رسالتك في الحياة

رسالتك في الحياة[1]
جميل بالإنسان أن يجلس إلى نفسه، ويفحص أين هو؟ وإلى أين يسير؟ غير أن البعض في جلستهم مع أنفسهم، يناقشون جزئيات ضئيلة، دون أن يلقوا نظرة شاملة على حياتهم، ليسأل الشخص نفسه عن رسالته في الحياة: ما هي؟ وماذا حققه منها؟
أولًا: هل لك رسالة، تعيش من أجلها.
وبسبب هذه الرسالة أصبحت لحياتك قيمة بالنسبة إليك وإلى الناس، وأصبح لحياتك طعم..
أم أن حياتك تمر بأسلوب روتيني، يوم يسلمك ليوم.. وأنت تعيش كل يوم، كما لو كان وحدة منفصلة، مستقلة بذاتها عن الحياة كلها! والمهم أن يمر بخير وينتهي.
وهل يشعر الناس بحياتك وأثرها فيهم؟
هل رسالتك في الحياة واضحة وملموسة، ويحس الناس بفاعليتها؟ بحيث إذا غبت يومًا، يشعرون بأنك قد تركت فراغًا، لا يمكن أن يملأه سواك..
هل يشعر الناس أن لك حياة لازمة جدًا لحياتهم هم؟
وأنك تؤدي رسالة من نحوهم، وأنك تدخل في حياتهم أرادوا أو لم يريدوا..
لتعمل عملًا نافعًا أو مفرحًا لهم، يفتقدونه إذا لم توجد ويحنون إليه وإليك إذا غبت.. بحيث أصبحت جزءًا منهم، لا يمكن أن يستغنوا عنك.. وهنا نسأل:
هل رسالتك في الحياة قاصرة على نفسك، أم هي نافعة لغيرك.
كثير من الناس ليس لهم هم سوى أن يعيشوا، وأن يتمتعوا، وأن يحققوا أغراضًا في حياتهم، وأهدافًا ثابتة تعطيهم مكانة خاصة، أو توصلهم إلى رغبات معينة في قلوبهم.. فإن وصلوا إلى ذلك، شعروا برضى عن النفس، وبالسعادة والاكتفاء، ولم يعد يعوزهم شيء! وأما الآخرون وباقي الناس، فليسوا موضع اهتمامهم!!
أما أصحاب النفوس الكبيرة فإنهم يشعرون بأن لهم رسالة نحو الغير. وهم لا يعيشون لأنفسهم، بل لغيرهم. وكلما أسعدوا الناس، حققوا رسالتهم..
أي أن رسالتهم هي إسعاد غيرهم. وهم في سبيل ذلك مستعدون أن يبذلوا أنفسهم. لذلك فهم دائمًا يتعبون كل التعب، لكي يستريح كل من يحيط بهم. وهم دائمو التفكير، لا في شئونهم الخاصة، وإنما في خير الناس وتدبير أمورهم وحل مشاكلهم.. وهذه هي رسالتهم في الحياة..
والرسالة نحو الآخرين تختلف في طبيعتها، وفي مداها الزمني.
هناك شخص كل رسالته نحو الآخرين، لا تتعدى حدود أسرته القريبة جدًا، كالزوجة والأولاد، أو الأب والأم والأخوة، وربما تتسع لأعضاء أبعد في نطاق موسع للأسرة..
وشخص آخر رسالته موجهة إلى بلدته أو إلى مجتمعه المحلي، أو الهيئة التي ينتسب إليها كجمعية أو نقابة أو ناد أو مؤسسة ما.
وقد تمتد رسالة إنسان، فتشمل وطنه كله. وقد تمتد أكثر فتشمل البشرية جمعاء، كرسالة العلماء الذين يعملون لخير الإنسانية كلها ولراحتها ونفعها..
أما من جهة النوعية، فإننا نسأل:
ما هو نوع رسالتك: اجتماعية مثلًا، أم ثقافية، أم هي رسالة روحية؟
بعض الآباء والأمهات يظنون أن رسالتهم تجاه أبنائهم، تكمل إذا ما اعتنوا بصحتهم، واهتموا بلوازمهم المادية، وأكملوا لهم تعليمهم وتوظيفهم، واطمأنوا على زواجهم واستقرارهم في بيوت.. وربما تتسع رسالة أب نحو أولاده، فيورثهم شيئًا ينالونه بعد وفاته..
أما حياة هؤلاء الأبناء الروحية ومدى صلتهم بالله، وأما مصيرهم في الأبدية، فأمر قد لا يعطيه الآباء والأمهات ما يستحقه من أهمية وتركيز. والأكثر من هذا قد تكون حياة الوالدين معثرة لأبنائهما وسببًا في بعدهم عن الله!
وكما نقول هذا في الرسالة نحو الأبناء، نقول في الرسالة الاجتماعية أيضًا.
فكثير من المشتغلين بالخدمة الاجتماعية، يشعرون أن كل رسالتهم تتركز في منح المعونة المالية أو المادية للفقراء.. وربما هذه المعونة تقود الفقراء إلى ألوان متعددة من الكذب والاحتيال، واختلاق الأسباب التي يحصلون بها على المال، بخداع المشرفين الاجتماعيين بعلل مزيفة.. وعلى الرغم من تعب المشرفين في رعاية الفقراء ماديًا، قد تهلك أرواحهم وتذهب إلى الجحيم!
لذلك نرى أن أنبل الرسالات هي الرسالة الروحية.
الرسالة التي تهدف إلى خلاص النفس، وإلى سعادتها في الأبدية.. والتي وسيلتها قيادة الناس إلى التوبة، وإلى نقاوة القلب ومحبة الله. وفي كل ذلك تقديم كل ألوان المحبة السامية إلى كل من يحتاجها. وما أجمل ما قيل عن السيد المسيح في ذلك: “الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا” أعمال الرسل 10 : 38 .
كان يهتم بكل أحد، روحًا وجسدًا “كَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب” متى 4 : 23 . كان قلبًا محبًا للجميع. وقد ظهرت محبته واشفاقه على الكل في قوله:
“تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ” متى 11 : 28 .
فإلي جوار العمل الروحي، هناك الاهتمام بمشاكل الناس والعمل على حلها، وإراحة كل أحد بطريقة سليمة، وتقديم عمل المحبة للجميع، في كل النواحي الروحية والمادية أيضًا.. لأنك لا تستطيع أن تعظ جوعانًا وتتركه جوعانًا. بل كما قال الرب:
“يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ” متى 23 : 23 .
وهكذا يتمشى العمل الروحي مع العمل الاجتماعي جنبًا إلى جنب.
سيدنا يسوع المسيح وعظ الجموع حتى مال النهار. ثم قال لا أستطيع أن أصرفهم جياعًا، لئلًا يخوروا في الطريق. وأمر تلاميذه أن يعطوهم ليأكلوا متى 15 : 32 ، لوقا 9 : 13 .
فهل رسالتك في الحياة تشمل الأمرين معًا: العمل الروحي، والعمل الاجتماعي؟ هل تعمل على خلاص النفس، وفي ذات الوقت تحل مشاكل الناس وتريحهم في متاعبهم؟
وهل رسالتك لها ثمر؟
هل كلمة الله على لسانك “حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ” العبرانيين 4 : 12 . وهل الكلمة التي تقولها فيها روح، لأنك تقولها وأنت مملوء بالروح، وقد مزجت كلمتك بالصلاة؟
هل لك في الخدمة ثمر، وقد أوصلت كثيرين إلى معرفة الله؟ وتستطيع أن تقول في الملكوت “هأَنَذَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمُ الرَّبُّ” إشعياء 8 : 18 ، العبرانيين 2 : 13 .
وهل كل من يراك، يحب الله بسببك؟
وتؤثر فيه حياتك، وتجذبه جذبًا نحو الله بما فيها من كمال.
وهل خدمتك تنمو باستمرار؟ وهل طاوعت في ذلك قول الرسول: “لاَحِظْ نَفْسَكَ وَالتَّعْلِيمَ وَدَاوِمْ عَلَى ذلِكَ، لأَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ هذَا، تُخَلِّصُ نَفْسَكَ وَالَّذِينَ يَسْمَعُونَكَ أَيْضًا” تيموثاوس الأولى 4 : 16 .
ما أعمق حياة أولئك القديسين الذين كانت لهم رسالة روحية مثمرة. وما أجمل قول الرسول في ذلك: “مَنْ رَدَّ خَاطِئًا عَنْ ضَلاَلِ طَرِيقِهِ، يُخَلِّصُ نَفْسًا مِنَ الْمَوْتِ، وَيَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا” يعقوب 5 : 20 .
فهل أنت تعمل في هذا النطاق، حسبما أعطاك الله من نعمة، وحسبما استأمنك على وكالة، ولو في نطاق ضيق، حسب وزنتك؟ ولو بمجرد القدوة الصالحة، دون كلام، إن كان الله لم يعطك موهبة الكلام..
كثيرون كانت رسالتهم في الحياة، أنهم كانوا أيقونات جميلة في الكنيسة.
كانوا رسالة حية مقروءة لجميع الناس. قدموا بحياتهم صورة الله لكل من التقى بهم. كانوا مثالًا عمليًا صالحًا، لحياة البر وحياة الإيمان ومحبة الله.. كانوا عظة، ولم يكونوا وعاظًا.. “وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” متى 5 : 19 .
هذه هي الرسالة العظيمة حقًا: أن تكون صورة الله ومثاله، وأن تشهد لله حسبما تقدر..
ولا تدخل ملكوت السموات وحدك، بل يدخل معك أيضًا كل من أحب الله عن طريقك، وهكذا يكون لك ثمر. وتكون بناء حكيمًا في ملكوت الله.
حقًا إن كلمة الله تخيفنا وهو يقول:
“مَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ” متى 12 : 30 .
فهل أنت تجمع مع الرب، متّبعًا قول بولس وأبلوس: “نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ” كورنثوس الأولى 3 : 9 .
إن كثيرًا من الأعمال التي يقوم بها الناس، ستنتهي بعد حين. وهي ملتصقة بهذا العالم، لا تتخطاه إلى السماء. وستبطل في الأبدية.
أما العمل الروحي فهو باقٍ. وهو ممتد من هنا إلى الأبدية.
الذي اختاره، قد اختار النصيب الصالح الذي لن ينزع منه.
فهل أعمالك أنت أرضية أم سمائية. وهل رسالتك في الحياة تقتصر على هذه الأرض وحدها، أم هي تمتد إلى السماء..
وهناك سؤال آخر:
هل رسالتك قاصرة على عمرك هنا على الأرض؟
ما أكثر الذين تنتهي رسالتهم في هذه الحياة، خلال المدى الزمني لعمرهم هنا على الأرض لا تتعداه. فإن ماتوا، ماتت معهم كل أعمالهم. وربما ينساها الناس بعد حين. أو أنهم يذكرونها قليلًا، ثم تنمحي من ذاكرتهم.
أما أصحاب الأرواح الكبيرة، فرسالتهم تمتد بعد هذا العمر الأرضي.
فدفاع القديس أثناسيوس الرسولي عن لاهوت الابن ما زلنا نعيش به وكل العالم المسيحي حتى اليوم. والرهبنة التي أنشأها القديس أنطونيوس الكبير ما زالت قائمة وحية ومنتشرة ونامية في أرجاء المسكونة. والكتب التي وضعها آباء الكنيسة القديسون، ما زالت نبعًا للمعرفة، تستقي منها الأجيال المتتابعة، وستظل تروي أجيالًا بعدنا..
كل هؤلاء الآباء، امتدت أعمالهم بعد جيلهم، وآثارهم باقية وفعالة.. فهل رسالتك في الحياة من هذا النوع؟ هل لها العمق والمدى الزمني الممتد.
إن الإنسان يبقى في رسالته أكثر مما يبقى في أولاده ونسله.
ورسالته تعطي صورة حقيقية عنه، أكثر دقة بما لا يقاس من الصورة التي يقدمها عنه أولاده. ليتك إذًا تجلس إلى نفسك الآن، وتفكر ما هي رسالتك في الحياة.
وإن لم تكن لك رسالة تكون حياة بلا قيمة.
أمامك فرصة أن تجعل حياتك ذات قيمة، بأن تؤدي عملًا له قيمة، وله دوامه، ويصحبك في الأبدية.
وليت العمل البنّاء يكون هو رسالتك في الحياة. والذي نقصده بالبناء، هو البناء الروحي. لأن كثيرين قد بنوا، ولم ينتفعوا بشيء مما بنوه! كالغني الغبي الذي بنى مخازن عظيمة لثروته، وجاءه قول الرب: “هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟!” لوقا 12 : 20 .
إنه بناء باطل، يشبه ما بناه سليمان لأجل ترفه ومتعته الأرضية.
وأخيرًا قال في أسف: “ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ” الجامعة 2 : 11 .
الإنسان الحكيم حقًا، أول ما يعمله بناء نفسه روحيًا من الداخل.
هناك من يحاول أن يبني لنفسه مجدًا زائلًا على الأرض ينتهي بعد حين. أو يبني لنفسه ثروة ربما يورثها لأبناء يبددونها في غير ما يعلم، دون أن يستفيد هو شيئًا لأبديته من كل هذه الثروة والجاه..
أما الحكيم فيبني نفسه، ويبنيها على أساس روحي سليم.
يبني عقله وفهمه ومعرفته، ويبني إرادته وشخصيته. وقبل الكل يبني علاقته مع الله وأبديته.
والبيت المبني على الرمل، الذي قصده السيد المسيح في العظة على الجبل، هو كل بناء مادي، مبني على أساس ضعيف من الرغبات العالمية الزائلة.. وهو أيضًا كل بناء روحي مبني على أساس خاطئ من محبة الذات أو الاعتماد عليها.
أما البناء المبني على الصخر، فهو بناء النفس على الإيمان ومحبة الله.
تستطيع أن تعمل في هذا البناء بالتداريب الروحية القوية التي تنمّي عواطفك الروحية تجاه الله. وكذلك أن تبني ذاتك روحيًا، بنعمة الله العاملة معك، واستدعائها إليك بالصلاة والانسحاق. وبالتعاون والشركة مع الروح القدس بحياة التسليم الكامل، التي تترك فيها حياتك تركًا كاملًا في يدي الله، مُسَلّمًا له الإرادة والمشيئة، كما تسلم قطعة الطين ذاتها في يدي الفخاري العظيم، كيما يشكلها كما يريد، ويجعل منها إناء للكرامة (رو9).
والآن ادخل في التفاصيل، وانظر كيف تبني نفسك؟
وكمثال لذلك: ما هو نوع القراءات التي تبني بها فكرك ومعلوماتك؟
هل تقتصر على بناء ذهنك علميًا، أم تقتصر على المسليات العابرة التي ليس لها عمق يبنيك؟ أم أنت بدلًا من البناء، تهدم نفسك بقراءات معثرة، تثير عواطف خاطئة في قلبك، أو بقراءات مملوءة بالشكوك تضلل فكرك أو تضيّع إيمانك؟
وبالأكثر كيف تبني أطفالك؟
هذه النفوس البريئة المطيعة السهلة الانقياد، كيف تبنيها؟ وما الذي تغرسه فيها من مشاعر ومن أفكار، ومن تأثرات ومن عادات؟
لقد قال السيد المسيح في البناء:
“عَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي” متى 16 : 18 .
وهذه الصخرة هي الإيمان السليم الذي لا يتزعزع. الإيمان غير المخطئ الذي أعلنه الآب السماوي على فم القديس بطرس وقتذاك. السؤال الآن هو:
هل أنت تشترك مع الرب في عملية البناء الروحي؟
هل تعمل مع الروح القدس في بناء الإيمان، في بناء الكنيسة والملكوت، في بناء النفوس روحيًا؟ هل تشترك في بناء أورشليم السمائية التي هي مسكن الله مع الناس؟ الرؤيا 21 : 2-3 .
وكم هي النفوس التي بنيتها؟ وهل بنيتها مع الرب على أساس قوي لا ينهار بعد حين؟
كان بولس الرسول بناءً حكيمًا في ملكوت الله. وقد قال عن نفسه: “حَسَبَ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ قَدْ وَضَعْتُ أَسَاسًا، وَآخَرُ يَبْنِي عَلَيْهِ. وَلكِنْ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ كَيْفَ يَبْنِي عَلَيْهِ” كورنثوس الأولى 3 : 10 .
الذي يبني، يحتاج إلى حكمة، ويحتاج أيضًا إلى حب.
ولا تكفي مجرد المعرفة. فالمعرفة قد تنفخ، بينما المحبة تبني كورنثوس الأولى 8 : 1 . إنه لا يمكنك أن تبني أشخاصًا، ما لم تكن تحبهم.
ما أكثر ضياع عمل أولئك الذين يتحمسون للملكوت، فيشبعون المخطئين توبيخًا.. وقد يحطمون نفوسهم بالانتهار المر. وربما ينفر أولئك إذ يشعرون بقسوة وعنف التوبيخ، فيبتعدون..
بالحب بنى الرب يسوع المرأة السامرية، وزكا العشار.
وكذلك المرأة الخاطئة المضبوطة في ذات الفعل.. وبالحب أيضًا بنى شاول الطرسوسي الذي كان “يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلاً”، وكان أيضًا “يَرْفُسَ مَنَاخِسَ” أعمال الرسل 9 : 1-5 .. وبالحب بنى بطرس الذي أنكره ثلاث مرات، وبنى نيقوديموس الخائف من اليهود الذي جاءه ليلًا (يو3)، وبنى المجدلية التي كان فيها سبعة شياطين لوقا 8 : 2 .
بالحب تشفق على المخطئين، وتعينهم على القيام من سقطتهم.
وفي ذلك قال القديس بولس الرسول: “اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي الْجَسَدِ” العبرانيين 13 : 3 . وقال أيضًا: “أيها الأخوة، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ.. اِحْمِلُوا بَعْضُكُمْ أَثْقَالَ بَعْضٍ” غلاطية 6 : 1-2 ، وقال يعقوب الرسول: “فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ” يعقوب 3 : 13 .
وضرب لنا الرب يسوع مثالًا بنفسه، في رفق البناء الحكيم، إذ كان “قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ” متى 12 : 20 . وقال: “رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ” إشعياء 61 : 1 .
كن رفيقًا بالمخطئين كي يحبوك، فتستطيع أن تبنيهم بالحب..
بهذا الرفق احتمل الرب الخطاة في كل جيل، بطول أناة عجيبة، وبطول الأناة هذه، اقتادهم إلى التوبة. وفي رفقه وحنوّه، لم يقبل أن الكتبة والفريسيين يحمّلون الناس أحمالًا عسرة الحمل.. نقطة أخرى نقولها:
كما تبني بالحكمة والحب، ابنهم أيضًا بالصلاة.
نعم، أنت تعمل في البناء. ولكن هل أنت حقًا الذي تبني؟ أم هو الله الذي يقول عنه المرتل في المزمور: “إِنْ لَمْ يَبْنِ الرَّبُّ الْبَيْتَ، فَبَاطِلاً يَتْعَبُ الْبَنَّاؤُونَ” المزامير 127 : 1 .
فإن كان الرب هو الذي يبني، فاطلبه إذًا بالصلاة، ليتولى العمل بنفسه. ويكون كل عملك هو أن تشترك معه في عملية البناء..
إن لم يدخل الله في عملية البناء، فلن تتم. لأن بناء النفس ليس مجرد مجهود بشري، وليس هو حكمة إنسان. إنما الله بروحه القدوس، هو الذي يبني النفوس كلها، بعمل نعمته. إذًا فالبنّاء الحكيم، هو الإنسان الذي يحمل الله “ثيئوفورس”.
الله يعمل فيه، ويعمل معه وبه.
لذلك كان بناء النفس لا بد أن يسبق بناء الآخرين. وكان العمل مع الله، لا بد أن يسبق العمل مع الناس. أما الذي يعمل بمفرده، دون أن يعمل الله فيه، فلن يبني شيئًا..
بل ربما بالغيرة الخاطئة، وبعدم الحب وعدم الحكمة، يهدم ولا يبني.
وهنا يبدو الفرق بين الشخص الروحي، وغير الروحي، حينما يدخل كلاهما في عمل البناء.
الإنسان الروحي كل كلمة يقولها، هي كلمة بناءة. وكل تصرف يتصرفه، هو تصرف بناء. وكل إنسان يقابله، يشعر هذا الإنسان أن أساسًا روحيًا قد وضع في قلبه، وأن لبنة روحية قد بنيت في حياته.
وكل مخطئ يقابل الخادم الروحي، يتأكد من محبته، أنه يبنيه، وأنه حريص عليه أكثر من حرصه على نفسه.. وكل ما يعمله معه، إنما هو عمل للخير.. لذلك أقول – كما لأحبائي – ابنوا..
وإن لم تكن لكم خبرة في البناء.
فعلى الأقل شجعوا البناءين، وعضدوهم.
وعلى الأقل: لا تهدموا..
استمعوا إلى صوت القديس نحميا وهو يقول: “هَلُمَّ فَنَبْنِيَ سُورَ أُورُشَلِيمَ وَلاَ نَكُونُ بَعْدُ عَارًا” نحميا 2 : 17 ..
وليكن البناء في كل مجال.. في محيط الأسرة، وفي محيط الأصدقاء والمعارف، وفي مجال العمل، وفي الكنيسة، وفي المجتمع عامة، وعلى المستوى المسكوني، كما في العمل الفردي أيضًا.
وثقوا أن الله لا ينسى تعب المحبة.
وما أجمل قول معلمنا بولس الرسول: “إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ” كورنثوس الأولى 15 : 58 .
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “رسالتك في الحياة”، نُشر في مجلة الكرازة 6 سبتمبر 1991م.



