صلاة جناز على روح هيلاسلاسي

صلاة جناز على روح هيلاسلاسي
أقام قداسة البابا في مساء الجمعة 12/9/1975 جنازًا على روح الإمبراطور هيلاسلاسي، حضره حوالي 7000 شخصًا. كما اشترك في صلواته أصحاب النيافة الأنبا صموئيل، والأنبا بيمن، والأنبا باولص جريجوريوس أحد مطارنة الكنيسة الهندية السريانية الأرثوذكسية.
كلمة قداسة البابا:
لقد آلمنا جدًا وفاة هذا الرجل الكبير العظيم، الإمبراطور هيلاسلاسي، ابن الكنيسة القبطية، وأحد الذين عملوا من أجلها، والذين لهم مكانة كبيرة في قلبها.
† وهو ليس شخصًا عاديًا من أبناء الكنيسة، إذ قد مسح بالزيت المقدس في طقس الملوك، فأخذ من روح الرب قوة خاصة.
وقديمًا كان الملوك يمسحون بالدهن المقدس من الأنبياء، فيحل عليهم الروح القدس، ويمنحهم الحكمة والقوة لإدارة بلادهم…
† والإمبراطور هيلاسلاسي كانت له علاقة كبيرة بالكنيسة. وعندما كان يحضر إلى القاهرة، كان يشترك في صلوات الكنيسة وقداساتها.
† وقد اشترك في حفل افتتاح هذه الكاتدرائية، وتبرع بمبلغ كبير مشاركة في بنائها. واسمه مكتوب في رخامتها التذكارية.
† ولا ننسى أنه دعا إلى أول مجمع مسكوني مقدس للكنائس الشرقية الأرثوذكسية، اجتمع في بلاده.
وأصر على حضور البابا كيرلس، بابا الإسكندرية، وقد كانت له رئاسة المجمع، وبهذا أكرم البابا كيرلس إكرامًا كبيرًا، كما كان يكرم كل باباوات الإسكندرية الذين يزورون إثيوبيا، ويستقبلهم كاستقبال رؤساء الدول. وقد أفرد قصره الخاص للبابا القبطي ليمكث فيه طوال مدة إقامته في إثيوبيا، وهكذا فعل معي أيضًا.
† وهو الذي أسس أول مدرسة لاهوتية في إثيوبيا في الأربعينات وجعل رئاستها للأب الموقر القمص مرقس داود… وكان من الأساتذة الذين قاموا بالتدريس فيها نيافة الأنبا صموئيل. وقد جعل الإمبراطور هذه المدرسة إحدى كليات الجامعة.
† وقد كان هيلاسلاسي رجل صلاة وعبادة، وكانت له كنيسة خاصة
وكان إذا سافر خارج إثيوبيا يصلي في الكنيسة قبل ذهابه إلى المطار، وفي رجوعه يصلي في الكنيسة قبل دخوله إلى قصره. وقد اهتم بتعمير كثير من الأديرة والكنائس في إثيوبيا.
† وكان رجلًا متدينا. وبتدينه كان للدولة في أيامه طابع ديني يحميه الإمبراطور هيلاسلاسي ويقويه ويثبته.
† وقد خدم هذا الامبراطور بلاده كثيرًا. وفي رأيي: أن تاريخه لا يكتب في هذه الأيام، وإنما فيما بعد.
ولكي نحكم على الرجل حكمًا سليمًا ينبغي أن نعرف الأعمال الكبيرة التي قام بها من أجل بلاده، وحالة أثيوبيا قبله، وحالتها عند نهاية حكمة، إذ قد تسلم البلاد في حالة ضعيفة جدًا.
† لقد أنشأ مئات المدارس الابتدائية والثانوية، إن لم يكن آلاف المدارس. وأنشأ أول جامعة في إثيوبيا، وأهداها أحد قصوره كمقر لها.
وكان قد استقدم المرحوم الأستاذ الدكتور مراد كامل وعينه وكيلا لوزارة المعارف لوضع خطة تعليمية في إثيوبيا. واستعان بخبرات كثيرة من رجال الأقباط. وأرسل بعثات علمية كثيرة للخارج خاصة بالجامعة وبالكنيسة، وكون لبلده علماء مثقفين.
† وهيلاسلاسي أيضًا خدم بلاده كثيرًا من الناحية الاقتصادية:
وأقام مشروعات اقتصادية كثيرة. وقد رأيت بنفسي بعض المصانع التي أنشأها في إثيوبيا. ورأيت اهتمامه بفاقدي البصر، والمصانع التي يشتغل فيها المكفوفون في إثيوبيا بجدارة ومهارة عجيبة.
† وقد جعل لبلاده مكانة كبيرة في المحيط الدولي، فصارت عاصمتها أديس أبابا مركزًا لمنظمة الوحدة الأفريقية.
وكانت للرجل مكانته عند رؤساء الدول في الخارج، في أوروبا وأمريكا وأفريقيا وغيرها. وكان على صلة وطيدة بمصر.
† ولا ننسى أنه قطع علاقة إثيوبيا بإسرائيل. وكان لموقفه هذا أثره الكبير على كثير من دول أفريقيا فانتهجت نهجه…
† ولا ننسى أنه الرجل القوي الذي حرر بلاده من الاستعمار الإيطالي في أواخر الثلاثينات.
وتغرب في الخارج. وأعاد لإثيوبيا حريتها وسيادتها واستقلاها. كما لا ننسى أنه خلال الاحتلال الإيطالي لإثيوبيا أقاموا لها بطريركًا غير شرعي.
† فلما رجع هيلاسلاسي خلع البطريرك الدخيل، وأعاد لرئاسة كنيسة إثيوبيا مطرانها القبطي المتنيح الأنبا كيرلس. كما أنه منح الكنيسة في إثيوبيا امتيازات كثيرة، ومنحها الأراضي والأملاك. كما لا ننسى في اهتمامه الديني الروعة العجيبة المذهلة التي كان يحتفل بها بعيد الصليب كل سنة في إثيوبيا…
† وكان رجلًا قوي القلب يحتفظ بأسد مطلق السراح في قصره، يداعبه ويغذيه كأنه حيوان أليف. وكان لقبه الرسمي “الأسد الخارج من سبط يهوذا”. وتقول القصص الدينية الإثيوبية إنه ينتمي إلى سليمان الحكيم من نسل منيليك الذي أنجبته ملكة سبأ لسليمان…
† نحن لا نستطيع أن نحصي الأعمال الكبيرة التي قام بها الرجل أما من جهة المجاعات فهي أمر يمكن أن يحدث في أي بلد من البلاد دون أن يدان حاكمها على ذلك…
† إن الكنيسة تظهر وفاءها نحو هذا الملك الأرثوذكسي الوحيد في أفريقيا، والذي قال في يوم افتتاح الكاتدرائية: “طالما يوجد نهر النيل والكنيسة القبطية، ستستمر علاقة إثيوبيا بمصر حسنه وممتازة”.
† وقد كانت علاقته طيبة جدًا مع كافة البطاركة في مصر، ابتداءً من البابا يؤنس 19 الذي مسحه ملكًا… حتى الآن.
نطلب لنفسه نياحًا في فردوس النعيم. ونعزي أسرته الكريمة في إثيوبيا وفي الخارج. ونعزي الشعب الإثيوبي كله. ونعزي الكنيسة الإثيوبية، ونعزيكم جميعًا…



