الآخرون في حياتك

الإنسان الروحي، من علامة روحانياته، أنه يتجرد من ذاتيته ويفضل غيره على نفسه. ويجعل الآخرين في مكانة أكثر من نفسه. فما مركز الآخرين في حياتك…
الآخرون في حياتك
صدق ذلك الأديب الذي قال:
ما استحق أن يعيش، من عاش لنفسه فقط.
لذلك فالشخص الروحي، في حياته في المجتمع، يجد لذته في أن يحيا لأجل غيره، متبعًا قول الرب “تحب قريبك كنفسك” وهكذا يحب كل أحد من أعماق قلبه…
وتكون محبته للآخرين محبة عملية حسبما قال الرسول “لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ” ( يوحنا الأولى 3 : 18 ).
هذه المحبة تتميز بالعطاء، وتتميز بالبذل. سواء من الناحية الجسدية، أو الناحية الروحية…
لذلك فإن الشخص الروحي، هو بطبيعته إنسان خادم.
يخدم غيره في كل مجال، لا لأنه مطالب بهذا، وإنما لأن الخدمة جزء من طبيعته وجزء من كيانه، يشعر فيها بالحب، ويتغذى بها أكثر مما يغذي غيره.
وإن كانت الخدمة هي عمل الملائكة، فكم بالأولى البشر…
جميل هو قول معلمنا بولس الرسول عن خدمة الملائكة:
“أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ” ( العبرانيين 1 : 14 ).
والملائكة حينما يخدمون البشر، إنما يخدمونهم عن حب وبذل، وليس عن واجب أو تكليف.
أنظروا إلى السارافيم المُخصصين للتسبيح، لما سمعوا من أشعياء أنه نجس الشفتين،
طار واحد منهم بسرعة، وأخذ جمرة من على المذبح، وطهر بها شفتي إشعياء ( إشعياء 6 : 6 ).
إن السيد المسيح ظهرت محبته للبشر في الخدمة والفداء:
وهكذا ورد عنه في الكتاب “أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” ( مرقس 10 : 45 ).
وكما قال الرب أيضًا “لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ” ( يوحنا 15 : 13 ).
ما أجمل أن يكون الإنسان سبب سعادة لكل من حوله:
من هنا كانت المحبة التي تتصف بها الأمومة، والتي تتصف بها الأبوة “كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا” ،
“إن نسيت الأم رضيعها، لا أنساكم” هذا الحب الذي يسعد الغير، بالعطاء والبذل، هو سمة من سمات الروحيين. ولذلك حسنًا قال الكتاب:
“مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ”. ففي العطاء محبة للآخرين، أما الأخذ فكثيرًا ما يحوي اهتماما بالذات…
إن المحبة التي تعطي، تظهر فيها أعماق قول الرب “لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي…
” وأعماق قول بولس الرسول ” اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللَّهِ الآبِ هِيَ هَذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ” ( يوحنا 1 : 27 ).
والعطاء الذي ينبع من الحب، غير العطاء الذي هو مجرد تنفيذ للوصية، أو هو لكسب المديح أو لأداء الواجب…
هناك وظائف هي موضع محبة الناس لأنها تعتني بهم:
مثال ذلك الطب والتمريض والخدمة الاجتماعية. وهناك أيضًا الأطباء الروحيون، آباء الاعتراف الذين يحملون أثقال الناس، ويخففون من متاعبهم.
وقد يوجد شخص لا يقدم لغيره معونة مادية، ولكنه يقدم أُذنًا صاغية تستمع فتريحهم، أو يقدم إبتسامة طيبة أو كلمة تُطيب الخاطر، فيحبونه.
بعكس ذلك، الذين يتمركزون حول أنفسهم، ذاتهم كل شيء..
ما أصعب من يقول “أنا أو الطوفان” أو الشاعر الذي قال: ” إذا مُت عطشانًا فلا نزل المطر”
لم يكن موقفًا روحانيًا. ذلك الذي وقفه يونان النبي حينما اغتاظ لخلاص أهل نينوى، غضبانًا لأن كلمته من جهة عقوبتهم، لم تنفذ،
فاعتبر ذلك ضد كرامته!! لذلك عاتبه الله قائلًا له “هَلِ اغْتَظْتَ بِالصَّوَابِ؟” ( يونان 4 : 4 ).
أما موسى النبي، فقد ضرب مثلًا عاليًا في محبة الآخرين.
وذلك حينما تضرع إلى الرب من أجل الشعب المخطئ قائلًا: “وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ” ( الخروج 32 : 32 ).
ويشبه ذلك قول بولس الرسول: “فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ” ( رومية 9 : 3 ).
فكلا الاثنين فضل أن يُحرم هو نفسه من الرب ــــــ أي يفقد أبديته ــــ من أجل إنقاذ الآخرين…
وهذا أمر عجيب، مثالي في الحب، وإن كان من جهة التنفيذ غير ممكن…
فلا أقل من جهة الحب ــــ أن نصلي من أجل الآخرين.
ولهذا هناك أناس يجعلون الآخرين عنصرًا بارزًا في صلواتهم. والكنيسة في صلواتها الطقسية لا تترك أحدًا لا تصلي من أجله، بل تصلي حتى من أجل الحيوان…
والسيد الرب أعطانا تعليمًا جميلًا في الصلاة من أجل الآخرين، حينما وضع لنا الصلاة الربية، وفيها تكلم الله بأسلوب الجمع
لا بأسلوب الفرد مدمجين حاجيات الآخرين معنا. وكذلك نصلي قانون الإيمان.
وتُعلمنا المسيحية أننا جميعًا أعضاء في جسد واحد…
إن تألم عضو، تتألم معه بقية الأعضاء. ويقول لنا الرسول “فَرَحًا مَعَ الْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ الْبَاكِينَ” ( رومية 12 : 15 ).
فماذا فعلنا نحن من أجل الآخرين، أيًا كانوا؟
إننا نحب الذين يحبوننا. ولكن السيد المسيح يقول لنا “إِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هَكَذَا؟” ( متى 5 : 47 )
إذن علينا واجب حيال الخطاة والمسيئين أيضًا… حيال من يسخرنا ميلًا، أو من يخاصمنا ويريد أن يأخذ الثوب، أو من يلعن أو من يسيء…
وهنا يكون أول واجباتنا نحو الغير: الاحتمال والمغفرة..
ليس جميع الناس صالحين ولطفاء. فالمخطئون منهم، علينا واجب من نحوهم وهو احتمالهم.
وقد قال معلمنا بولس “فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ” ( رومية 15 : 1 ).
والذين لايحتملون، يخسرون كثيرون. وليس هذا من الصالح..
وما أروع قول الكتاب “رابح النفوس حكيم”
ونحن لا نستطيع أن نربح الناس، إن كنا نحاسبهم على كل تصرف، وبكل تدقيق، ونكثر العتاب واللوم…
لهذا كانت المغفرة للمسيئين، من أول صفات الروحي، مهما كثرت الإساءات، ولو إلى سبعة في سبعين كل يوم…
وقد جعل الله مغفرتنا للناس، شرطًا لمغفرته لنا…
فقال “اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ” ( لوقا 6 : 37 )، “إِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَلاَّتِكُمْ” ( متى 6 : 15 ).
ونحن نصلي قائلين “اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا” ( متى 6 : 12 )..
والإنسان الروحي يعامل الغير باتضاع، ويفضلهم في كل شيء على نفسه، وفي هذا يكسب الآخرين.
وقد قال الكتاب: “مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْكَرَامَةِ” ( رومية 12 : 10 ).
الرجل الروحي يضع نفسه دائمًا في المتكأ الأخير ويختفي لكي يظهر الناس.
وينسب الفضل دائمًا لغيره. لا يمتدح نفسه، وإنما دائمًا يمتدح الناس…
الإنسان الروحي لا يبني راحته على تعب الآخرين. بل يتعب دائمًا لكي يريح غيره.
هو شمعة تذوب لكي يستضيء الناس بها، الذين يضعهم في قمة اهتمامه…
الرجل الروحي يعمل كل جهده لكي يبني الآخرين… لا يبحث من فيهم مستحق، ومن هو غير مستحق، إنما يفكر من فيهم محتاج،
وكيف يبذل كل جهده حتى لا يدع أحدًا محتاجًا إلى شيء، حين يكون بإمكانه أن يعطيه إياه…
وتربطه بجميع الناس رابطة قوية من حسن المعاملة. في جو من المجاملة ومن التفاهم،
ومن الروح الواحد، مراعيًا قول الرسول، الذي نرتله في صلاة باكر “فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ،
أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا.، بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ.،
مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ.، لكي جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ “(أف4).
إن الابن الأكبر، لم يضع أخاه الراجع في اعتباره. لم يفرح لفرحه،
ولم يشترك في الوليمة التي صُنعت لأجله، بل ركز اهتمامه في نفسه وما ينبغي أن يعطى له من أبيه…
أما نحن فلننكر ذواتنا، لكي نحب الآخرين… ونسعدهم.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة (العدد الخامس) 2-2-1979م



