إثنان خير من واحد (1)

أحب أن نتأمل في هذه الليلة في قول الوحي الإلهي في سفر الجامعة “اثنان خير من واحد…
لأنه إن وقع أحدهما يقيمه رفيقه. وويل لمن هو وحده إن وقع ‘إذ ليس ثان ليقيمه.
ومن هنا جاءت حياة الشركة في الكنيسة وفى العالم كله.
إذ قال الرب منذ بدء الخليقة “ليس جيدًا إن يكون آدم وحده، نخلق له معينًا نظيره” (تك1)
والسيد المسيح حينما أرسل تلاميذه للخدمة أرسلهم إثنين إثنين. لكي يسند أحدهما الآخر؛ ويعين الآخر، وإن سقط أحدهما يقيمه رفيقه….
وهذه الشركة المقدسة، تقدم لنا أمثلة من الصداقات الروحية،
ومن الثنائيات المشهورة في حياة القديسين:
القديسان مكسيموس ودوماديوس، عاشا معًا، في حياة شركة مقدسة، يعين كل منهما رفيقه،
وماتا معًا، في أسبوع واحد… قزمان ودميان، أبرام وجورجي، أباكير ويوحنا…
ثنائية مقدسة، أو شركة مقدسة، حتى في الرهبنة والوحدة.
وهكذا عرفت الرهبنة الكونوبيوم (الحياة المشتركة)، أو الكونونيا
بعض الرهبان كانوا يعيشون معًا، يسندون بعضهم بعضا. أو أب راهب مع تلميذه أو تلاميذه…..
ولأنه “ويل لمن هو وحده ان سقط”، لذلك وجد المرشد
كان هو الثاني الذي يحمى من السقوط، أو يقيم الساقط من سقطته.
وقيل “الذين بلا مرشد، يسقطون مثل أوراق الشجر”. وقيل أيضًا “وعلى فهمك لا تعتمد”.
” إثنان خير من واحد “: في الأشخاص، وفى الآراء …
فالذي ينفرد برأيه، عرضه للخطأ وللسقوط. فينبغي أن يضيف إلى تفكيره الرأي الآخر، ولو كان معارضًا له.
ومن هنا وجدت المعارضة في الأنظمة الديموقراطية، ووجد النصح والإرشاد في مجال التعليم والتربية،
ووجدت الأبوة الروحية والكهنوت في حياة الإنسان مع الله … لابد من رأى آخر يضاف إلى رأيك،
لتكتسب فائدة من علم الآخرين ومن فهمهم وخبرتهم. فاثنان خير من واحد …
ونظرة الانسان الى كل أمر من زوايا عديدة، خير من نظرته اليه من زاوية واحدة. اتساع الأفق أفضل ….
وقد يقدم الرأي الآخر، نظرة أخرى، من زاوية أخرى، ومن هنا كان العمل الجماعي،
وكانت اللجان، وكانت مناقشة الأمور بين الناس، واشباعها بحثًا ودرسًا ….
وقد تكون وحدك، وليس من يناقشك، أو من تستشيره، أصبر بعض الوقت، ربما يأتيك فكر آخر، بالتأني …
سعيد من يضيف إلى فكر البنوة فكر الأبوة، وإلى فكر الشباب والشبات فكر الشيخوخة،
والى فكر العلمانية فكر الكهنوت “فاثنان خير من واحد، والخيط المثلوث لا ينقطع سريعًا”.
وعند ما نتكلم عن الفكر الثاني انما نقصد (الذي يقيمه) … ليس مجرد ثان، انما ثان ليقيم. فهناك من أهلكوا غيرهم.
إيزابل كانت إلى جوار آخاب، تعطيه الرأي الثاني، لإهلاكه. والحية كانت إلى جوار حواء تعطيها رأيًا لهلاكها.
وأخيتوفل كان يقدم مشورة للهلاك، حتى صرخ داود وأحباؤه “بدد يا رب مشورة أخيتوفل”.
ورفقه قدمت لابنها يعقوب مشورة يخدع بها أباه الضرير.
وهناك مشورات كثيرة خاطئة. والكتاب يقول “المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة”.
فليس كل ثان مفيدا، انما الثاني الذي يقيم من يسقط.
رحبعام بن سليمان، وجد أمامه نوعين من هذا الرأي الثاني:
أحدهما لإهلاكه، والآخر ليقيمه…الشباب والشيوخ.
كان رأى الشباب أن يشتد في معاملة الشعب، ويقول لهم “أبى أدبكم بالسياط، وأنا أؤدبكم بالعقارب” بينما قال له الشيوخ”
إن صرت اليوم عبدًا لهذا الشعب، وأحببتهم وخدمتهم، يكونون لك عبيدًا كل الأيام”( الملوك الأول 12 : 7 ).
وللأسف سمع رحبعام لرأى الشباب، فضيعه الرأي الثاني….
إذن فلنبحث عن هذا الثاني، الحكيم الروحي، الذي يقيمنا.
قد نجد هذا في صداقة مخلصة، كصداقة داود ويوناثان..
كلما كانت تحاك مؤامرة ضد داود من شاول، كان يكشفها له يوناثان” لينقذه ويقيمه. فكان يوناثان ثانيًا لداود، يخصه..
ماذا كان سيحدث، لو كان داود وحده، بلا يوناثان؟
وفى تجربة أخرى، ماذا كان سيحدث، لو كان داود واحده بدون إبيجايل التي أنقذته من الإنتقام وإتيان الدماء…
وقد يوجد الثاني في محيط العائلة: الزوجة أو الأقارب..
“أكيلا وبريسكلا” ثنائى طوبه بولس الرسول وطوب الكنيسة التي في بيتهما(رو16).
سارة، التي، قال الرب لأبينا ابراهيم عنها “اسمع لسارة في كــل ما تقوله لك” والقديسة مونيكا التي كانت لابنها أوغسطينوس”ثانيًا ليقيمه”.
ودميانه التى أرشدت أباها مرقس لما أنكر الإيمان، وأرجعته إلى الرب، وكانت له ثانيًا ليقيمه.
وماكرينا التي كانت ثانيًا لأخيها القديس باسيليوس، ولأخيها القديس غريغورس والأمثلة كثيرة.
راعوث كانت ثانيًا عجيبًا، وقفت في محبة مع حماتها:
قالت لها؛ “لن أتركك. الموت وحده هو الذي يفصل بيني وبينك حيثما ذهبت أذهب،
وحيثما بت أبيت. شعبك هو شعبي، وإلهك هو إلهي”. ما أعجبه من إخلاص…
ياليتنا نجد هذا الثاني الذي يقيم، في الأسرة
في أب حكيم، أو أم تقية، أو أخ مخلص، أو أخت ودودة، أو أي قريب روحي،
بحيث يكون جو البيت مساعدًا على الحياة الروحية والتقرب إلى الله…
إذا لم تجد الثاني بين الناس، قد تجده في الكتب…
وقد يكون الكتاب صديقًا مخلصًا، يعطيك الرأي الصائب والمشورة الحسنة، ويقودك إلى الله، هذا إذا أحسنت اختيار كتبك.
لا تكن إذن وحدك، بل ليكن كتابك معك. وويل لمن هو وحده إن سقط، ولم يكن إلى جواره إنجيل،
ولا كتاب روحي، ولا سيرة قديس، ولا شئ من أقوال الآباء التي تشعل الحرارة الروحية وتقود إلى التوبة..
وقد تكون الوسائط الروحية هي الرفيق الثاني الذي يقيم.
ويل لمن هو وحده إن وقع، وليس إلى جواره شيء من الوسائط الروحية التي تقيمه، كالصلاة، والتأمل،
ومحاسبة النفس، والاعتراف، والتناول، والتداريب الروحية، والصوم، والمطانيات، وجو الخدمة. والأسرار المقدسة.
ولذلك يمكن ان يكون الثاني الذي يقيم هو الكنيسة…
جماعة المؤمنين، أعضاء جسد المسيح، الذين إذا تألم منهم عضو، تألمت معه باقي الأعضاء. وثق أنك طالما كنت مرتبطًا بالكنيسة،
فمهما سقطت لا بد أن تقوم بسرعة. لقد سقط الابن الضال، لأنه بعد عن بيت الآب.
فلما استيقظ إلى نفسه، رجع إلى بيت أبيه. وهناك وجد الخلاص. كن إذن ملتصقًا بالكنيسة لكي تقيمك.
ربما الثاني الذي يقيمك هو أرواح القديسين والملائكة…
نحن لسنا وحدنا. إن أرواح القديسين ترقب جهادنا، وتتشفع لأجلنا، وتقيمنا.
كما إننا محاطون بطغمات من الملائكة “ملائكة الرب حاله حول خائفيه وتنجيهم” إنهم ملائكة يحرسوننا ويرشدوننا ويقيمونا من سقطاتنا.
مثل الملاك(الساراف) الذي طار بسرعة، وأخذ جمرة من على المذبح، ومسح بها فم أشعياء لكي يطهر(أش6).
أنت لست وحدك. الثاني الذي يقيمك هو النعمة..
النعمة العاملة فيك ومعك، لكي تشاء ولكي تسعى…
الثاني الذي معك ليقيمك هو الروح القدس..
الروح القدس الذي يبكتك على خطية، والذي يحثك على الخير ويقويك. فلا تحزن روح الله الذي فيك،
ولا تطفئ الروح، ولا تقاوم الروح، لئلا تقف وحدك ولا يوجد ثان ليقيمك…
بهذا نشعر أيضاً ان المتوحدين لم يكونوا وحدهم.
اسمهم (متوحدين) من جهة عدم عشرتهم للبشر، ولكنهم لم يكونوا وحدهم.
كانت معهم نعمة الرب، ومعهم روحه القدوس، ومعهم أرواح الملائكة والقديسين، ومعهم كثير من وسائط النعمة.
ويل لمن هو وحده ان وقع، اذ ليس ثان ليقيمه.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة العاشرة (العدد العاشر) 9-3-1979م


