الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي (5) – الأسرار اللازمة للخلاص

شروط الخلاص بدم المسيح
الأسرار اللازمة للخلاص
هناك أسرار قد لا تلزمك شخصيًا لخلاصك. فأنت قد لا تتزوج، وإن كنت ثمرة لزواج. وقد لا تصاب بمرض تحتاج فيه إلى سر مسحة المرضى،
وقد لا تصير كاهنًا، وإن كنت تحتاج لسر الكهنوت ليقدم لك عمل الروح القدس في الأسرار اللازمة لك شخصيًا لخلاصك.
فأنت يلزمك بلا شك سر المعمودية، وقد تحدثنا عنه- كذلك يلزمك سر مسحة الروح القدس (الميرون) وسر التوبة، وسر الأفخارستيا (التناول).
وسنتكلم الآن عن أهمية كل من هذه الأسرار على حدة.
سر المسحة المقدسة:
لما دعا بطرس اليهود للمعمودية، قال لهم، “تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا،
فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” ( أعمال الرسل 2 : 38 ).
فما هي عطية الروح القدس هذه؟ … وهل هي لازمة في حياتنا للخلاص وما أهميتها وهل يمكن أن نخلص بدونها؟
لا يمكن إطلاقا أن نخلص بدونها، لأن حياتنا الروحية كلها هي عبارة عن استجابة إرادتنا لعمل الروح القدس فينا،
وإن كنا لا نأخذ عطية الروح القدس، فباطلة وهالكة هي كل حياتنا.
عن هذه النعمة التي أخذناها من سر المسحة المقدسة نصرخ باستمرار ونقول: “روحك القدوس لا تنزعه منا”. وإلا هلكنا.
إن حياتنا الروحية لا تعتمد مطلقًا على ذراعك البشري، وإنما هي شركة مع الروح القدس كما سنشرح في الفصل الخاص بالجهاد والنعمة.
لابد إذن من سر المسحة المقدسة، تلك التي تكلم عنها يوحنا الرسول فقال: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَكُمْ مَسْحَةٌ مِنَ الْقُدُّوسِ وَتَعْلَمُونَ كُلَّ شَيْءٍ” .
“وَأَمَّا أَنْتُمْ فَالْمَسْحَةُ الَّتِي أَخَذْتُمُوهَا مِنْهُ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ،
بَلْ كَمَا تُعَلِّمُكُمْ هذِهِ الْمَسْحَةُ عَيْنُهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ حَقٌّ” ( يوحنا الأولى 2 : 20-27 ).
لكي تعرف أهمية الروح القدس لخلاصك نسأل سؤالًا وهو: هل تستطيع أن تحيا حياة روحية بدون عمل الروح القدس فيك؟
هل تستطيع أن تسير في طريق الخلاص بدون عمل الروح القدس معك؟ لا يمكن. إذن لا بد من المسحة.
لذلك أهتم الرسل بعطية الروح القدس للمؤمنين، وكانوا ينالونها في بادئ الأمر بوضع أيدي الرسل، قبل أن يستخدم الميرون.
نري ذلك واضحًا في قصة إيمان السامرة حيث اعتبرت مكملة للإيمان والعماد. يقول الكتاب:
“وَلَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللهِ، أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا،
اللَّذَيْنِ لَمَّا نَزَلاَ صَلَّيَا لأَجْلِهِمْ لِكَيْ يَقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَلَّ بَعْدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَمِدِينَ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ.
حِينَئِذٍ وَضَعَا الأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ” ( أعمال الرسل 8 : 14-17 ) …
إذن لم تكن المعمودية كافية لأهل السامرة، بل كان لا بد لهم أن يقبلوا الروح القدس.
نفس الكلام أيضًا يمكن أن يقال عن إيمان أهل أفسس.
لما ذهب بولس هناك وجد تلاميذ. فقال لهم: “قَالَ لَهُمْ: هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟
قَالُوا لَهُ: وَلاَ سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ” ( أعمال الرسل 19 : 2-3 )
إذ كانوا قد اعتمدوا بمعمودية يوحنا فقط فلما كلمهم بولس: “اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ”.
أننا بالمعمودية نشترك مع المسيح في موته، وننال البنوة، وبالروح القدس نحيا الحياة اللائقة بنا كبنين وكلا الأمرين لازم لخلاصنا.
سر الأفخارستيا “التناول”.
لكي ندرك أهمية التناول من جسد الرب ودمه، يكفي من باب الاختصار أن نذكر قول المسيح:
“الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ.
مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ،
مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ” ( يوحنا 6 : 53-58 ).
هنا نرى الحياة الأبدية متعلقة بالتناول من جسد الرب، بحيث أن الذي لا يتناول لا تكون له حياة،
أي يهلك… أتسأل بعد هذا عن لزوم التناول للخلاص؟!
إن كنا أرثوذكس ونؤمن بالإيمان الأرثوذكسي، فنحن إذن نؤمن بما نقوله في القداس الإلهي عن جسد الرب الذي نتناوله:
“يعطى عنا خلاصًا، وغفرانًا للخطايا، وحياة أبدية لكل من يتناول منه”.
أيسأل أحد ويقول: “هل ممكن الخلاص بدون تناول؟” أقول كلا، لا يمكن.
لأن جسد الرب يعطى عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا وحياة أبدية لكل من يتناول منه.
فكيف نشرح هذا من الناحية اللاهوتية؟ …
إن المعمودية قد خلصتك من الخطيئة الأصيلة، وهذا هو الخلاص الأول الذي نلته.
والمعمودية قد صيرتك ابنًا لله وجعلتك مستحقًا لنوال استحقاقات الدم. ولكنك في كل يوم تخطئ، وتحتاج أن تمحي خطيتك بالدم.
“إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا” ( يوحنا الأولى 1 : 8 ).
أنت إذن في كل يوم تخطئ، وتحتاج إلى جسد المسيح المذبوح عنك. تحتاج إلى الذبيحة المقدسة كفارة لخطاياك.
وما الذبيحة المقدسة في سر الأفخارستيا سوى امتداد لذبيحة المسيح. لذلك لا يمكن أن تخلص من خطاياك بدونها.
هذه التي تعطى عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا. كما أن بها نثبت في الرب كما قال.
قد يأتيك إنسان ويقول لك: أتريد أن تخلص؟ … اطرح نفسك تحت قدمي المسيح،
وقل له: اقبلني يا يسوع!! هذا الكلام يا أخوتي يحتاج إلى إجراءات تنفيذية…
أتريد أن يقبلك المسيح؟ … هناك طريق للخلاص يقبلك به: تموت مع المسيح وتدفن معه بالمعمودية فيقبلك.
تمسح بالروح القدس فيقبلك. تأكل جسده وتشرب دمه لكي تثبت فيه وبهذا يقبلك.
تعترف بخطاياك فيقبلك… هذا هو الطريق العملي الذي يقبلك. به الرب.
أما أن تطلب منه قبولك دون أن تسير في طريقه الذي رسمه فهذا كلام غير لائق.
وبالمثل نقول عن عبارة “سلم حياتك ليسوع”…! ما أسهل أن يلفظ إنسان مثل هذا الكلام، وما أصعب أن ينفذه…!
هل تظنون أن تسليم الحياة شيء هين؟! إن كل جهادنا الروحي يتركز في هذه العبارة “تسليم الحياة”!
ففيها يسلم الإنسان إرادته للرب، ويسلم قلبه وعواطفه، ويسلم عزيمته ويسلم فكره… أي يعمل أعمالًا تليق بالتوبة.
وإن كنا نتكلم عن سر الأفخارستيا فلا بد أن نسبقه بكلام عن سر التوبة.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد التاسع) 3- 3-1978

