بُشرى مفرحة

أود في بداية هذا العام الميلادي الجديد، أن أكلمكم بكلمة رجاء وأمل، برسالة فرح.
إذ أن ميلاد المسيح كان بُشرى خلاص للجميع. وفيه وُلد الفرح ووُلد السلام. وقال الملاك للرعاة: “ها أنا أُبشركم بفرح عظيم، يكون لجميع الشعب أنه ولد لكم اليوم مخلص هو المسيح الرب” ( لوقا 2 : 10–11 . إنها بُشرى مُفرحة.
إن رسالة المسيحية كلها، تتركز في عبارة الملاك للرعاة: “ها أنا أبشركم بفرح عظيم، يكون لجميع الشعب…”
فالمسيحية هي بشارة مُفرحة. وقد كانت البشارة المُفرحة هي عمل السيد المسيح، ويوحنا المعمدان، وكل الرسل والأنبياء.
قال السيد في رسالته المُفرحة: “روح الرب عليَّ، لأنه مسحني، لأبشر المساكين. أرسلني لأعصب منكسري القلوب، لأنادي للمسبيبين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق… وأكرز بسُنة الله المقبولة… لأُعزي كل النائحين… أُعطيهم جمالًا عوضًا عن الرماد، ودهن فرح عوضًا عن النوح” ( إشعياء 61 : 1–3 )( لوقا 4 : 18–19 )
وعملنا كرجال للدين، أن نبشر بهذا الفرح، نبشر المسببين بالعتق، والمأسورين بالإطلاق… نعزي النائحين، ونُفرح منكسري القلوب.
ورسالتكم أيضًا أيها المؤمنون هي أن تُبشروا الناس بالفرح والخلاص.
المسيحية ديانة تحمل للناس بشارة الفرح. تعلن لهم الفداء الذي تم على الصليب. تخبرهم أن المسيح حمل عنهم خطاياهم. وأنه كسر أبواب الجحيم، وفتح أبواب الفردوس
إنها رسالة تقول لرئيس العشارين: “اليوم حدث خلاص لأهل هذا البيت”. وتقول للص على الصليب: “اليوم تكون معي في الفردوس” وتقول للأمم الغرباء: أنتم أبناء لإبراهيم.
بولس الرسول يعلن أن المسيحية ديانة مفرحة فيقول:
“افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا”. ووسط كل ضيفاته وأتعابه يقول “كحزانى، ونحن دائما فرحون”…
والسيد المسيح يقول “أراكم فتفرح قلوبكم، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم “. إن الفرح هو ثمرة من ثمار الروح القدس في قلب المؤمن. إذ يقول الرسول إن ثمر الروح “محبة، فرح، سلام”( غلاطية 5 : 22 )
الذي يخلو قلبه من الفرح والسلام، إنما يخلو من عمل الروح
في مجيء المسيح، عم الفرح كل الأرض، لأنه صالح الأرضيين مع السمائيين، وجعل الاثنين واحدا، وغسل الناس من خطاياهم، فابيضت قلوبهم أكثر من الثلج.
فرح الناس ظهر في ترنيمة الملائكة “وفي الناس المسرة”.
“في الناس المسرة”: لأن المسيح نادى للمسبيبين بالإطلاق. حررنا من أسر الشيطان. وقال “أبصرت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء” ولم يعد الشيطان رئيسًا لهذا العالم “، بل صارت الأرض كلها للرب ومسيحه، وانتشر ملكوت الله.
الرب قد ملك، فلتتهلل الأرض، ولتفرح الجزائر الكثيرة (مز 97)
في بدء العام الجديد، نريد أن تكون لنا هذه النظرة المستبشرة، التي ترى فرحًا في كل شيء. إذ يقول النبي:
“ما أجمل قدمَي المبشر بالسلام، المبشر بالخيرات” ( إشعياء 52 : 7 )
أما الذين ينذرون دائمًا بالشر، ويسودون كل أبيض، فإنهم كالبوم التي تنعق مُنذرة بالخراب، وليس لهم صوت الله…
أما أولاد الله فكلامهم مملوء بالعزاء، يفتحون أمام الناس أبواب الرجاء، ويحولون حزن الناس إلى فرح، فيحبهم الناس…
يعلنون للناس أن كل مشكلة لها حل. وكل باب مغلق له مفتاح. وكل خطية لها توبة، ولها مغفرة…
لذلك اغرسوا الرجاء في قلوب الجميع. وعلموهم أن لا يأس حيثما توجد محبة الله ورحمته. فالله “يريد أن الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون”. وهو يرسل نعمته لتعمل في كل أحد، ويرسل روحه القدوس فيسكن في قلوب الناس ويرشدهم.
إنما اليأس حرب من حروب الشيطان، يُسقط بها الناس، ويقودهم الى دوامة من القلق والاضطراب، ومن الخوف والانزعاج.
لذلك قَوموا الأيادي المُسترخية والرُكب المخَلعة ( العبرانيين 12 : 12 ) سيروا في طريق الرب الذي قال “تعالوا إلىّ يا جميع المُتعبين والثَقيلي الأحمال وأنا أُريحكم”. ليتكم تُريحون الكل.
أنا أَعجب من الذين تملكهم الكآبة، حتى في الجو الديني.
لا يرون الدين إلا حزنًا وبكاءًا وكآبة. والكتاب المقدس من أول سفر التكوين، إلى آخر سفر الرؤيا، لا يحفظون منه سوى آية “بكآبة الوجه يصلح القلب” وأيضًا “طوبى للباكين الآن”. وينسون تكملتها” لأنهم يتعزون”، وينسون قوله “يتحول حزنكم إلى فرح”.
قولوا للناس أن الرب يهتم بهم، وأنهم حتى شعور رؤوسهم جميعها محصاة، وأن هناك قوة عظيمة تسندنا، وتمسح كل دمعة من عيوننا. وهوذا أمامنا “فرح لا ينطق به ومجيد” ( بطرس الأولى 1 : 8 )
حتى العاقر التي لم تَلد، أدركتها من الرب بشارة الفرح:
فقال لها الرب “تَرَنمي أيتها العاقر التي لم تَلد… أوسعي مكان خيمتك… وأطيلي أطنابك… لأنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار ويرث نسلك أممًا، ويعمر مدنًا خربة ( إشعياء 54 : 1–3 ).
بشارة الفرح أدركت سارة العاقر، وزوجها قد شاخ. ولم يعطها الرب مجرد ولد، وإنما نسلًا كنجوم السماء ورمل البحر…
إذن لا يأس أمام محبة الله. ولكن قد يقول بعضهم: لست أيأس من محبة الله، وإنما من نفسي الخاطئة، التي صارت كغصن غير مُثمر، معرض أن يُقطع ويُلقى في النار… فنقول لهذا، إن الله مستعد أن ينقب حول هذه النفس ويضع زبلًا، ويتركها هذه السنة أيضًا. ربما تكون سنة الله المقبولة…
لقد جاء المسيح ليبشر شاول مضطهد الكنيسة، بأنه سيصير بولس الكارز العظيم، وجاء يبشر أوغسطينوس الفاسد، بأنه سيصير رجل التأملات العميق، وأحد أعمدة الكنيسة…
جاء يبشر موسى الأسود القاتل، بأنه سيصير أحد أباء الرهبنة الكبار وجاء يبشر مريم القبطية الزانية بأنها ستصير سائحة عظيمة استحقت أن تبارك الأنبا زوسيما…
جاء ينادي للمسببين بالعتق، وللمأسورين بالاطلاق.
لا توجد خطية أقوى من نعمة الله. أن النعمة قادرة أن تعمل كل شيء، في كل أحد مهما كان مظلمًا…
إن الأرض التي كانت خربة، وخالية، ومغمورة بالمياه، وعلى وجه الغمر ظلمة، استطاع روح الله أن يرف على وجه المياه، أن يملأها نورًا وأن يجملها بالأشجار والأزهار..
إن السوداويين أحيانًا يلقون على الله فهمهم الأسود، فيبدو في صورة مخيفة. ليست هي صورة إلهنا الحنون الطيب
اما الله الحنون فقد قال عنه داود في المزمور (103):
” الرب رحيم ورؤوف، طويل الروح، كثير الرحمة. لا يحاكم إلى الأبد، ولا يحقد إلى الدهر. لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا… كبعد المشرق عن المغرب، أبعد عنا معاصينا. كما يتراءف الأب على البنين، يتراءف الرب على خائفيه…
إلهنا الطيب صار ابنًا للإنسان، ليجعل الإنسان ابنًا لله. لقد سُمي بالمخلص، لأنه يخلص شعبه من خطاياهم، وكلنا كغنم ضللنا، مِلنا كل واحد عن طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا”
تأكد أن الله سيفتقدك ــــ ولو في آخر الزمان ــــ ليفتح لك باب الخلاص. ضع في نفسك رجاءًا أنك ستتخلص من جميع خطاياك.
إن كانت الخطية أقوى منك، فرحمة الرب أقوى من الخطية. إن كانت الخطية تكثر، فإن النعمة ستزداد جدا …
إن خُفت من الذين قاموا عليك، فا أعلم أن الذين معك أكثر من الذين عليك. بقي أن تصلي “افتح يا رب عيني الغلام ليرى…” إن نعمة الرب محيطة بك، وينقصك أن تراها…
إن عبارة “افرحوا كل حين” ليست مجرد نصيحة، إنما هي أمر، إن عِشت فيها، تعطي صورة مشرقة عن المسيحية…
افرح بالرب الذي يقودك في موكب نصرته… الله الذي أتى لخلاصك، ومضى ليعد لك مكانًا، الذي حيثما يكون هو، ستكون أنت أيضًا، الذي نقشك على كفه، وجعل مسكنه في قلبك. إن كل وصية في الإنجيل تملأ قلوبنا فرحًا ونعيمًا
لأن (الإنجيل) ذاته معناه (بشارة مفرحة) …
فلنفرح بالرب إذن، الذي منحنا بهجة خلاصه…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الأول) 7-1-1977م




