عيد البشارة

| الكتاب | عيد البشارة |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| دار نشر | الكلية الإكليريكية بالقاهرة |
| الطبعة | الأولى، أبريل 1997م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 4753/ 1997م |
| الترقيم الدولي | 3-38-5345-977 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
تقرأ في هذه النبذة
بسم الآب والابن والروح القدس
تقرأ في هذه النبذة عن:
البشارة بميلاد المسيح له المجد، وما سبقتها ولحقتها من البشارات. إنها بشارة الخلاص للعالم. وهي أولى الأعياد السيدية.
هي بشارة حب، لأن سبب التجسد والفداء هو محبة الله للعالم. السيد المسيح قدّم لنا بشارات مفرحة. وقدم الله لنا كأب محب.
فماذا نبشر الناس به؟ لتكن في أفواهكم جمعيًا بشارة مفرحة للكل.
البابا شنوده الثالث
البشارة
يأتي عيد البشارة، كل عام يوم 29 برمهات، بينه وبين عيد الميلاد الذي يأتي في 29 كيهك، تسعة أشهر هي فترة الحبل المقدس بالسيد المسيح.
البشارة
بهذا يكون عيد البشارة هو أول الأعياد السيدية.
فيه نذكر بشارة الملاك جبرائيل للسيدة العذراء قائلًا لها: "سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الممتلئة نعمة! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ... وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْنًا وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. هذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ. وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ" (لو 1: 26 - 33).
فلما تعجبت العذراء قائلة: "كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟!"، أجابها الملاك: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 34، 35).
وأخبرها الملاك بحبل أليصابات بابن في شيخوختها. ثم قال: "لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ".
واستقبلت العذراء هذه البشارة، أو هذا التكليف، بالخضوع للإرادة الإلهية وقالت: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ" (لو 1: 38). ومَضَى مِنْ عِنْدِهَا الْمَلاَكُ.. إذ كان قد أدّى رسالته.
بشارات أخرى
سبقت عيد البشارة ولحقته بشارات أخرى:
سبقته بشارة الملاك لزكريا الكاهن بميلاد ابنه يوحنا المعمدان... ذلك الذي سيكون الملاك الذي يهيئ الطريق قدام السيد المسيح (مر1: 2). والذي وردت عنه نبوءة ملاخي النبي (ملا 3: 1).
ظهر له ملاك الرب واقفًا عن يمين مذبح البخور، وبشره بأن امرأته أليصابات ستلد له ابنًا وتسميه يوحنا، وأنه سيكون عظيمًا أمام الرب، ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته (لو1: 8 - 17).
تبعت بشارة الملاك للعذراء، بشارة أخرى ليوسف النجار.
ظهر له ملاك الرب في حلم قائلًا: "يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.. فَسَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مت 1: 20، 21). وذكره بنبوءة إشعياء النبي "هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللهُ مَعَنَا" (مت 1: 23) (إش 7: 14).
ولما وُلد السيد المسيح، أرسلت بشارة أخرى للرعاة وكل الشعب:
ظهر ملاك الرب لرعاة مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ. وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ. وقال لهم الملاك: ".. فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ...".
"وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو 2: 8 - 14).
البشارة فَرح
البشارة فَرح
دائمًا البشارة تحمل خبرًا مفرحًا.
لذلك فإن الإنجيل أيضًا يسمى بشارة. فنقول بشارة متى، بشارة مرقس.. ذلك لأن الإنجيل يحمل أخبارًا مفرحة Good News، أخبارًا عن الخلاص الذي قدمه السيد المسيح لأجل فدائنا. وأيضًا لأن الإنجيل يحمل إلينا أخبارًا مفرحة عن تعاليم المسيح الجميلة التي تفرح كل قلب محب للفضيلة والقداسة. وذلك لأن الناس الروحانيين يفرحون بكلمة الله كمن وجدوا غنائم عظيمة (مز 119).
وعيد البشار يحمل بشارة بالخلاص.
وهذا واضح من قول الملاك: "وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ. لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (مت 1: 21). إن كلمة (يسوع) معناها مخلص. ولذلك أيضًا قال الملاك للرعاة: "أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو 2: 11).
وبهذا الخلاص أيضًا سبّحت السيدة العذراء في مقابلتها للقديسة أليصابات قائلة: ".. وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي" (لو 1: 47).
بشارة الخلاص هذه، لم تكن للقديسة العذراء وحدها، ولا للرعاة وحدهم، وإنما للعالم كله.
ولهذا قال الملاك للرعاة: "فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو 2: 10، 11).
وعن هذا الخلاص الذي للجميع، لما أخذ سمعان الشيخ الطفل يسوع على يديه، بارك الرب قائلًا: "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ. لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ" (لو 2: 28 - 31).
إذًا هي بشرى بالخلاص لجميع الشعب، ولجميع الشعوب، وصلت أولًا إلى أذني القديسة مريم العذراء ثم لآخرين.
بدء الصلح
كانت البشارة بميلاد المسيح هي بدء الصلح بين السماء والأرض:
بدء المصالحة بين الله والناس، بعد خصومة طويلة منذ خطية آدم وحواء.. كان الطريق إلى شجرة الحياة مغلقًا يحرسه الشاروبيم بسيف من نار (تك 3: 24). وكان قدس الأقداس عليه حجاب، ولا يدخله أحد من الشعب (عب 9: 3، 7).
وفي الفترة السابقة لمجيء السيد المسيح، لم يكن هناك أنبياء، ولا كلام بين الله والناس، ولا ظهورات مقدسة، ولا ملائكة يرسلهم الله إلى الناس.. كانت فترة غربة طويلة تغرب فيها الناس عن الله.
ثم جاءت البشارة كبشير صلح بين الله والناس.
وكثرت ظهورات الملائكة مع رسائل مفرحة هي البشارة بالمخلص...
كانت بشارة بخلاص روحي.
بمخلص يخلص الناس من خطاياهم، وليس مخلصًا سياسيًا يخلصهم من حكم الرومان. بل هو "الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ" (لو 1: 77). كما تنبأ بهذا زكريا الكاهن قائلًا عن هذا الخلاص: "بِأَحْشَاءِ رَحْمَةِ إِلهِنَا الَّتِي بِهَا افْتَقَدَنَا الْمُشْرَقُ مِنَ الْعَلاَءِ.. لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ" (لو 1: 78، 79).
الخلاص كان سيتم على الصليب، حينما يحمل المسيح خطايانا ويموت عنها. ولكن الخلاص على الصليب ما كان سيتم إلا إذا وُلد المسيح أولًا. وهنا كانت أهمية البشارة بميلاد المسيح الذي سيخلص شعبه من خطاياهم. والبشارة بالخلاص من سيطرة الشيطان، والخلاص من حكم الموت، ومن الخصومة التي بين الله والناس...
إذًا طريق الخلاص قد بدأ بالبشارة.
ورآه سمعان الشيخ في ميلاد المسيح. فقال للرب: "عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ". أي أبصرتا موكب الخلاص، وموكب الرحلة من الميلاد إلى الجلجثة رآه بروح النبوة...
بشارة حَملها ملائكة
بشارة حَملها ملائكة
البشارة إلى العذراء حملها رئيس الملائكة جبرائيل، نظرًا إلى كرامة القديسة والدة الإله. والبشارة إلى يوسف النجار، كانت في حلم حيث ظهر له ملاك الرب وبشره. والبشارة بميلاد يوحنا المعمدان، كانت على يمين مذبح البخور مما يليق بزكريا الكاهن..
البشارة ليوسف كانت بعد الحبل المقدس. أما البشارة للقديسة العذراء، فكانت قبل ذلك. ولماذا؟
ما كان يليق أبدًا أن تجد العذراء نفسها حبلى، وهي لا تدري عن الأمر شيئًا، وإلا ستقع في رعب عظيم يؤثر أيضًا على دمها ونفسيتها! إنما اللائق أن تعرف السرّ الإلهي أولًا وتستعد له بنفسية مستريحة... وأيضًا كان لا بد أن تبشر أولًا لكي تؤخذ موافقتها على تقديم نفسها كوالدة في سر التجسد الإلهي. فالله لا يرغمها على ذلك.
فلما استجابت العذراء للمشيئة الإلهية بعبارة "لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ" حينئذ بدأ الحمل المقدس...
أما يوسف النجار، فلم يكن من اللائق أن يُبشر قبل العذراء، وقبل أخذ موافقتها وكذلك لمكانة القديسة العذراء.
ليكن لي كقولك
ليكن لي كقولك
في قصة البشارة نتذكر أمرين: الاختيار الإلهي، والاستجابة البشرية.
اختيار الله للعذراء مريم، واستجابتها بقولها: "لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ"..
أما اختيار الله فسببه معرفته بقداسة العذراء، وباحتمالها لهذا المجد العظيم. العذراء التي تربت في الهيكل منذ طفولتها، في حياة الصلاة والتأمل، وفي قراءتها للكتاب المقدس وحفظها لكثير من آياته. العذراء الطاهرة المُحبة للبتولية..
وأيضًا العذراء المتواضعة التي يمكنها أن تحتمل هذا المجد العظيم دون أن يرتفع قلبها.
لم يكن سهلًا على فتاة أن تصير والدة للإله، إلا إن كانت متواضعة القلب جدًا. فاحتمال الكرامة ليس أمرًا سهلًا كما قال القديس الأنبا أنطونيوس "إن احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة". إنما يحتمل الكرامة قلب متواضع. لذلك انتظر الرب حتى يجد هذا القلب المتواضع الطاهر ليبشره بالتجسد الإلهي.
وهكذا قالت القديسة العذراء في تسبحتها: "وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ" (لو 1: 47، 48). وعبارة "أمته" وليس أمه، تدل أيضًا على اتضاعها، وبخاصة بعد أن سمعت القديسة أليصابات تقول لها: "فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟!" (لو 1: 43).
بعبارة (ليكن لي كقولك)، اتحدت مشيئة الله مع مشيئة القديسة العذراء، وبهذه العبارة بدأ الحمل المقدس.
وهكذا حلّ الروح القدس عليها. وقدس مستودعها حتى أن القدوس الذي يولد منها لا يرث شيئًا من الخطية الأصلية.
وبعبارة "ليكن لي كقولك" حلّ الكلمة (اللوجوس) أي الأقنوم الثاني في بطن القديسة العذراء، واتحد أقنوميًا بجسد كوّنه الروح القدس فيها لينمو نموًا طبيعيًا حتى تتم ولادته.
وهكذا حلّ في بطن العذراء المتواضعة (الكلمة) المتواضع، الذي أخلى ذاته وأخذ شكل العبد (في 2: 7).
كان يليق أن الابن المتواضع، يولد من أم متواضعة.
لأنه بدون التواضع، ما كان يمكن أن يتم التجسد الإلهي. وبدون التواضع ما كان يمكن أن يتم الصلب والفداء بعد ذلك.
درس آخر هام، نأخذه من عبارة (ليكن لي كقولك):
بعبارة (ليكن لي كقولك) برهنت العذراء على حياة التسليم:
القديسة العذراء التي أحبت حياة البتولية وأنها "لا تعرف رجلًا" ما كانت تفكر في يوم من الأيام أن تصير أمًا، وكان هذا عجيبًا في عينيها. ولكن لما بشرها الملاك بالمشيئة الإلهية، لم تكن تملك سوى التسليم لإرادة الله، فقالت: "ليكن لي كقولك".
وهكذا في عيد البشارة نتعلم درسًا في حياة التسليم.
في قصة البشارة نرى هيبة ملاك الله.
عبارة "لا تخف" أو "لا تخافي" ظاهرة بوضوح.
ففي بشارة الملاك لزكريا الكاهن، قيل: "فَلَمَّا رَآهُ زَكَرِيَّا اضْطَرَبَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ خَوْفٌ. فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَفْ يَا زَكَرِيَّا، لأَنَّ طِلْبَتَكَ قَدْ سُمِعَتْ، وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا" (لو 1: 12، 13).
وفي بشارة الملاك للعذراء قيل "فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ، وَفَكَّرَتْ: مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ التَّحِيَّةُ! فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ، لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ" (لو 1: 29، 30).
في قصة البشارة أيضًا، نرى احترام جبرائيل الملاك للقديسة العذراء.
فإنه لما ظهر لها، قال: "سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الممتلئة نْعَمُة! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ" (لو 1: 28).
ويختلف هذا اللقاء، عن ظهور الملاك لزكريا الكاهن، وظهور الملاك ليوسف في حلم. ففي كلا الظهورين لا تحية ولا مديح، كما في الظهور للعذراء.
نلاحظ أن عبارة "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ" التي قالها الملاك للقديسة العذراء، قالتها لها أيضًا القديسة أليصابات في لقائهما (لو 1: 42).
نلاحظ أن تعجب زكريا من أن يكون له ابن، قوبل بعقوبة من الملاك جبرائيل (لو 1: 20)، بينما تعجب العذراء قوبل بالشرح والتوضيح.
لكرامة العذراء من جهة. وأيضًا لأن الميلاد البتولي كان الأول من نوعه وليست له سابقة. أما الميلاد من نساء عواقر وأزواج شُيوخ، فقد حدث من قبل، كما في ميلاد إسحاق من إبراهيم الشيخ وزوجته سارة (تك 18: 11، 12). فلما تعجبت سارة من أن تلد في شيخوختها، لم يعاقبها الرب، لأنه لم تكن هناك سابقة لذلك وقتذاك..
وعلى كلٍ أجاب الملاك بقوله: "لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ" (لو 1: 37). ليتنا نأخذ أيضًا درسًا من عبارة الملاك هذه.. درسًا يدخل في قلوبنا الرجاء، مهما كانت بعض الأمور تبدو صعبة أمامنا أو غير ممكنة! وهذا المبدأ الروحي واللاهوتي قاله السيد المسيح أيضًا فيما بعد: "عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ" (مر10: 27).
في قصة البشارة، يفرحنا أن الذي حمل البشارة ملاك.
المرأة الشونمية، حمل إليها البشرى أن يكون لها ابن، أليشع النبي الذي قال لها: "فِي هذَا الْمِيعَادِ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ تَحْتَضِنِينَ ابْنًا" (2مل 4: 16). وقد كان. أما هنا، فالذي يحمل البشارة ملاك، بل رئيس ملائكة، من أجل عظمة المولود...
قال الملاك للعذراء عن ابنها: "هذَا يَكُونُ عَظِيمًا" (لو1: 32).
وقال أيضًا: "وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى". كما قال لها أيضًا: "فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 32، 35). قال هذا قبل أن يشهد بهذه البنوة نثنائيل (يو1: 49) ولا بطرس (مت16: 16).
وشهد الملاك في بشارته للعذراء أن ابنها سيكون ملكًا، ويملك إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية (لو 1: 33). ولعل هذا يشبه أيضًا نبوءة دانيال النبي حينما قال: "سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا 7: 14).
عيد البشارة يعطينا فكرة عن الأعياد في فترة الصوم.
إنه دائمًا يأتي في الصوم الكبير، لأن شهر برمهات يكون دائمًا في فترة الصوم الكبير. ونحن لا نكسر الصوم الكبير لأي سبب من الأسباب. لذلك نعيد عيد البشارة ونحن صائمون صومنا النباتي، غير أننا نعافى من الانقطاع عن الطعام احتفالًا بهذا العيد السيدي. وأيضًا لا تكون فيه مطانيات.
بشرى الخلاص
بشرى الخلاص
فهو عيد ليس لمجرد البشارة بالميلاد، بل البشارة ببدء موكب الخلاص.
نبشر فيه الناس بأن الله قد بدأ في تنفيذ خطته الإلهية لخلاص البشر. وقد بدأت بذلك عملية التجسد بالحمل المقدس، الذي يؤدي إلى الميلاد، ومنه إلى الصليب والفداء، ثم القيامة والقضاء على حكم الموت.
فيه نبشر كل إنسان بأن خلاصه قريب. والله قرر أن يخلص.
وكما قال في منح الخلاص لزكا العشار: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ، إِذْ هُوَ أَيْضًا ابْنُ إِبْرَاهِيمَ. لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لو 19: 9، 10). فالذي خلّص زكا العشار على الرغم من كل شروره، هو قادر أن يخلص أي إنسان خاطئ. والذي جاء يطلب ويخلص ما قد هلك، هو أيضًا مستعد أن يخلص من قد سقط...
ما أجمل أن نقدم بشرى الخلاص لكل إنسان تحت نير.
نقول للذين هم في تعب وتحت أثقال ضاغطة، هوذا الرب يقول لكم: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت 11: 28).
ونقول لكل أصحاب القلوب الكسيرة: إن الرب جاء من أجلكم ومن أجل راحتكم وإنقاذكم. أليس هو القائل "رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" (إش 61: 1). بهذا نغرس الرجاء والفرح في قلوب الناس. وحقًا ما أصدق قول الكتاب: "مَا أَجْمَلَ أَقْدَامَ الْمُبَشِّرِينَ بِالسَّلاَمِ، الْمُبَشِّرِينَ بِالْخَيْرَاتِ" (رو 10: 15).
ويقول الكتاب أيضًا: "اَلْخَبَرُ الطَّيِّبُ يُسَمِّنُ الْعِظَامَ" (أم 15: 30).
لتكن إذًا في أفواهكم كلمة طيبة تفرح الناس، وبشرى تملأ قلوبهم رجاء.. قولوا للخاطئ إن التوبة سهلة، ونعمة الله قادرة أن تسهّل لك طريق التوبة. والله يبحث عنك، ولا بد سيجدك ويردك إليه. لذلك فإن خلصك من الخطية ممكن وسهل. وكما قال القديس بولس الرسول: "أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا" (رو13: 11). والرب مستعد أن يقبلنا إليه مهما شردنا عنه، كما سبق وقبل الابن الضال (لو15). وكما قبل بطرس الرسول (يو21) على الرغم من أنه أنكره قبلًا وحلف ولعن وقال: "لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!" (مت 26: 74).
بشارات مفرحة مِن السَيد المسيح
بشارات مفرحة مِن السَيد المسيح
كم من بشارات مفرحة قدمها السيد الرب لأفراد أو للعالم أجمع.
منها بشارة مفرحة في عبارة (مغفورة لك خطاياك).
قال هذه العبارة المفلوج الذي دلاّه أصحابه من السقف (مر2: 5). كل ما كان يرجوه ذلك المفلوج أن ينال شفاء لجسده. ولكن الرب أعطاه أيضًا بشارة بمغفرة خطاياه... ونفس العبارة قالها الرب للمرأة الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها في بيت الفريسي، ومسحتهما بشعر رأسها. بشرّها أيضًا بمغفرة خطاياها، لأنها أحبت كثيرًا. وقَالَ لَهَا: "مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ" (لو 7: 48). وأيضا "إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ" (لو 7: 50).
أجمل بشرى هي البشارة بالمغفرة، وهي كثيرة من فم السيد المسيح.
حتى وهو على الصليب، قال هذه البشرى: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو 23: 34). ونفس البشارة الجميلة حملها للص اليمين مطمئنًا إياه بقوله: "الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ" (لو 23: 43). إنها أجمل عبارة سمعها اللص طول أيام حياته، وسمعها في آخر يوم من أيام حياته.
أيضًا ما أجمل قول الرب للمرأة المضبوطة في ذات افعل "وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا" (يو8: 11).
كان بطرس الرسول حزينًا جدًا لإنكاره الرب ثلاث مرات. وقد "فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا" (مت 26: 75). ثم إذا به - بعد القيامة - يسمع من السيد الرب تلك البشارة المفرحة "ارْعَ خِرَافِي.. ارْعَ غَنَمِي" (يو21: 15، 16).
حقًا إن البشرى تجلب فرحًا أكثر، إن كانت غير متوقعة، أو كانت بسخاء أوفر..
قبل الصلب، قدّم الرب لتلاميذه بشارات كثيرة مفرحة.
قال لهم: "لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ" (يو14: 18). "فَأَنْتُمْ كَذلِكَ، عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو16: 22). بشرهم بأنه سيقوم من الموت ويرونه. وبشرهم ببشرى أخرى جميلة وهي "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 2، 3).. ما أحلى هذه البشارة.
وأعطاهم بشارة أخرى عن حلول الروح القدس عليهم.
بشارة بالروح القدس
بشارة بالروح القدس
بكلام مفرح قال فيه: "وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، روح الحق الذي لا يستطيع إن العالم أن يقبله، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ" (يو14: 16، 17). وأيضًا "وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يو14: 26) "وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ... وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ" (يو16: 13).
كان الحديث عن حلول الروح القدس عليهم بشارة طيبة مفرحة، تحمل ما سوف ينالونه من قوة، كما تحمل بدء خدمتهم وكرازتهم. لذلك قال لهم قبل الصعود: "لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع 1: 8).
ليتنا نحن جميعًا نبشر الناس بعمل الروح القدس فيهم.
نبشرهم بشركة الروح القدس (2كو 13: 14). وبأنهم سيكونون جميعًا "شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ" (2بط 1: 4).. طبعًا شركاء في العمل. إذ يعمل الروح القدس فينا، ويعمل بنا ومعنا. كما قال القديس بولس الرسول عن نفسه وعن شريكه في الخدمة أبُلوس "نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ" (1كو3: 9). وكما نصلي في أوشية المسافرين قائلين للرب: "اشترك في العمل مع عبيدك، في كل عمل صالح"...
نعم نبشر الناس بأنهم قد صاروا هياكل للروح القدس.
وذلك بعد نوالهم سر المسحة المقدسة (1يو 2: 20، 27) في سر الميرون المقدس، فسكن الروح القدس فيهم. وهكذا تحققت البشرى التي قالها لنا القديس بولس الرسول: "أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟" (1كو3: 16). "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟" (1كو6: 19).
بشارات أخرى
بشارات أخرى
من أعمق البشارات وأكثرها تأثيرًا، قول الرب:
"وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 20).
إنها بشرى طيبة ومفرحة أن يكون الرب معنا كل الأيام، وأننا لسنا وحدنا. بل يقول لنا: "لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت 18: 20). وأيضًا قوله: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ... لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ" (يو14: 27).
ولا ننسى أيضًا البشارة بالحفظ الإلهي:
حيث يقول: "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ" (مت10: 30) وقوله: "وَلكِنَّ شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ تَهْلِكُ" (لو 21: 18). وقد حفظ القديس بولس الرسول هذه البشارة، فقال لرجاله مبشرًا: "..لأَنَّهُ لاَ تَسْقُطُ شَعْرَةٌ مِنْ رَأْسِ وَاحِدٍ مِنْكُمْ" (أع 27: 34).
في هذا الحفظ أيضًا، قدم لنا الإنجيل بشارة أخرى في قول السيد الرب: "هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ" (لو 10: 19). وقوله لبولس الرسول: "لاَ تَخَفْ.. لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع 18: 9، 10).
بشارة خاصة بالأبدية
ما أعجب البشارات التي يقدمها الرب عن الأبدية السعيدة يقدمها الرب للغالبين الذين جاهدوا في حياتهم الروحية وغلبوا.
فيقول: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ". "من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني". "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَنِّ الْمُخْفَى". "وَمَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ سُلْطَانًا عَلَى الأُمَمِ.. وَأُعْطِيهِ كَوْكَبَ الصُّبْحِ" (رؤ 2: 7، 11، 17، 26، 28). ويكمل هذه البشارة المفرحة فيقول: "مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ". "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي". بل ما أعجب البشرى التي يقول فيها: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ" (رؤ 3: 5، 12، 21).
يقدم لنا الرب بشارة أخرى عن الأبدية في وصف أورشليم السمائية.
حيث يسكن الله مع شعبه، في هذه المدينة "نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا". "وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ" (رؤ 21: 2 - 4). "وَالْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ إِلَى الْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَالْخَرُوفُ سِرَاجُهَا" (رؤ 21: 23). "وَلاَ يَكُونُ لَيْلٌ هُنَاكَ، وَلاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى سِرَاجٍ أَوْ نُورِ شَمْسٍ، لأَنَّ الرَّبَّ الإِلهَ يُنِيرُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ سَيَمْلِكُونَ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ"، "وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ"، حيث شَجَرَةُ حَيَاةٍ، وماء الحياة" (رؤ 22: 1 – 5).
هناك البشارة بعشرة الله والملائكة والقديسين. بل من أجمل ما قيل في البشارة بالأبدية السعيدة قول الرسول عنها:
"مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ" (1كو2: 9).
بشارة عجيبة عن الحياة في الأبدية، تفوق كل تصور، وتجلب الفرح، وتدعو إلى الجهاد الروحي وإلى الالتصاق بالرب للتمتع بهذه البشارة. ويضيف إليها الرسول بشارة أخرى، يقول فيها إننا سنقوم بأجساد روحانية، أجساد سماوية، حيث نقام في قوة وفي مجد. وهذا الجسد المائت يلبس عدم موت (1كو 15: 42 - 53).
ويضيف الرسول بشارة أخرى فيقول بإننا "ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. لِذلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ" (1تس 4: 17، 18).
حقًا ما أحلى وما أجمل التأمل في هذه البشارة الخاصة بالأبدية...
بشارة خاصة بالله
هناك أمور كثيرًا في المسيحية جميلة وعميقة ومؤثرة تبشر الناس بها، ولكن أجمل ما فيها هي الله نفسه وعلاقته بالبشر.
الله محب البشر، صانع الخيرات، ضابط الكل الذي هو "أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالًا مِنْ بَنِي الْبَشَرِ" (مز45: 2) الذي خلق كل شيء جميلًا، وفي محبته لنا، خلقنا كشبهه على صورته ومثاله، ومنحنا السلطان على كل ما خلقه على الأرض (تك 1: 26 - 28). ولما أخطأنا إليه، من فرط محبته لنا، فدانا وسهل لنا طريق التوبة "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ" (يو3: 16).
إن البشارة بالمغفرة والفداء من أجمل ما تبشر به المسيحية.
الله الذي قال عنه المرتل: "لَمْ يَصْنَعْ مَعَنَا حَسَبَ خَطَايَانَا، وَلَمْ يُجَازِنَا حَسَبَ آثامِنَا. لأَنَّهُ مِثْلُ ارْتِفَاعِ السَّمَاوَاتِ فَوْقَ الأَرْضِ قَوِيَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى خَائِفِيهِ. كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا.. كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ" (مز103: 10– 14).
إنه الله الحنون الغفور الطيب...
الذي على الرغم من كسرنا لوصاياه، يقول: "لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ" (إر31: 34) "هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟!" "كُلُّ مَعَاصِيهِ الَّتِي فَعَلَهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ. فِي بِرِّهِ الَّذِي عَمِلَ يَحْيَا" (حز 18: 23، 22). إنه الله الذي صالح العالم لنفسه: "غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ" (2كو5: 19).
لما تأمل داود النبي في صفات الله الجميلة، قال في مزموره: "يَا رَبُّ إِلهَ الْجُنُودِ، مَنْ مِثْلُكَ؟" (مز89: 8) "يَا اَللهُ، مَنْ مِثْلُكَ؟" (مز 71: 19).
"مَنْ يُشْبِهُ الرَّبَّ؟" (مز 89: 6). حقًا، ليس لك شبيه يا رب بين جميع الآلهة. كما نقول في التسبحة وفي (مز 86: 8) "الرب مَهُوبٌ هُوَ عَلَى كُلِّ الآلِهَةِ. لأن كل آلهة الأمم شياطين" (مز 96: 4، 5).
إنه الله المعطي دون أن نطلب، والمعطي فوق ما نطلب.. المعطي لطيور السماء قوتها. والمعطي لزنابق الحقل جمالًا لم يكن لسليمان في كل مجده (مت6: 26 – 29).
فلنبشر الناس، بأن الله هو الراعي الذي يحملنا على منكبيه فرحًا (لو15: 5).
هو الراعي الذي قال عنه داود النبي: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ" (مز 23). وهو أيضًا الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو10: 11).. نعم هو الراعي الصالح الذي يبحث عنا إن ضللنا، ولا يستريح حتى يجدنا (لو 15).
نبشر الناس بأن الله هو الله الحافظ المنجي المنقذ..
هو الذي إن نسيت الأم رضيعها، فهو لا ينسانا (إش 49: 15). هو الذي قال: "لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ" (يش1: 5). مهما كانت ضالتنا فهو يهتم بنا. إنه إله الكل، حتى الضعفاء والصغار والمزدرى وغير الموجود (1كو 1: 28). هو الجالس في الأعالي، والناظر إلى المتواضعات. "الغافر خطايانا والمنقذ حياتنا من الفساد" كما نقول في القداس الإلهي. هو الذي نقول له في الصلاة الربية: "وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ" (مت6: 13).
بشارة الحب
ليتنا نبشر الناس بإله محب، يربطهم به الحب وليس الرعب.
كانت بشارة السيد المسيح هي بإله هو الآب السماوي الذي يحبهم. وهكذا قال للآب: "وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ" (يو17: 26). وهكذا قال للناس إن الوصية الأولى في الناموس هي هذه "تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ.." (مت 22: 37، 38).. وهكذا أيضًا قال القديس يوحنا الرسول "اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ" (1يو 4: 16). وقال أيضًا: "لاَ خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ" (1يو 4: 18).
جاء السيد المسيح يبشر الناس ببشارة الحب.
حب الله للناس، وحب الناس لله، وحبهم لبعضهم البعض.
فعن حب الله للناس، قال لهم: "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ..." (يو3: 16) وأيضًا "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13) وعن هذا أيضًا قال الرسول إن "اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رو 5: 8). كما قال إن "مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (رو 5: 5).
ومن جهة محبة الناس لله، قال الرب إنها الوصية العظمى في الناموس (مت22: 38). وقال القديس يوحنا الحبيب: "فِي هذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا" (1يو 4: 10).
ومن جهة محبتنا لبعضنا البعض، قال السيد الرب: "هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ" (يو15: 12). "بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يو13: 35).
ليتكم إذًا في محبتكم للناس، تحملون لهم بشارة مفرحة.
احملوا بشارة مفرحة
احملوا بشارة مفرحة
لتكن في فم كل واحد منكم كلمة مفرحة يقولها للناس، وبشارة طيبة يحمله إليهم.
احملوا كلمة طيبة لكل من هـو في ضيقة أو مشكلة. كلمة دعاء، أو كلمة نصيحة مفيد. قولوا للكل إنه يوجد مفتاح لكل باب مغلق، بل قد توجد عدة مفاتيح.. وأن الله عنده حل لكل مشكلة، بل عدة حلول. قولوا إن شاء الله سوف تحل هذه المشكلة. وإن شاء الله سوف تنتهي هذه الضيقة. وذكروا الناس بقول الكتاب:
"أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو 8: 28).
لا تكن ملامحكم معبسة. ولا تعطوا الناس فكرة مخيفة عن الله، وفكرة سوداء عن التدين الذي لا تذكرونه إلا بالبكاء والدموع! بحيث كل من يراكم يقول: "استر يا رب! ولا يرى إلا لافتة مكتوب عليها: "لأَنَّهُ بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا7: 3). إن كآبة الوجه تكون في المخدع، وأنت تحاسب نفسك على خطاياك. ولا تكون أمام الناس، وباستمرار!
اجعلوا البشاشة إحدى صفاتكم المحببة، التي تجذب الناس إلى الدين.
بشاشتكم هي بشارة مفرحة، تشعر الناس بأن الدين يحمل سلامًا في القلب. ويذكرهم بقول الرسول: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا" (في 4: 4).
لم يكن عمل السيد المسيح فقط، هو الخلاص الذي قدمه بدمه على الصليب. إنما كان يحمل فرحًا لكل من يقابله. ولعل هذا يظهر في قول الكتاب عنه إنه:
"الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا.." (أع 10: 38).
كان يوزع الخير على الناس. وكل من تقابل معه نال منه خيرًا. أليس هو القائل: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت 11: 28). وأنت أيضًا ليكن لك هذا الأسلوب الذي للسيد المسيح.
إن لم تستطع أن تقدم الخير عملًا فقدمه قولًا، كبشارة طيبة.
حتى أن الناس يستبشرون بك. كما قال داود النبي عن أخيمعص بن صادوق: "هذَا رَجُلٌ صَالِحٌ وَيَأْتِي بِبِشَارَةٍ صَالِحَةٍ" (2صم 18: 27). لذلك لا تعقد الأمور أمام أحد من الناس، مهما كانت حالته سيئة.. بل في وسط الظلمة، افتح له طاقة من نور، طاقة من رجاء. واحذر من أن تسبب يأسًا لأحد، أو تجلب ضيقة لنفسه..
لتكن نفسك من النفوس المريحة. كل من يستمع إليك يستريح.
إن النفوس المريحة تستطيع أن تريح غيرها. ودائمًا يلجأ الناس إليها ليستريحوا.. لا بكلام الملق أو مجرد مجاملة، بل بالروح والحق، وبتعليم جميل من الكتاب ومن سير القديسين. بعكس نفوس أخرى تعقد الأمور. ومن يجلس إليها، يخرج وهو يردد المزمور "كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: «لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلهِهِ»" (مز 3: 2). مثلهم مثل أصحاب أيوب الصديق، الذين قال لهم: "مُعَزُّونَ مُتْعِبُونَ كُلُّكُمْ!" (أي 16: 2).
إن مجرد الملامح المريحة، تريح الناس.
كما يطلب المصور من الناس أن يبتسموا قبل تصويرهم، لكي تكون ملامحهم مريحة ومقبولة. ومثلما نرى طفلًا مبتسمًا، يشع النور من وجهه، فيفرحك وتبتسم أنت أيضًا.. إن الشخص الذي يرى رئيسه ملامحه متجهمة، يهرب من لقائه ولا يتوقع خيرًا أما إن قابله ببشاشة أو بابتسامة، فإنه يرى أن بشاشته تحمل بشارة طيبة.
ليكن كل من يراكم يستبشر خيرًا، ويسعد أنه بدأ يومه بوجوهكم البشوشة.
حتى دون أن تقولوا له خبرًا طيبًا.. إنما مجرد لقياكم في حد ذاته بشارة مفرحة.. قولوا للناس: إن الله قد خلق الإنسان ليسعد. وحينما خلقه وضعه في جنة. ويريد له بعد الموت أن يذهب إلى فردوس النعيم. إذًا يا رب فليكن لنا كقولك.
القلب المملوء بالرجاء، دائمًا توجد في قلبه بشارة مفرحة.
فالرجاء الذي في قلبه، ينقله تلقائيًا إلى الناس. والفرح الذي في قلبه، والذي يظهر تلقائيًا في ملامحه، ينتقل أيضًا إلى غيره. وما أجمل ما قاله أحد الآباء للقديس أنطونيوس "يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي"... حتى في وسط الضيقات، لم يفقد الآباء فرحهم. وفي ذلك يقول بولس الرسول عن نفسه وعن شركائه في الخدمة "كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ، كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ..." (2كو 6: 10).
بشارة مفرحة هي قول الرب: "كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ" (مر 9: 23).
وهكذا قال بولس الرسول: "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في4: 13). البشارة المفرحة التي تحملها للخاطئ، ليست في أن يستهين بحالته. وإنما بأن نقول له الله قادر أن يخلصه من خطيته. وعليه أن يبدأ بالتوبة، والنعمة ستساعده...
في أول سقطة للبشر. وفيما الله يعاقب الإنسان قدم له بشارة مفرحة.
فقال له إن نسل المرأة سيسحق رأس الحية (تك 3: 15). عجيب هذا: وعد بالخلاص في نفس لحظة العقوبة. وهكذا جاء السيد المسيح من نسل المرأة، مولودًا من امرأة تحت الناموس، ليفدي الذين تحت الناموس (غلا 4: 4، 5) ويسحق رأس الحية.
نعم. هذه هي بشارة الميلاد المفرحة: "أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ" (لو2: 11).




