طاقات الإنسان

طاقات الإنسان[1]
لقد زود الله الإنسان بطاقات كثيرة، كل منها لها اختصاصاتها، ولها إمكانياتها ومقدراتها، نذكر منها:
العقل، والروح، والنفس، والضمير، والإرادة، والحواس…
يضاف إلى كل هذا، ما يمنحه الله لكل إنسان على حدة من مواهب.
ويختلف كل إنسان عن غيره في درجة هذه الطاقات كلها.
صدقوني إننا لم نعرف بعد، مقدار عظمة كل هذه الطاقات البشرية العجيبة…
*من كان يتصور أن العقل مثلًا، يمكن أن تصل طاقاته إلى اختراع سفن الفضاء تصل إلى القمر مباشرة ويتمشى الإنسان عليه… أو أن يخترع أقمارًا صناعية تجول حول العالم، وتجمع أخبارًا وترسل صورًا عن كواكب في السماء… ومن كان يتصور أن العقل البشري يستطيع أن يتوصل إلى اختراع عقل آلي، واختراع الكومبيوتر، ويستعين بالآلة على سرعة التفكير، وجمع المعلومات، واستنتاج الحقائق.
وليست طاقات العقل هذه ضد الدين في شيء. فالله هو الذي خلق العقل ومنحه طاقاته.
فكل ما يصل العقل إليه، يرجع الفضل فيه أولًا وأخيرًا إلى الله تبارك اسمه، الذي وضع فيه كل هذه القدرات حين خلقه… ويمكننا أن نقول إننا لم نصل بعد إلى اكتشاف كل طاقات العقل، الذي يمكنه أن يخترع أمورًا أخرى لا تخطر حاليًا على فكر إنسان…!
*والروح في الإنسان لها أيضًا طاقات عجيبة مذهلة.
الناس لم يعرفوا كل طاقات الروح، لأنهم لم يكتشفوا تلك الطاقات ولم يستخدموها، ذلك لأنهم لم يدخلوا في التداريب التي تنشط الروح، وتمنحها الانطلاق الطبيعي لها… ونحن حينما نقرأ عن تداريب الروح التي تجريها جماعات من الهندوس ومن اليوجا، وما وصلوا إليه من نتائج، نرى عجبًا… إنها ليست معجزات أو قدرات خارقة، ولكنها الطاقة الطبيعية للروح، التي لا نستخدمها نحن، لأننا نهمل ذلك أو لا ندركه…
*كذلك طاقات الحواس لم نستخدمها كلها…
وذلك لعدم شعورنا بالاحتياج إليها. فعدم استخدامها جعلها طاقات كامنة مختفية تظهر حينما نفقد حاسة معينة، فنستعيض عنها بتنشيط حواس أخرى بديلة…
فإنسان مثلًا يفقد بصره: ويحاول أن يستعيض عنه بالسمع وباللمس، فتقوى عنده حاسة السمع وحاسة اللمس، وربما حاسة الشمَ أيضًا. لأنه أخذ يدرب هذه الحواس تدريبًا دقيقًا، لتكون له أبوابًا للمعرفة عوضًا عن النظر. وهنا تظهر الطاقات الجبارة الموجودة في هذه الحواس، والتي كانت كامنة غير ظاهرة في حالة عدم استخدامها…
إن الإنسان الكامل، في كمال عقله، وكمال روحه، وكمال حواسه كلها، لم يوجد بعد نستثني من هذا ناسوت السيد المسيح طبعًا.
إن طبيعة الإنسان في كمالها من كل ناحية، تحتاج إلى حرص واهتمام، بحيث لا يفقد الإنسان قوة طاقاته، كما تحتاج إلى تداريب للحفاظ على هذه الطاقات، ولكي تنمو أيضًا…
نعم، يلزم كل إنسان أن ينمي قدراته وطاقته.
وأن ينمي أيضًا المواهب التي يمنحها الله له.
*الله منحك عقلًا، ووهبك ذكاء خاصًا في عقلك، أو وهبك لهذا العقل ذاكرة قوية… فيلزمك ليس فقط أن تحافظ على كل ذلك، بل أيضًا تنمي عقلك وذكاءك وذاكرتك… تنمي قدرتك على التفكير السليم، وعلى الاستنتاج، وعلى حل المشاكل…
فالمسائل الرياضية والتمارين الهندسية، التي كنا ندرسها في المدارس، لم تكن لمجرد العلم أو بهدف التخصيص، إنما كانت لها فائدة أخرى في تدريب العقل على التفكير…
خذ مثلًا اثنين يلعبان شطرنج. وكل منهما صامت يفكر:
ما هي الخطوة التي سيلعبها زميله، وكيف يرد عليها؟ وماذا سيكون ردّ زميله على رده؟ وكيف سيتصرف وقتذاك؟ وكيف يمكنه أن يعرقل خططه؟ وكيف يضع هو خططًا غير مكشوفة، تصل به إلى النتيجة المطلوبة، ولو بعد مراحل…؟ إنه تدريب على الذكاء، وليس مجرد تسلية لقضاء الوقت.
الألغاز أيضًا وحلها، والمسابقات، كلها تداريب للتفكير…
ما أكثر تداريب الذكاء وتنمية التفكير.
يمكنك أن تستخدمها لنفسك، ولأولادك أيضًا ولتلاميذك، حتى ينشأوا بعقل قوي متدرب على الفكر. وحتى إذا صادفتهم مشكلة، يكون عقلهم مستعدًا لمواجهتها بغير اضطراب.
وفي الحياة العملية توجد تداريب على الحكمة في التصرف، أو تنمية للفكر عن طريق المشورة والانتفاع بخبرات الآخرين.
*ضميرك أيضًا يحتاج إلى تنميته.
إن بولس الرسول حينما يقول: “إِنِّي بِكُلِّ ضَمِيرٍ صَالِحٍ قَدْ عِشْتُ للهِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ” أعمال الرسل 23 : 1 ، إنما يذكرنا أن هناك ضميرًا صالحًا، وضمائر أخرى غير صالحة. فهناك ضميرًا واسع يبلع الجمل، وضمير ضيق يصفي عن البعوضة. وكان الكتبة والفربسيون واقعين في كليهما متى 23 : 24 . يوجد ضمير مريض لا يميز تمامًا بين ما هو خير وما هو شر. ويوجد ضمير ضعيف تؤثر عليه العوامل الخارجية…
وينمو الضمير عن طريق سماع الوعظ والكلام الروحي، وعن طريق المعرفة السليمة والتأثر بالقدرة الصالحة.
وأنت محتاج إلى أن تغذي ضميرك بكل ذلك، وتتعود محاسبة نفسك ولومها على كل أخطائها مهما صغرت. وفي نفس الوقت تتعود الجدية والتدقيق. فبهذه الوسائط كلها، ينمو ضميرك في المعرفة وفي الحكم في قيادة النفس. بشرط أن تبعد عن الوسوسة التي تتخيل الشر حيث لا يوجد، أو تحكم على الأخطاء بأزيد من طبيعتها…
*وهنا أقول إن معارفك أيضًا تحتاج إلى تنمية.
هناك نمو طبيعي في المعرفة خلال مراحل العمر. وهناك أيضًا تنمية للمعرفة، تغذي هذا النمو الطبيعي بمادة سليمة. والذي يهتم بنموه في المعرفة، يتحول إلى إنسان مثقف، ويبعد عن الجهل المحارب للنفس. ويستطيع أن يكون عضوًا نافعًا في المجتمع، إلى جوار نفعه الشخصي…
والمعرفة تغذي عقله، وتغذي ضميره. وتدفعه إلى السلوك السليم.
فيعرف ليس فقط التمييز بين الخير والشر، وانما أيضًا بين اللائق وغير اللائق، المناسب وغير المناسب. وتساعده المعرفة على الحكمة وحسن التصرف، وعلى النجاح في التعامل مع الناس. وإذا نما في ذلك قد يصل إلى القدرة على الارشاد.
*يحتاج الإنسان أيضًا إلى تنمية وتقوية إرادته.
فكثيرون يعرفون الخير، ولكن إرادتهم لا تقوى على عمله. ويعرفون الشر ومضاره، ومع ذلك فإرادتهم أضعف من أن تبعد عنه، وتعجز إرادتهم عن مقاومة الخطيئة، مع معرفتهم بكل نتائجها. وذلك لأن الرغبة أو الشهوة تسيطر على الإرادة وتقودها في طريقها.
الإرادة سلاح ذو حدين، يستخدم للخير وللشر.
وكل إنسان يحتاج إلى تقديس الإرادة وإلى تقوية الإرادة. وبهذا تكون طاقة نافعة له في حياته. وهناك تداريب كثيرة لتقوية الإرادة، منها تداريب ضبط النفس. ومنها الصوم أيضًا. ومنها ضبط اللسان، وضبط الحواس، وضبط الفكر، والسيطرة على الأعصاب، وتداريب التخلص من العادات الخاطئة…
وبتنمية الإرادة نميز بين الحرية والتسيب…
فكلنا نحب الحرية. ولكن ندرب أنفسنا على أن نسلك في الحرية بإرادة صالحة، وبضمير سليم، وفي حياة روحية وصلة بالله… وإلا تحولت الحرية إلى لون من التسيب، وفقد الإنسان سيطرته على إرادته، وعلى توجيه حياته توجيهًا سليمًا…
حياتك بكل طاقاتها، وزنة سلمك الله إياها، لتعتني بها.
لذلك يلزمك أن تنمي شخصيتك بصفة عامة، لتتحول إلى شخصية قوية، سوّية، سواء في العقل، أو الضمير، أو الإرادة، أو المعرفة، أو الحكمة والسلوك، أو الحكم على الأمور، أو النفسية السوّية.
من جهة كل هذا، تحتاج إلى اهتمام خاص، وإلى الاستفادة من الوقت وحسن استخدامه:
كثيرون يضيعون أوقاتهم في التافهات، أو في مجرد الترفيه والتسلية، أو يبحثون عن وسائل لقتل الوقت… دون مراعاة لاستخدام الوقت في تكوين شخصياتهم تكوينًا سليمًا… وهؤلاء يلزمهم أن يهتموا ببناء أنفسهم، بأن يولوا اهتمامًا خاصًا لتنمية معارفهم وثقافتهم، وتقوية إرادتهم. والوصول بعقولهم وأرواحهم إلى أسمى وضع ممكن. واستخدام كل طاقاتهم لخيرهم وخير الناس، مع تنمية وتنقية وتقوية هذه الطاقات…
لا تترك شخصيتك هكذا دون ضابط ودون اهتمام، ودون نمو…
ولا تجعل كل اهتمامك بنفسك يتركز على الخارج، وليس على الداخل… كفتاة مثلًا، كل اهتمامها بنفسها، وكل تنميتها لشخصيتها هو المرآة الخارجية، دون أن تكون مرآة داخلية لترى بها حالة الروح والعقل والنفس والضمير…
أو إنسان كل مقاييسه لشخصيته هي المركز واللقب والمال، دون النفس من الداخل…
*الجسد أيضًا طاقة وهبها الله للإنسان.
فهو الجهاز التنفيذي، لكل القرارات التي تصدر عن الروح، وعن العقل، وعن الإرادة وعن الضمير… والجسد القوي يستطيع أن ينفذ، بينما الجسد الضعيف يعجز عن ذلك…
وما أسهل أن تؤثر أمراض الجسد على النفس.
فتجلب لها ألوانًا من الألم أو الحزن، أو الضيق أو التذمر. وكثير من الناس قد يصلون إلى درجات من الانهيار النفسي بسبب حالة أجسادهم، أو يصلون إلى مرض الكآبة، أو إلى الحيرة والقلق.. أو تنشغل عقولهم بكيفية التصرف مع حالة الجسد.
وبعض أمراض الجسد تؤثر على كثير من طاقاته. ارتجاج مثلًا أو نزيف في المخ قد يؤثر على بعض مراكز المخ كالذاكرة أو الحركة، أو الصوت… وتصلب الشرايين قد يؤدي إلى فقدان الذاكرة. وأعصاب الجسد إذا التهبت، تؤثر على نفسية الإنسان وسلوكه. وأمراض القلب تؤثر على طاقاته…
كذلك شهوات الجسد تؤثر على العقل وعلى الضمير.
وتحاول أن تستخدم العقل لتحقيق رغباتها، كما تسكت الضمير، أو تحاول أن توجد لهذه الشهوات أعذارًا وتبريرات!!
وشهوة الجسد قد تستأثر الفكر تمامًا، فلا يدور إلا في فلكها، كما تضعف الروح وتبطل صلتها بالله.
لكل هذا يلزمنا الاهتمام بأجسادنا. لا نضعفها بحيث تتعطل طاقاتنا. ولا نثير غرائزنا بحيث تضعف أرواحنا.
النقطة الهامة التي نريد أن نذكرها بعد كل ما قلناه هي:
حفظ التوازن بين طاقات الإنسان، والتعاون والتكامل.
فلا يوجد تناقض أو تصارع بين طاقاته، ونتفادى أن يوجد انقسام في شخصيته أو صراع داخلي. كما قال أحد الأدباء عن صراع بين مشاعره وضميره:
“كنت أصارع نفسي وأجاهد، حتى كأنني اثنان في واحد. هذا يدفعني، وذلك يمنعني”.
ما أسهل أن تتصارع الطاقات: “الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ” غلاطية 5 : 17 . أو النفس ضد الضمير. أو العقل ضد الإرادة.
ويجد الإنسان نفسه أنه ليس شخصًا واحدًا بل كأنه اثنان يتصارعان! صراعاَ بين طرق متشعبة تتجاذبه، أو بين محبته للخير وشهوته للخطيئة، أو بين أفكار لا يعرف أين الخير فيها. وما أشهر ما قاله الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته:
“لست أدرى:
إنني ألمح في نفسي صراعًا وعراكًا وأرى نفسي شيطانًا، وأحيانًا ملاكًا
هل أنا شخصان يأبى هذا مع ذاك اشتراكًا أم تراني واهمًا فيما أراه:
لست أدري.
الإنسان السليم السوي لا يوجد فيه هذا الصراع.
من الجائز أن يوجد صراع بينه وبين عوامل أو حروب خارجية. ولكنه في داخل نفسه مستقر تمامًا، غير منقسم على ذاته، في فكره ولا في مشاعره ولا في إرادته. هو إنسان واحد، يحارب بكل طاقاته حربًا خارجة عنه.
أما الحرب الداخلية فتحدث لأسباب منها: أن طاقة من طاقات الإنسان تحب أن تسيطر على طاقاته الأخرى أو بعضها.
إنسان مثلًا يحكم عقله، فتسير أموره سيرًا حسنًا. ثم تأتي نفسه فتشتهي شهوة، أو تنفعل انفعالًا، فتخرج العقل من سيره الطبيعي ليخضع لها. وكثيرًا ما قلت:
ما أسهل أن يكون العقل خادمًا مطيعًا لرغبات النفس!
رغبة للنفس خاطئة، وهي مصرة عليها ومنقادة لها، وتخضع العقل لها، ليقدم لها براهين وأدلة، وربما يستخدم آيات من الكتاب المقدس بتأويل خاص يناسبه، أو قصصًا من قصص الآباء… ولو رغبت النفس في العكس يسايرها العقل بأدلة وبراهين.
أم يخطئ ابنها، فيتقدم عقلها للدفاع عنه، ملبيًا مشاعر قلبها. ونفس الخطأ يقع فيه ابن الجيران، فينتقده عقلها بشدة، لأن النفس لم تدفعه إلى الدفاع.
وهكذا نرى العقل يزن أحيانًا بميزانين.
وهنا التناقض، لأنه كان حرًا في إحدى الحالتين، وتابعًا للنفس في الحالة الأخرى. أما الإنسان العادل، صاحب العقل الحر، فيقول عن الحق إنه حق، ولو كان صادرًا من عدوه. ويقول عن الباطل إنه باطل، ولو كان صادرًا من أبيه أو من أخيه.
العقل يقع تحت تأثيرات أخرى كثيرة.
نرجو أن نتحدث عنها في العدد المقبل أن شاء الله.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “طاقات الإنسان”، نُشر في مجلة الكرازة 19 أبريل 1991م.




