أفضل صلاة نموذجية

صلاة المزامير
أنها صلاة بالمزامير. والمزامير تصلح للصلاة في كل جيل:
بالمزامير تخاطب داود مع الله، وهو في عمق الصلة الروحية والمزامير موحي بها من الروح القدس..
فقبل إن تكون كلام داود هي كلام الله، قال فيها السيد المسيح: قال داود بالروح ( متى 22 : 43 )
ونحن إذن في صلاة المزامير، تخاطب الله بكلام الله، ومن هنا فصلواتنا تتمشي مع مشيئة الله.
والمزامير كانت تستخدم في الصلاة في العهد القديم.
ومن أمثلتها (مزامير المصاعد) التي كان يرتلها الناس وهم صاعدون إلى الهيكل، على الجبل المقدس.
والمزامير، كان يصليها الناس، منذ العهد الرسولي، في بداية المسيحية، في العهد الجديد، بإرشاد إلهي.
وفي ذلك يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس “.. مَتَى اجْتَمَعْتُمْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَهُ مَزْمُورٌ” ( كورنثوس الأولى 14 : 26 ).
ويقول في رسالته إلى أهل أفسس “مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ” ( أفسس 5 : 19 ).
وفي كلًا الرسالتين، جعل المزامير في المقدمة..
ومن هنا كانت كل الكنائس، في كل جيل، تستخدم المزامير.
حتى الكنائس البروتستانتية التي لا تستخدم المزامير في الصلاة، فإن الكثير من تراتيلها مأخوذ من المزامير.
إذن فالصلاة بالمزامير، تتفق مع الحق الكتابي والحق الإنجيلي.
وتتفق مع الحق الإلهي، والتعليم الكتابي، وكلمة الله، وسائر هذه العبارات التي يستخدمها البعض،
بأسلوب كما لو كانت الكنيسة بعيدة- في نظرهم- عن كل هذا…!
من من الناس، يخيل له الغرور، إنه أعمق من داود!
إن عدو الخير، يمكنه أن يصور حتى لبعض الشباب، في بداية علاقتهم بالله، أنهم أعمق من داود في صلاته،
وأعمق منه في روحانيه، وفي فهمه، وفي شفافيته، وفي ما ينبغي أنه يقوله لله…!! ويصور له أنه يستطيع أن يؤلف صلوات أفضل!
ومع ذلك فنحن نستفيد من المزامير، ونضيف ما نشاء.
صلواتنا الخاصة التي نقولها بلغتنا وأسلوبنا ومشاعرنًا، والتي يساعدنا الروح فيها، لا تمنع صلاتنًا بالمزامير.
وصلاتنًا بالمزامير لا تمنع صلواتنا الخاصة.. هنا هو الرأي المعتدل.. افعلوا هذه ولا تتركوا تلك.
وليس الجميع في حالة روحية قوية، بصلوات مشتعلة…!
ليس كل الناس، حياتهم تسير بالروح في كل وقت، ينطق الروح على ألسنتهم.. هم محتاجون لوسائط روحية، تدفعهم إلى قدام. وتعطيهم حرارة.. ومن هذه الوسائط، المزامير.
ولا يستطيع أحد- مهما صور له الغرور- أنه أقوي روحًا من الرسل الذين صلوا بالمزامير، وكان لكل واحد مزموره.
ولا نستطيع أن ندعو الناس إلى ترك المزامير، على أمل درجات روحية فوق مستواهم لم يصلوا إليها. وهكذا تتركهم في فراغ!
والمزامير تشمل في الواقع كل مختلف المشاعر البشرية.
وتشمل كل ما يخطر على قلب المصلي من طلبات روحية، ومن صلة الله. كما تشمل كل الدرجات الروحية.
والذي يتأمل في أعماق المزامير، لا يجدها فقط فيها شبعة، وإنما أيضًا يتعلم منها كيف يخاطب الله.
وهذا ينقلنا إلى نقطة جميلة أخرى في صلاة الأجبية وهي:
الأجبية تعلم الصلاة:
ما أعمق تواضع الرسل في قولهم للرب “عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ” ( لوقا 11 : 1 ).
الرسل يطلبون أن يتعلموا الصلاة. ويأتي في أيامنا أي شاب صغير، ويقول إنه غير محتاج، ولا غيره محتاج،
أن يتعلم الصلاة، لأن الروح القدس الذي فيه “يشفع فيه بأنات لا ينطق به” فهو لذلك مكتف بأنات الروح. وبهذا الاكتفاء ينتقد كل صلوات الكنيسة.
أن الأجبية تعلمنا الصلاة حقًا، من نواح متعددة.
1- أولًا هي تعلمنا أنواع الصلاة من جهة اهدافها:
فهي ترينا أن هناك عنصر الطلب، وهو متعدد الصور.. فهناك طلبات عديدة من أجل النفس، في كل علاقاتها بالملكوت.. وهناك طلبات أخرى من أجل الكنيسة، ومن أجل الآخرين.
وغير الطلب، يوجد عنصر آخر هو الشكر. والشكر نقدمه لأسباب متعددة جدًا. وقد وضعت لأجله صلاة خاصة تسمي صلاة الشكر حافلة بالتفاصيل.
ولكي تعلمنا الكنيسة أدب التخاطب مع الله جعلت صلاة الشكر أولًا، قبل صلوات الطلبات.
وفي غير الشكر والطلب، تشمل الأجبية أيضًا عنصر الانسحاق، والاعتراف بالخطية، وطلب المغفرة لكي يذكر المصلي على الدوام أنه ليس أحد صالحًا إلا الله وحده،
وأنه- أي المصلي- يحتاج باستمرار إلى مغفرة، فيتواضع، والتواضع أساس الفضائل كلها، وبدونه تستقيم أيه حياة روحية.
وتقدم الأجبية لنا عنصرًا آخر في الصلاة، هو التسبيح، وصلاة التمجيد، والتأمل في صفات الله الجميلة، وهي كثيرة، عرفتنا الأجبية بأمثله كثيرة منها.
من من الناس، إذا صلي بمفرده، بدون اجبية، يستطيع أو يتذكر أن يستوفي في صلاته كل هذه العناصر…؟
2- والأجبية تعلمنا أيضًا أدب التخاطب مع الله:
سواء كان ذلك في صلوات المزامير، أو قطع الأجبية الأخرى. كيف نكلم الله؟ بأي أسلوب؟
وكيف كان القديسون يخاطبونه؟ ما هي أعماق العواطف مع الله.. لكي نتعلم.
كثيرون لا يعرفون كيف يتكلمون مع الله.. وقد يخطئون في التعبير.. وليس الجميع على درجة روحية عالية..
والأجبية تعلم المؤمنين كيف يصلون.. أو على الأقل المتواضعين الذين يقولون مع الرسل “علمنا يا رب أن نصلي.
الأجبية تذكرنا بمناسبات مقدسة:
الأجبية تضع أمامنا السيد المسيح في مناسبات عديدة.
تذكرنا بميلاد المسيح الأزلي، في إنجيل باكر. وتذكرنا بمجيئه إلى عالمنا، ليضيء إلى كل إنسان.. في قطع صلاة باكر.
وتذكرنا الأجبية بصلب المسيح وفدائه للبشرية، في صلاة الساعة السادسة، وبموته على الصليب وتخليصه للص، في صلاة الساعة التاسعة.
وتذكرنا بقبول الخطاة في صلاة الغروب (الساعة الحادية عشرة) وفي صلاة نصف الليل،
تذكرنا صلوات الأجبية بالمجيء الثاني للسيد المسيح، وتذكرنا بقوله لنا أن نكون ساهرين، وتضع لنا مثل الوكيل الأمين كمثال للتوبة.
وتذكرنا الأجبية أيضًا بحلول الروح القدس، في صلاة الساعة الثالثة، وهي مناسبة إلهية طيبة.
من من الناس يمكنه أن يذكر كل هذه المناسبات المقدسة في فاعليتها في حياتنا إذا صلي بمفرده، بدون أجبية.
إن الأجبية مدرسة، كما تعلمنا الصلاة في أهدافها وأنواعها، وكما تعملنا أسلوب التخاطب مع الله،
تعلمنا كذلك كيف نستفيد روحيًا من بعض مناسبات مقدسة، لا ننساها مطلقًا، وإنما نتذكرها وننتفع بما تحمله من ذكريات نافعة لحياتنا.
ولولا الأجبية، ربما ما كنا نذكر هذه المناسبات، أو على الأقل ما كنا نذكرها يوميًا.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة (العدد الخامس عشر) 13-4-1979م





