الصوم

يتناول قداسة البابا شنوده الثالث مفهوم الصوم في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، موضحًا أن الصوم ليس مجرد الامتناع عن نوع معين من الطعام، بل هو امتناع عن الطعام لفترة زمنية محددة يعقبها تناول طعام نباتي. لذلك فإن فترة الانقطاع تُعد عنصرًا أساسيًا في الصوم وليست مجرد تناول أطعمة نباتية.
ويشرح قداسة البابا شنوده الثالث أن مدة الانقطاع تختلف من شخص إلى آخر بحسب العمر والصحة وطبيعة العمل والدرجة الروحية، وذلك تحت إرشاد الأب الروحي. فالصوم ليس قانونًا جامدًا بل تدريب روحي يتناسب مع قدرة كل إنسان.
كما يؤكد أن الامتناع أثناء الصوم يمنح الإنسان قوة إرادة وقدرة على رفض رغبات النفس، فيتعلم أن يقول “لا” للشهوة والمطالب الجسدية. ويرى أن احتمال الجوع له قيمة روحية، لأنه يقوي الإرادة ويجعل الإنسان أكثر إحساسًا بالجائعين والمتألمين.
ويشير إلى أن الصوم الحقيقي لا يقتصر على صوم الجسد، بل يشمل صوم النفس والفكر والقلب والروح، من خلال الابتعاد عن كل مطالب الجسد والشهوات والمشهيات والترف، والارتفاع فوق الأمور المادية.
ويحذر من تحويل الصوم إلى مجرد الاهتمام بالأطعمة الصيامية الشهية، لأن ذلك يفقد الصوم عمقه الروحي، فجوهر الصوم هو البساطة والابتعاد عن الملذات والمشتهيات مهما كان نوعها.
كما يوضح أن الصوم يجب أن يرتبط بالابتعاد عن الخطية، فصوم الفم عن الطعام ينبغي أن يصاحبه صوم اللسان عن الكلام الباطل، وصوم الفكر عن الأفكار الشريرة، وصوم القلب عن الشهوات الرديئة.
ويؤكد أن الله لا يقبل كل صوم، مستشهدًا بصوم الفريسي الذي اختلط بالكبرياء والافتخار، لذلك يجب أن يكون الصوم مصحوبًا بالتواضع والخفاء وعدم طلب مديح الناس.
وفي الجانب الإيجابي، يبين أن الصوم فرصة لتغذية الروح بالصلاة والتأمل والعبادة والتسبيح والقراءات الروحية والتوبة، لأن حرمان الجسد من الغذاء يجب أن يقابله إشباع الروح بغذائها الروحي.
ويختم بالتأكيد أن الصوم المقبول أمام الله هو الصوم المرتبط بالتوبة والانسحاق والتذلل والصلاة، كما حدث مع أهل نينوى، وليس مجرد تغيير نوع الطعام، بل هو حياة روحية متكاملة تقود الإنسان إلى الله.



