هذه الرؤى والأحلام، لأنك لا تضمن أنها صادرة من الله. وما أكثر الرؤى والأحلام الكاذبة التي ضللت كثيرين. وفي بستان الرهبان أمثلة عديدة لها...
كذلك فإن بعض الأنبياء الكذبة الذين يأتون في ثياب الحملان، يأتون بمساعدات مادية لجذب المحتاجين!
احذروا هؤلاء أيضًا، إن كان من وراء معوناتهم قيادة الفقراء إلى اجتماعاتهم الخاصة، وبالتالي تعليمهم عقائد غير عقيدة كنيستهم.
وبعضهم - غير المساعدات المادية - يقدم كتبًا ونبذات مجانية، ربما بعناوين لا تثير الشُبهة إطلاقًا لكنها من الداخل ذئاب خاطفة!
مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ
مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ
(مت7: 16، 20)
هكذا قال الرب في العظة على الجبل:
"مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟! هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً. كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ" (مت7: 16- 20).
المؤمن كالشجرة:
كثيرًا ما شبّه السيد الرب المؤمن بالشجرة...
ولكنه لا بد أن يكون شجرة حية ومثمرة. ولكي تكون كذلك، لا بد أن تكون شجرة "مَغْرُوسَةٍ عَلَى مَجَارِيْ الْمِيَاهِ الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي حِينْهِ" (مز1: 3).
الماء لازم لحياة الشجرة. وقد شبَّه الرب نفسه بأنه "يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ" (إر2: 13). وقال: "مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ" (يو7: 38، 39).
من غير هذا الماء الحي، لا يمكن لشجرة أن تحيا وتثمر.
وقد يُشبه المؤمن بغصن، لا بد أن يكون ثابتًا في الكرمة.
وعن هذا قال الرب: "كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا. كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو15: 4- 6).
(يو15) هو أصحاح الثمر، فماذا نتعلم منه؟
أولًا: أن نأتي بثمر. وهذا الثمر مصدره الثبات في الرب.
لأن الغصن الثابت في الكرمة، تصله عصارة الكرمة فتعطيه حياة وثمرًا. وإن لم يثبت فيها، يُقطع فيجف ويحرقونه.
وثانيًا: إنه يجب أن نأتي بثمر كثيرٍ، ويستمر إثمارنا.
وفي ذلك يقول السيد الرب في نفس الأصحاح "بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ فَتَكُونُونَ تَلاَمِيذِي" (يو15: 8). إذن علامة التلمذة له أن نأتي بثمر كثير، وبهذا الثمر يتمجد الله الآب، كما قال: "فَلْيُضِيء نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت5: 16).
وقال الرب أيضًا: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ" فلماذا؟
يقول: "أَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ" (يو15: 16)
وقد كان هذا هو ما حدث من تلاميذه: أتوا بثمر كثير، هو نشر الإيمان في كل الأرض. "في كُلِّ الأرْضِ خَرَجَ مَنْطقُهُم. وإلَى أقْصَى المسْكُونةِ بَلغتْ أقْوالُهُم" (مز19: 4). واستمر ثمرهم هذا إلى يومنا الحاضر. ولكن ما أشد بؤس الذين يعطون ثمرًا إلى حين "يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ" (يع4: 14). "إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ" "وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ" (مت13: 5، 6).
الثمر الذي تعطيه، هو عمل الله فيك.
هل عمل النعمة في حياتك، كما قال القديس بولس الرسول عن ثمره في الخدمة: "وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي" (1كو15: 10). ما تقدمه من ثمر، هو عمل الروح القدس في حياتك، إن كانت لك شركة مع الروح القدس.
ثمرك الجيد لا بد أن يكون أيضًا ناميًا.
فالنمو هو أحد صفات الثمر الجيد، كما قال الرب عن ذلك النمو: "هكَذَا مَلَكُوتُ اللهِ: كَأَنَّ إِنْسَانًا يُلْقِي الْبِذَارَ عَلَى الأَرْضِ... وَالْبِذَارُ يَطْلُعُ وَيَنْمُو... أَوَّلاً نَبَاتًا، ثُمَّ سُنْبُلاً، ثُمَّ قَمْحًا مَلآنَ فِي السُّنْبُلِ" (مر4: 26- 28). ومثلما شبّه الملكوت بـ "حَبَّةَ خَرْدَل... وَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ الْبُزُورِ. وَلكِنْ مَتَى نَمَتْ... تَصِيرُ شَجَرَةً، حَتَّى إِنَّ طُيُورَ السَّمَاءِ تَأْتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا" (مت13: 31، 32).
إن قال الرب: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ"، فهل نعرف ثمرك بأنه ثمر جيد، وثمر كثير، وثمر دائم، وثمر في نمو... وهو أيضًا ثمر الروح.
هذا الذي قال عنه الرسول: "وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ" (غلا5: 22، 23). بهذا الثمر يعرف الناس أنك من أولاد الله. "بِهذَا أَوْلاَدُ اللهِ ظَاهِرُونَ" (1يو3: 10) كما قال الرسول.
هناك شجرة تعطي ثمرًا يؤكل. وشجرة ثمرها من نوع آخر:
شجرة تعطي ظلًا، وأخرى تعطي خشبًا. وثالثة كأشجار الكازورينا تدفئ أحواض الزرع، وتخطط الأحواض، وتعمل كمصدات للريح والرمال. وبعضها "طُيُورَ السَّمَاءِ تَأْتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا" (مت13: 32) ... المهم أن لها فائدة. وهذه الفائدة تعتبر ثمرًا..
نتكلم بعد ذلك عما سماه الرب "شجرة ردية".
شجرة رديَة:
هي شجرة لا تعطي ثمرًا، أو تعطي ثمرًا رديًا.
وعنها قال الرب: "لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً" (مت7: 18). ذلك لأنها ليست ثابتة في الرب، وليست في شركة مع الروح القدس، أو ليس لها عمق أرض ولا أصل، أو نوعها رديء كالشوك والحسك. كما قال في تعجب: "هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟!" (مت7: 16).
من أمثال هذه الشجرة: يهوذا الإسخريوطي، وأخيتوفل، وآخاب الملك وزوجته إيزابل وسيمون الساحر، وأمثالهم.
وكمثال للشجرة التي تصنع ثمرًا رديًا، ما قاله الرب في نشيد الكرمة.
قال عن شعبه في (إش5) وهذا الفصل يُقرأ في أسبوع الآلام حيث نسمع عتاب الرب ووعيده إذ يقول: "كَانَ لِحَبِيبِي كَرْمٌ عَلَى أَكَمَةٍ خَصِبَةٍ، فَنَقَبَهُ وَنَقَّى حِجَارَتَهُ وَغَرَسَهُ كَرْمَ سَوْرَقَ، وَبَنَى بُرْجًا فِي وَسَطِهِ، وَنَقَرَ فِيهِ أَيْضًا مِعْصَرَةً، فَانْتَظَرَ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا فَصَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا" ثم يعاتب الرب ويقول: "مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ لَهُ؟ لِمَاذَا إِذِ انْتَظَرْتُ أَنْ يَصْنَعَ عِنَبًا، صَنَعَ عِنَبًا رَدِيئًا؟" (إش5: 1- 4).
وهنا ما أخطر عقاب الرب للكرم الذي صنع عنبًا رديًا.
يقول: "أَنْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ. أَهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ. وَأَجْعَلُهُ خَرَابًا... فَيَطْلَعُ شَوْكٌ وَحَسَكٌ. وَأُوصِي الْغَيْمَ أَنْ لاَ يُمْطِرَ عَلَيْهِ مَطَرًا" (إش5: 5، 6). أي أمنع نعمتي عنه. وكما قال عن الملح إذا فسد: "لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ" (مت5: 13). يا للهول!! نفس العتاب والعقاب يقوله الرب لنا:
ماذا يُصنع أيضًا لكرمي، وأنا لم أصنعه؟!
نعم أيها الإنسان الخاطئ: خلقتك على صورتي كشبهي - يقول السيد الرب - ولما سقطت، أرسلت لك الناموس عونًا، ومعه الأنبياء والرسل. ومنحتك التوبة لترجع، وزوّدتك بالنعمة لكي تعينك، وجعلت روحي القدوس يسكن في قلبك. وأرسلت إليك المرشدين وكل رجال الكهنوت، وأنواع النعم في الأسرار المقدسة... لماذا بعد كل هذا انتظرت منك ثمرًا، فصنعت عنبًا رديًا؟!
التفت إلى نفسك إذن. هوذا العقوبة أمامك:
"كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ".
إنه حكم صدر من فم المسيح نفسه (مت7: 19). وهي عبارة قالها يوحنا المعمدان أيضًا: "وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ" (مت3: 10). ونفس العقوبة قالها الرب عن غصن الكرمة الذي لا يثبت فيه ولا يعطي ثمرًا "يَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ" (يو15: 6).
لذلك يا أخي حاول أن تصنع ثمرًا. اصرخ إلى الرب قائلًا: ارفع يا رب فأسك عن أصل الشجرة، و"اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا، حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلاً" (لو13: 8). أعطها فرصة أخرى لتصنع ثمرًا...
شجر جيّد:
الشجر الجيد يعطي ثمرًا، وثمرًا ظاهرًا..
الثمر الخفي: بين الإنسان والله، هو في العمل الباطن، العمل الروحي داخل القلب والفكر، حيث مشاعر الإنسان ونياته...
أما الثمر الظاهر، فيراه الناس ويمجدون الآب بسببه، في نوع الحياة التي يحياها. وعن هذا الثمر قال الرب: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ".
بهذا الثمر تدل الشجرة على أنها جيدة. ويقول الرب عنها:
"لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً" (مت7: 18).
وعن أمثال هذه قال القديس يوحنا الرسول عن الابن الحقيقي لله إنه "لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ" (1يو3: 9).
نعم المولود من الله لا يستطيع أن يكذب، ولا أن يحلف، ولا أن يقتل، ولا أن يدبر مؤامرات. بل لا يستطيع أن يزني، كما قال في ذلك يوسف الصديق: "كَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟! (تك39: 9)...
إنه لا يستطيع أن يصنع ثمرًا رديًا "لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ" (1يو3: 9). إنه "لاَ يُخْطِئُ... وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ" (1يو5: 18).
نعود إلى عبارة الرب "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ" التي كررها مرتين:
مَا هي الثمَار؟
ما هي الثمار التي نعرف بها أولاد الله من أهل العالم؟
سواء كانت جيدة أو ردية. ولكنها تكشف شخصية أصحابها ونوعية نفسياتهم، فتعرفونهم... إنها كثيرة نذكر منها:
أول مقياس هو الصفات الروحية أو ثمار الروح.
هل الشخص في طبعه طيبة، أو محبة، أو اتضاع، أو هدوء نفسي يسود كل تصرفاته. تجلس إليه فتستريح إلى شخصيته، ولا تشبع منه.. فتشعر أنه حقًا من أولاد الله.
إنها حقًا ثمار للروح. ولكنها تظهر في الحياة العملية.
الأمر الثاني، هو أنك تعرف الشخص من كلامه.
الكلام هو ثمر لحالة القلب من الداخل. وهكذا قال السيد الرب: "مِنَ الثَّمَرِ تُعْرَفُ الشَّجَرَةُ... فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ. اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْب يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ" (مت12: 33- 35).
يبقى الشخص مستورًا - وهو صامت - لا تعرف شخصيته. فإذا تكلم تنكشف شخصيته. فتعرف مقدار علمه أو جهله، ونوعية عقله وطريقة تفكيره، ومحصول معلوماته. ومقدار ذكائه أو غبائه...
صدق الكتاب حينما قال: "الأَحْمَقُ إِذَا سَكَتَ يُحْسَبُ حَكِيمًا، وَمَنْ ضَمَّ شَفَتَيْهِ فَهِيمًا" (أم17: 28). ولكن إذا تكلم، تظهر حقيقته... ويُحكم عليه كما قال الرب: "بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" (مت12: 37).
هناك من يتكلم، فتتدفق الحكمة من فمه، فإذا بسامعيه يرددون ما قيل لعذراء النشيد: "شَفَتَاكِ يَا عَرُوسُ تَقْطُرَانِ شَهْدًا" (نش4: 11).
من نوعية كلام الإنسان تعرف شخصيته، ليس فقط علمه، بل أخلاقه أيضًا. سواء دلّ كلامه على قسوة أم طيبة، على حرص أم تسيّب. فتقول إن فلانًا ما لفظ إطلاقًا بكلمة نابية، ولا بكلمة جارحة للغير، ولا بكلمة تشهير أو تحقير، ولا بكلمة مبالغة أو كذب. بل كل لفظة من كلماته كأنها موزونة بميزان دقيق... حقًا "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ".
ما أجمل عبارة "لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ" (مت26: 73). تظهر ما في عقلك من عمق أو ضحالة. إذ يوجد شخص يتكلم كثيرًا ولا يقول شيئًا!! تفتش في كلامه عن كلمة نافعة فلا تجد شيئًا. بينما غيره إذا تكلم، تجد في حديثه عمقًا وحكمة، وتلتمس منه باستمرار كلمة منفعة.
أيضًا تعرف شخصية الإنسان عن طريق ملامحه.
فمشاعره وأفكاره ونياته تظهر في ملامحه، وبخاصة في نظرات عينيه وفي حركة شفتيه، وفي انبساط ملامحه أو انقباضها.
الإنسان الطيب تظهر الطيبة في ملامحه. والقاسي ملامحه أيضًا قاسية. العفيف تدل ملامحه على العفة. وكذلك الشهواني تكشف ملامحه على شهوته.
يوجد إنسان بشوش، يرتاح الناس في النظر إلى وجهه. وتشيع بشاشته روح الرضا فيمن ينظر إليه. وآخر كشَري مقطب الجبين، إذا نظرت إليه تتوقع شرًا. لذلك فالمصور يطلب ممن يصورهم أن يبتسموا، لتظهر صورهم جميلة. ولكن مثل تلك الابتسامة هي كالوردة الصناعية، تختلف في نوعها عن البشاشة الطبيعية التي بغير تكلف، والتي تدل على السلام القلبي الطبيعي في أعماق النفس.
"مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ"... الملامح الهادئة، تدل على نفسية هادئة، وعلى راحة داخلية تريح الآخرين أيضًا. لذلك ليس عجيبًا قول أحد الآباء للقديس الأنبا أنطونيوس "يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي".
كذلك من الثمار التي تعرف بها شخصية غيرك: معاملاته.
الذين لم تتعامل معهم بعد، شخصياتهم غير معروفة لك. فإذا ما تعاملت معهم، تنكشف لك طبيعتهم، ومن ثمارهم تعرفهم. فهناك من تستريح إلى التعامل معه، إذ هو شخص واضح، لا يُظهر غير ما يُبطن. بل هو صريح ومريح... باستمرار يسهّل الأمور. ويساهم في حل مشاكل غيره... بينما شخص آخر، يكون في حد ذاته مشكلة ربما يصعب حلها. تخشى التعامل معه. وإن اضطررت أن تعامله، يكون ذلك منك بكل حرص وتخوف واتخاذ الحيطة اللازمة...!!
لهذا كله، كانت فترة الخطوبة لازمة قبل الزواج، لكي يستطيع كل طرف عن طريق التعامل مع الطرف الآخر، أن يتعرف على طبيعته وطباعه، ويرى هل يستريح إلى أسلوبه في الحياة أو لا يستريح...
ربما شخص تتعامل معه، فترى أنه لا يتدخل في خصوصياتك، ويتركك على راحتك تقول ما تشاء، دون أن يرغمك على كشف ما لا تريد. بينما آخر يطاردك بالسؤال تلو الآخر، ويعصرك عصرًا لكي يعرف منك كل أسرارك!
حقًا بالتعامل تعرف الناس. من ثمار التعامل معهم، تعرف نوعياتهم.
تعرف شخصية الإنسان أيضًا من ثمر نشاطه وخدمته.
إنسان - في خدمته، في عمله، في تعامله، تجده كتلة من نشاط ومن حركة وإنتاج. لا يهدأ. كل عمل تمتد إليه يده، يترك فيه بصماته. وإن خدم يكون شعلة ملتهبة، وغيرة عملية واضحة النتائج. وإن عمل في نطاق التعليم، يكون مشبعًا ومقنعًا، ويشتاق الناس إلى سماعه. بينما يكون غيره خاملًا لا يحسّ له الناس وجودًا.
إنسان يتكلم، فيرسي قواعد ثابتة يؤمن بها سامعوه عن اقتناع. وآخر يتكلم فيبلبل أفكار الناس. حقًا من ثمارهم تعرفونهم.
ليس هذا فقط في مجال التعليم، بل حتى في اللقاءات العادية وفي الأحاديث الفردية – نجد من يتكلم فيريح. ومن يتكلم فيثير مشكلة!
تعرف الناس أيضًا من خلال الأخذ والعطاء.
فمن ثمار الأخذ أو العطاء تتعرف على طباع الناس ونفسياتهم. هناك من يريد باستمرار أن يأخذ. وقد يكون مسرفًا في أخذه، حتى كأنه يريد أن يأخذ الكل، محبًا للنصيب الأكبر! لا يرتبط بشخص إلا لو كان سيأخذ منه شيئًا!!
بينما آخر يضع أمامه. قول الرب: "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ" (أع20: 35). فهو في كل تعامله معطاء. يعطي الذي يطلب والذي لا يطلب. هو كريم في عطائه، يعطي بلا حدود، وفي فرح وبكل قلبه...
الرَجُل العَاقِل وَالرَجُل الجَاهِل
الرَجُل العَاقِل وَالرَجُل الجَاهِل
(مت7: 24، 26)
قال السيد الرب: "فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُل عَاقِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ. فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَوَقَعَتْ عَلَى ذلِكَ الْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى الصَّخْرِ. وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا، يُشَبَّهُ بِرَجُل جَاهِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الرَّمْلِ. فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَصَدَمَتْ ذلِكَ الْبَيْتَ فَسَقَطَ، وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيمًا!" (مت7: 24- 27).
العَاقِل والجَاهِل:
العاقل والجاهل هنا: ليس التفريق بينهما تفريقًا عقليًا، بل سلوكيًا.
مثلما أعطانا مثل الخمس العذارى الحكيمات، والخمس العذارى الجاهلات (مت25). وكان الفرق بينهما في السلوك وليس في العقل. فرق بين الحكمة والجهل. والجهل هنا لا يعني عدم المعرفة أو عدم الذكاء، بل عدم الحكمة.
وهناك فرق كبير بين الذكاء والحكمة.
الذكاء هو موهبة فكرية عقلية. فالشخص الذكي هو شخص عقله نشيط. يفهم بسرعة، ويفكر بعقل، ويستنتج استنتاجات سليمة. أما الشخص الحكيم، فهو الذي يسلك سلوكًا سليمًا.
الحكيم يمكن أن يكون ذكيًا. ولكن لا يشترط في كل إنسان ذكي أن يكون حكيمًا.
ربما يوجد إنسان ذكي. ولكن تتحكم فيه عوامل نفسية أو اجتماعية، تبعده عن الحكمة. كإنسان ذكي ولكنه غضوب، وغضبه يوقعه في مشاكل لا يقع فيها الجاهل! وقد يكون طالب علم الأول في كليته أو في معهده ولكنه يتصرف تصرفات رديئة بعيدة عن الحكمة!
أو قد يوجد إنسان ذكي، ولكن تتعبه شهوات الجسد، أو محبة المال، أو التسلط، أو العناد. وتقوده هذه الصفات إلى تصرفات غير حكيمة لا يقبلها كل من يتعامل معه.
أو قد يوجد فيلسوف، عقله في منتهى النضوج والذكاء والنشاط الفكري، ويستوفي أعلى القياسات الفكرية، ومع كل ذلك هو فيلسوف ملحد! والكتاب يقول عن مثل هذا الملحد: "قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلهٌ" (مز14: 1).
فاعتبره الكتاب جاهلًا - بسبب إلحاده - على الرغم من أنه فيلسوف!
وحقًا إنه جاهل. لأنه يجهل الله ويجهل حقائق الأمور الخاصة بالخلق، وبالدينونة والأبدية، وبعالم الروح والملائكة...
فالذي يطلبه منا الكتاب هو أن نكون حكماء فهماء عقلاء، وليس مجرد الذكاء والنشاط الفكري... ولكن ما معنى أن نكون حكماء؟
الحِكمَة:
يقول معلمنا يعقوب الرسول في الإصحاح الثالث من رسالته:
"مَنْ هُوَ حَكِيمٌ وَعَالِمٌ بَيْنَكُمْ، فَلْيُرِ أَعْمَالَهُ بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَنِ فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ لَكُمْ غَيْرَةٌ مُرَّةٌ وَتَحَزُّبٌ فِي قُلُوبِكُمْ، فَلاَ تَفْتَخِرُوا وَتَكْذِبُوا عَلَى الْحَقِّ. لَيْسَتْ هذِهِ الْحِكْمَةُ نَازِلَةً مِنْ فَوْقُ، بَلْ هِيَ أَرْضِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ. لأَنَّهُ حَيْثُ الْغَيْرَةُ وَالتَّحَزُّبُ، هُنَاكَ التَّشْوِيشُ وَكُلُّ أَمْرٍ رَدِيءٍ". ويتابع الرسول كلامه فيقول: "وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الَّتِي مِنْ فَوْقُ فَهِيَ أَوَّلاً طَاهِرَةٌ، ثُمَّ مُسَالِمَةٌ، مُتَرَفِّقَةٌ، مُذْعِنَةٌ، مَمْلُوَّةٌ رَحْمَةً وَأَثْمَارًا صَالِحَةً، عَدِيمَةُ الرَّيْبِ وَالرِّيَاءِ..." (يع3: 13- 17).
إذن هي حكمة عملية، في تصرفات الحياة العملية... تظهر في التصرف الحسن. وبالمثل كان تصرف الخمس العذارى الحكيمات، بالاستعداد للقاء العريس، إذ أتين ومعهن زيت في آنيتهن. وهكذا فإن مصابيحهن لم تنطفئ (مت25: 4). إنه تصرف حكيم. ولهذا يقول الكتاب:
"اَلْحَكِيمُ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ، أَمَّا الْجَاهِلُ فَيَسْلُكُ فِي الظَّلاَمِ" (جا2: 14).
إذن المسألة مسألة سلوك. واحد يسلك في النور، وآخر يسلك في الظلمة. والذي يسلك في الظلمة، لا يعرف إلى أين يذهب.
والعجيب أن الإنسان الجاهل يقول عنه سفر الأمثال:
طَرِيقُ الْجَاهِلِ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيْهِ، أَمَّا سَامِعُ الْمَشُورَةِ فَهُوَ حَكِيمٌ (أم12: 15).
إنه جاهل ولكنه مغرور. كإنسان ذكي، وذكاؤه يسبب له غرورًا. وغروره يوقعه في تصرفات خاطئة. ومع ذلك لا يقبل مشورة ولا نصيحة. فطريقه مستقيم في عينيه. لذلك فهو يجادل في كل ما يقدم إليه من نصح!
لذلك فكثير من الناس يتعبهم غرورهم بذكائهم!
ذكاؤهم يتعبهم: إما لأنهم استخدموا الذكاء بغير حكمة. أو إذا كان ذلك الذكاء قد ارتبط بشهوة بطالة. فاستخدموا الذكاء لتحقيق تلك الشهوة، أو للوصول إلى خطية معينة.
فاللصوص أذكياء، ولكنهم ليسوا حكماء. يدبروا خططهم وينفذونها بكل مهارة، وقد لا يتركون أثرًا. وبالمثل كثير من كبار المجرمين أذكياء...
الإنسان الذي يكون حكيمًا في عيني نفسه (أم3: 7)، يرتبط ذكاؤه بالغرور فيسقط. أما الحكيم بغير غرور فينجح.
يوسف الصديق قيل عنه إنه كان إنسانًا بصيرًا حكيمًا، وإنه كان رجلًا فيه روح الله (تك41: 39، 38). وهكذا استطاع أن يصرّف أمور مصر بحكمة في أيام المجاعة، وأن يدبر ما يختص بالتموين تدبيرًا أنقذ الناس وكل البيئة المحيطة من خطر الجوع.
إنها حكمة نازلة من فوق، كموهبة إلهية، تتميز عن الحكمة البشرية العادية. وعكس الحكمة: الجهل. وهو ليس مجرد عدم التعلم، بل عدم الحكمة.
ومع ذلك فالحكيم إذا أخطأ يقبل التصحيح ويقبل المشورة.
الحكيم إذا أخطأ:
ليس أحد معصومًا من الخطأ. كلنا معرضون للخطأ. ولكن هناك فرقًا بين الحكيم إذا أخطأ، وبين الجاهل إذا أخطأ. يقول الكتاب:
"لاَ تُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا لِئَلاَّ يُبْغِضَكَ. وَبِّخْ حَكِيمًا فَيُحِبَّكَ" (أم9: 8).
هو إذن إنسان حكيم. ولكن لأنه ليس معصومًا، فقد يخطئ ويحتاج إلى توبيخ. ولأنه حكيم، فإنه يقبل التوبيخ. بل أنه يحب من يوبخه، لأنه ينقذه من أخطائه إذ ينبهه إليها. لذلك يقول الكتاب:
"اَلانْتِهَارُ يُؤَثِّرُ فِي الْحَكِيمِ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ جَلْدَةٍ فِي الْجَاهِلِ" (أم17: 10).
الحكيم يقبل الانتهار، إذ يستفيد منه لتقويم نفسه ورفع مستواها، فيصير "أَوْفَرَ حِكْمَةً" (أم9: 9).
أما الجاهل فمن أجل غروره لا يقبل التوبيخ والانتهار، ولا يتأثر بأي منهما، بل يكره من ينتهره ومن يوبخه، وقد يعاديه ويعتدي عليه. وكما قال الكتاب: "مَنْ يُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا يَكْسَبْ لِنَفْسِهِ هَوَانًا" (أم9 :7).
سهل على الحكيم أن يطيع، بعكس الجاهل فإنه يعاند.
بنى بيته:
قال السيد الرب إن الرجل الحكيم بنى بيته على الصخر.
فما المقصود بعبارة (بيته)؟
يمكن أن يقصد بها الحياة الروحية للإنسان، حسبما يطلب الرب أن نسمع كلامه ونعمل به، أي نحوّل الوصايا إلى حياة.
ويمكن أن يقصد بها خدمة الشخص، وكيف تكون مبنية على أساس سليم من تعليم الله والاهتمام بملكوته.
أهم شيء ركزّ عليه الرب، هو العمل بكلامه، وليس مجرد السماع.
فالكل يسمع. لكن الفارق بين الحكيم والجاهل هو العمل.
العَمل بما نسمعه:
تكاد كل العظة على الجبل مركزة على العمل.
من أول التطويبات، حتى نهاية العظة. بل هذه النقطة تظهر أهميتها من أول الخليقة. بل عدم العمل بالوصية هو أساس الخطية الأولى.
أمنا حواء سمعت وصية الله. وكانت تحفظها بكل تدقيق، لدرجة أنه عندما سألتها الحية عن الأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، لم تقل إن الله أمرهما فقط أن لا يأكلا منه، بل قالت "إن الله أمرهما أن لا يأكلا منه ولا يمساه" (تك3: 3). وعلى الرغم من حفظها للوصية ذهنيًا، إلا أنها من جهة العمل، قطفت من ثمر الشجرة المحرمة وأكلت، "وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ" (تك3: 6).
الكتبة والفريسيون كانوا كذلك يسمعون كلام الرب ولا يعملون به.
وكذلك كل رؤساء اليهود وكهنتهم. بل كانوا في سماعهم لكلام الرب، يريدون أن يصطادوه بكلمة! أو كانوا يسمعونه لكي ينتقدوه! حقًا، ليس كل إنسان كان يسمع، كان نقي النية ويريد أن ينفذ.
المهم عندما تسمع كلام الرب، أن تكون عندك الرغبة في الاستفادة.
وبهذه الرغبة، تحوّل ما تسمعه إلى حياة، وتعمل به أو تدرب نفسك على العمل. وتنتصر على كل معارضة في التنفيذ، ولا تستسلم لشيء من العوائق أو الموانع إن وُجدت.. وتقول لنفسك في كل ذلك "أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ" (رو2: 1).
إن العائق الأساسي لتنفيذ الوصية أنك لا تريد!
لذلك قال الرب لمريض بيت حسدا قبل أن يشفيه: "أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟" (يو5: 6) ...
والسؤال موجه إلى كل منا في التخلص من ضعفاته وخطاياه. فإن كنت تريد الرجوع إلى الله، فالطريق واضح أمامك. المهم أن تبدأ عمليًا وتسير فيه. وثق أن نعمة الله ستسندك وتقويك.
مشكلة الشاب الغني أنه لم يكن يريد!
سمع الوصية من فم الرب نفسه، ولم يستطع أن يعمل بها، بل "مَضَى حَزِينًا، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَال كَثِيرَةٍ" (مت19: 22). كانت محبة المال في قلبه تسيطر عليه، وتعوقه عن تنفيذ ما سمعه من الرب. وكانت رغبته أن تكون له: الحياة الأبدية، رغبة على أساس من الرمل سرعان ما انهارت.
الإنسان الحكيم لا يبني بيته على الرمل، على الأرض المتحركة غير الثابتة، كما يفعل الرجل الجاهل (مت7: 6). بل يبنيه على الصخر. فما المقصود بعبارة (على الصخر)؟
عَلى الصَخر:
على الصخر، أي على الإيمان العميق بالله، أو على الفهم السليم لوصايا الله. أو يبني بيته على أساس متين قوي من المحبة، المحبة لله وللناس، والمحبة للخير.
هذا الأساس المتين الصلب لن يسقط أبدًا.
تمامًا كما يفعل المهندسون الآن، إذ يبنون البيوت على أساس عميق قوي من الخرسانة المسلحة، التي لا تقوى الرياح ولا الأمطار على زعزعتها أو تحريكها من مكانها...
وهذا هو الفرق الأساسي بين من يبني على الصخر، ومن يبني على الرمل.
فهناك إنسان يدخل إلى الكنيسة ويسمع كلمة الله لمجرد المعرفة. وآخر يسمع الكلمة لكي يحيا بها: أحدهما يجعل عقله مجرد خزانة معلومات، فيصبح دائرة معارف يجيب على كل سؤال! بينما الآخر يسمع الكلمة ويعمل بها، فيحوّلها إلى حياة...
فتكون الكلمة كالبذار التي وقعت على أرض جيدة (مت13: 23). فأتت بثمر، ثلاثين أو ستين أو مائة...
أما المبني على الرمل فهو مثل الإنسان الذي تتعبه خطية من الخارج، كالأشواك التي تخنق زرعه حينما يظهر، أو لا يثمر على الإطلاق بسبب خطية من الداخل كالبذار التي وقعت على أرض محجرة.
البيت المبني على الصخر هو المبني على محبة الخير.
أما المبني على الرمل: فهو الذي قد يعمل الخير، خوفًا من انتقاد الناس، أو سعيًا وراء مديحهم، أو مجاراة لما يحدث في المجتمع، أو يفعل الخير مضطرًا أو خوفًا من عقوبة. هذا يعمل على غير أساس، فيعتبر تمامًا كالذي لا يعمل... عمله كالقش الذي تختبره النار، فإذا هو يحترق (1كو3: 12، 13).
مثال آخر للمبني على الصخر، والمبني على الرمل، هو الصلاة.
إنسان يصلي لأنه يحب الله ويشتاق إلى الحديث معه. كما يقول المزمور: "كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ" "عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ؟" (مز42: 1، 2). هذا هو البيت المبني على الصخر.
أما المبني على الرمل، فهو الذي يصلي لمجرد العادة، بلا عاطفة ولا حرارة. يصلي لأن أب اعترافه قد أمره بهذا، فهو يطيع لا عن حب، وإنما خجلًا من أن يكون مقصرًا. وصلاته ليست في حقيقتها صلاة. إنما هو يكرم الله بشفتيه، وقلبه بعيدًا عنه (إش29: 13) (مت15: 8). لذلك إن أتاه فكر، يمكن أن يشتت صلاته. أو أنه ينتهي من صلاته أو من مزاميره، وكأنه لم يصلِّ!!
مثال آخر هو الإيمان المبني على الصخر، والإيمان المبني على الرمل.
الإيمان المبني على الصخر لا يمكن أن تزعزعه الشكوك، كإيمان القديس أثناسيوس الرسولي المبني على فهم سليم وعميق لكلام الإنجيل بعكس كثيرين صاروا أريوسيين بسبب ما قدمه أريوس من فهم خاطئ لبعض الآيات. أما أثناسيوس فوقف ضد هؤلاء جميعًا، وشرح لهم تلك النصوص الكتابية شرحًا سليمًا، وبخاصة في كتابه (ضد الأريوسيين) Contra Arianos. واستطاع أن يقود حركة الفكر اللاهوتي في أيامه ضد كل الشكوك. وهكذا قال عنه جيروم: "مرّ وقت كاد فيه العالم كله أن يصبح أريوسيًا، لولا أثناسيوس"...
أما البيت المبني على الرمل لاهوتيًا، فيمثل كثيرين من الذين يعتبرون مؤمنين لمجرد أنهم وُلدوا هكذا. لذلك ما أسهل أن يتحولوا إلى مذهب آخر بسبب سماع عظات من طائفة أخرى!! أو أنه بسبب زواج يتحول شخص من مذهب إلى مذهب، أو من دين إلى دين!! إنهم من الناحية اللاهوتية مبنيون على الرمل...
لهذا ينبغي أن نثبّت أولادنا على دينهم وعلى عقيدتهم.
وذلك منذ الصغر، وبآيات وشروحات وإثباتات. ونردّ على كل الشكوك التي تصادفهم، فيكونون محصنين ضدها. وكذلك علينا العناية بالشباب ضد كل التيارات السائدة في المجتمع، حتى ننقذهم من أي انحراف وراء أي تيار يصادفهم أو يصادمهم... ولا تكون دروسنا مجرد محاضرات في روحيات نظرية، دون التداريب العملية التي تحولها إلى حياة. ولا تكون مجرد روحيات بلا عقيدة.
الكل مُعرّض للتجارب:
قال السيد الرب في مثل البيتين أن كلًا منهما تعرض للتجارب. الكل نزل عليه المطر، وجاءت الأمطار، وهبّت الرياح. سواء في ذلك البيت المبني على الصخر، أو البيت المبني على الرمل (مت7: 25، 27). العاقل والجاهل، كل منهما تعرض للتجارب. فالتجارب يمكن أن يتعرض لها القديسون، كما يتعرض لها الخطاة أو عامة الناس. غير أن البعض يثبت، والبعض يسقط...
العثرات تأتي على الكل. فالبعض يسقط، ويكون سقوطه عظيمًا (مت7: 27). والبعض لا يسقط إلا بعد مقاومة. والبعض لا يمكن أن يسقط إطلاقًا مهما كانت الحروب قوية. إنه المبني على الصخر.
لم يقل السيد الرب إن الأبرار غير معرضين للتجربة.
كلا. فهم أيضًا تنزل عليهم الأمطار من فوق - وتجري الأنهار من أسفل، وتهب الريح ما بين هذا وذاك، وتصدم بيوتهم جميعًا...
أيوب الصديق تعرض للتجربة، مع أنه كان "رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرّ"ِ (أي1: 8). وداود تعرض للتجربة، على الرغم من أن روح الله حلّ عليه (1صم16: 13) وكان رجل الصلاة بالقيثارة والمزمار والعشرة الأوتار. وشمشون أيضًا تعرض للتجربة، مع أنه كان نذيرًا للرب من البطن (قض13: 7) ... وكان الرب قد باركه، وابتدأ روح الرب يحركه (قض13: 24، 25)، وحل عليه روح الرب (قض14: 19). وهكذا رسل السيد المسيح، قال لهم: "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!" (لو22: 31) "كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ" (مر14: 27).
يهوذا سقط، وكان سقوطه عظيمًا، لأن بيته كان مبنيًا على الرمل. وبعض التلاميذ فروا أثناء القبض على المسيح. أما يوحنا الحبيب فتبع المسيح إلى الجلجثة، ووقف إلى جوار صليبه. المهم هو الأساس.
البعض منا إذا سقط يأتي بالعيب على غيره، لا على نفسه!
يقول: الغير أعثرنا! الغير أهملنا. نسأله لماذا سقطت؟ فيجيب: الكهنة لا يفتقدون ولا يؤدون واجبهم! الأساقفة لا يرعون! الوسط الروحي غير مشجع! القدوة غير موجودة! ولا يقول أبدًا إنه ضعيف من الداخل. بل يرمي بحمله على غيره!
يبحث الساقط على شماعة يعلّق عليها أخطاءه!
والحقيقة أنه لو كان بيتك مبنيًا على الصخر، فلن تسقط حتى لو لم يفتقدك الكهنة، حتى لو أهملتك الكنيسة! ولو كان الوسط الروحي فاترًا، فأنت تشعله بحرارتك. ولو كانت الخدمة ضعيفة، أنت تقوم بالخدمة. فلا تلق حملك على غيرك. بل كما يقول الرسول:
"أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ" (رو2: 1).
في أيام حبيب جرجس، لم يكن هناك تعليم عام في الكنيسة يعتد به. فلم يعتذر بقلة التعليم، بل قام هو به، ودرّس في الكلية الإكليريكية وهو طالب بها. وأسس مدارس الأحد، ووضع كتبًا للتعليم الديني في المدارس. وأقام نهضة تعليمية...
موسى النبي كان في نشأته في قصر الملك محاطًا بكل العبادات الفرعونية القديمة. بل تمسك بالإيمان السليم، وصار بطلًا للإيمان...
إن الذي يقدّم أعذارًا، بيته ليس مبنيًا على الصخر.
القديس أثناسيوس الرسولي وقف ضده الهراطقة بكل عنف، ونفي عن كرسيه أكثر من مرة، فلم يتزعزع. قالوا له العالم كله ضدك يا أثناسيوس. فقال: "وأنا ضد العالم" Contra Mondum فلقبوه بهذا اللقب.
كان بيته مبنيًا على الصخر. فلما نزلت عليه الأمطار، وجرت الأنهار، وهبّت الريح وصدمته، بقي راسخًا... وحسنًا قال الرسول: "كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ" (1كو15: 58).
النعمة:
كل إنسان سواء كان حكيمًا أو جاهلًا تفتقده النعمة.
غير أن الحكيم يقبل النعمة ويشترك معها، بينما الجاهل يرفضها.
الروح القدس يعمل لأجل الكل. فيعمل البعض معه، يشترك معه في العمل، ويدخل في "شَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (2كو13: 14). فيعمل الروح فيه، ويعمل به ويعمل معه.
ولكن البعض لا يقبل الروح. بل على العكس يحزن الروح (أف4: 30) ويطفئ الروح (1تس5: 19) ويقاوم الروح (أع7: 51).
شاول الملك وداود مثالًا واضحًا للعلاقة مع الروح.
شاول حلّ عليه الروح وتنبأ (1صم10: 10، 11). ولكنه استقل وعمل بمفرده بعيدًا عن شركة الروح. فكانت النتيجة مأساة قيل فيها "ذَهَبَ رُوحُ الرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ" (1صم16: 14).
أما داود، فكان حكيمًا إذ عمل مع الروح. وكان قلبه كاملًا مع الرب إلهه (1مل11: 4) البيت المبني على الرمل يقرع الرب على بابه فلا يفتح له (رؤ3: 20). مثل هؤلاء كالذين قال عنهم إبراهيم أبو الآباء: "وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ" (لو16: 31).
ليس لديهم دافع من الداخل يجعلهم يتجاوبون مع عمل الروح. لا أساس على الإطلاق يبنى عليه عمل روحي. كأهل أثينا من الفلاسفة القدماء الأبيقوريين: لما بشرهم القديس بولس الرسول، قالوا: "تُرَى مَاذَا يُرِيدُ هذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟!" (أع17: 18).
بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ
بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ
(مت7: 28)
هكذا اختتمت العظة على الجبل "فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ" (مت7: 28، 29). فلتكن هذه العبارة موضع تأملنا...
له سُلطان:
كان يعلمهم كمن له سلطان. فأي سلطان هذا الذي كان له؟
واضح أنه كان يتكلم بسلطان المشرّع.
لقد تكررت على فمه هذه العبارة في أكثر من موضع: "سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ... أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ". قال هذا في حديثه عن خطية القتل (مت5: 21) وفي حديثه عن خطية الزنى (مت5: 27، 28). وفي حديثه عن شريعة الطلاق (مت5: 31، 32). وفي حديثه عن القسم (مت5: 33، 34). وعن عبارة "عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ" (مت5: 38، 39). وعن العلاقة مع القريب والعدو (مت5: 43، 44).
وفيما بعد - في حديثه عن شريعة السبت - قال لهم "فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا" (مت12: 8). وباعتباره رب السبت، هو إذن يشرّع للسبت كما يشاء.
ولما قال للمفلوج "مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ"، وتذمر الكتبة في قلوبهم، قال لهم "لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا». حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ:«قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ..." (مت9: 2، 6).
إن له سلطانًا في أمور عديدة. وبالإضافة إلى سلطانه في التشريع:
كان له سلطان على نفوس سامعيه، يؤثر فيهم بجاذبية عجيبة.
كانت له جاذبية في شخصه، في صوته، في أسلوبه... جاذبية لا تُقاوم. سلطانه في التأثير تسنده الثقة به والإعجاب بشخصيته. إنه تأثير الحق الذي ينطق به ونقاوة التعليم. ولم يحدث لأهل جيله أن سمعوا من قبل معلمًا مثله. لذلك بهتوا من تعليمه.
ولا شك أنه عندما أنهى عظته، ما كانوا يريدون لها أن تنتهي.
بُهتوا مِن تعليمه:
ليس فقط سامعو العظة على الجبل قد بهتوا من تعليمه.
وحتى عندما كان فتى صغيرًا في الثانية عشرة من عمره، وكان يجلس في أورشليم وسط المعلمين (في الهيكل) يسمعهم ويسألهم، قيل إن "كُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ" (لو2: 47).
وفيما بعد، حين سألوه قائلين "يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَتُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ بِالْحَقِّ، وَلاَ تُبَالِي بِأَحَدٍ، لأَنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ. فَقُلْ لَنَا:... أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟" فأجابهم بعبارته المشهورة "أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ ِللهِ". "فَلَمَّا سَمِعُوا تَعَجَّبُوا وَتَرَكُوهُ وَمَضَوْا" (مت22: 16- 22). هم أيضًا بهتوا من تعليمه.
كذلك لما سألوه الصدوقيون - منكروا القيامة - عن المرأة التي تزوجت سبعة أخوة الواحد بعد موت الآخر، لمن تكون في القيامة؟ وأجابهم بأنه في القيامة يكونون كملائكة الله في السماء لا يُزوجون ولا يتزوجون، قيل بعد ذلك "فَلَمَّا سَمِعَ الْجُمُوعُ بُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ" (مت22: 33).
كانوا يبهتون من أجوبته، وأيضًا من أسئلته.
وهكذا عندما سأل الفريسيين "مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟" فلما أجابوا "ابْنُ دَاوُدَ" سألهم "كَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلاً: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟" (مت22: 42- 45).
طبعًا بهتوا من هذا السؤال. وبعد ذلك "لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً" (مت22: 46).
وأيضًا لما سأل رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب: "مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنْ أَيْنَ كَانَتْ؟ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟" بهتوا أيضًا "فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: إِنْ قُلْنَا: مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ لَنَا: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ، نَخَافُ مِنَ الشَّعْبِ، لأَنَّ يُوحَنَّا عِنْدَ الْجَمِيعِ مِثْلُ نَبِيٍّ فَأَجَابُوا يَسُوعَ وَقَالُوا: لاَ نَعْلَمُ" (مت21: 25، 27).
ليس معارضو المسيح فقط هم الذين بهتوا من تعليمه، بل كل الأجيال.
جميع الأجيال من زمن تجسده وحتى الآن تقف مبهوتة من تعليمه. وبخاصة من شريعة الكمال التي قدمها للبشرية بقوله "كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت5: 48)... وقوله "أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ" (مت5: 44). وقوله للشاب الغني "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مت19: 21)... وإن أردنا أن نتكلم عن الكمال في تعليمه، فلا تكفينا الكتب...
المسيح المعلم:
كان الجميع ينادونه بهذا اللقب: يا معلم.
بهذا اللقب خاطبه الكتبة والفريسيون (مت12: 38)، والناموسيون (مت22: 16) والصدوقيون (مت22: 24). كما خاطبه نيقوديموس بلقب يا معلم (يو3: 2). وتلاميذه كانوا يقولون له يا معلم (يو4: 31) وهكذا نادته المجدلية بعد القيامة "رَبُّونِي! الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ" (يو20: 16). والشاب الغني قال له "أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ" (مت19: 16).
وهو نفسه عندما غسل أرجل التلاميذ، قال لهم "أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو13: 13- 15).
وهكذا - كمعلم - قدّم القدوة الصالحة والمثال العملي.
إن لقب معلم، له معنى أوسع من كلمة واعظ. فالواعظ قد يقول كلامًا مؤثرًا من جهة الفضيلة. لكن المعلم نطاقه في التعليم أوسع بكثير. فلا يقتصر على الفضيلة فقط، بل يشمل أيضًا الإيمان والعقيدة وكل شيء. كما أنه يشرح ويفسر ويثبت بالأدلة والآيات.
والله منذ القديم كان يعلّم شعبه - وقد قال له داود النبي في مزاميره: طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي. دَرِّبْنِي فِي حَقِّكَ وَعَلِّمْنِي" (مز25: 4، 5). "عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ" "أَحْكَامَكَ عَلِّمْنِي" (مز119: 12، 108).
وكان السيد المسيح يعلّم ويشرح بأمثال من الحياة العملية.
بأمثال من حياة الزراع، والصيادين، والتاجر، والوكلاء، والوزنات، والمرأة التي تضع الخميرة في العجين (مت13، 25). والعذارى والعرس (مت25) والعبيد الذين ينتظرون سيدهم ساهرين (مت24) (لو7).
وكان يعلّم في كل مكان، وفي كل مناسبة.
في العظة على الجبل التي أوردها إنجيل متى، كانت على الجبل (مت5- 7). وفي معجزة الخمس خبزات والسمكتين، كان يعظ في موضع خلاء (مت14: 15). وأحيانًا كان يكلم الناس وهو في سفينة (مت13: 1، 2). وأحيانًا كان يدخل بيتًا ويعلّم، كما في معجزة شفاء المفلوج (مر2: 1). كما كان يعلّم أيضًا في مجامع اليهود (مت4: 23) (مت9: 35). وأحيانًا وهو ماشِ في الحقول بين الزروع (مت12: 1). وأحيانًا وهو على شاطئ البحيرة لما ظهر لتلاميذه بعد القيامة (يو21).
وكان ينتهز كل فرصة ليُلقي تعليمًا.
لما ناقشوه في حفظ السبت، ألقى تعليمًا مثبتًا بالأدلة عن أنه يجوز فعل الخير في السبوت (مت12: 2- 12). ولما اتهموه بأنه ببعلزبول يخرج الشياطين، أعطاهم تعليمًا عن أن كل بيت ينقسم على ذاته يخرب (مت12: 25) ولما انتقدوا تلاميذه على أنهم يأكلون بأيدٍ غير مغسولة، قدّم تعليمًا عن أن ما يدخل الفم لا ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم (مت15: 11).
كذلك عندما قام بتطهير الهيكل (مت21)، قدّم أكثر من تعليم. ولما اختار متى العشار تلميذًا، وجلس في حفل مع العشارين والخطاة، وانتقد الفريسيون ذلك، قدّم لهم تعليمًا في مبدأ روحي قال فيه: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى... لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ... أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً" (مت9: 12، 13).
وحتى وقت القبض عليه، لما ضرب بطرس أُذن عبد رئيس الكهنة، قال له السيد معلمًا: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ" (مت26: 52).
وكان المسيح شعبيًا في تعليمه، يتهافت حوله الناس ويتزاحمون.
ففي مناسبة معجزة الخمس خبزات والسمكتين، كان حوله خمسة آلاف من الرجال عدا النساء والأطفال (مت14: 21) أي ما يقرب من اثني عشر ألفًا. وفي معجزة شفاء المفلوج "سُمِعَ أَنَّهُ فِي بَيْتٍ. وَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ" (مر2: 1، 2). وفي قصة زكا، لم يقدر أن يرى السيد من الجمع، فصعد إلى جميزة (لو19: 3، 4). وفي إحدى المرات، جلس عند البحر. فاجتمع إليه جموع كثيرة حتى أنه دخل السفينة وجلس، والجمع كله على الشاطئ، ليكلمهم (مت13: 1- 3).
كان معلمًا محبوبًا قيل عنه: "هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ!" (يو12: 19).
وقيل عنه إنه كان "يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ" (مت9: 35) (مت4: 23). "فَذَاعَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ سُورِيَّةَ" "فَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْعَشْرِ الْمُدُنِ وَأُورُشَلِيمَ وَالْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ" (مت4: 24، 25).
ولم يكن معلمًا فقط، بل كوّن له مدرسة وتلاميذ.
في الأول اختار له اثني عشر تلميذًا ودربهم وأرسلهم وأوصاهم بما يفعلون (مت10). ثم اختار خمسين آخرين وأرسلهم أيضًا، وصحح لهم الأفكار التي حاربتهم (لو10). والكل منحهم سلطانًا. وكانوا فصل إعداد خدام، قضوا معه أكثر من ثلاث سنوات في الإعداد للخدمة. وأمرهم ألا يبدأوا إلا بعد حلول الروح القدس عليهم (لو24: 49). ثم قال لهم: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع1: 8).
ومن أهمية التعليم، كل المؤمنين به دعوا تلاميذ.
وكانت رسالته إلى تلاميذه، أن يعلموا ويكرزوا ويكوّنوا تلاميذ فقال لهم: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت28: 19، 20) "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15).
وهكذا كان معلمًا، أنشأ مدرسة للتعليم، وقد نشرت تعليمه لجميع الأمم وللخليقة كلها. وقد بهت الجميع بتعليمه.





