خبرات في الحياة الجزء الأول

| الكتاب | خبرات في الحياة الجزء الأول |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| الطبعة | 1988م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 5658/ 1988 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقدمة
مقدمة
هذا الكتاب يتميز على كل الكتب الأخرى، بأنه مجرد فقرات متفرقة: كل منها تقدم لك خبرة معينة، أو فكرة، أو قصة قصيرة ذات معنى. وبعضها مختصر جدًا، وبعضها قد يطول...
إنه لا يقدم موضوعًا واحدًا، إنما العشرات من الموضوعات، كلها تدور حول موضوع واحد، هو الحياة العلمية.
ولا أستطيع أن أحدد تاريخًا معينًا لهذا الكتاب:
بعض خبراته كتبتها قبل الرهبنة، منذ حوالي الأربعين عامًا، وبعضها وأنا في الرهبنة، وبعضها وأنا في الأسقفية أو البطريركية... وكلها أمور عملية.
ومع ذلك فخبرات الإنسان في الحياة لا تحصى...
لقد أخترت لك ما قدمناه في هذا الكتاب. وهناك بعض آخر فضّلت أن يكون في كتاب عن الرعاية... لأنه خاص بها... وسيأتي وقته بمشيئة الرب.
ولقد فضلت طبع الكتاب في هذا الحجم الصغير، لكي يمكنك أن تضعه في جيبك، أو تحمله معك حيثما كنت... وتقرأ في أي وقت، ولو شيئًا قليلًا... في أية صفحة تفتحها، دون أن تتقيد بتسلسل في الأفكار...
وهناك خبرات أخرى في الحياة، لا تصلح أن تكتب في كتب لعموم الناس... لم تأت ساعتها بعد.
أتركك الآن إلى هذه التأملات، وإلى اللقاء في جزء آخر إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
البابا شنوده الثالث
[1] لافتة حكيمة
[1] لافتة حكيمة
تولى أحدهم منصبًا كبيرًا، فرأيته قد علّق على الحائط، فوق مكتبه، لافته مكتوب فيها:
"لو دامت لغيرنا، ما وصلت إلينا".
[2] العين والحاجب
[2] العين والحاجب
قال أحدهم عن نفسه بأسلوب اتضاع "إن العين لا تعلو عن الحاجب". فأجبته:
ومع ذلك فالعين أهم من الحاجب بما لا يقاس.
إنها الأصل، والفائدة. أما الحاجب فهو مجرد ديكور، على الرغم من أنه يعلوها.
وكررت نفس المعنى حينما قيل لي أن التاج أو الإكليل يعلو الرأس.
[3] قمم بلا قواعد
[3] قمم بلا قواعد
كانوا قممًا عالية... ترتفع لمدى زمني طويل، فوق قواعد شعبية عريضة.
غير أنهم لم يهتموا بالقاعدة الشعبية، بل ارتفعوا فوقها في تعال، وفي اعتداد بالمركز، وبالماضي وبالشهرة.
ثم جاء من استطاع أن يكسب هذه القواعد الشعبية، إذ أحبها وخدمها في اتضاع.
وانسحبت القواعد من تحتهم.
وبقوا حيث هم... قممًا بلا قواعد.
قممًا مرتفعة في الهواء... بلا قواعد.
[4] نصيحة للسائق
[4] نصيحة للسائق
قلت لسائق عربتي يومًا:
ليس المهم أن تصل بسرعة. إنما المهم أن تصل سليمًا...
[5] الوقت المناسب
[5] الوقت المناسب
إن أردت أن يكون لكلمتك تأثيرها، تخير الوقت المناسب الذي تقولها فيه. وضع أمامك قول الحكيم:
"تفاحة من ذهب في مصوغ من فضة، كلمة مقولة في محلها" (أم 25: 11).
إن كان هناك موضوع يهمك فلا تكلم فيه شخصًا مشغولًا أو متعبًا ويحتاج إلى راحة ولا يحتمل الكلام. ولا تكلمه إن كان متضايقًا وهناك شيء يحزنه...
تكلم حينما تكون الأذن مستعدة لسماعك. وحبذا لو كانت مشتاقة إلى سماعك.
يستثنى من هذا: كلمة التوبيخ، أو كلمة يوحنا إلى هيرودس.
المهم أن تضع أمامك أن تقول:
كلمة تجد أذنًا تسمعها.
[6] الصمت...
[6] الصمت...
أحيانًا يكون الصمت أبلغ من الكلام، وأكثر فائدة ونفعًا... أو على الأقل، قد يكون أقل ضررًا...
الصمت قد تكون فيه حكمة وقوة، وقد يكون فيه نُبل ورصانة.
وأحيانًا نصمت لكي يتكلم الله.
وتكون كلمة الله أقوى من كل ما نريد أن نقوله...
وما أجمل قول الكتاب: "الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر 14: 14).
ظلّ السيد المسيح صامتًا أمام بيلاطس. لم يفتح فاه ولم يدافع عن نفسه. وفي صمته قال بيلاطس: لست أجد علة في هذا البار...
الصمت ينفع أحيانًا. ولكنه ليس قاعدة ثابتة.
أما القاعدة الحكيمة فهي أن يتكلم الإنسان حين يحسن الكلام، ويصمت حين يحسن الصمت...
وحين يصمت، فليتكلم قلبه مع الله، طالبًا منه أن يتكلم بدلًا عنه...
[7] موضوعات جانبية
[7] موضوعات جانبية
« هناك مَن يحدثك في موضوع ما. ولكنه لا يستطيع التركيز فيه، بل يخرج منه إلى موضوعات جانبية عديدة.
وتحاول أن تلمّ الموضوع معه ولكنك لا تستطيع. لأنه ما يلبث أن يتفرع مرة أخرى إلى موضوعات جانبية لا تحصى...
« وقد تدخل في مناقشة نقطة عقيدية مع إنسان، فيخرج منها إلى نقاط أخرى، كلما ترد على واحدة يتفرع منها إلى غيرها، وكأنك أمام منهج مترامي الأطراف ولست بصدد مناقشة نقطة محددة!
« وقد يجلس معك إنسان ليعاتبك في مشكلة بينكما. ولكنه في العتاب يتطرق إلى نقاط جانبية تصغر أمامها المشكلة الأصلية.
وتترك هذه النقاط الجانبية آلامًا في النفس تحتاج بدورها إلى صلح!
إن الناس يحتاجون إلى التركيز في كلامهم وعدم السرحان في الأمور الجانبية. ونفس الأمر ينطبق أيضًا على الكتابة، وعلى التقارير، وعلى الوعظ...
« وكثيرًا ما يجتمع البعض للحديث فلا يكون هناك موضوع ثابت لحديثهم. وإنما كل كلامهم أشتات، وأمور جانبية، ومتفرعات لا تحصى، ولا تجتمع...!
[8] السهل والصعب
[8] السهل والصعب
كل إنسان يستطيع أن يصيح، وأن يشتم ويهين غيره. ويقسو في أحكامه على الناس.
هذا أمر سهل يستطيعه الكل. ولا يدل على قوة...
أما الأمر الصعب فهو أن يضبط الإنسان لسانه ويتحكم في مشاعره وفي أعصابه. ويكون مهذبًا ومدققًا في ألفاظه مهما كانت الإثارة.
وهنا يكون المشتوم الضابط لنفسه أقوى، من الشاتم الفاقد لأعصابه...
«««
الكلام عن المثاليات سهل، يستطيعه أي إنسان. وكذلك الإعجاب بالمثاليات أمر نسمعه من الكل.
أما الحياة في المثاليات فهي ليست في إمكان الكل، ولا حتى الذين ينادون بها ويحثون الآخرين عليها.
المثاليات تحتاج إلى قلب نقي، وإلى إرادة وعزيمة. وأن يبذل الإنسان من أجلها، ويحتمل في سبيل تنفيذها.
وحينما يصعد إنسان على الصليب، لأجل مثالياته، حينئذ يكون مثاليًا بالحقيقة.
[9] رفض!
[9] رفض!
هناك أشخاص يرفضون شيئًا مرارًا عديدة. ثم تفوتهم الفرصة. ويشتهون ما قد رفضوه قبلًا، فلا يجدونه...!
وقد يكون رفضهم السابق بدافع انفعالي ينقصه العمق وحكمة التفكير الهادئ.
ما أحوج الكثيرين إلى التفكير الطويل قبل أن يرفضوا. فالرفض عن اقتناع سليم، لا يعقبه ندم ولا شهوة...
[10] عيني وأذني
[10] عيني وأذني
كانوا يأتون إليَّ قائلين: "إن العمل الفلاني قد تمّ بصورة كاملة وبكل اتقان".
فكنت أشكرهم ثم أبتسم في وجههم، وأقول لهم مازحًا:
"إني تعودت أن أصدّق عينيّ، أكثر مما أصدق أذني". ثم أذهب وأرى الشيء على الطبيعة.
[11] عادت إلى الفلك
[11] عادت إلى الفلك
حينما تركت الأسقفية، وعدت إلى مغارتي في أوائل يناير سنة 1964م، وجدت الراهب أنطونيوس على بابها. فقال لي: "كنت أعلم أنك لا بد ستعود" واحتضني بقوة حتى صرنا واحدًا.
وتذكرت حينذاك أن القديس أرسانيوس المتوحد حينما رجع إلى برية شيهيت، قال لتلاميذه: إنهم عتيدون أن يقولوا عن أرسانيوس ما قيل في قصة الطوفان:
إن الحمامة إذ لم تجد موضعًا لقدميها، عادت مرة أخرى إلى الفلك.
[12] من الداخل
[12] من الداخل
كثير من الوعاظ يتكلمون عن الزينة والحشمة، ويحثون على الاهتمام بوقار المظهر الخارجي، بينما المهم في نقاوة القلب، الذي إن دخلته محبة الله، زالت كل مظاهر عدم الحشمة بدون وعظ...
إن إصلاح الداخل هو الأساس.
ولكننا نوبخ الشبان على طول الشعر.
ونوبخ البنات على الملابس وطول الأظافر، وننسى القلب!
شبابنا محتاج أن يعرف ما هو معنى القوة، وما هو الجمال، بطريقة روحية... كذلك ينبغي أن يعرف معنى الحرية الحقيقية، وهل الحرية هي التحرر الداخلي من الخطأ؟ أم هو اللامبالاة وعدم اللامبالاة...!
لعل تغيير نظرة الفكر هذه، هي ما قصده الرسول بقوله: "تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ..." (رو 12: 2).
إننا نريد جيلًا وشعبًا ينظر إلى القيم بمقاييس روحية يقتنع بها. وحينئذ تتجه كل طاقاته نحو الخير.
إن المظهر الخارجي، دليل على أن في داخل القلب شيئًا. ويأتي صلاحه أو إصلاحه بالإقناع وليس بالتوبيخ والإرغام. فلنبدأ بالداخل إذًا...
[13] مرآة محطمة
[13] مرآة محطمة
إنني أعرفه منذ زمن بعيد. وهو طول عمره إنسان صريح صادق ومن طبعه أنه لا يتملق أحدًا ولا يجامل أحدًا على حساب الحق...
قابلني. فسألته عن حاله، فقال لي:
عيبي أنني مرآة تقدم لكل من يواجهها صورة حقيقية عن نفسه. والناس - للأسف الشديد – لا يحبون صورتهم الحقيقية...
وقد أرادوني أن أكون مكياجًا، لا مرآة...
وأنا لست كذلك. لذلك حطموني لأنني كلمتهم بالصدق والصراحة. شوهوا سمعتي. ووصفوني بأبشع الأوصاف... وهوذا أنا الآن، وقد أصبحت مرآة محطمة...
فقلت له: هل تعبت نفسيتك لما هاجموك؟ وهل غيرت أسلوبك؟
فنظر إليَّ نظرة عميقة، ثم قال:
لقد وجدت اليوم ما عزاني: لي صديق مريض بحمى شديدة. وأهله يريدون كل يوم أن تنخفض حرارته وهي لا تنخفض... وقد زرته اليوم. وأراد أخوه أن يطمئن على حرارته. ولكنه لما قرأ الترمومتر، وجده على العكس يشير إلى ارتفاع في الحرارة. فاستشاط غضبًا. وامسك الترمومتر في غيظ ودقّ به الحائط، فحطمه!
مسكين هذا الترمومتر الصريح الصادق. ما ذنبه؟!
إنه مثلي: مرآة محطمة...!
[14] بينما...
[14] بينما...
كان ذلك في سنة 1948م، وقد قرأت مجلدًا هامًا يناقش موضوعات لاهوتية تحتاج إلى إمعان فكر وتعمق وتركيز.
فكتبت هذه العبارة على الكتاب بعد قراءته:
"بينما يبحث علماء اللاهوت في هذه الأمور العويصة، يكون كثيرًا من البسطاء قد تسللوا داخلين إلى ملكوت الله"...
[15] الأذن الواحدة
[15] الأذن الواحدة
لقد خلق الله لك أذنين - وكأنهما رمز، كلٌ منهما في اتجاه. بإحداهما تسمع الرأي وبالأخرى تسمع الرأي الآخر أو الرأي المضاد...
وعقلك كائن بين الأذنين، يزن كلاً من الرأيين.
لا تكن لك أذن واحدة لئلا يدفعك البعض في طريق خاطئ.
ولا تصدق كل ما تسمعه أذنك من كلام، قبل أن تسمع الرد على هذا الكلام.
بالأذن الواحدة قد تبعد عن الحقيقة، أو تخدعك أنصاف الحقائق.
وبالأذن الواحدة لا تكون عادلًا، وقد تظلم البعض وتسوء علاقتك مع غيرك بلا سبب كلما يدسّ أحدهما في أذنك كلامًا، قل لنفسك: أين أذني الأخرى؟
[16] وقت الغروب
[16] وقت الغروب
كنت متعودًا أن أتمشى في البرية في وقت الغروب. فلما رأيت الشمس في الأفق وهي تغيب وتغرب، قلت لنفسي، في وقت الغروب:
لم يحدث أن الشمس أخفت وجهها عن الأرض.
إنما هي الأرض التي أدارت ظهرها للشمس.
[17] أيهما أفضل؟
[17] أيهما أفضل؟
رأيت بين رهبان الأديرة نوعين: أحدهما عابد والآخر عالم.
أحدهما قد انحل من الكل ليرتبط بالواحد.
والآخر يحيط به الكل، يشرح ويفسر.
وكان كل منهما له مزاياه وله من يعجب به وبطريقته.
ودارت بين الجموع مناقشة تتحاور في أيهما أفضل:
العابد أم العالم.
[18] العمل الجماعي Teamwork
[18] العمل الجماعي Teamwork
يوجد نوع من الناس، يمكنه أن ينجح جدًا، إذا عمل وحده كفرد. بينما يفشل تمامًا إذا عمل كعضو في مجموعة...
إذ سرعان ما ينقسم عليهم، أو يفقد القدرة على التعاون معهم. فيتمسك برأيه جدًا، وينتقد آراءهم أو يهاجمها... يُظهر لهم أخطاءهم، ويظهرون له أخطاؤه، ولا يستطيع أن يستمر في العمل معهم...!
وهذه هي إحدى آفات مجتمعنا...
ونحن محتاجون أن ندرب أولادنا على العمل الجماعي، أو العمل مع جماعة، في تعاون واتساق للوصول إلى غاية واحدة معًا... في حب وفي إنكار للذات.
وفي داخل الكنيسة أيضًا ندرب الشمامسة على أن يرتلون معًا، كمجموعة أو خورس، بصوت واحد... أما الترتيل الفردي فهو سهل وبإمكان أي أحد...
[19] أمامنا طريقان
[19] أمامنا طريقان
قلت لبعض الآباء الأساقفة في يوم سيامتهم:
أمامنا طريقان لا ثالث لهما.
إما أن نتعب ويستريح الناس.
وإما أن نستريح نحن، ويتعب الناس.
وأنا بهذه السيامة قد دعوتكم إلى التعب. وثقوا أن بتعبكم سوف تستريح ضمائركم، وسوف تستريح الخدمة أيضًا...
وكررت نفس الكلام في سيامة الآباء الكهنة.
[20] مع أب اعترافك
[20] مع أب اعترافك
لا تعرض أمامه قرارات لك، وإنما أسئلة...
ولا تطلب منه مجرد الموافقة على شيء قد انتهيت منه، واستقر في فكرك وعزيمتك! إنما اطلب منه المشورة، والرأي، والمعرفة.
[22] مشاكل أم حلول؟
[22] مشاكل أم حلول؟
ما أكثر الذين قدموا لي مشاكل.
وما أقل الذين قدموا لي حلولًا.
ليت الذي يقدم مشكلة، يقدم معها اقتراحاته لحلها، على شرط أن تكون حلولًا ممكنة وعملية.
[22] الحق المنتفخ
[22] الحق المنتفخ
في إحدى المرات وقف (الحق) يفتخر على الباطل ويدينه في قسوة ويحتقره. بينما (الباطل) ينحني أمامه في انسحاق قلب.
ونظرت إليهما في عمق ثم قلت:
لقد عرفت يا رب: أن الباطل المنسحق أفضل بكثير من (الحق) المنتفخ...
هذا الباطل بانسحاقه هو في طريقه إليك ليصبح حقًا. وذلك الحق بانتفاخه إنما يبعد عنك ويصير باطلًا.
وتذكرت قصة الفريسي والعشار (لو 18).
[23] مَن الذي يصلحون؟
[23] مَن الذي يصلحون؟
أحيانًا كان الله يرسل لنا خدامًا صالحين لسيامتهم في درجات الكهنوت...
نشكره على ذلك.
وفي أحيان كثيرة، كانت تقابلنا مشكلة متكررة، وبخاصة بالنسبة إلى خدام المهجر، وهي:
الذين يصلحون، لا يريدون.
والذين يريدون، لا يصلحون.
[24] لها إرادة
[24] لها إرادة
إن كتلة ضخمة من الخشب لا تستطيع أن تقاوم التيار، بل يجرفها معه أينما سار.
بينما سمكة صغيرة تستطيع أن تقاوم التيار، وتسير إلى حيث تشاء.
ذلك لأن فيها حياة ولها إرادة.
[25] لا شيء...!
[25] لا شيء...!
رأيت نوعًا من الناس يتكلم كثيرًا ولكنه لا يقول شيئًا... أي لا يقدم كلامه أي نفع...
وزن كلامه، لا يتفق مطلقًا مع حجمه...
إنه لا يجد شيئًا يقوله، فيقول أي شيء، ويسهب... ويقضي وقتًا طويلًا يتكلم، وتكون محصلة كلامه هي لا شيء... ويرغم سامعه على إضاعة وقته في سماع هذا اللا شيء...
والأعجب من هذا كله، انه يطلب موعدًا آخر، لكي يكمل هذا اللا شيء، بلا شيء آخر من نفس النوع!!
ليت كل إنسان يزن أقواله قبل أن يقولها ويرى هل تستحق الوقت الذي تستغرقه؟ وهل تأتي بفائدة؟ وهل تستحق السماع؟
ويضع في اعتباره أيضًا مدى احتمال السامع. وينظر إلى ملامحه ليرى مدى رغبته في السماع...
فإن شعر أن السامع يريد أن يعتفي، يطلق سراحه بسلام...
[26] مساهمة!
[26] مساهمة!
في كل بناء كنا نبنيه...
كان هذا الأخ يحاول المساهمة فيه. ومساهمته كانت كلامًا لا عملًا...
وكان يساهم بالنقد وليس للبناء، وكنا نحاول أن نستفيد من نقده، ونشكره لأنه ساهم، ولم يقف (سلبيًا)!
[27] موضوعات جانبية
[27] موضوعات جانبية
« هناك من يحدثك في موضوع ما. ولكنه لا يستطيع التركيز فيه، بل يخرج منه إلى موضوعات جانبية عديدة.
وتحاول أن تلمّ بالموضوع معه، ولكنك لا تستطيع. لأنه ما يلبث أن يتفرع مرة أخرى إلى موضوعات جانبية لا تحصى...
« وقد تدخل في مناقشة نقطة عقيدية مع إنسان، فيخرج منها إلى نقاط أخرى، كلما ترد على واحدة يتفرع منها إلى غيرها، وكأنك أمام منهج مترامي الأطراف ولست بصدد مناقشة نقطة محددة!
[28] لا يكفي
[28] لا يكفي
إذا أردت أن تشرك أحدًا معك في عمل، فلا يكفي حماسه للعمل، ولا يكفي اتفاقه معك في الغرض... وإنما ينبغي أن يتفق معك أيضًا في الوسيلة وكيفية التنفيذ...
إن شريكك في العمل قد يسيء إليك، أن كان أسلوبه خاطئًا، أو إن كانت طريقة تعامله منفرة، أو إن كانت وسائله موضع مؤاخذة...
خذ الخدمة أيضًا كمثال: جميع الناس يتفقون في أهمية الخدمة، ويتحمسون لها. ولكن ليس الكل واحدًا في طريقة الخدمة...
أما أنت، فاخدم مع من توافق روحه روحك، وينسجم منهجه مع منهجك. وإلا فإن أخطاءه سوف تحسب عليك... وتجد نفسك - دون أن تقصد - مشتركًا معه في المسئولية عن كل تصرف خاطئ...
حقًا: من شروط المرافقة، الموافقة...
[29] احتمال الكرامة
[29] احتمال الكرامة
قال القديس الأنبا أنطونيوس الكبير:
"كثيرون يستطيعون أن يحتملوا الإهانة، لكنهم لا يستطيعون أن يحتملوا الكرامة. لأن احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة"...
فالكرامة قد تدفع البعض إلى الكبرياء، بالتعالي على غيرهم، أو تجاهلهم، أو إساءة معاملتهم، أو تغيير البيئة والأصدقاء وأسلوب الحياة... وقد تدفع إلى الخيلاء، والحديث مع الناس بعظمة...
كل هذا دليل على أنهم لم يستطيعوا أن يحتملوا الكرامة، فغيّرت من طباعهم ومعاملاتهم لغيرهم، كما قال الشاعر:
لما صديقي صار من أهل الغنى .:. أيقنت إني قد فقدت صديقي
أما الإنسان القوي من الداخل، أو الإنسان المتواضع كالعذراء مريم، فإن الكرامة لا يمكنها أن تغيره.
إنه هو هو نفس الشخص، مهما نال من مراكز، أو غنى، أو ألقاب، أو سلطة، أو علم، ومهما مدحه الناس...
تراه على الرغم من هذا كله، لا يفقد بساطته ولا تواضعه ولا علاقته الطيبة بالناس. ولا يترك أصدقاءه القدامى، ولا يبحث عن بيئة جديدة تناسب كرامته...!
[30] ما يسجله التاريخ
[30] ما يسجله التاريخ
إن التاريخ لا يسجل كل شيء...
إنما يسجل الأمور الكبيرة فقط، ويسجل أعمال الكبار...
وهكذا فان آلاف الأعمال والتصرفات، يعبر عليها التاريخ عبورًا ولا يلتفت إليها، كأن لم تكن... لأنها لا تستحق... والعالم نفسه ينساها بعد حين. إنها أمور صغيرة!
أما العمل الكبير فيبقى مدى الأجيال، لا يستطيع التاريخ أن ينساه فيما ينسى أمورًا عديدة وأشخاصًا عديدين...
ألك عمل كبير من هذا النوع؟
لا ليسجله التاريخ، إنما ليسجل في سفر الأحياء...
[31] صراحة
[31] صراحة
أنت تريد أن تكون صريحًا في الدفاع عن الحق.
ولكن صراحتك كثيرًا ما تجرح الناس، فيستاءون، ويأخذون منك موقفًا...
راجع نفسك. كم شخصًا استخدمت معه هذا الأسلوب الصريح الجارح، فخسرت كثيرًا بلا داع، وأيضًا لم تربح نفوسهم للرب.
وكان يمكن أن تتكلم بهدوء، وبحكمة، وبمراعاة لشعور الآخرين، كما تكلم السيد المسيح مع السامرية، فربح نفسها، دون أن يخدش مشاعرها (يو 4).
لو أن الله أرسل ملاكًا ليكلم كل الناس عن أعمالهم الخفية والظاهرة، بصراحة... أكان أحد يستطيع أن يحتمل.
نشكر الله أنه لا يستخدم معنا هذا الأسلوب (الصريح) الجارح، من فرط محبته ورقته، وإشفاقه على مشاعر الناس.
[32] كل جليات له داود
[32] كل جليات له داود
لا تخف من الباطل أن ينتشر أو ينتصر...
إن الباطل لا بد أن يهزم أمام صمود الحق، مهما طال به الزمن.
وكل جليات له داود، ينتظره، وينتصر عليه... باسم رب الجنود...
[33] استغلال التسامح
[33] استغلال التسامح
يخطئ من يشاء، على أي مستوى من الخطأ، باعتبار أن كلمة (أخطأت) ستمحو كل شيء، وينتهي الأمر، ولا عقوبة!
يحدث أن البعض في وظائفهم الحكومية، يكونون في منتهى الانتظام والالتزام، لأن هناك مساءلة وهناك عقوبة.
أما في الكنيسة فقد يتحول العمل فيها إلى فوضى، ولا مبالاة، وتكثر الأخطاء وتتنوع، بحجة أن رجال الدين المفروض فيهم التسامح!
وباسم التسامح، أو الفهم الخاطئ للتسامح، وقد لا تكون هناك أمانة كاملة في العمل وفي الخدمة: لا يلتزم أحد بمواعيد، ولا بعمل متقن، ولا بنظام. وإذا عوقب البعض بسبب أخطائه، يستاء كثيرون، ويعثرون!! كأنما العقوبة خطيئة أو قسوة. بينما ما أكثر العقوبات التي ذكرها الكتاب منذ آدم وقايين، إلى الطوفان وسدوم، وقورح وداثان وأبيرام.
إن الله عاقب عالي الكاهن لأنه لم يعاقب أولاده.
وفي العهد الجديد حنانيا وسفيرة، وبار يشوع، وخاطئ كورنثوس.
[34] حساب ردّ الفعل
[34] حساب ردّ الفعل
يوجد أشخاص يتصرفون دون أن يحسبوا حسابًا لردود فعل أفعالهم، من حيث الأثر على الآخرين، وتصرفهم إزاءها.
أكثر حكمة من هؤلاء، لاعب الشطرنج الذي لا يحرك قطعة، إلا ويحسب حسابًا: ماذا يكون موقف غريمه إزائها؟
[35] في أخطر مرحلة!
[35] في أخطر مرحلة!
هناك قوم يعالجون مريضهم بأنفسهم، كيفما...! ولا يلجأون إلى الطبيب إلا عندما يصل المريض إلى أخطر مرحلة!
هكذا في الخدمة: تحدث أحيانًا مشاكل. ويقول المسئولون في الخدمة. "لا يصح أن نزعج البابا بأخبارنا المتعبة!" وإن أراد أحدهم أن يوصل أخبار المشكلة يمنعونه وقد يصفونه بالخيانة بحجة أنه سيكشفهم...
وتستمر المشكلة ولا تصل إليَّ إلا بعد أن تكون قد تعقدت جدًا ولم يعد حلها سهلًا. فإن عاتبتهم على ذلك يقولون: لم نرد أن نزعجك...!!
[36] متى؟ ومتى؟
[36] متى؟ ومتى؟
الإنسان الحكيم يعرف كيف يتصرف، ويعرف متى يتخذ قرارًا معينًا؟
متى تصلح الطيبة؟ ومتى يصلح الحزم؟
متى يصلح التأني؟ ومتى تجب السرعة؟
متى يصلح الصمت؟ ومتى يجب الكلام؟
إن الحكمة تعمل العمل المناسب في الوقت المناسب.
وذلك لأن كثيرًا من التصرفات تتحكم فيها مناسباتها.
[37] البساطة والحكمة
[37] البساطة والحكمة
ليست البساطة هي السذاجة.
وليست هي أخذ الأمور بدون فحص وبدون تفكير ولا تتناقض البساطة مع الحكمة. فقد قال السيد المسيح "فَكُونُوا حُكَمَاءَ... وَبُسَطَاءَ" (مت 10: 16).
كيف إذًا يمكن الجمع بينهما؟ وما هو تعريف البساطة؟ أقول لكم بكل بساطة:
البساطة هي عدم التعقيد، وليست عدم التفكير.
والكتاب يعلمنا البساطة الحكيمة، والحكمة البسيطة.
[38] بداية بلا نهاية
[38] بداية بلا نهاية
قد نحدد مواعيد لمقابلة الناس، نعرف متى تبدأ، ولكننا لا نعرف متى تنتهي، أو لا نملك ذلك. والزائرون قد لا يهتمون بأن هناك مواعيد محددة لآخرين بعدهم، فتستمر جلستهم، وتفشل كل المحاولات الرقيقة في إنهائها.
ولعل هذا يذكرني بأن أحد الأدباء قال لضيوف من هذا النوع وهو يمزح معهم:
أهلًا بكم وسهلًا.
تأتون أهلًا، ولا تخرجون سهلًا.
[39] في العام الجديد
[39] في العام الجديد
أهو مجرد عام جديد في التقويم، أم في حياتك؟
كيف يكون عامًا جديدًا، إن دخلت إليه بنفس العادات والطباع والأخطاء، دون أن تغير في نفسك شيئًا؟ وقد تجمدت شخصيتك على وضع معين!
ليتك تتحرك في هذا العام الجديد، ولو خطوة واحدة عملية، إلى وضع أفضل...
في العام الجديد لا تقدم لله نذورًا، ولا عهودًا، ولا وعودًا، هي فوق مستوى إرادتك وقوتك، إنما أجمع كل رغباتك، وقدمها لله كصلاة، معترفًا بضعفك. ولا تنذر كما لو كنت واثقًا بقدرتك.
بدلًا من أن تعد الله بتغيير نفسك إلى أفضل، خذ منه وعدًا في صلاتك أن يغيرك إلى أفضل...
[40] احترام الناس لك
[40] احترام الناس لك
لا تطلب احترام الناس لك...
وإنما اتركهم يحترمونك من تلقاء ذواتهم، لما يجدونه فيك من صفات تجبرهم على توقيرك.
ولا تعاتب غيرك إذا لم يحترمك، بل بالحري عاتب نفسك، إن كنت قد تصرفت بطريقة تقلل من احترام الناس لك.
واعلم أن الاحترام شيء، والخوف شيء آخر...
فقد يخافك الناس، لمركزك أو لسلطتك أو بطشك... ولا يكون هذا احترامًا منهم لك...
فالاحترام هو شعور باطني بالتوقير، تمجيدًا لصفات معينة سامية، أو لقيم روحية أو إنسانية.
[41] أفراح الخماسين
[41] أفراح الخماسين
عدم الصوم في الخماسين شيء...
والتسيب في الأكل شيء آخر...
وكون الخماسين أيام فرح، لا يجوز فيها الصوم ولا المطانيات، ليس معنى ذلك أن يفقد الإنسان ضبطه لنفسه!
وأن يأكل في وقت مناسب، وفي وقت غير مناسب، بطريقة تضره روحيًا، وتضره صحيًا أيضًا، وتفقده روحيات الصوم الكبير وروحيات البصخة...
وأفراح القيامة هي أولًا وقبل كل شيء أفراح روحية. وللجسد أن يشترك في أفراح الروح. ولكن ليس له أن ينحل...!
[42] إعداد كاهن للمهجر
[42] إعداد كاهن للمهجر
إعداد كاهن للمهجر ليس أمرًا سهلًا، فليس كل إنسان يصلح، سواء من جهة النوعية الروحية، أو المواهب واتقان اللغة وحسن المعاملة.
إن وجد الشخص الذي يصلح، قد لا يوافق.
وإن وافق، قد لا توافق زوجته على الهجرة.
وإن وافقت زوجته، قد لا توافق كنيسته التي يخدمها وشعبه الذي يحبه.
وإن وجد الشخص الصالح، وتمت الموافقة من جميع الأطراف، ولو بعد جهد وتعب وإقناع، تبقى أمامنا مشكلة أخرى، وهي ملء الفراغ الذي سيتركه في كنيسته.
وهذا قد يحتاج إلى تكرار القصة: الشخص الصالح هو الذي يوافق، وتوافق زوجته على قبول الكهنوت، وتقبله الكنيسة وتزكيه.
[43] بين الإلغاء والإبقاء
[43] بين الإلغاء والإبقاء
حينما بدأت مسئوليتي اقترح عليَّ البعض إلغاء (الموالد) لما يحدث فيها من أخطاء، ولهو، وأمور غير روحية. وكانت أعياد القديسين في ذلك الوقت يسمونها (الموالد) وهي تسمية خاطئة.
على أن البعض قال لي رأيًا عكس ذلك وهو:
إن أعياد القديسين تقدم تقدمات شعبية، يمكن تنقيتها وقيادتها روحيًا، فتؤول إلى الخير.
ونفذت هذا الرأي الثاني. وأمكن إصلاح ما في هذه (الموالد) من أخطاء. وصارت أعياد القديسين مناسبات روحية وضعت لها برامج مفيدة جدًا، فيها التراتيل والألحان والوعظ والتسجيلات الصوتية، والأفلام الدينية، والمسابقات الكتابية، وفيها القداسات والتناول.
وتحولت إلى بركة بالإبقاء وليس بالإلغاء.
[44] التزكيات
[44] التزكيات
في بدء حياتي الرعوية، تعودت أن تصلني تزكيات عليها توقيعات كثيرين يطلبون سيامة أحد الأشخاص كاهنًا، أو سيامة أحد الرهبان أسقفًا...
وكنت لا أثق بهذه التزكيات إطلاقًا:
فالبعض يوقع على التزكية مجاملة. والبعض يوقع عليها جهلًا، أو خوفًا، أو خجلًا ممن يقدمها، أو ممن تُقدم عنه. والبعض يوقع على التزكيات بلا مبالاة، أي قد يوقع عليها وعلى غيرها، وربما على عكسها...
والبعض قد يوقع عن نفسه وعن آخرين أيضًا: عن أبنائه، وأقاربه وأصدقائه، مدعيًا أن لهم نفس رأيه، وأنه يمثلهم...! وقد لا يكون رأيهم كذلك...
وربما تمثل هذه التزكيات رأي شخص واحد، كتبها ومرّ على كل الباقين يجمع توقيعاتهم، فوقعوا انقيادًا له...
لذلك كنت أستطلع رأي الشعب باللقاء المباشر معهم:
إما أن أذهب إليهم، أو أن يأتوا هم إليَّ.
وكنت أوزع عليهم أوراقًا يكتب فيها كل منهم ما يشاء، دون أن يقرأ رأيه أحد. وكنت أستفيد جدًا مما يكتبون من معلومات، وأناقشها معهم بكل صراحة...
[45] باسم الشعب
[45] باسم الشعب
كثيرًا ما تصلني برقية بشأن أمر من أمور الكنيسة، يريد صاحبها أن يعطيها ثقلًا ووزنًا، فيقول باسم شعب كنيسة كذا أو يجعل توقيعها: شعب كنيسة كذا...
وربما يكون محتواها عبارة عن مجرد رأيه الشخصي، والشعب لا علاقة له إطلاقًا بما ورد فيها من كلام...
إنه يعتقد أنه ما دام قد اقتنع بشيء، فلا بد أن الكل أيضًا مقتنعون...! فرأيه هو الحق. والكل وراء هذا الحق!
وقد يذهب أحدهم إلى مكتب التلغراف، ويرسل مجموعة كبيرة من البرقيات، بصيغة واحدة تقريبًا وبتوقيعات أسماء متعددة، الله يعلم مدى علمها بكل هذا. والأمر يحتاج إلى دراسة على الطبيعة...
[46] حتى ساعة الموت!!
[46] حتى ساعة الموت!!
كانت امرأة بارة جدًا، وقد مرضت بالسرطان. فتوجهت إلى الله بالصلاة، وأقيمت من أجلها صلوات وقداسات وأصوام.
ودخل السرطان في مرحلة خطيرة جدًا وقاربت ساعة الموت. فطلبتني، وكنت في ذلك الوقت أسقفًا، أستطيع زيارة الناس أكثر من الآن. فذهبت إليها، ووقفت إلى جوار فراشها، استمع إليها تشكو إليَّ نفسها:
قالت: إنني حزينة جدًا، لأن شكوكًا كثيرة تجول في فكري: ما قيمة الصلاة والأصوام والقداسات؟! وأين رحمة الله واستجابته؟!
كم صليت أن تتركني هذه الأفكار ولكنها مستمرة. فأقلق وأقول: هل سأفقد حياتي هنا، وأفقد أيضًا أبديتي بسبب هذه الشكوك؟
فقلت لها: لا تقلقي. إنها ليست أفكارك...
بل هي شكوك يلقيها الشيطان في ذهنك. وصلاتك تدل على أنك لا تقبلينها، وأنها ليست منك. والله لا يسمح أن بارة مثلك تتألم هنا وفي الأبدية أيضًا. إنك مثل لعازر الذي استوفى بلاياه على الأرض، واستحق أن يذهب إلى أحضان إبراهيم في طريق الأبدية السعيدة مع الله...
وإن كان الله يريد أن يأخذك إليه، فليس هذا ضد رحمته، ولا ضد الصلاة. فالأبدية متعة اشتهاها القديسون...
... ثم قرأت لها التحليل... واستراحت. وذهبت متعجبًا من الشياطين التي تحارب القديسين، حتى في ساعة الموت!!
[47] شائعة!
[47] شائعة!
هناك أناس إذا أرادوا الوصول إلى غرض ما، يطلقون شائعة مثيرة جدًا ضد هذا الغرض، وينشرونها بكل الطرق حتى يثار الناس، ويكثر الضجيج والضوضاء.
وفي وسط هذا الجو المعكر، يحاولون الوصول إلى غرضهم!
والعجيب أنهم يجدون كثيرين يصدقون شائعاتهم.
[48] أخطاء في النعي
[48] أخطاء في النعي
كثيرون يستخدمون كلمة (الفقيد) حينما يتحدثون عن حبيب لهم رحل عن عالمنا. كأن يقولوا مثلاً: ننعى الفقيد العزيز فلان!!
فالذين تركوا عالمنا ليسوا مفقودين. وهم أيضًا ليسوا موتى لأنهم أحياء في السماء. إنهم مجرد منتقلين من عالم إلى آخر...
عبارة الراحل الكريم أفضل من كلمة الفقيد.
كذلك البعض يقول: "انتقل إلى الأمجاد السمائية فلان"... وهذا خطأ لاهوتي، لأن الأمجاد السمائية لا تكون إلا بعد القيامة والحساب في اليوم الأخير (متى 25: 31 - 46).
أفضل من عبارة (الأمجاد السمائية) أن نقول: إلى كورة الأحياء، أو إلى فردوس النعيم، أو إلى مجمع القديسين...
أو نقول: انتقل من عالمنا الفاني إلى العالم الباقي... وما يشبه هذه العبارات بعيدًا عن (الأمجاد السمائية).
[49] الرحلات إلى الأديرة
[49] الرحلات إلى الأديرة
كثيرون يفكرون في ذواتهم فقط، حين يذهبون في رحلة تقيم يومًا كاملًا أو أكثر في أحد الأديرة البعيدة، مثل دير الأنبا أنطونيوس، أو دير الأنبا بولا... وقد يذهبون في أكثر من أتوبيس، برحلة أكثر من مائة شخص. وقد تصل إلى الدير أكثر من رحلة في نفس اليوم بمئات الضيوف...!
ويتحول هدوء الدير إلى ضوضاء. وتقف مشكلة في كيف تبيت هذه المئات من الرجال والنساء في الدير، وكيف تقدم لهم وسائل الراحة والخدمة.
ويفقد الرهبان حريتهم، ولا يشعرون أنهم تركوا العالم، ما دام العالم يسعى هكذا إليهم. وفي نفس الوقت لا يستفيد أعضاء الرحلات روحيًا وسط كل هذا الضجيج والزحام. المشرفون على الرحلات لا يستطيعون أن يضبطوا النظام في حالات كهذه. وهكذا لا يستفيد الرهبان ولا الضيوف...
وإن رفض الدير قبول هذه الرحلات، يتضايق أعضاؤه ويتذمرون ويقولون: هل قطعنا كل هذه المسافات الطويلة لترفضونا، ونحن في هذا القفر، وقد أوشكت الشمس على الغروب، وكيف نرجع؟! ويقع الدير في حرج! وبخاصة لأن كل هؤلاء لم يأتوا بتصريح مسبق، ولم يعطوا الدير فرصة لكي ينظم قبول هذه الرحلات.
إن الرحلة إلى الدير، رحلة لها هدف روحي، وينبغي أن تختلف عن رحلة إلى الهرم أو إلى المتحف.
والفائدة الروحية من زيارة الأديرة تأتي بالزيارات الفردية، أو بالرحلات القليلة العدد (لا تزيد عن عشرة مثلًا). وتكون بنظام دقيق تسلك به الرحلة، وببرنامج روحي يوضع لفائدة أعضائها.
وتكون باتفاق مسبق مع الدير، وبتصريح خاص، ولا يفاجأ بها الدير، ولا تسبب له إحراجًا.
وأيضًا تراعي هدوء الرهبان وروحياتهم، هؤلاء الذين بُنى الدير من أجلهم، والذين تركوا العالم وكل ما فيه التماسًا للهدوء، الذي يساعدهم على الوحدة والتأمل والتفرغ للعبادة.
[50] الحرية
[50] الحرية
كثير من الشباب كانوا حساسين جدًا نحو حريتهم الشخصية، وكانوا - حينما يبلغون سن الرشد أو قبله - يقولون إنه ينبغي أن يتمتعوا بحريتهم كاملة دون قيد، فيفعلون ما يشاءون...
فكنا نجيبهم بأن الحرية لها شرطان أساسيان:
1- أن يمارس الإنسان حريته بحيث لا يعتدي على حريات أو حقوق الآخرين.
2- وبحيث عدم الإخلال بالنظام العام أو بالآداب والقيم والتقاليد المرعية.
وكنا نقول إن هذين الشرطين ليسا قيدًا للإنسان الحر، بل هما حفظ له. ويشبهان شاطئ النهر.
إن الشاطئين ليسا قيدًا يحدّ حرية النهر، إنما هما حفظ لمياهه من الانسكاب على الجانبين. ولولاهما لتحول النهر إلى مستنقعات...
[51] أغاني شعبية
[51] أغاني شعبية
أحيانًا ينظم البعض ترنيمة، يكون تلحينها على وزن أغانٍ شعبية!
ويظن هؤلاء أنه ما دام الكلام سليمًا، فلا عبرة بالموسيقى!! بينما الموسيقى لها في حد ذاتها تأثير على العاطفة، لا يقل تأثير عن الكلام المنظوم.
إن ألفاظ الترانيم الروحية، لا تليق بها إلا موسيقى وألحان روحية تتناسب معها.
[52] التنوع والاختلاف
[52] التنوع والاختلاف
كثير من الناس يسرفون في استعمال عبارة الاختلاف، حيث لا يوجد اختلاف، بل يوجد تنوع...!
فيقولون مثلاً: "ألوان مختلفة" بينما الألوان لم تختلف وإنما تنوعت. وقد يكون في تنوعها جمال...
وبالمثل يقولون الأطعمة مختلفة، والطيور مختلفة، والأذواق المختلفة، والعلوم المختلفة...! وقد لا يكون اختلاف بين كل هذا وإنما هو تنوع...
إن استعمالنا الكثير لعبارة (اختلاف) ومشتقاتها، قد يغرس في عقلنا الباطن هذا المعنى!
وربما كلمة (تنوع) ومشتقاتها تكون أفضل.
[53] الأمس والغد
[53] الأمس والغد
حياتنا تمر تباعًا في سرعة عجيبة، حتى ما يستطيع الواحد منا أن يفرّق بين اليوم والأمس والغد... لدرجة أنني كتبت مرة في مفكرتي هذين البيتين من الشعر:
ما حياتي غير أمسٍ عابرٍ .:. هي أمسُ كلما طال الأمدْ
إن يومي هو أمس في غد .:. وغدي يصبح أمسًا بعد غد
[54] التعامل مع المشاكل
[54] التعامل مع المشاكل
عوّدت نفسي في تعاملي مع المشاكل، أن أتركها خارجًا، لا أُدخلها إلى أعماقي، ولا أسمح لها أن تمارس ضغوطًا على نفسيتي، أو على أعصابي...
لا أفكر مطلقًا في تعب أو ألم المشكلة...
إنما أفكر في كيفية حلها أو مواجهتها.
وإن لم أجد حلًا، اتركها، وأعطيها مدى زمنيًا يحلها الله فيه، ولا يهمني طول هذا المدى الزمني...
[55] لماذا الإطالة؟!
[55] لماذا الإطالة؟!
قد يتكلم إنسان كلامًا طويلًا في موضوع لا يستحق مطلقًا أن يتكلم فيه، أو لا يحتاج هذا القدر الكبير من الكلام...
وربما يكون الأمر بديهيًا، ولا يحتاج إلى شرح. ومع ذلك يظل هذا المتكلم يشرح، بينما السامع يضغط على نفسه في السماع.
وهذا يدل على أحد أمور ثلاثة:
إما أنه لا يوجد تقييم للموضوعات.
أو أنه لا يوجد تقيم للوقت.
أو أنه لا يوجد اهتمام بمشاعر السامع!
ونفس الوضع نقوله بالنسبة إلى الكتابة أيضًا:
هل الموضوع يستحق كل ما يكتب عنه؟!
[56] فوضى المنظمين
[56] فوضى المنظمين
بعض المنظمين - في الحفلات والأعياد في الكنائس - ترتفع أصواتهم وتعلو تعليماتهم وانتهاراتهم للناس، حتى يصبحون هم سبب الضجيج في الكنيسة.
وقد تعجب، إذ ترى الشعب هادئًا جدًا وصامتًا، بينما هؤلاء المنظمون هم الوحيدون المسموعون!
ألا يمكن أن يتم التنظيم في هدوء وصمت؟!
[57] اذكر... وانسَ
[57] اذكر... وانسَ
زرته في المستشفى، وهو على فراش المرض وقد أصابته جلطة، لأنه لم يحتمل أن يفشل في عمل معين له أهميته...
فقلت له: إن أعمالًا عظيمة كثيرة جدًا قد قمت بها، ونجحت على يديك... لماذا إذًا تركّز على هذا العمل الواحد الذي فشل لأسباب خارجة عن إرادتك؟!
اذكر أعمالك الناجحة ومعونة الله لك فيها...
وانسَ هذا العمل الذي فشل بغير إرادتك.
[58] الغد أفضل لك
[58] الغد أفضل لك
لا تعش في يومك، إن كان يومك متعبًا لك. بل عش في غدك.
في هذا الغد، ترى يد الله تمتد إليك لكي تريحك.
وفي الغد ترى حلولًا كثيرة لمشاكلك.
إن كان اليوم مظلمًا، فإن الغد يفتح أمامك طاقات من نور.
القديسون عاشوا في الغد، في الأبدية، وعلقوا بها كل آمالهم.
في الغد عاش داود، حينما كان شاول يطارده.
وفي الغد عاش يونان، وهو في بطن الحوت...
وفي الغد عاش يوسف وهو سجين. وعاش أبوه يعقوب، وهو هارب من عيسو، وكان واثقًا أن الله سيرد غربته...
إن تعقدت أمامك الأمور، قل إنها ستنحل غدًا.
وابتسم وعش في هذا الغد...
[59] الأحكام المطلقة
[59] الأحكام المطلقة
كثير من الأحكام التي تحمل عبارة (كل) أو (جميع) معرضة للخطأ. كأن يقول إنسان: "لقد قرأت كل الكتب التي تحدثت عن هذا الموضوع. وكل الآباء يقولون كذا...".
وكان من الأفضل أن يقول: "قرأت كثيرًا من الكتب"، أو يقول: "غالبية الآباء"، أو بعض الآباء أو كثيرًا من الآباء، بدلًا من كلمة (جميع)...
[60] التحليل، لمن؟
[60] التحليل، لمن؟
حدث ذلك في سنة 1958م، وكنت أب اعتراف لرهبان الدير. وجاءني أحدهم ليعترف. ولكنه لم يذكر خطية واحدة وقع فيها. وإنما ظل يحكي ويحكي طول الوقت عن أخطاء أحد الآباء نحوه...
وعندما انتهى من حكاياته، وحان وقت صلاة التحليل قلت له باسمًا: يمكنك الآن أن تنادي هذا الأب لكي أقرأ له التحليل...!
[61] هل القائد ينقاد؟!
[61] هل القائد ينقاد؟!
قال لي بعضهم: لم يكن الخطأ هو خطأ ذلك الرجل الكبير، إنما خطأ الذين حوله، الذين ضيعوه بمشوراتهم الرديئة...!
فقلت له في تعجب: وهل القائد ينقاد؟!
إن الذي في موضع المسئولية، عمله أن يقود غيره لا أن يقوده الغير! لا مانع أن يستمع إلى كل رأي، ولا مانع من أن يستأنس برأي ذوي الخبرة وذوي المشورة... يفحص ويدقق ويرى ما هو الخير والحقّ في كل ما يسمع... دون أن ينقاد بكل ما يسمع!
ويتبع الخير والحق وليس كل ما يسمعه من كلام الناس.
وإن كان الرأس ينقاد، فهذه شهادة منه، على أنه لا يصلح أن يكون رأسًا.
[62] حكمة أبيجايل
[62] حكمة أبيجايل
إن كان لا بد من توبيخ البعض أو توجيهه، فإننا نحتاج في ذلك إلى الروح الذي تكلمت به أبيجايل مع داود...
حيث خلطت التوبيخ غير المباشر بالتقدير والاحترام وبالمديح الواضح الذي فتح قلبه لها (1صم 25: 18 - 33).
وكل ما أرادت أن تقوله، قالته، ولكن في تواضع شديد دون أن تجرح شعور داود. هكذا استحقت أن يقول لها: "مُبَارَكَةٌ أَنْتِ، وَمُبَارَكٌ هو عَقْلُكِ"...
[63] كل الخطايا!
[63] كل الخطايا!
كان ذلك في يونيو 1959م وقد جاءني في يوم التناول رجل من أولاد البلد، لكي يعترف. فقال لي: باختصار، جميع الخطايا التي في العالم أنا قد ارتكبتها...
فعرفت أنه لا يريد أن يقول شيئًا محددًا...
فسألته: هل قتلت قتيلاً؟ فأجاب لا.
هل نقبت جدار أرملة؟ فأجاب لا.
هل سرقت أموال البنك الأهلي؟ فأجاب لا.
وحينئذ قلت له: ولماذا إذًا يا بني تظلم نفسك وتقول إنك ارتكبت جميع الخطايا التي في العالم؟!
[64] الألم
[64] الألم
الألم أقوى وأعمق من البهجة، وأكثر صدقًا...
وفيه يقف الإنسان أمام حقيقة الحياة، وأمام حقيقة نفسه. ويدرك أن كل مباهج الدنيا ضئيلة، وتافهة...
[65] مغفرة، ولا خطأ!!
[65] مغفرة، ولا خطأ!!
قالوا لي: جئنا نتوسط إليك لكي تغفر لـــ (فلان).
فقلت لهم: وهل أخطأ فلان في شيء، حتى اغفر له؟! إنه يقول لكل أحد أنه لم يخطئ على الإطلاق...
أتراني أستطيع أن أقول له: الله يحاللك عن خطايا لم ترتكبها؟!
[66] المعرفة العملية
[66] المعرفة العملية
حينما كنت أقف على المنبر كان الهدف هو أن يتعلم الناس.
ولكنني حينما كنت أجلس مع الناس، لأبحث معهم أمور الرعاية، فإنني أنا الذي كنت أتعلم منهم...
كانوا يضيفون إلى ذهني معلومات جديدة، إذ يشرحون لي الواقع العملي الذي يعيشونه، والذي يعرفونه أكثر مني. ويقدمون لي مقترحات عملية مفيدة، انتفع بها في تدبير أمورهم وفي تدبير أمور غيرهم أيضًا. وهكذا تنصقل أفكاري النظرية، بالواقع الذي يعيشه الناس.
ونخرج من الحوار وقد استفدنا جميعًا:
أنا بالمعلومات التي ذكروها، وهم بالقرار الذي نتفق عليه.
[67] ملجأ أم معهد حرفي؟
[67] ملجأ أم معهد حرفي؟
جاءني واحد من أهل الخير، وقال لي إنه يريد أن يقوم بإنشاء ملجأ لرعاية الأيتام... فقلت له: عندي لك فكرة أخرى، وهلّم نبحث الأمر معًا:
ينشأ اليتيم ويكبر وهو معقد جدًا من كلمة (ملجأ) ومن كلمة (يتيم). ولا يريد أن أحدًا يعرف أنه تربى في ملجأ...
فلماذا لا ننشئ معاهد حرفية - بدلًا من الملاجئ، يدرس فيها الأيتام مع أطفال آخرين لهم أسراتهم؟ والفرق الوحيد بين النوعين، أن اليتيم يبيت في المعهد. وقد يبيت معه أيضًا الابن الآخر في حالة سفر أسرته مثلًا...
ونتخلص من كلمة (ملجأ) ومن عبارة (أولاد الملجأ)..
[68] الإرادة والسماح
[68] الإرادة والسماح
سمعت الكثير من الناس يقولون عن كل شيء يتم: هكذا أراد الله! سواء كان هذا الذي تم خيرًا أو شرًا.
بينما الله لا يريد سوى الخير. أما الشرور التي تحدث على الأرض، فأنها تحدث ضد إرادة الله الخيرة.
الله سمح أن تحدث، بما منحه للإنسان من حرية، وسيدينه عليها... وهكذا أن الظالم يظلم، والقاتل يقتل، والسارق يسرق. وكل هذه أمور ضد إرادته الصالحة، وسوف يدين المخطئين عليها...
وهناك فرق كبير بين إرادة الله، وسماح الله.
[69] قال الشيطان لله
[70] تربح الناس
ليس النجاح الحقيقي في أن تنتصر على الناس. وليست هذه هي الشجاعة ولا القوة...
إنما النجاح الحقيقي هو أن تكسب الناس، تربحهم، لأن رابح النفوس حكيم (أم 11: 30).
ربما تنتصر على الناس وتخسرهم! ولا تكون بهذه الخسارة قد نجحت.
السيد المسيح كان في ملء القوة على الصليب، وقد ربح كل الناس.
[71] المتابعة
[71] المتابعة
علمتني الخبرات في الحياة أنه لا يكفي مطلقًا إصدار قرارات سليمة عملية بخصوص الرعاية.
وإنما ينبغي المتابعة المستمرة لهذه القرارات ومعرفة مدى تنفيذها... وهل وقفت عقبات أمام التنفيذ؟ وتقديم الوسيلة لتفادي تلك العقبات...
وبدون المتابعة، تصبح القرارات مجرد ذكرى طيبة، وما أسهل نسيانها بمرور الوقت...!
[72] الناس مواقف
[72] الناس مواقف
ربما إنسان يمجده التاريخ من أجل موقف واحد قد وقفه، في رجولة أو في بطولة أو في نبل...
أو يذكر له التاريخ كلمة رائعة قد قالها، لم يستطع التاريخ أن ينساها بسبب عمقها وتأثيرها.
وعكس ذلك شخص آخر، قد يسجل التاريخ اسمه في عار أو فضيحة من أجل موقف واحد حطم شخصيته!! فنسيت حياته كلها وبقي هذا الموقف الشائن.
حقًا إن الناس مواقف.
أو أن المواقف تكشف معادن الناس.
وبخاصة المواقف التي لا يمكن أن تُنسى. كم من شخص لم يكن معروفًا على الإطلاق... ولكن موقفًا واحدًا قد شهره...
73- المخطئ الشاكي
73- المخطئ الشاكي
إنسان في الكنيسة يخطئ أخطاء بشعة تنسحب نتائجها الخطيرة على آخرين وتفشل معه كل طرق النصح وطول الأناة... وأخيرًا أضطر إلى معاقبته حتى لا تنتشر أخطاؤه وتضر بغيره. ويحدث ذلك في هدوء دون إعلان مساوئه.
ولكنه لا يسكت على نفسه كما سكتنا عنه ويظل يبكي أمام الناس، ويشكو لكل أحد، ويحدث كل من يصادفه عن ظلم قد وقع عليه دون ذنب قد جناه!
ويأتي إليَّ الناس يترجون أو يتساءلون أو يعاتبون وأجد نفسي في حرج.
إما أن أصمت، وأقف أمامهم كظالم، فأعثرهم!
وإما أن أكشف لهم أخطاء ذلك الشخص، فيساء إلى سمعته، بينما أنا أود أن تظل أخطاؤه غير معروفة. حرصًا عليه.
[74] روح القانون
[74] روح القانون
العدل في القضاء يقضي أن يحكم القاضي بروح القانون، وليس بنصوص القانون مجردة من روحه...
ولهذا كثيرًا ما يلجأ القضاة إلى المذكرة التفسيرية للقانون، أو إلى مضبطة جلسة مجلس الشعب...
وكثيرًا ما نقرأ في كتب القانون عبارة: "ما يقصده المُشرّع".
لأن المهم هو روح القانون، "الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي" (2كو3 : 6).
[75] قسمة!!
[75] قسمة!!
لي صديق وقد اشتركنا في العمل معًا...
فقال لي: هيّا نقسم الاختصاصات بيننا:
لي السلطة والإدارة.
ولك المشاكل وحلّها!!
فابتسمت، وتذكرت قصة ذلك الشاعر الإعرابي الذي أراد أن يشترك مع زميله في صُنع فطيرة يأكلانها معًا. فقال له مقسمًا تكاليف صنعها:
منك الدقيق، ومني النار أشعلها
والماء مني، ومنك السمنُ والعسلُ
[76] الله والمشكلة
[76] الله والمشكلة
لا تنظر إلى المشكلة، وإنما إلى الله الذي يحلها.
شعورك بأن الله واقف معك في مشاكلك، يمنحك رجاء وقوة.
[77] البركة والنظام
[77] البركة والنظام
من الأخطاء الشائعة أن يقول البعض (خليها بالبركة)، ويقصد أن تترك الأمر كيفما اتفق، بلا نظام ولا ترتيب ولا إعداد! كما لو كانت البركة ضد النظام! أو كما لو كان النظام لونًا من الحكمة البشرية يتعارض مع البركة.
بينما فصل إنجيل البركة، الذي بارك فيه الرب الخمس خبزات والسمكتين واشبع الجموع، هو فصل من الإنجيل عن النظام. إذ قال الرب أَتْكِئُوهُمْ فِرَقًا صُفُوفًا صُفُوفًا: مِئَةً مِئَةً وَخَمْسِينَ خَمْسِينَ (لو 9: 14) (مر 6: 40).
كما أن التوزيع تمّ بكل نظام: الرب أعطى التلاميذ، والتلاميذ أعطوا للجموع (متى 14: 19). ولم يترك البواقي ملقاة على الأرض وإنما "قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «اجْمَعُوا الْكِسَرَ الْفَاضِلَةَ لِكَيْ لاَ يَضِيعَ شَيْءٌ»" (يو6: 12). فجمعوا وملأوا اثنتي عشرة قفة.
إن البركة والنظام يجتمعان معًا. والنظام يساعد على البركة.
[78] نسيان الخير - 1 -
[78] نسيان الخير - 1 -
افعل الخير وانسه. لا تطلب عنه أجرًا ولا شكرًا.
ولا تنتظر ممن فعلت معه الخير، أن يكافئك بالمثل، أو يعاملك بنفس المعاملة.
يقينًا أنك لم تفعل الخير، لأجل أن تنال عنه عوضًا! إنما أنت قد فعلت الخير لمجرد أنك تحب الخير، ولا تستطيع أن تفعل سوى الخير...
ليكن الخير طبعًا فيك. وليكن شيئًا تلقائيًا لا يحتاج إلى جهد، مثله مثل التنفس عندك.
إن نسيته، يذكره لك الله، هنا وفي الأبدية.
أما إن ذكرته - ولو في داخلك - فربما تفقده...
79- نسيان الخير - 2 -
79- نسيان الخير - 2 -
افعل الخير وانسه...
إنه داخل نفسك. فلا تفكر فيه، لئلا تقع في البر الذاتي، وفي الإعجاب بالنفس فتكبر نفسك في عينيك...
انسه أمام الناس. فلا تتحدث عنه لئلا تقع في الافتخار، ولئلا تأخذ أجرك عنه من الناس، وتفقد بركة "الفضيلة التي في الخفاء"...
وهذا الخير، انسه أيضًا أمام الله. لئلا تفعل كما فعل الفريسي في الهيكل فلم يخرج مبررًا (لو 18).
انس الخير الذي تفعله لكي تحفظه مكنوزًا لك في الأبدية. لأنك بتذكرك له تفقده. وقد كانت هذه مشكلة أيوب الصديق، وسبب تجربته (أي 29).
انسى هذا الخير، فيذكره لك الله.
ولكن لا تنسى الخير، الذي يفعله الآخرون.
بل اجعله سببًا يقربهم إلى قلبك، ويقربك إلى قلوبهم. اشكرهم عليه وامتدحهم من أجله...
[80] تورَّط
[80] تورَّط
كثيرون يدخلون أنفسهم في علاقات تظل تنمو إلى أن يتورطوا ويتعبوا منها...
وتدخلهم هذه العلاقات في سياسات معقدة، وتعرض عليهم أخبارًا تفقدهم بساطتهم ونقاوة قلوبهم، سواء كانت أخبارًا صادقة أو مختلقة.
ما أجمل أن يقيم الإنسان حدودًا لكل علاقاته، بحيث لا يتعداها ولا يأكل فيها من "شجرة معرفة الخير والشر".
[81] هل للفكر ثمن؟!
[81] هل للفكر ثمن؟!
ثمن الكتاب هو ثمن الورق والحبر وأجرة الطباعة، وليس هو ثمن الأفكار...
فالأفكار أغلى من أن تُثمن. وهي لا تُشترى ولا تُباع، إنما توهب.
هي نور يسري من ذهن إلى ذهن، ومن قلب إلى قلب، ويلقي شعاعه إلى محبيه، وإلى منتقديه أيضًا.
لذلك حينما تقرأ على كتاب ثمنه، فلا تتصور مطلقًا أنه ثمن أفكاره. فرّب فكرة واحدة فيه تكون أغلى من كل ما يُدفع فيه من ثمن...
حتى الكتاب الذي يبدو وراء ثمنه مكسب: ما هذا المكسب سوى ثمن مصروفات صاحب الكتاب على احتياجاته أو احتياجات غيره... وليس ثمن الأفكار...
والكتاب النافع لا يكون نفعه قاصرًا على أفكاره فقط.
بل الأفكار التي فيه تلد أفكارًا أخرى في ذهن قارئها، وتلد مشاعر في قلبه.
تُرى هل لهذه الأفكار والمشاعر المولودة ثمن؟!
[82] سياسة التحويل
[82] سياسة التحويل
كثير من الذين لا يحبون أن يتحملوا مسئولية أعمالهم أو أخطائهم، يحاولون أن يحولوا المسئولية إلى غيرهم، ليبرروا أنفسهم.
إنها خطية قديمة، منذ أيام آدم وحواء.
أبونا آدم أراد تبرير نفسه بتحويل المسئولية إلى حواء. وهي بدورها أرادت أن تلقي بالمسئولية على الحية.
وأي إنسان يخطئ قد يلقي بمسئولية أخطائه على المجتمع،
أو الكنيسة، أو على والديه أو أصدقائه. المهم أنه يبرر نفسه.
أما أنت، فمن الخير لك أن تتحمل مسئولية عملك، ولا تحولها إلى غيرك، مهما كان له نصيب فيها. وابحث عن مواضع النقص في نفسك لكي تصلحها...
واعرف أن أخطاء الآخرين ليست عذرًا لك. ولا تشفع فيك في يوم الدين.
[83] التلمذة
[84] مدرسة للزواج
[84] مدرسة للزواج
كثيرًا ما ناديت بإنشاء مثل هذه المدرسة. وما يُعرض علينا في المجلس الإكليريكي من أمور الخلافات الزوجية، وما يعرض على المحاكم من قضايا الطلاق وقضايا البطلان، كل هذا يشعرنا بأن الضرورة ملحة لأن تنشئ الكنيسة فصولًا لتعليم الحياة الزوجية...
ويكون من مناهجها: ما هو الزواج؟ وأهدافه وشروطه؟ والتأهل للزواج والتوافق فيه. ودراسة فترة الخطوبة وطبيعتها وطرق التعامل أثنائها... وبكيفية التعامل والتعاون في بيت الزوجية. ومعرفة نفسية المرأة ونفسية الرجل. وأسباب الخلافات الزوجية، وطرق حلها. وطريقة تربية الأبناء وكيفية تدبير البيوت والأمور المالية. وطريقة معاملة أقارب كل من الزوجين...
وذلك حتى لا يخاطر أبناؤنا بالدخول في حياة مجهولة يتعثرون فيها.
وإن وجدوا إشكالًا، هل يحتملون في صمت أم يتكلمون؟ ومع من...
[85] على الرغم من...
[85] على الرغم من...
عمل الخير على الرغم من العوائق، يدل على عمق الخير في القلب، وانتصار الإرادة الخيرة وله أجره الكبير...
ومن أمثلة ذلك:
الذي يعطي على الرغم من أعوازه، كالأرملة التي أعطت الفلسين (مر12: 42)، وكالأرملة التي عالت إيليا النبي وقت المجاعة، وكالفقير الذي يدفع العشور على الرغم من احتياجه.
سهل هو الباب الواسع والطريق الرحب. ولكن الذي يدخل، على الرغم من ضيق الباب وكرب الطريق، فهذا هو الذي ينال الطوبى من الرب.
كذلك الذي يسامح على الرغم من مرارة الإساءات، والذي يغفر على الرغم من السبعة في السبعين (مت 18: 22).
والذي ينجح على الرغم من صعوبة الامتحان، كما نجح إبراهيم في امتحانه بتقديم ابنه الوحيد، ابن الموعد.
والذي يثبت في الإيمان، أو يصل إليه على الرغم من المحاربات والشكوك، كاللص الذي آمن بالرب وهو مصلوب إلى جواره ومحاط بالإهانات والتحديات...
كذلك الذي يحتفظ بصداقته وإخلاصه وسط الضيق، في الوقت الذي يعثر في كثيرين... كما تبع يوحنا الحبيب معلمه حتى الصليب، وكما فعل يوسف الرامي ونيقوديموس، ولم يخافا من انضمامهما إلى المصلوب. وكما فعل يوليوس الأقفهصي في عنايته بأجساد الشهداء...
إن الفضيلة السهلة قد يقدر عليها الكل. أما الفضيلة المحاطة بالمصاعب والمخاطر، فهي الدليل الحقيقي على البر والقداسة.
[86] يهوذا
[87] العاصفة، بمن تعصف؟
[87] العاصفة، بمن تعصف؟
العواصف تهب، ولكنها لا تعصف بكل شيء.
قد تهشم الكوخ الضعيف، ولكن لا تزلزل الجبل الراسخ.
تهز الشجرة الصغيرة. ولكن لا تؤثر في البلوطة القوية.
مياه النيل في عنفها، جرفت في طريقها كل ما صادفها من الطين وحفرت فيه مجرى... ولكنها لم تستطع أن تجرف الجنادل الستة، فبقيت ثابتة في مجرى الأنهار، لا تؤثر فيها الأمواج ولا المياه.
وأنت، اسأل نفسك: ما هو معدنك؟
كن جنديًا ثابتًا، لا تجرفه المياه.
وكن جبلًا راسخًا، لا تهزه العواصف.
وتذكّر ما قيل عن زربابل: "مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الْجَبَلُ الْعَظِيمُ؟ أَمَامَ زَرُبَّابِلَ تَصِيرُ سَهْلًا!" (زك 4: 7).
لا تجعل الأخبار تهزك، ولا الأحداث تزعجك. كن أكبر منها. دعها تعبر عليك وتمر. وأنت حيث أنت.
قال الرسول: "كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ..." (1كو 15: 58)، نعم كونوا راسخين.
حياتكم لا تعتمد في سلامها على العوامل الخارجية. إنما تعتمد في سلامها على الإيمان، وعلى جوهر القلب من الداخل.
والقلب القوي بالله، حصن لا يُقهر.
[88] توبة أم محاولة
[88] توبة أم محاولة
الذي يقول إنه تاب، ثم يرجع إلى الخطية، ثم يتوب ثم يرجع... هذا لم يتب بعد. ليست هذه توبة، إنما محاولات للتوبة.
أما التائب الحقيقي فهو إنسان قد تغيرت حياته وقد ترك الخطية إلى غير رجعة. مثل توبة أغسطينوس، وموسى الأسود...
قال أحد القديسين: لا أتذكر أن الشياطين أسقطوني في خطية واحدة مرتين.
[89] أربعة أنواع في النفع والضرّ
[89] أربعة أنواع في النفع والضرّ
الناس في النفع والضرّ على أربعة أنواع:
1- شخص ينفع غيره، وفي نفس الوقت ينفع نفسه.
وذلك بالحكمة والمحبة والحرص وحسن العلاقات مع الناس.
2- شخص ينفع غيره، حتى لو أدى الأمر أن يضرّ بنفسه.
ويتصف هذا النوع بالتضحية والبذل والشهامة.
وفي الواقع هو لا يضرّ نفسه، بل ينفعها روحيًا. وكما قال الرب: "وَمَنْ أَضَاعَ نفسه... يَجِدُهَا" (متى 10: 39).
3- شخص ثالث ينفع نفسه، ولو أضرّ بغيره.
وهذا النوع الأناني المحب لذاته. وهو لا يصلح للحياة الاجتماعية، ولا للحياة الروحية.
4- شخص رابع يضرّ نفسه، ويضرّ غيره.
وهو إنسان سيئ التصرف أو جاهل، عدم وجوده خير من وجوده...
ففي أي الأنواع الأربعة تضع نفسك؟
ليتك تكون نافعًا، وتتسع دائرة نفعك فتشمل الكثيرين.
[90] الأحداث
[90] الأحداث
الأحداث تكشف معادن الناس.
إنها نور يُلقى على كل شخص، فتظهر طبيعته على حقيقتها.
ونحن نشكر الله على الأحداث، لأنها تعطينا معرفة أعمق بإخوتنا وأصدقائنا، وخبرة.
إنها ميزان... إنها برهان... إنها غربال...
ولذلك فإن الشيوخ الذين مرت بهم أحداث كثيرة تكون آراؤهم أكثر صوابًا. لأنهم يحكمون من خلال الواقع الذي اختبروه، ويعرفون الناس بعمق أكثر.
[91] واعظ مشهور
[92] الهروب والتحرر
[92] الهروب والتحرر
شتان بين الهروب من الخطأ، والتحرر من الخطأ.
قد يحاول إنسان أن يهرب من الخطأ وفي نفس الوقت لا يكون قد تحرر من هذا الخطأ على الرغم من عدم وقوعه فيه.
الهروب من الخطأ شيء خارجي.
والتحرر من الخطأ حالة داخل القلب.
على أن الهروب من الخطأ هو خطوة أولى، ربما تكون للمبتدئين، أما التحرر من الخطأ فهو للكاملين.
وأحيانًا يكون الهروب من الخطأ دليلًا على الخوف من الوقوع فيه. وهذا يدل على عدم التحرر من الداخل!
وقد يكون الهروب من الخطأ دليلًا على رفضه له، كما حدث مع يوسف في هروبه من زوجة سيده...
وبعض القديسين يهربون من الخطأ بلون الاتضاع، لكيما يردوا بهذا على شيطان المجد الباطل.
وأحيانًا يهربون لكي يفرغوا أنفسهم للعمل الروحي الإيجابي البنّاء. أما داخلهم فهو متحرر من هذا وغيره.
[93] هل الصمت فضيلة؟
[94] داخل الكنيسة
[94] داخل الكنيسة
لست أعجب لمن يجرفه العالم فيهلك... فهذا شيء طبيعي، وأمثلة كثيرة...
وإنما أعجب لمن يهلك وهو داخل الكنيسة، وربما هو خادم!
يهلك عن طريق الكبرياء، وحب السيطرة، والغضب، أو محبة المديح، أو بسبب الانحراف العقيدي، أو أن يضيعه العناد والتمسك بالرأي ومعاداة الكل...!
هذا قد دخل إلى الخدمة ودخلت أخطاؤه معه. وبها يهلك ويهلك غيره.
[95] متى تعرفه؟
[96] مراحل
[96] مراحل
نحن في الحياة نعبر مراحل، يجتازها القلب والفكر والحسّ والروح. كل مرحلة لها مفعولها وتأثيرها. ولها مدى زمني لا تتعداه.
فالجلجثة مرحلة، والقيامة مرحلة، والصعود مرحلة توصل إلى الجلوس عن يمين الآب... وهنا الاستقرار.
والجلجثة - كمرحلة - لا تستمر مدى الحياة.
إنها تعبر حين نفرح بالقيامة ونقوم بحالة أفضل. ويتحول الصليب إلى إكليل ومجد...
وسعيد من ينظر باستمرار وفي رجاء إلى المرحلة المقبلة.
وسعيد من لا تستقطبه المشكلة. فالمشكلة مجرد مرحلة.
وحل المشكلة مرحلة أخرى.
بالإيمان عش في الحل، وافرح ناظرًا إلى ما لا يرى.
الدنيا كلها مرحلة توصل إلى مرحلة أخرى، هي الأبدية...
[97] في غيبة المسجل
[97] في غيبة المسجل
البعض يحترس في كلامه ويدقق، حينما يقف أمام جهاز تسجيل (ريكوردر)، وذلك لأن الجهاز يسجل عليه كل ما يقوله...
فإذا لم يكن أمامه ريكوردر، يتكلم بغير احتراس، وبغير تحفظ. ولا يبالي إذا أخطأ ما دام ليس هناك مسجل ولا رقيب وليست هناك مؤاخذة أو مساءلة.
بينما كل كلمة يقولها، محسوبة عليه، هنا وفي السماء.
سواء كانت مسجلة على شريط، أو غير مسجلة. هوذا السيد الرب يقول: "إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ. لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" (مت 12: 36، 37).
ونفس الوضع لمن يدقق فقط أمام آلة التصوير.
إنها أيضًا تسجل عليه ملامحه وأعماله وحركاته ومظهره... وفي غير وجودها قد لا يبالي بشيء من كل هذا...!
[98] أحاديث متعبة
[98] أحاديث متعبة
قال له وهو متضايق جدًا.
- ماذا أفعل لمن يضيع وقتي في سماع شيء أنا أعرفه تمامًا وقد سمعته مرارًا؟! أو من يحاول أن يقنعني بشيء أنا مقتنع به من قبل ومهما أخبرته بأنني مقتنع يصر على أن يشرح ليقنعني!
وماذا أفعل مع من يحدثني طويلًا، وتكون محصلة كلامه هي لا شيء، ثم يطلب موعدًا آخر لكي يضيف إلى هذا اللاشيء لا شيئًا آخر؟!
- قلت له: لعل هؤلاء يريدون لك فضيلة حسن الاستماع.
- قال: حاللنى. ولكن أعصابي تعبت من ذلك وأرهقت.
- قلت له: الأفضل مع هؤلاء أن تقود أنت الحديث، أو تحاول أن تغير مجرى الحديث إن بدأوا هم، وتستمر في قيادته...
[99] المتحدث اللبق
[99] المتحدث اللبق
المتحدث اللبق، هو الذي يكلمك فيما تريد أنت أن تسمعه، وليس فيما يريد هو أن يقوله...
وإن أراد أن يقول لك شيئًا، فإنه يعرضه عليك بطريقة مشوقة، بحيث تريد أن تسمع... حتى إن سكت ولم يكمل، تستحثه أن يسمعك باقي الحديث.
إنه يشبع أذنيك بما تحب، ولا يفرض عليك سماع ما لا يرضيك.
وإن لاحظ على ملامحك ميلًا إلى عدم سماع شيء، لا يطيل، ولا يستمر، بل ينسحب من الموضوع بطريقة لبقة، ليحول حديثه إلى ما يعرف أنه يعجبك...
وفي كلامه يثير لهفتك، ويثير اهتمامك إلى كل ما يقول.
وتشعر باستمرار أن كلامه مريح لأذنيك ولعقلك وقلبك.
لهذا نجد أن المتحدث اللبق يشد انتباه سامعيه إليه، بعكس من يتكلم في موضوعات لا تهم السامعين، ويطيل إلى أن يملوا. ولا تكون لديهم قابلية للإنصات أو لتكملة السماع...!
[100] أسلوب الضجيج!
[100] أسلوب الضجيج!
إنه نوع قابلناه أثناء خدمتنا...
نوع من الناس يظن أنه يصل إلى تنفيذ رغباته في الكنيسة عن طريق الشغب والضجيج، والمطبوعات والمنشورات وإثارة الناس، وكثرة الحديث هنا وهناك، ظانًا أن الكنيسة - لكي تتفادى ضجيجه - تنفذ له ما يريد!
إن جو الكنيسة الروحي، لا تناسبه هذه الأساليب غير الروحية، فهي محاولة لإدخال جو العالم إلى الوسط الكنسي. ولا تستطيع الكنيسة أن تخضع لهذه الأساليب، وإلا يتعودها الناس...
[101] سلوك واحد
[102] أخطأت:
[103] تعليم الفقير مهنة
[103] تعليم الفقير مهنة
غالبية الكنائس والجمعيات الخيرية تعطي معونة شهرية للفقراء. وهذا حسن بالنسبة إلى الفقراء غير القادرين على العمل.
أما بالنسبة للقادرين، فيحسن إيجاد عمل لهم أو تعليمهم مهنة، أو فتح مشروع بسيط لهم. وهكذا لا يحتاجون إلى المعونة المستمرة.
وإن لم يكن ذلك، فعلى الأقل إيجاد عمل لأولادهم وبناتهم...
وتحتاج لجان البر أن تتدرب على معرفة الأعمال المناسبة للفقراء، كل حسب مقدرته وفهمه.
[104] مقاييس خاطئة
[104] مقاييس خاطئة
هل تظن يا أخي أن هيرودس كان أقوى من يوحنا المعمدان، لأنه استطاع أن يقدم رأس يوحنا المعمدان على طبق؟!
كلا بلا شك، لقد كان المقتول أقوى.
وظل هيرودس يخشى المعمدان حتى بعد مقتله. ولما ظهر المسيح، ظن هيرودس أن يوحنا قد قام من الأموات (متى 14 : 2).
ما أعجب مقاييس الناس: يظنون القوة حيث يوجد الضعف! والنصرة حيث توجد الهزيمة!
[105] الوسطاء
[105] الوسطاء
أحيانًا يخطئ شخص، ولا يعتذر عن خطئه، بل لا يعترف بأنه قد أخطأ...
فإن وقع بسبب الخطأ في مسئولية، يظل صامدًا في مكانه، ويتدخل الوسطاء يلتمسون له العفو، بينما يصر هو في كبرياء على أنه لم يخطئ...!
وكلما يخطئ المخطئ، يوجد من يتوسط له ويدافع عنه، تقوى شوكته بهؤلاء المدافعين، ويستمر في الخطأ، يستمر الدفاع، بعد إصلاح للموقف، وبلا تغيير للحالة...! وقد يصل الوضع إلى تسيب، نتيجة لبقاء الخطأ وعدم العقوبة، ودوام الدفاع والتوسط...
وخلال كل ذلك تضيع القيم، ويضيع الانضباط، ويستاء محبو الخير ويحتجون. ويبدو أنه لا بد من تدخل الحزم وفرض عقوبة رادعة.
والعجيب أن الوسطاء المدافعين يبررون موقفهم، بأنهم يعملون بدافع الحب، ورغبة في السلام... وهم في كل ذلك لا يعرفون معنى الحب، على حقيقته. فالدفاع عن الخاطئ يضره روحيًا ويضر بالصالح العام، ويضر بالقدوة الحسنة.
محبتك للخاطئ هي إنقاذه من خطئه، ليس من العقوبة.
محبتك له هي في دفعه إلى التوبة، ليس في الدفاع عنه. هي في إقناعه أنه قد أخطأ، ويجب أن يغير مسلكه. فإن لم يفعل وعوقب، فالذين يحبونه يقنعونه بأنه يستحق العقوبة، ولا يحتجون على عقوبته. ولا يجوز أن دفاعهم عنه يحوله إلى العناد، والإصرار على الخطأ، والانتقال من سيء إلى أسوأ...
وليضع هؤلاء الوسطاء أمامهم قول الكتاب:
"مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ" (أم 17: 15).
ونلاحظ هنا بالنسبة إلى المكرهة للرب، وضع مبرئ المذنب أولًا... إن الذي يبرأ المذنب، لا يضع الحق أمامه، والحق هو اسم من أسماء الله (يو 14: 6) ... ولا يصح أن يدافع إنسان عن المخطئ، أكثر مما يدافع عن الحق.
إن الذي يبرّئ المذنب، يشترك معه في ذنبه.
أما القول بأن التوسط هو من أجل السلام في الكنيسة، فلا يجوز أن يُبنى السلام على بقاء الخطأ. السلام الحقيقي لا يكون في الدفاع عن الباطل، وإنما في أن يسود البر لأنه "لَيْسَ سَلاَمٌ، قَالَ إِلهِي، لِلأَشْرَارِ" (إش 57: 21).
ويسألني البعض: هل من الخطأ إذًا أن أتوسط؟
وأجيب: أن التوسط ليس خطأ. ولكنه لا يكون على حساب الحق. توسط إذًا، دون أن تجامل الباطل ودون أن تتجاهل الحق...
[106] وضع عكسي
[107] الغد أفضل لك
[107] الغد أفضل لك
لا تعش في يومك، إن كان يومك متعبًا لك. بل عش في غدك.
في هذا الغد، ترى يد الله تمتد إليك لكي تريحك.
وفي الغد ترى حلولًا كثيرة لمشاكلك.
إن كان اليوم مظلمًا، فإن الغد يفتح أمامك طاقات من نور. القديسون عاشوا في الغد، في الأبدية، وعلقوا بها كل آمالهم.
في الغد عاش داود، حينما كان شاول يطارده.
وفي الغد عاش يونان، وهو في بطن الحوت...
وفي الغد عاش يوسف وهو سجين. وعاش أبوه يعقوب وهو هارب من عيسو، وكان واثقًا أن الله سيرد غربته...
إن تعقدت أمامك الأمور، قل إنها ستنحل غدًا.
وابتسم وعش في هذا الغد...
[108] الحقُّ النسبي
[108] الحقُّ النسبي
الحقّ بمعناه المطلق، كله خير، وكله صدق.
بل الحقّ هو أيضًا من أسماء الله.
ولكن غالبية الناس يعيشون في (الحق) النسبي، نسبة إلى معارفهم وإلى مشاعرهم.
وقد يتنازع الحق خصمان أو أكثر كل منهما يقول إن الحق في جانبه. بينما يكون الحق بعيدًا عن كليهما، أو يكون في موضع وسط.
وقد يتحمس إنسان ويثور بحجة الدفاع عن الحق. وربما يكون هذا (الحق) عبارة عن معلومات خاطئة في ذهنه، سمعها سماعًا بغير فحص. وليست هي الحق...!
[109] ألوان من العتاب
[109] ألوان من العتاب
العتاب في حدود المعقول، مقبول...
ولكن هناك ألوانا من العتاب تأتى بنتيجة عكسية، وتجعل العلاقات أسوأ... ومنها:
1- العتاب الذي يكون بقسوة وبشدة، ولا يشعر فيه الطرف الآخر بالحب...
2- العتاب الذي يتهم بدون أدلة، ويبدو أنه يظلم بدون وجه حق.
3- العتاب الذي لا يقبل تفاهمًا، ويصرّ على أسباب غضبه، دون أن يقبل توضيحًا أو شرحًا أو ردًا.
4- العتاب الذي لا يقبل تفاهمًا حتى الأعذار والمراضاة، ولا يهدف إلى صُلح! إنما يهدف إلى أن يفرغ كل ما في قلبه، وما في ذهنه، حتى لو أساء إلى الآخر بكلماتٍ جارحة.
أسأل نفسك: ما هو هدف من العتاب؟ وما هو أسلوبي فيه؟
وتذكر قول الشاعر:
ودع العتاب فربّ شرٍ .:. كان أوله العتابا.
[110] الكتابة والضمير
[110] الكتابة والضمير
الذي يكتب، ينبغي أن يضع في كل ذهنه أثناء الكتابة، ما يترتب على ذلك من نتائج وتأثيرات وردود فعل.
فالكتابة مسئولية أمام الضمير وأمام الله وأمام القراء.
وطوبى لمن يكتب بضميره قبل قلمه.
وطوبى لمن كتابته نُبل لا نِبال.
ولا يجوز أن يكتب أحد وينشر، بغير مبالاة لردود الفعل، لمجرد أن يحقق غرضًا في نفسه...
[111] عدوى الأمراض النفسية
[111] عدوى الأمراض النفسية
الأمراض النفسية يمكن أن تنتقل بالعدوى من شخص لآخر، تمامًا مثل الأمراض الجسدية...
فمعاشرة الشكاكين قد تُدخل الشك إلى النفس. والاستماع إلى كلام الخائفين قد يجلب الخوف.
وهكذا أيضًا القلق، والاضطراب، والظنون، والغيرة، والشهوة... يمكن أن تنتقل بالعشرة والصداقة، وتبادل الحكايات والأخبار.
لهذا كان لا بد للإنسان أن يتخير أصدقاءه...
وليست الأمراض النفسية فقط هي التي تنتقل بالعدوى، بل الأمراض الروحية أيضًا...
[112] حدود التساهل والتسامح
[112] حدود التساهل والتسامح
يمكنك أن تتساهل وتتسامح في حقوقك الخاصة. ولكنك لا تستطيع أن تتسامح في حقوق الغير، أو في حقوق الكنيسة، أو في حق عام، أو في حق الله.
حقك الخاص هو ملك لك.
أما الحق العام فليس لك. لا تملك التفريط فيه. انه وديعة أو أمانة، تحافظ عليها.
أقول هذا بوجه خاص لكل من هو في مسئولية، أو لكل من استؤمن على وكالة (1كو 9: 17).
[113] أهمية الاستمرار
[113] أهمية الاستمرار
قيمة العمل في استمراره...
فقد تعمل عملًا، يحدث دويًا لأيام أو لأسابيع. ثم ينتهي وكأن لم يكن... وقد تعمل عملًا يكون له أثره في حياتك. ثم ينتهي بانتهاء هذه الحياة... ليس هذا هو العمل القوي العميق...
العمل القوي هو الذي يستمر، حتى بعد حياتك...
يستمر في الأبدية، يذكره لك الله...
ويستمر على الأرض، يذكره لك الناس...
وسنضرب بعض الأمثلة للعمل المستمر:
المحبة القوية هي التي تستمر... أما الذي تهزها الأحداث، وتنتهي بأي خلاف فليست محبة حقيقية...
التدريب الروحي القوي هو الذي يستمر. أما أن تضغط على نفسك أيامًا أو أسابيع ثم ترجع كما كنت، فليست هناك القوة ولست تنتفع شيئًا...
كذلك التوبة المؤقتة، ليست حقيقية. والإصلاح المؤقت ليس إصلاحًا ثابتًا... المهم أن تستمر التوبة ويستمر الإصلاح.
وهكذا أيضًا المبادئ الثابتة هي التي تستمر. أما التي تُمارس ثم تختفي، فأن جذورها لا تثبت في النفس...
سهل على أي إنسان أن يفعل الخير في فترة ما! إنما الإنسان الخيّر بالحقيقة، فهو الذي يثبت في عمل الخير.
البدء في أي عمل أمر سهل. إنما المهم أن نكمل.
[114] اللحام بالأوكسجين
[114] اللحام بالأوكسجين
كان ذلك منذ حوالي الأربعين عامًا قبل أن أذهب لأترهب.
وكنت سائرًا في الطريق، فرأيت عاملًا يقوم بعملية لحام بالأوكسجين لقطعة معدنية. وكانت هذه القطعة مستسلمة لناره المتوهجة إلى أن تم لحامها...
فقلت لنفسي، لماذا نتألم نحن ونحتج ونشكو، حينما يستخدم معنا الله طريقة اللحام بالأوكسجين.
[115] عربة وعربة
[115] عربة وعربة
كنت سائرًا أيضًا في الطريق، فرأيت عربة كارو، وعربة مرسيدس فخمة. وكان الناس يتعجبون كيف تسير هذه إلى جوار تلك!
أما أنا فقلت كلاهما لازمتان. فما تستطيعه الكارو من حمل الجوالات والأثاثات، لا تستطيعه عربة المرسيدس. إن المجتمع يحتاج إلى كلتيهما. وكل منهما نافعة وناجحة في حدود إمكانياتها واختصاصاتها... كأعضاء جسم الإنسان...
[116] موهبة التفكير
[117] أتعبهم (تدّينهم)!
[117] أتعبهم (تدّينهم)!
طبعًا التدين لا يتعب إلا إذا كان تدينًا خاطئًا.
والذي اتعب أولئك، هو التمسك بالفضيلة الواحدة.
وعدم الحكمة في ممارسة هذه الفضيلة.
إنسان يسلك مثلًا في التواضع أو الوداعة بغير حكمة، ويجد نفسه قد تعب من اعتداءات الناس واستهزائهم وعدم احترامهم له؟ فيأتي ويشكو.
أو إنسان يسلك في العطاء بغير حكمة، حتى يجد نفسه محاطًا بمجموعة من المحتالين والأدعياء يضغطون على ضميره ضغطًا متواليًا بغير هوادة، فيتعب!
أو إنسان يسلك في التسامح بغير حكمة، حتى يفقد السيطرة على مرؤوسيه في العمل، الذي يسوده جو من التسيب والإهمال واللامبالاة، فيتعب من كل ذلك، ويشكو...
والواقع أن المسيحية تدعو إلى الشخصية المتكاملة التي تتكامل فيها الفضائل معًا، حتى التي تبدو بينها تضاد.
ففيها العفو وفيها العقوبة أيضًا. والله قد عاقب...
فيها الطيبة وأيضًا الحزم. فيها الوداعة وأيضًا الشجاعة.
فيها الكلمة الرقيقة، وأيضًا التوبيخ إذا لزم الأمر.
وكما قال الكتاب: "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ" (جا3: 1- 8).
وعمومًا كل فضيلة، ينبغي أن ترتبط بالحكمة والإفراز.
وأولئك المتدينون لم يتعبهم التدين، وإنما الممارسة الخاطئة أو الفهم الخاطئ للتدين. لأنهم سلكوا بغير حكمة في تدينهم...
[118] في يوم واحد!
[119] التعليم والتسليم
[119] التعليم والتسليم
ليست التلمذة مجرد كلام يسمعه تلميذ من مُعلم...
إنما التلمذة هي روح يمتصها طالب العلم، وحياة تنتقل من شخص إلى آخر. إنها إذًا "رُوحٌ وَحَيَاةٌ" (يو6: 63).
إنها ليست فقط عن طريق التعليم، إنما هي بالأكثر عن طريق التسليم.
والمعلم الحقيقي هو الشخص الذي يستطيع أن يقدم الصورة الإلهية للناس... يقدم لهم الحياة الروحية مطبقة عمليًا فيتعلمون من الحياة أكثر مما يتعلمون من الكلام.
المعلم الحقيقي هو أيقونة جميلة في الكنيسة. هو صورة الله أمامهم.
الأطفال في الكنيسة، كيف يتعلمون؟ وكيف يتعلم العوام وقليلو المعرفة؟ وكل الذين لا يدركون عمق ما في الكتب والقراءات والعظات؟
إنهم يتعلمون من الصورة الحية. يمتصون الحياة الروحية ويتقبلون مثالياتها في المثال الموضوع أمامهم...
وحتى الذين يفهمون الكتب والعظات، لا يدركون أعماقها إلا بمثال عملي.
وأنت ماذا تراك تقدم للناس؟ كلامًا أم حياة؟
[120] انضمام على الورق
[120] انضمام على الورق
كثيرًا ما يطلب شخص من مذهب مسيحي آخر يد ابنة أرثوذكسية من بنات كنيستنا. وإذ تصرّ الكنيسة على أن تتم الخطبة بين أرثوذكسي وأرثوذكسية يقدم هذا الخطيب طلب انضمام إلى الكنيسة.
وينضم انضمامًا شكليًا بحتًا، لا عن عقيدة، ولا عن إيمان.
ولا تقدم له الكنيسة تعليمًا، ولا تختبر إيمانه، ولا تجري له أي طقس ولا أي سر من أسرار الكنيسة! ويكون انضمامه إلى الأرثوذكسية هو مجرد انضمامًا على الورق!
ويفرح بعض الآباء الكهنة بهذه الشكليات...! ثم تحدث المشاكل بعد الزواج. وقد يستمر الزوج متمسكًا بعقائد مذهبه واجتماعاته... ومن ثمرة هذا الزواج يخرج أبناء مزعزعون في إيمانهم أو منحرفون عنه...
[121] الأقارب والعشور
[121] الأقارب والعشور
كثيرون كانوا يسألونني: هل يجوز أن ندفع من عشورنا لأقاربنا بالجسد؟ وكنت أجيبهم:
يجوز أن ندفع للأقارب من العشور إن كانوا محتاجين ولكن لا ندفع لهم كل العشور.
تدفع لهم، لأن الكتاب يقول: "وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ" (1تي 5: 8). وأقول: "إن كانوا محتاجين"، لئلا يكون الصرف على الترفيه أو الكماليات.
ولكن لا تدفع لهم كل العشور لسببين:
1- لئلا تكون رابطة الدم فقط هي التي تدفعك، وليس الحب للمحتاجين.
والمفروض أن تساعد باقي المحتاجين أيضًا، ومن غير أقربائك، كما تساهم أيضًا من جهة احتياجات الكنيسة.
2- لئلا تهرب من العشور تحت ستار الوفاء بواجبات اجتماعية أنت مضطر للقيام بها... مع ملاحظة أنك في المسيحية، لست مطالبًا بالعشور فقط...
[122] عابد يخطئ!
[123] لا يستفيد!
[123] لا يستفيد!
هناك من يستفيد من العقوبة، إذ تقوده إلى التوبة والندم وتصحيح مسيرته.. وهناك من لا يستفيد.
وقد صادفتنا أمثلة من الذين عوقبوا، ولم يستفيدوا..
بل على العكس، زادت أخطاؤهم وتعمقت..!
البعض لجأ إلى التذمر والشكوى وإثارة الناس. والبعض في سبيل تبرير ذاته، لجأ إلى الأكاذيب والادعاء بأنه مظلوم. والبعض لجأ في دفاعه إلى الهجوم المضاد بإشاعة المذمة والاتهامات الباطلة. والبعض أثارت فيه العقوبة مشاعر من الكراهية ومن العناد. والعجيب أن البعض لجأ للتهديد...!
كل أولئك لم يستفيدوا من العقوبة، لأنه كان ينقصهم الاتضاع وكان ينقصهم الحرص على خلاص النفس.
وهكذا انحرفوا من هوة إلى أخرى...
وقليل منهم رجعوا بعد فترة يطلبون الصفح. ليس لأنهم تابوا، إنما لأنهم وجدوا أن كل تلك الأساليب لم توصلهم إلى نتيجة...!
[124] هل أعاتبه؟
[124] هل أعاتبه؟
أساء إليه أحد إخوته الرهبان إساءة بالغة. فقال لي: "هل أذهب لأعاتبه؟".
فقلت له: إن كان ضميره حيًا، سيأتي من تلقاء نفسه ليعتذر لك. وإلا فلا فائدة من العتاب، ربما ينتهي إلى أسوأ.
إلا إذا كان يجهل عمق ما فعله! وفي هذه الحالة يحسن أن يتدخل طرف ثالث فيما بينكما ليشرح له عمق إساءته.
وعلى أي الحالات، من الأفضل أن تنتظر... وليتك تنساه، وتنسى إساءته.
[125] يد الله
[125] يد الله
في كل ما يمر بنا من أحداث، وفي كل تفاصيل حياتنا - كأفراد وجماعات - لا نستطيع أن ننسى يد الله في كل هذه الأحداث، وفي حياة كل فرد...
إن الله - بعد أن خلق العالم - لم يترك الكون يسير كيفما اتفق، أو أن يديره الناس حسبما يشاءون، دون تدخل من العناية الإلهية، أو دون تدخل من التدبير الإلهي!!
الله هو ضابط الكل. والحرية التي منحها للناس ليست حرية مطلقة. إنما هي حرية يسيطر عليها التدبير الإلهي. وعين الله لا تنعس ولا تنام، بل تراقب كل شيء، وتسجل وتحاسب... ويد الله الداخلة في الأحداث تجعلنا نطمئن لتدخله وتدبيره.
حتى إن بدا الله صامتًا في بعض الأحيان، وحدثت أخطاء فهو يتدخل فيما بعد، ويصلح، ويحول الشر إلى خير...
وما الصلاة سوى دعوة ليد الله أن تتدخَّل.
وما الإيمان هنا، سوى الثقة بتدخل يد الله.
مباركةٌ يد الله. إنها مملوءة حبًا...
[127] محاط بالأتباع فقط!
[127] محاط بالأتباع فقط!
كان لا يحيط نفسه إلا بالأتباع والمريدين، الذين يوافقونه على كل شيء، ويدافعون عن كل تصرف له مهما كان خاطئًا.. وكان يسعد بمديحهم ودفاعهم...
ولم يشأ مطلقًا أن يحيط نفسه بمن هم في مستواه أو من هم أعلى منه. لأن كثرة مديح أتباعه، صوّرت له أنه يوجد أحد في مستواه. ومستحيل أن يوجد من هو أعلى منه..!
وهكذا فقد الصداقة، وفقد النصح المُخلص، وفقد تواضع القلب والفكر. وكثرت أخطاؤه التي يراها الذين هم خارج دائرته. بينما يدافع عنها الأتباع، فتستمر وتزيد...!
[128] الحب الحقيقي
[129] التوقيت السليم
[129] التوقيت السليم
عامل التوقيت السليم، عامل هام جدًا، في كل عمل، وفي كل مشروع ناجح، وفي كل كلمة تقال، وفي كل طلب يُقدّم...
ولذلك في كل عمل تقوم به، لا تسأل فقط "هل هذا العمل خير ونافع؟"، إنما اسأل أيضًا: "هل توقيته سليم؟".
ذلك لأنه إن لم يكن التوقيت سليمًا، لا يمكن أن ينجح العمل. تمامًا كالنبات إن لم يزرع في أوانه، لا يمكن أن ينجح مهما كانت بِذاره جيدة، ومهما كان الزارِع خبيرًا.
وقد يحتاج التوقيت إلى صبر، والحكيم يصبر... إلى أن يعمل العمل الصالح في حينه الحسن.
[130] يشكو ويريد
[131] معنيان للصليب
[132] العنف
[132] العنف
يلجأ البعض إلى العنف لحل مشاكلهم، أو لتنفيذ رغباتهم أو أفكارهم...
ولكن هناك طرقًا أخرى أكثر صلاحية من العنف، غير أنها تحتاج إلى أعصاب هادئة، وإلى عقل يفكر بسرعة أكثر من انفعال النفس...
كما تحتاج إلى قلب متيقظ، يضع وصايا الله أمامه في كل مشكلة... فيرى أن العنف هو آخر الوسائل، أو هو لا يصلح لأن يكون وسيلة على الإطلاق.
والبعض قد يرى أن كلمة العنف منفرة، فيضع للعنف اسمًا آخر هو: الحزم، أو القوة، أو الجرأة، أو الدفاع عن الحق، أو... إلخ.
ولكن كلمة (عنف) هي أصدق تسمية للعنف.
[133] معنى البساطة
[133] معنى البساطة
كثيرون يطلقون اسم البساطة على السذاجة وضحالة التفكير. ويرون أن البسطاء هم الناس السذج الذين لا يفهمون شيئًا، أو الذين لا عمق لهم في التفكير ولا في التدبير.
ولكن هذا التفكير غير سليم فالبساطة في المسيحية هي بساطة حكيمة، ولا فصل بين البساطة والحكمة. فالسيد الرب يقول: "كونوا بسطاء...وحكماء..." (مت10: 16).
ليست البساطة إذًا عكس الحكمة.
إنما البساطة هي عكس التعقيد.
البساطة المسيحية بساطة حكيمة، والحكمة المسيحية بسيطة، أي لا تعقيد فيها. وقد يكون الإنسان في منتهى الذكاء، ومع ذلك فهو بسيط، أي لا يعقد الأمور.
[134] طفل...!
[134] طفل...!
حضر عندي مع أمه وبعض أفراد الأسرة. وقدمته أمه إليَّ، وقالت له: اَسمِعْ سيدنا أبانا الذي. قل له قدوس. قل له ترتيلة تحفظها...
أما الطفل فنظر إليَّ وقال: "شايف القميص الجديد الحلو بتاعي؟...". قالها في بساطة وفرح، وكأنه لم يسمع كل ما قالته له أمه...
وتعلمت من هذا الطفل درسًا في معاملة الأطفال.
كلما يأتيني طفل، لا أبدأ معه بتسميع محفوظاته... وإنما امتدح أولًا ما يمكن امتداحه من شكله وملابسه، وما عليها من رسوم ونقوش، أو ألوان. وبعد أن أجعله يفرح بملاحظتي لكل هذه الأمور التي تفرحه... حينئذ ندخل في المنهج الديني برفق شديد...
[135] خادمان
[135] خادمان
كانا خادمين، سلك كل منهما طريقًا اقتنع به، عكس طريق زميله الآخر: أحدهما قال: لا بد أن أخدم من داخل الكنيسة، لكي أنال بركتها، ولكي تكون لخدمتي شرعيتها...
أما الثاني، فقال: أخدم من خارج الكنيسة لكي أعطي لنفسي حرية الحركة، ولا أكون تحت سلطان من أحد.
ونجح الأول إلى أبعد الحدود وقدمت له الكنيسة كل إمكاناتها وإمكانياتها. وبقى الثاني حيث هو، قطاعًا خاصًا بعيدًا عن الكنيسة ولم تنفعه حرية الحركة، إذ لم يجد حركة خارج الكنيسة...
[136] تجميع الخبرات
[136] تجميع الخبرات
لو أمكننا أن نجمع خبرات كل الآباء الكهنة، وبخاصة الشيوخ منهم، والروحيين الناجحين في عملهم الكهنوتي... لأمكننا أن تكون لنا ذخيرة في عمل الرعاية...
ونفس الوضع بالنسبة إلى الآباء الأساقفة...
يا ليت مجموعة تتخصص في عملية التجميع هذه، ويا ليت الآباء يرسلون إلينا الأفكار الرعوية التي نجحت في حياتهم، والعقبات التي صادفتهم، وكيف انتصروا عليها وأمثلة من تدخل الله في الخدمة وتدبيره لها...
نقول هذا لأن آباء كثيرون فارقوا عالمنا هذا، ودُفنت معهم خبرات كثيرة خسرناها، وما كان أثمنها لو أنها بقيت...
بدء المشروع هو تحديد أسماء الآباء...
ثم الاتصال بهم وتسجيل خبراتهم...
[137] الكل... وواحد
[137] الكل... وواحد
حدث ذلك منذ حوالي عشرين سنة. وكنا مجموعة كبيرة تعيش معًا في محبة ولكنه انفصل عنا، وأخذ يعادي الكل، ويتحدى الكل، ويوقع بالكل. وكان كل معتمده أنه كوَّن صداقة مع الرئيس. ماذا يهمه إذًا أعضاء المجموعة ما دام هناك من يسنده، حتى لو خسر صداقات الجميع؟
ثم ارتكب بعد ذلك خطأ جسيمًا، وتخلى عنه الرئيس، الوحيد الذي كانت تربطه به علاقة...
ووجد نفسه وحيدًا ضائعًا لا يثق به أحد...
إنها خطورة خسارة الكل، اعتمادًا على واحد... يمكن خسارته فيما بعد!!
[138] القانون: متى؟
[138] القانون: متى؟
يلجأ الناس إلى القانون، حينما تفشل المحبة بينهم ويفشل التراضي.
وكثير من الأمور التي يعجز القانون على حلها، تحلها المحبة والعلاقات الشخصية والتفاهم الودي. وكما يقول المثل:
إذا تفاهم الخصمان، استراح القاضي.
لذلك عليك أن تفكر كثيرًا قبل أن تلجأ إلى القانون...
واسأل نفسك: إلى أي مدى يمكن أن يُحل هذا الموضوع بالمحبة، بدلًا من اللجوء إلى القانون...؟
[139] نملة
[139] نملة
حدث ذلك سنة 1960م وكنت جالسًا على باب مغارتي في (البحر الفارغ). ورأيت نملة تصعد على كومة من الرمل وإذا بالرمل ينهار من تحتها، فتسقط...
وحالما تسقط لا تترد لحظة واحدة، وإنما تقوم فتصعد مرة أخرى، وينهار الرمل تحتها، فتقوم بسرعة، دون أن يدفعها الفشل إلى اليأس. وتكرر ذلك أمامي مرات عديدة جدًا حتى صعدت أخيرًا...
وتعجبت كثيرًا من هذه النملة، وأخذت درسًا. وقلت لنفسي: إنني لم أصل بعد إلى مستوى هذه النملة المثابرة والعزيمة التي لا تعترف إطلاقًا بالفشل.
[140] اثنان، واثنان
[140] اثنان، واثنان
عجبت لمن له ميزانان: أحداهما يزن به أعمال الناس. والآخر يزن به أعماله هو، وربما أعمال أصحابه أيضًا.
والميزانان مختلفان تمامًا... بحيث يكون العمل الواحد في أحد الميزانين خطأ، ويكون في الآخر صواب!!
وعجبت أيضًا لمن تكون له عقيدتان مختلفتان:
أحدهما يعلنها، والثانية يخفيها، أو هو يذكرها فقط لخاصته وكاتمي سره، أو حيث لا توجد مسئولية!
[141] أمانة النقل
[141] أمانة النقل
إذا نقلت عن مؤلف معين أو كاتب أو قديس، فأنقل رأيه كما هو كاملًا بكل أمانة.
لا تقم بإخفاء أقواله التي لا تروقك، مقتبسًا من أقواله فقط ما تظنه في صالحك، وتقدمه كما لو كان هو كل رأيه!!
فإن هذا لا يوافق أمانة النقل...
كذلك إن نقلت عن الكتاب المقدس نفسه، خذ كل الآيات التي تتعلق بالموضوع. ولا تورد آية وتخفي آية أو آيات أخرى. وإلا فأنت تقدم مفهومك الخاص، وليس تعليم الكتاب. ولا تكون لك أمانة النقل.
[142] الكاهن والشعب
[143] المشاكل والبكاء
[144] اعتذار!
[144] اعتذار!
أحيانًا يعتذر إنسان عن أخطاء قد ارتكبها. ويظن أن الأمر قد انتهى. ولكن اعتذاره لا يكون مقبولًا...
وذلك لأنه يعتذر بأسلوب، يكون فيه حجم الاعتذار أصغر بكثير جدًا من حجم الخطأ.
وهذا الاعتذار البسيط الشكلي لا يُرضي قلب المُساء إليه، ولا يستطيع أن يغطي الأخطاء السابقة.
وأيضًا مجرد الاعتذار لا يكفي.
ينبغي معه معالجة نتائج الخطأ...
[145] متى؟! ومتى؟!
[145] متى؟! ومتى؟!
لاحظت وأنا سائر في طريق الحياة، أن الناس لا يتكلمون في الغالب عن القيم والمثل، إلا في مناسبات تريحهم هم...!
فمثلًا متى يتكلم الناس عن العدل؟
يتكلمون عن العدل حينما يكونون مظلومين.
ويندر أن يتكلم إنسان عن أهمية العدل، حينما يكون ظالمًا! لأن الحديث عنه وقتذاك يتعب ضميره.
ومتى يتكلم الناس عن الرحمة؟ يتكلمون عنها حينما يكونون مسحوقين من غيرهم.
ويندر أن يتكلم إنسان عن الرحمة وهو في مركز السلطة!
إنما الرجل النبيل، فهو الذي يتذكر العدل والرحمة، لا حينما يكون محتاجًا إليها، إنما حينما يكون غيره محتاجًا إلى ذلك... ولو منه.
إن الدهر دوّار ولا يثبت على حال. وقد ينعكس الوضع، فيصير القوى ضعيفًا ويصير القاسي المحطم لغيره مسحوقًا من الغير. وحينئذ يذكر ماضيه...
نبيل وحكيم هو الإنسان الذي يقرض غده من واقع يومه. ويعمل اليوم خيرًا فينتظره هذا الخير في غده.
[146] منبر الكنيسة
[146] منبر الكنيسة
منبر الكنيسة له رسالة واحدة هي خدمة الكلمة:
كلمة الإيمان، كلمة الروح، كلمة المحبة، كلمة العزاء، كلمة المصالحة بين الله والناس... أو قل كلمة الله إلى الناس...
ولا يجوز استخدام منبر الكنيسة في أي غرض آخر.
ليس هو مجالًا لأي غرض شخصي، ولا لأي تعليم خاص، ولا للدعاية، ولا للدفاع عن النفس، ولا للتشهير بالآخرين أو انتقادهم، ولا للحديث عن النفس.
إن الناس يحضرون إلى الكنيسة لكي يسمعوا كلمة روحية لبناء أنفسهم. فإن رأوا خروجًا عن هذا الخط الروحي، يعثرون في الكنيسة وخدامها.
لذلك يجب على الوعاظ وكل رتب الكهنوت، الالتزام برسالة منبر الكنيسة وعدم الخروج عن هدفها الروحي وأسلوبها الروحي.
[147] استعمال مرة واحدة
[147] استعمال مرة واحدة
هناك أشياء يستعملها الإنسان مرة واحدة، ثم يمكنه الاستغناء عنها. فماذا يمنع من إعطائها للآخرين لكي ينتفعوا بها، دون أن يخسر شيئًا...
مثال ذلك بعض الكتب الدراسية التي يستخدمها الطالب لعام واحد...
وهذه يمكن تسليمها بعد النجاح إلى مكتب الخدمة الاجتماعية بالكنيسة، لتوزيعها على الطلبة المحتاجين.
ومثال ذلك أيضًا فستان الزفاف.
إن العروس تستخدمه مرة في يوم زفافها فقط وتأخذ به صورة تذكارية. ثم لا تعود تلبسه بعد ذلك مطلقًا. فماذا يمنع من تسليمه لمكتب الخدمة الاجتماعية، لتلبسه عرائس كثيرات، ربما لا يقدرن على شراء فستان جديد؟
وبالمثل ملابس الأطفال الذين يكبرون وليس لهم أخوة أصغر منهم...
ما أكثر الأشياء التي نملكها ولا نستخدمها، بينما يكون غيرنا في مسيس الحاجة إليها...!
إن تركناها عندنا، ألا تدخل في "مال الظلم"؟!
[148] قرارات انفعالية
[149] اليوم والغد
[149] اليوم والغد
هناك أمور لا يستطيع اليوم أن يحكم عليها، وإنما يحكم عليها الغد. فاليوم قد يكون مقيدًا بتأثرات وانفعالات واعتبارات متعددة. بينما قد يكون الغد طليقًا من كل هذا، يذكر الحق كما هو...
لذلك فالتاريخ عمومًا لا يُكتب في زمنه.
إنما يكتبونه غالبًا بعد حين، حينما يحاول العلماء أن يجردوه من تأثير الزمان والمكان. ويبحثون عن معلوماته من شتى المصادر على اختلاف اتجاهاتها. وكل ذلك من عمل الغد...
سعيد هو الإنسان الذي يكون الغد شاهدًا له لا عليه.
ويحتفظ له الغد بذكرى طيبة، يُجمع عليها الكل، مجردين من كل تأثيرات المكان والزمان والظروف.
وسعيد هو الإنسان الذي يعمل لغده من الآن.
لا من أجل مجرد سمعته في نظر الناس، إنما بالأكثر من أجل حكم الضمير وحكم الله.
[150] القبليّة
[150] القبليّة
كما كان أهل القبيلة يفتخرون بقبيلتهم، ولا يعرفون الانتماء العام إلى وطن يضم كل القبائل، هكذا البعض في الكنيسة أيضًا، يقعون في نفس الخطأ:
كنيستنا، جمعيتنا، فرع التربية الكنسية الذي نخدمه، بلدنا...
إنه انتماء في مجال ضيق جدًا...
أما طقس الكنيسة، فيعلمنا في قداساتها أن نصلي من أجل "هذه الكائنة من أقاصي المسكونة إلى أقصائها".
[151] شكل هرمي
[151] شكل هرمي
كنت دائمًا أعزي الذين يعانون من مشاكل متعبة، وأقول لهم:
إن المشاكل دائمًا لها شكل هرمي.
ترتفع حتى تصل إلى قمتها، ثم تنحدر إلى الوجه الآخر.
ولا توجد مشكلة تظل تتصاعد إلى ما لا نهاية. حتى تجربة أيوب الصديق نفسه، وصلت إلى قمتها ثم انتهت. وكذلك تجربة يوسف الصديق...
كلها مشاكل محدودة بوقت، وتنتهي بعده...
[152] بعد الضياع
[152] بعد الضياع
كثيرون لا يشعرون بقيمة الشيء إلا بعد ضياعه!
المرأة تصطدم بزوجها، تختلف معه. ولا تشعر بقيمة الزواج إلا بعد فقده: إما فقد بالانفصال، أو فقده عاطفيًا...
والتلميذ لا يشعر بقيمة الوقت وأهميته لمستقبله، إلا في آخر العام، بعد فقده. والصديق لا يخلص لصديقه فيفقده. ولا يشعر بقيمته إلا بعد فقده.
والابن يهمل في إكرام والديه، يسيء في معاملتهما. ولا يشعر بقيمتهما إلا بعد فقدهما: إما بالموت، أو بفقد رضاهما وبركتهما...
والإنسان عمومًا قد لا يشعر بقيمة العمر وأهمية الأبدية إلا بعد فقد الحياة وفقد الأبدية معهما...
إن يهوذا الخائن لم يشعر بقيمة المسيح إلا بعد أن فقده، وفقد الأمل أيضًا، فمضى وخنق نفسه...
ما أجمل أن يصحو الإنسان إلى نفسه، ويدرك قيمة ما عنده، قبل أن يفقده. وبخاصة الشيء الذي تفقده، ولا تستطيع أن تسترجعه بعد!!
[153] البذرة والثمار
[153] البذرة والثمار
الق البذرة على الأرض ولا تقف وترقبها متى تأتي بثمر...! فهذا ليس صالحًا لفكرك ولا لأعصابك...
هي ستأتي بالثمر في حينه... حتى بالنسبة إلى الذين نسوا أنهم ألقوا بذارًا في يوم ما، أو الذين سقطت منهم البذار عفوًا بدون قصد...
وهكذا أيضًا، اصنع الخير وأنسه. ولا تحزن إن رأيت انه لم يأت بثمر...!
فثمر الخير لا بد أن تجنيه: إما هنا، وإما في العالم الآخر. إنه لا يضيع مطلقًا.
[154] الحق والباطل
[155] عقوبة بديلة
[156] حدود الطاعة
[156] حدود الطاعة
الطاعة ينبغي أن تُفهم في حكمة. فهي أولًا وقبل كل شيء طاعة لله. ثم بعد ذلك:
نطيع الناس في نطاق طاعتنا لله...
أما إذا اصطدمت الطاعتان فيَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ" (أع 5: 29). وهكذا قال الرسول: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ" (أف 6: 1).
فما أجمل الطاعة والخضوع، ولكن "في الرب".
كن مطيعًا واخضع في كل شيء لمن له حق الخضوع.
أنكر ذاتك، وأنكر مشيئتك، وأنكر كرامتك.
ولكن لا تنكر ضميرك...
[157] الشرح الكثير
[157] الشرح الكثير
الشرح الكثير لأمر يدل على عدم وضوحه، أو على الاقتناع به. فلو كان واضحًا أو مقنعًا، ما احتاج إلى شرح...
أو قد يدل شرحك الكثير على عدم ثقتك بذكاء السامع وسرعة فهمه، أو يدل على عدم ثقتك بما تقول!
إن كثرة الشرح ليست هي التي تقنع. بل قوة الرأي هي المقنعة.
والشرح الكثير قد يجلب الملل، وبخاصة إذا كان سامعك قد فهم قصدك. وإطالة الشرح هي مضيعة لوقته وضغط على أعصابه...
لذلك يحسن أن تكون كلماتك موجزة ومقنعة. وألفاظها توضحها بميزان، لا زيادة فيها ولا نقص...
[158] يعيش خارج نفسه!
[158] يعيش خارج نفسه!
لماذا تعيش خارج نفسك؟ كل اهتمامك في ما يفعله الناس، وفي أحكامك عليهم، وانفعالاتك بهم، مع تأثير كل هذا على روحياتك؟!
أما نفسك فضائعة وسط أحكامك على الآخرين، لا تجد لها وقتًا...! وإن وجدت لها وقتًا، تصدر لنفسك قرارًا بالابتعاد عن الناس، لمجرد السأم من تصرفاتهم والضيق من أساليبهم... ولكنك لا تلبث أن تعود بعد حين لتعيش في نفس السجن...!
إن الله في يوم الدين سوف يطالبك بنفسك أولاً قبل أن يسألك عن أنفس الناس. وحتى هؤلاء الذين تنشغل بهم، ماذا فعلت لأجلهم بأحكامك وتعليقاتك؟!
[159] أهمية الفرد
[159] أهمية الفرد
يحدث أحيانًا، في انهماك الراعي في أمور الخدمة المتعددة، أنه ينسى خدمة بعض الأفراد.
ويتوه الفرد وسط زحام الجماهير ويجد نفسه ضائعًا...!
ولكن الرب أظهر لنا اهتمامه بالفرد الواحد حينما ترك التسعة والتسعين وذهب يبحث عن الواحد الضال... (لو 15: 4).
وكانت للسيد المسيح خدمات كثيرة فردية، وسط خدمته للجميع وزحام الآلاف حوله... مثل اهتمامه بزكا، ونيقوديموس، وبطرس، ومريم المجدلية، والمرأة السامرية...
[160] خدمة القرية
[160] خدمة القرية
تحتاج القرية إلى خدمة أكثر من المدينة. وإذا لم نهتم بها، فإنها تتعرض للضياع لأسباب كثيرة. وليست خدمة القرية معناها أن يقام فيها القداس من كاهن منتدب إليها: يصلي ثم يتركها بعد القداس مباشرة!
إنما القرية تحتاج إلى رعاية وافتقاد وحل مشاكل، وسماع اعترافات، واجتماعات مستمرة وخدمة دائمة، وربط الشعب بالكنيسة وبكل وسائط النعمة.
من أجل هذا، قام بعض الآباء الأساقفة بسيامة كهنة لخدمة القرى.
وما يقال عن القرى، يقال أيضًا عن الأحياء الفقيرة في البنادر والعواصم، كالقاهرة والإسكندرية وغيرهما.
[161] العماد والميرون في (الموالد)
[161] العماد والميرون في (الموالد)
وكلمة (الموالد) هي تعبير خاطئ يطلقونه على أعياد القديسين. وأعياد القديسين تكون عادة في زحام شديد. والبعض ينذرون أن يعمدوا أولادهم في عيد قديس، وسط هذا الزحام!
ثم يأتون إلينا، والشك يتعبهم من جهة صحة العماد أو صحة الميرون!
يقولون: كان العماد سريعًا، والطقس لم يكن كاملًا! أو يقولون: أبونا عمد الطفل ولكنه لم يدهنه بالميرون! أو دهنه ولم يرشمه الستة والثلاثين رشمًا...
ولكن العماد وسط زحام يتعمد فيه آلاف الأطفال، ووسط الشكوك في كمال الطقس أمر له متاعبه...
فلماذا تدخل نفسك في دائرة الشك؟!
ونصيحتنا التي نقدمها للمشرفين على أعياد القديسين، وللآباء الكهنة، مراعاة الدقة في الطقس، والزحام ليس عذرًا للخطأ. ويمكن أن الأب الأسقف يكلف عددًا كبيرًا من الآباء الكهنة، بعضهم يختص بالعماد، وبعضهم يختص بالميرون...
[162] الله في العمل
[162] الله في العمل
إذا دخل الله في عمل، دخلت القوة في هذا العمل. ودخلت فيه البركة ونجح...
لذلك ابذل كل جهدك، لكي يدخل الله في كل عمل تعمله ويشترك معك فيه... يعمل معك.
احذر أن تعمل عملًا، لا يشترك الله فيه.
أو تشعر فيه أنك تعمل وحدك، بدون يد الله؟
أليس هو القائل: "بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا" (يو15: 5).
[163] الإلحاح!
[163] الإلحاح!
كثيرًا ما يكون الإلحاح متعبًا للسامع، وهكذا أيضًا الكلام المتكرر لفكرة معينة، سمعها من تكلمه واستوعبها.
وهذا يجعله لا يريد أن يسمع أكثر. وتكرار نفس الكلام بالإلحاح يُرهق أعصابه ويتعب نفسيته ويضايقه.
وهكذا بالإلحاح يفقد المتكلم قضيته، ويفقد تجاوب المستمع معه.
ويعطي الموضوع حجمًا من الكلام أكثر مما يستحق...
لذلك، إذا فهم سامعك ما تريد أن تقوله، وإذا وجدت أنه بدأ يتضايق من إلحاحك، لا داعي للإكثار.
[164] نصيحة واحدة
[164] نصيحة واحدة
كان يقدم لي مفكرته، في مناسبات عديدة، لكي أكتب له كلمات نصيحة أو إرشاد. وكان يفرح جدًا بما أكتبه له، ولكنه ما كان ينفذ منه شيئًا...!
وفي رأس السنة قدّم لي نفس المفكرة، لأكتب له نصيحة بمناسبة العام الجديد. فكتبت له هذه العبارة:
النصيحة الوحيدة التي أكتبها لك في هذا العام الجديد، هي أن تعيد قراءة ما كتبته لك من قبل في هذه المفكرة...
[165] فرصة زمنية
[165] فرصة زمنية
إن الصبر يحل مشاكل كثيرة...
مشاكل قد يعجز الفكر عن حلها. ولكن بالوقت يمكن أن تحل... وبالصبر تعطي الله فرصة لكي يتدخل ويحل...
قد تُكلم شخصًا في موضوع معين، فلا يوافق. لا تلح عليه كثيرًا. فربما الإلحاح يتعبه. بل اتركه قليلًا: فقد يعيد التفكير في الموضوع فيقتنع. أو قد تحدث حوادث معينة ترجح له رأيك. أو قد يستشير آخرين في نفس الأمر، ممن يثق بهم، وتكون لهم نفس وجهة نظرك...
أمور كثيرة تحتاج إلى مدى زمني... أو إلى فترة حضانة داخل العقل، حتى تنمو وتنضج.
أما هواة السرعة، فقد يخسرون مواقف عديدة بأسلوب سرعتهم.
حتى الأمور التي تحتاج فقط إلى موافقتهم، هذه أيضًا تلزمها فترة زمنية للدراسة والتفكير ومزيد من الفحص ومن الاستشارة.
ويلزمهم وقت لعرضها على الله في الصلاة، حتى تظهر مشيئته فيها...
[166] معاملة خاصة
[166] معاملة خاصة
كان دائمًا يصرّ على أن يعامل معاملة خاصة:
إذا كانت الزيارة ممنوعة بالنسبة إلى الكل، فلا بد أن تكون مصرّحة له هو بالذات، لأن له وضع غير الباقين!
إن كان الدير مغلقًا في فترة اعتكاف، فلا يكون مغلقًا بالنسبة إليه هو...!
إن كانت الزيجات غير مصرح بها خلال الصوم الكبير، فلا بد أن يصرّح له هو بالزواج لأن له ظروفًا خاصة تستدعي ذلك.
[167] تحث ولا ترغم
[167] تحث ولا ترغم
كلّ الناس يحبون الحق، ويتحمسون له، ويسعون إلى نشره. وهذا حق وواجب بلا جدال.
ولكن عمل الإنسان هو أن يشهد للحق. وليس من عمله إطلاقًا أن يرغم الناس على السير فيه.
الله نفسه لا يرغم الناس على عمل الخير. لقد خلق الإنسان حرًا يعمل الخير بإرادته، ولا يجبره عليه إجبارًا.
من اجل هذا وُجد في العالم ملحدون لم يرغمهم الله على الإيمان. ولكن سيدينهم في اليوم الأخير...
وكذلك وجد في العالم خطاة وعصاة، لم يرغمهم الله على عمل البر. ولكنه سيحاسبهم في يوم الحساب...
وأنت في حماسك للخير وللحق، عملك هو مجرد داعٍ وواعظ، ومنذر... وليس لك سلطان أن ترغم غيرك. عليك أن تشهد للحق، ولكن لا تستعمل العنف لترغم الناس أن يصيروا أبرارًا...
إن العنف لا يُخرج قديسين وصديقين... هو وسيلة صالحة للتربية والتهذيب.
إنما يكون الإصلاح بترغيب الناس في الخير، وإقناعهم به، وتشجيعهم عليه، ومساعدتهم على ذلك، وتقوية إرادتهم ومعرفة العوائق التي تصادفهم في طريق الخير ونصحهم بكيفية الانتصار عليها.
والخير الذي يأتي بالاقتناع والرضى، يكون أكثر ثباتًا.
[168] الحكمة في الوقت
[168] الحكمة في الوقت
الوقت قد يكون في صالحك في بعض الأحيان.
وفي أحيان أخرى قد يكون ضدك.
ربما يكون في صالحك أحيانًا أن تتباطأ، حتى تتفهم الموقف وتدرسه، وترى ما هي أصلح الوسائل لمواجهته.
وفى أحيان أخرى يكون التباطؤ سبب كارثة لك. وقد يضيّع عليك فرصًا يندر أن تعود.
وربما التباطؤ في حل مشكلة يزيدها تعقيدًا ويصبح حلها أصعب بكثير مما كان وقت بدايتها.
في إحدى المرات تغنى أحدهم بقول الشاعر:
قد يدرك المتأني بعض حاجته .:. وقد يكون مع المستعجل الزللُ
فرد عليه أحد السامعين بقوله:
وكم أضرّ ببعض الناس بطؤهم .:. وكان خيرًا لهم لو أنهم عجلوا
التأني ليس فضيلة في ذاته، ولا السرعة فضيلة في ذاتها... إنما على الإنسان أن يدرس كل موقف على حده، ويتصرف معه بحكمة، ويرى أي الأمور أصلح له: السرعة أم التأني.
قد يكون التأني سببًا للدقة. ولكن الدقة إن أتت بعد الميعاد، بعد فوات الفرصة، لا تفيد شيئًا.
وأحيانا تكون السرعة لونًا من الحزم، قبل أن يتفشى الخطأ، أو يقتدي به آخرون.
كالمرض إن أسرعت في علاجه، كان ذلك أفضل.
فرق كبير بين أن تنزع غرسًا جديدًا من الأرض بكل سهولة، وبين أن تنتظر حتى يتحول الغرس الصغير إلى شجرة ضخمة دقت جذورها في الأرض ولم تعد سهلة الاقتلاع...!
ومع ذلك ففي أحيان أخرى، تكون السرعة ضارة، إذ تعرض الإنسان إلى الاندفاع، والارتجال، وعدم التفكير، وعدم الدراسة.
وهنا تعرضه للكثير من الأخطاء... والبعض قد يحبون السرعة للفوز بالأسبقية، أو للحصول على نتيجة، أية نتيجة! ولا يهمهم التدقيق! والبعض يحبون السرعة، لأن طبيعتهم هكذا، ينقصها الصبر والروية والهدوء. والبعض يتصرفون بسرعة، لثقتهم بأنفسهم، وبكفايتهم الشخصية، وشعورهم بعدم الاحتياج إلى مزيد من الدراسة.
على العموم ينبغي أن نفرق بين السرعة والتسرع.
[169] السلبية
[169] السلبية
البعض يظن أن السلبية روحانية، لأنه لا يعمل فيها عملًا يتعرض فيه للخطأ، كما أنه فيها لا يصطدم بالمخطئين... بل على العكس يحتفظ بمحبتهم.
ولكن السلبية هي في حد ذاتها خطأ. فالكتاب يقول:
"فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ" (يع4: 17).
ولعل ما يدعو إلى السلبية: محبة الذات، وعدم الاهتمام بالآخرين ولا بالصالح العام... والعجيب أن البعض قد يسلك بسلبية ولكنه في نفس الوقت يغضب ويتضايق إن أخذ أصدقاؤه منه موقفًا سلبيًا.
إن العمل الإيجابي فيه نخوة ورجولة، ومحبة للخير، وله أجره.
[170] تغطية الأمور أم حلها
[170] تغطية الأمور أم حلها
مواجهة الأمور والأخطاء والأحداث بصراحة، هي الطريق السليم لحلها. أما تغطية الأمور فليست حلًا.
إنها قد تعطي تسكينًا مؤقتًا، ولكنها لا تعالج، ويبقى المرض كما هو، يفتك...
والتغطيات فيها خداع وغالبيتها مكشوفة لا تصمد أمام الواقع... فالمواجهة أفضل وأصرح وأنفع...
المواجهة تحتاج إلى صراحة مع النفس ومع الآخرين... وتحتاج إلى شجاعة، لان التغطيات لون من الهروب.
التغطيات لا توصل إلى النقاوة، ولا إلى الحلول وأمام الله كل شيء مكشوف.
[171] كتب ومذكرات
[171] كتب ومذكرات
في بداية كل عام دراسي، يحتاج أولادنا إلى كتب ومذكرات علمية، قد تكون غالية الثمن بالنسبة إلى بعضهم.
وهناك فكرة عملية عرضها أحد الآباء، وهي:
الطلبة القدامى الذين اجتازوا بالنجاح فصلًا دراسيًا معينًا، واستغنوا عن كتب ومذكرات تلك المرحلة، يمكنهم أن يتبرعوا بما استغنوا عنه لمكتبة الكنيسة، أو يأخذوا بدلًا منها كتب المرحلة التالية التي تركها زملاء لهم قد سبقوهم، أو تدفع لهم الكنيسة ثمنًا رمزيًا.
وتفتح الكنيسة مكتبة دراسية للاطلاع، أو تعطي الكتب للطلبة يدرسونها في بيوتهم للاستعارة الدائمة أو المؤقتة.
[172] المغفرة، والثقة
[172] المغفرة، والثقة
قال لي: لقد غفرت له خيانته التي خانني بها وأنا الذي كنت أترك كل أسراري بين يديه... غفرت له من أجل وصية الرب، ومن أجل ماضيه الطويل في الخدمة معي... ولكن...
فلما سألته: ولكن ماذا؟ أجابني وهو ينظر في عمق:
إن المغفرة شيء، والثقة شيء آخر...
لقد غفرت له ولكني ما عدت أثق به السبب خيانته. ما عدت أعرفه بأسراري. ما عدت أترك مكتبي مفتوحًا له. ما عدت أطمئن إليه...
[173] مشكلة الإمكانيات
[173] مشكلة الإمكانيات
علمتنا الحياة أن العزيمة أهم من الإمكانيات.
فالرجل الضعيف لا يعمل. ويعتذر عن عدم العمل بعدم وجود الإمكانيات اللازمة للعمل.
بينما الرجل القوي، قد يقف في نفس الموقف، بلا إمكانيات... ولكنه يفكر ويجاهد للحصول على الإمكانيات، حتى يوجدها، أو حتى يمنحه الله إياها نتيجة لصموده، وثبات إرادته، وجهاده وبحثه، وإلحاحه على الله في الصلاة أن يمنحه الإمكانيات..
أيه إمكانيات كانت مع مار مرقس الرسول لما جاء إلى مصر؟!
لا شيء.. ولكنه مع ذلك عمل كل شيء، بصموده وعمل الله فيه..




