المرأة العاملة

المرأة العاملة[1]
سؤال
هل تؤيد قداستكم عمل المرأة، على الرغم من أن الكتاب عاقب آدم بالعمل، والمرأة بالتعب في الحمل والولادة. فهل بذلك تحمل المرأة عقابها وعقاب آدم؟
الجواب
1- أحب أن أقول أولًا أن مجرد العمل ليس عقابًا.
فقبل الخطية، يقول الكتاب: “وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا” تكوين 2 : 15 ، والعمل مفيد من نواح متعددة. أما عقوبة آدم فكانت المشقة في العمل “بعرق جبينك” وأيضًا عدم الحصول على نتيجة طيبة من عمله، وذلك بقول الرب له: “مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ” تكوين 3 : 17-19 .
2- أيصًا مشاركة المرأة للرجل في العمل وصية إلهية.
فإن كان الله قد أمر آدم بالعمل، فقد قال عن خلق حواء: “لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ” تكوين 2 : 18 . لا مانع من أن تكون المرأة معينًا للرجل في العمل، ومعينة له بالعمل.
نقول هذا بوجه خاص في الظروف الإقتصادية الصعبة التي يحتاج فيها الرجل إلى معونة من المرأة في مساعدته على القيام بالأعباء المالية التي تلزم لسدّ احتياجات الأسرة. وقد أصبح عمل المرأة من الأمور الضرورية..
3- نلاحظ أن الله لم يأمر بأن المرأة لا تعمل، بل ذكر العكس.
فقد ورد في سفر الأمثال عن المرأة الفاضلة التي “ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ” الأمثال 31 : 10 أنها تعمل في مجالات عديدة. وأنها “لاَ تَأْكُلُ خُبْزَ الْكَسَلِ” بل “أَعْطُوهَا مِنْ ثَمَرِ يَدَيْهَا، وَلْتَمْدَحْهَا أَعْمَالُهَا فِي الأَبْوَابِ” الأمثال 31 : 27-31 .
4- والمرأة بعملها تشارك في نهضة المجتمع كله، وتساهم في مسئولياته.
وماذا نقول إذًا عن الطبيبات اللائي يساهمن في المسئولية الصحية للمجتمع، والمدرسات اللائي يحملن عبئًا في المجال التعليمي.. بل حتى الفلاحات اللائي يعملن إلى جوار الرجل في الحقل. وماذا عن النساء اللائي يقمن بالعمل في مجال الثقافة والصحافة والإعلام. واللائي يقمن بمساهمة جادة ونافعة في خدمة الكنيسة.. هل نقول لكل هؤلاء: لا تعملن!!
5- وإذًا كانت المرأة لا تعمل، فهل يحمل هذا ضمنًا عدم تعليمها؟! وبخاصة في المستوى الجامعي الذي يعدّهن للعمل.
وأيضًا نمنعها من التعليم الفني، ومن التدريب المهني؟! وكل ذلك يعد المرأة للعمل. وبذلك يهبط مستوى المرأة علمًا وعملًا!! وتجلس المرأة في البيت لا عمل لها سوى الثرثرة مع جاراتها، والحديث في سير الناس!!
6- وإن كانت المرأة لا تعمل، وبالتالي لا تدرس..
حينئذ تتسع الهوة بينها وبين زوجها في الفكر وفي الخبرة!
ولا يجد الرجل متعة في الحديث مع زوجته، وتصبح مجرد خادمة تعد له الطعام، وتهتم بالبيت ونظافته، دون أن تكون شريكة له في التفكير وفي التدبير، بعقلية لها احترامها وتقديرها.. الأمر الذي يقلل من الخلافات الزوجية، إذ يكون هناك تقارب في المستوى الفكري.
7- وبوجود المرأة العاملة، يرتفع المستوى الخلقي.
بدون عمل المراة، قد تصبح نظرة الرجل إلى المرأة قاصرة على الجنس. أما وهي تعمل إلى جوار الرجل، ويرى لها قدرات وخبرات في العمل، ورأيًا ثاقبًا في تدبير الأمور.. حينئذ ينظر إليها كإنسان: لها مواهب الرجل وأحيانًا تتفوق عليه. فيتغير التركيز على الجنس، ويتحول إلى تركيز على العمل وعلى الانجاز والنجاح. وبهذا يتحسن المستوى الخلقي بتغير النظرة إلى المرأة.
8– اضرب لك مثالًا من الكتاب هي دبورة القاضية القضاة 4 : 4 .
كانت تعمل في القضاء. “وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَصْعَدُونَ إِلَيْهَا لِلْقَضَاءِ” القضاة 4 : 5 . وكان لها احترامها. ولم يقل لها أحد إن العمل للرجل وحده. بل أن باراق رئيس الجيش لم يستطع أن يذهب لمحاربة الملك سيسرا بدونها. بل قال لها: “إِنْ ذَهَبْتِ مَعِي أَذْهَبْ، وَإِنْ لَمْ تَذْهَبِي مَعِي فَلاَ أَذْهَبُ” القضاة 4 : 8 .
9- نصيحتي لك أن تدرس النساء العاملات في الكتاب المقدس، كما تدرس أيضًا عمل المرأة في تاريخ الكنيسة.
ولا تعتمد على أية واحدة، هي في نفس الوقت لا تسند فكرك ولا تؤيد سؤالك. إقرًا عن راعوث، وكانت تعمل في الحقل. وعن أستير وكانت ملكة، وكان لها دور قيادي في مجريات الأمور. وعن فيبي الشماسة خادمة الكنيسة التي “صَارَتْ مُسَاعِدَةً لِكَثِيرِينَ وَلِي أَنَا أَيْضًا” رومية 16 : 1-2 ، وعن “بَرْسِيسَ الْمَحْبُوبَةِ الَّتِي تَعِبَتْ كَثِيرًا فِي الرَّبِّ” رومية 16 : 12 . وعن ليديا بائعة الأرجوان المتعبدة للرب أعمال الرسل 16 : 14-15 . وعن طابيثا التي “كَانَتْ مُمْتَلِئَةً أَعْمَالاً صَالِحَةً وَإِحْسَانَاتٍ كَانَتْ تَعْمَلُهَا”. وعندما ماتت، بكت عليها الأرامل اللائي كن ينتفعن من عملها وإحسانها” أعمال الرسل 9 : 36-39 . فأقامها القديس بطرس من الموت.
10- التاريخ أيضًا مملوء بأمثلة من النساء العاملات.
اقرأ عن المرأة في التاريخ، وعن النساء المبشرات. وعن القديسات اللائي كان لهن تأثير على الرجال كالقديسة ماكرينا.
وإلى اللقاء في بحث مفصل، إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
[1] قداسة البابا شنوده الثالث “سؤال وجواب- المرأة العاملة”، نُشر في مجلة الكرازة 29 سبتمبر 2000م.



