خبرات في الحياة الجزء الأول

| الكتاب | خبرات في الحياة الجزء الأول |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| الطبعة | 1988م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 5658/ 1988 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقدمة
مقدمة
هذا الكتاب يتميز على كل الكتب الأخرى، بأنه مجرد فقرات متفرقة: كل منها تقدم لك خبرة معينة، أو فكرة، أو قصة قصيرة ذات معنى. وبعضها مختصر جدًا، وبعضها قد يطول...
إنه لا يقدم موضوعًا واحدًا، إنما العشرات من الموضوعات، كلها تدور حول موضوع واحد، هو الحياة العلمية.
ولا أستطيع أن أحدد تاريخًا معينًا لهذا الكتاب:
بعض خبراته كتبتها قبل الرهبنة، منذ حوالي الأربعين عامًا، وبعضها وأنا في الرهبنة، وبعضها وأنا في الأسقفية أو البطريركية... وكلها أمور عملية.
ومع ذلك فخبرات الإنسان في الحياة لا تحصى...
لقد أخترت لك ما قدمناه في هذا الكتاب. وهناك بعض آخر فضّلت أن يكون في كتاب عن الرعاية... لأنه خاص بها... وسيأتي وقته بمشيئة الرب.
ولقد فضلت طبع الكتاب في هذا الحجم الصغير، لكي يمكنك أن تضعه في جيبك، أو تحمله معك حيثما كنت... وتقرأ في أي وقت، ولو شيئًا قليلًا... في أية صفحة تفتحها، دون أن تتقيد بتسلسل في الأفكار...
وهناك خبرات أخرى في الحياة، لا تصلح أن تكتب في كتب لعموم الناس... لم تأت ساعتها بعد.
أتركك الآن إلى هذه التأملات، وإلى اللقاء في جزء آخر إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
البابا شنوده الثالث
[1] لافتة حكيمة
[1] لافتة حكيمة
تولى أحدهم منصبًا كبيرًا، فرأيته قد علّق على الحائط، فوق مكتبه، لافته مكتوب فيها:
"لو دامت لغيرنا، ما وصلت إلينا".
[2] العين والحاجب
[2] العين والحاجب
قال أحدهم عن نفسه بأسلوب اتضاع "إن العين لا تعلو عن الحاجب". فأجبته:
ومع ذلك فالعين أهم من الحاجب بما لا يقاس.
إنها الأصل، والفائدة. أما الحاجب فهو مجرد ديكور، على الرغم من أنه يعلوها.
وكررت نفس المعنى حينما قيل لي أن التاج أو الإكليل يعلو الرأس.
[3] قمم بلا قواعد
[3] قمم بلا قواعد
كانوا قممًا عالية... ترتفع لمدى زمني طويل، فوق قواعد شعبية عريضة.
غير أنهم لم يهتموا بالقاعدة الشعبية، بل ارتفعوا فوقها في تعال، وفي اعتداد بالمركز، وبالماضي وبالشهرة.
ثم جاء من استطاع أن يكسب هذه القواعد الشعبية، إذ أحبها وخدمها في اتضاع.
وانسحبت القواعد من تحتهم.
وبقوا حيث هم... قممًا بلا قواعد.
قممًا مرتفعة في الهواء... بلا قواعد.
[4] نصيحة للسائق
[4] نصيحة للسائق
قلت لسائق عربتي يومًا:
ليس المهم أن تصل بسرعة. إنما المهم أن تصل سليمًا...
[5] الوقت المناسب
[5] الوقت المناسب
إن أردت أن يكون لكلمتك تأثيرها، تخير الوقت المناسب الذي تقولها فيه. وضع أمامك قول الحكيم:
"تفاحة من ذهب في مصوغ من فضة، كلمة مقولة في محلها" (أم 25: 11).
إن كان هناك موضوع يهمك فلا تكلم فيه شخصًا مشغولًا أو متعبًا ويحتاج إلى راحة ولا يحتمل الكلام. ولا تكلمه إن كان متضايقًا وهناك شيء يحزنه...
تكلم حينما تكون الأذن مستعدة لسماعك. وحبذا لو كانت مشتاقة إلى سماعك.
يستثنى من هذا: كلمة التوبيخ، أو كلمة يوحنا إلى هيرودس.
المهم أن تضع أمامك أن تقول:
كلمة تجد أذنًا تسمعها.
[6] الصمت...
[6] الصمت...
أحيانًا يكون الصمت أبلغ من الكلام، وأكثر فائدة ونفعًا... أو على الأقل، قد يكون أقل ضررًا...
الصمت قد تكون فيه حكمة وقوة، وقد يكون فيه نُبل ورصانة.
وأحيانًا نصمت لكي يتكلم الله.
وتكون كلمة الله أقوى من كل ما نريد أن نقوله...
وما أجمل قول الكتاب: "الرَّبُّ يُقَاتِلُ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ تَصْمُتُونَ" (خر 14: 14).
ظلّ السيد المسيح صامتًا أمام بيلاطس. لم يفتح فاه ولم يدافع عن نفسه. وفي صمته قال بيلاطس: لست أجد علة في هذا البار...
الصمت ينفع أحيانًا. ولكنه ليس قاعدة ثابتة.
أما القاعدة الحكيمة فهي أن يتكلم الإنسان حين يحسن الكلام، ويصمت حين يحسن الصمت...
وحين يصمت، فليتكلم قلبه مع الله، طالبًا منه أن يتكلم بدلًا عنه...
[7] موضوعات جانبية
[7] موضوعات جانبية
« هناك مَن يحدثك في موضوع ما. ولكنه لا يستطيع التركيز فيه، بل يخرج منه إلى موضوعات جانبية عديدة.
وتحاول أن تلمّ الموضوع معه ولكنك لا تستطيع. لأنه ما يلبث أن يتفرع مرة أخرى إلى موضوعات جانبية لا تحصى...
« وقد تدخل في مناقشة نقطة عقيدية مع إنسان، فيخرج منها إلى نقاط أخرى، كلما ترد على واحدة يتفرع منها إلى غيرها، وكأنك أمام منهج مترامي الأطراف ولست بصدد مناقشة نقطة محددة!
« وقد يجلس معك إنسان ليعاتبك في مشكلة بينكما. ولكنه في العتاب يتطرق إلى نقاط جانبية تصغر أمامها المشكلة الأصلية.
وتترك هذه النقاط الجانبية آلامًا في النفس تحتاج بدورها إلى صلح!
إن الناس يحتاجون إلى التركيز في كلامهم وعدم السرحان في الأمور الجانبية. ونفس الأمر ينطبق أيضًا على الكتابة، وعلى التقارير، وعلى الوعظ...
« وكثيرًا ما يجتمع البعض للحديث فلا يكون هناك موضوع ثابت لحديثهم. وإنما كل كلامهم أشتات، وأمور جانبية، ومتفرعات لا تحصى، ولا تجتمع...!
[8] السهل والصعب
[8] السهل والصعب
كل إنسان يستطيع أن يصيح، وأن يشتم ويهين غيره. ويقسو في أحكامه على الناس.
هذا أمر سهل يستطيعه الكل. ولا يدل على قوة...
أما الأمر الصعب فهو أن يضبط الإنسان لسانه ويتحكم في مشاعره وفي أعصابه. ويكون مهذبًا ومدققًا في ألفاظه مهما كانت الإثارة.
وهنا يكون المشتوم الضابط لنفسه أقوى، من الشاتم الفاقد لأعصابه...
«««
الكلام عن المثاليات سهل، يستطيعه أي إنسان. وكذلك الإعجاب بالمثاليات أمر نسمعه من الكل.
أما الحياة في المثاليات فهي ليست في إمكان الكل، ولا حتى الذين ينادون بها ويحثون الآخرين عليها.
المثاليات تحتاج إلى قلب نقي، وإلى إرادة وعزيمة. وأن يبذل الإنسان من أجلها، ويحتمل في سبيل تنفيذها.
وحينما يصعد إنسان على الصليب، لأجل مثالياته، حينئذ يكون مثاليًا بالحقيقة.
[9] رفض!
[9] رفض!
هناك أشخاص يرفضون شيئًا مرارًا عديدة. ثم تفوتهم الفرصة. ويشتهون ما قد رفضوه قبلًا، فلا يجدونه...!
وقد يكون رفضهم السابق بدافع انفعالي ينقصه العمق وحكمة التفكير الهادئ.
ما أحوج الكثيرين إلى التفكير الطويل قبل أن يرفضوا. فالرفض عن اقتناع سليم، لا يعقبه ندم ولا شهوة...
[10] عيني وأذني
[10] عيني وأذني
كانوا يأتون إليَّ قائلين: "إن العمل الفلاني قد تمّ بصورة كاملة وبكل اتقان".
فكنت أشكرهم ثم أبتسم في وجههم، وأقول لهم مازحًا:
"إني تعودت أن أصدّق عينيّ، أكثر مما أصدق أذني". ثم أذهب وأرى الشيء على الطبيعة.
[11] عادت إلى الفلك
[11] عادت إلى الفلك
حينما تركت الأسقفية، وعدت إلى مغارتي في أوائل يناير سنة 1964م، وجدت الراهب أنطونيوس على بابها. فقال لي: "كنت أعلم أنك لا بد ستعود" واحتضني بقوة حتى صرنا واحدًا.
وتذكرت حينذاك أن القديس أرسانيوس المتوحد حينما رجع إلى برية شيهيت، قال لتلاميذه: إنهم عتيدون أن يقولوا عن أرسانيوس ما قيل في قصة الطوفان:
إن الحمامة إذ لم تجد موضعًا لقدميها، عادت مرة أخرى إلى الفلك.
[12] من الداخل
[12] من الداخل
كثير من الوعاظ يتكلمون عن الزينة والحشمة، ويحثون على الاهتمام بوقار المظهر الخارجي، بينما المهم في نقاوة القلب، الذي إن دخلته محبة الله، زالت كل مظاهر عدم الحشمة بدون وعظ...
إن إصلاح الداخل هو الأساس.
ولكننا نوبخ الشبان على طول الشعر.
ونوبخ البنات على الملابس وطول الأظافر، وننسى القلب!
شبابنا محتاج أن يعرف ما هو معنى القوة، وما هو الجمال، بطريقة روحية... كذلك ينبغي أن يعرف معنى الحرية الحقيقية، وهل الحرية هي التحرر الداخلي من الخطأ؟ أم هو اللامبالاة وعدم اللامبالاة...!
لعل تغيير نظرة الفكر هذه، هي ما قصده الرسول بقوله: "تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ..." (رو 12: 2).
إننا نريد جيلًا وشعبًا ينظر إلى القيم بمقاييس روحية يقتنع بها. وحينئذ تتجه كل طاقاته نحو الخير.
إن المظهر الخارجي، دليل على أن في داخل القلب شيئًا. ويأتي صلاحه أو إصلاحه بالإقناع وليس بالتوبيخ والإرغام. فلنبدأ بالداخل إذًا...
[13] مرآة محطمة
[13] مرآة محطمة
إنني أعرفه منذ زمن بعيد. وهو طول عمره إنسان صريح صادق ومن طبعه أنه لا يتملق أحدًا ولا يجامل أحدًا على حساب الحق...
قابلني. فسألته عن حاله، فقال لي:
عيبي أنني مرآة تقدم لكل من يواجهها صورة حقيقية عن نفسه. والناس - للأسف الشديد – لا يحبون صورتهم الحقيقية...
وقد أرادوني أن أكون مكياجًا، لا مرآة...
وأنا لست كذلك. لذلك حطموني لأنني كلمتهم بالصدق والصراحة. شوهوا سمعتي. ووصفوني بأبشع الأوصاف... وهوذا أنا الآن، وقد أصبحت مرآة محطمة...
فقلت له: هل تعبت نفسيتك لما هاجموك؟ وهل غيرت أسلوبك؟
فنظر إليَّ نظرة عميقة، ثم قال:
لقد وجدت اليوم ما عزاني: لي صديق مريض بحمى شديدة. وأهله يريدون كل يوم أن تنخفض حرارته وهي لا تنخفض... وقد زرته اليوم. وأراد أخوه أن يطمئن على حرارته. ولكنه لما قرأ الترمومتر، وجده على العكس يشير إلى ارتفاع في الحرارة. فاستشاط غضبًا. وامسك الترمومتر في غيظ ودقّ به الحائط، فحطمه!
مسكين هذا الترمومتر الصريح الصادق. ما ذنبه؟!
إنه مثلي: مرآة محطمة...!
[14] بينما...
[14] بينما...
كان ذلك في سنة 1948م، وقد قرأت مجلدًا هامًا يناقش موضوعات لاهوتية تحتاج إلى إمعان فكر وتعمق وتركيز.
فكتبت هذه العبارة على الكتاب بعد قراءته:
"بينما يبحث علماء اللاهوت في هذه الأمور العويصة، يكون كثيرًا من البسطاء قد تسللوا داخلين إلى ملكوت الله"...
[15] الأذن الواحدة
[15] الأذن الواحدة
لقد خلق الله لك أذنين - وكأنهما رمز، كلٌ منهما في اتجاه. بإحداهما تسمع الرأي وبالأخرى تسمع الرأي الآخر أو الرأي المضاد...
وعقلك كائن بين الأذنين، يزن كلاً من الرأيين.
لا تكن لك أذن واحدة لئلا يدفعك البعض في طريق خاطئ.
ولا تصدق كل ما تسمعه أذنك من كلام، قبل أن تسمع الرد على هذا الكلام.
بالأذن الواحدة قد تبعد عن الحقيقة، أو تخدعك أنصاف الحقائق.
وبالأذن الواحدة لا تكون عادلًا، وقد تظلم البعض وتسوء علاقتك مع غيرك بلا سبب كلما يدسّ أحدهما في أذنك كلامًا، قل لنفسك: أين أذني الأخرى؟
[16] وقت الغروب
[16] وقت الغروب
كنت متعودًا أن أتمشى في البرية في وقت الغروب. فلما رأيت الشمس في الأفق وهي تغيب وتغرب، قلت لنفسي، في وقت الغروب:
لم يحدث أن الشمس أخفت وجهها عن الأرض.
إنما هي الأرض التي أدارت ظهرها للشمس.
[17] أيهما أفضل؟
[17] أيهما أفضل؟
رأيت بين رهبان الأديرة نوعين: أحدهما عابد والآخر عالم.
أحدهما قد انحل من الكل ليرتبط بالواحد.
والآخر يحيط به الكل، يشرح ويفسر.
وكان كل منهما له مزاياه وله من يعجب به وبطريقته.
ودارت بين الجموع مناقشة تتحاور في أيهما أفضل:
العابد أم العالم.
[18] العمل الجماعي Teamwork
[18] العمل الجماعي Teamwork
يوجد نوع من الناس، يمكنه أن ينجح جدًا، إذا عمل وحده كفرد. بينما يفشل تمامًا إذا عمل كعضو في مجموعة...
إذ سرعان ما ينقسم عليهم، أو يفقد القدرة على التعاون معهم. فيتمسك برأيه جدًا، وينتقد آراءهم أو يهاجمها... يُظهر لهم أخطاءهم، ويظهرون له أخطاؤه، ولا يستطيع أن يستمر في العمل معهم...!
وهذه هي إحدى آفات مجتمعنا...
ونحن محتاجون أن ندرب أولادنا على العمل الجماعي، أو العمل مع جماعة، في تعاون واتساق للوصول إلى غاية واحدة معًا... في حب وفي إنكار للذات.
وفي داخل الكنيسة أيضًا ندرب الشمامسة على أن يرتلون معًا، كمجموعة أو خورس، بصوت واحد... أما الترتيل الفردي فهو سهل وبإمكان أي أحد...
[19] أمامنا طريقان
[19] أمامنا طريقان
قلت لبعض الآباء الأساقفة في يوم سيامتهم:
أمامنا طريقان لا ثالث لهما.
إما أن نتعب ويستريح الناس.
وإما أن نستريح نحن، ويتعب الناس.
وأنا بهذه السيامة قد دعوتكم إلى التعب. وثقوا أن بتعبكم سوف تستريح ضمائركم، وسوف تستريح الخدمة أيضًا...
وكررت نفس الكلام في سيامة الآباء الكهنة.
[20] مع أب اعترافك
[20] مع أب اعترافك
لا تعرض أمامه قرارات لك، وإنما أسئلة...
ولا تطلب منه مجرد الموافقة على شيء قد انتهيت منه، واستقر في فكرك وعزيمتك! إنما اطلب منه المشورة، والرأي، والمعرفة.
[22] مشاكل أم حلول؟
[22] مشاكل أم حلول؟
ما أكثر الذين قدموا لي مشاكل.
وما أقل الذين قدموا لي حلولًا.
ليت الذي يقدم مشكلة، يقدم معها اقتراحاته لحلها، على شرط أن تكون حلولًا ممكنة وعملية.
[22] الحق المنتفخ
[22] الحق المنتفخ
في إحدى المرات وقف (الحق) يفتخر على الباطل ويدينه في قسوة ويحتقره. بينما (الباطل) ينحني أمامه في انسحاق قلب.
ونظرت إليهما في عمق ثم قلت:
لقد عرفت يا رب: أن الباطل المنسحق أفضل بكثير من (الحق) المنتفخ...
هذا الباطل بانسحاقه هو في طريقه إليك ليصبح حقًا. وذلك الحق بانتفاخه إنما يبعد عنك ويصير باطلًا.
وتذكرت قصة الفريسي والعشار (لو 18).
[23] مَن الذي يصلحون؟
[23] مَن الذي يصلحون؟
أحيانًا كان الله يرسل لنا خدامًا صالحين لسيامتهم في درجات الكهنوت...
نشكره على ذلك.
وفي أحيان كثيرة، كانت تقابلنا مشكلة متكررة، وبخاصة بالنسبة إلى خدام المهجر، وهي:
الذين يصلحون، لا يريدون.
والذين يريدون، لا يصلحون.
[24] لها إرادة
[24] لها إرادة
إن كتلة ضخمة من الخشب لا تستطيع أن تقاوم التيار، بل يجرفها معه أينما سار.
بينما سمكة صغيرة تستطيع أن تقاوم التيار، وتسير إلى حيث تشاء.
ذلك لأن فيها حياة ولها إرادة.
[25] لا شيء...!
[25] لا شيء...!
رأيت نوعًا من الناس يتكلم كثيرًا ولكنه لا يقول شيئًا... أي لا يقدم كلامه أي نفع...
وزن كلامه، لا يتفق مطلقًا مع حجمه...
إنه لا يجد شيئًا يقوله، فيقول أي شيء، ويسهب... ويقضي وقتًا طويلًا يتكلم، وتكون محصلة كلامه هي لا شيء... ويرغم سامعه على إضاعة وقته في سماع هذا اللا شيء...
والأعجب من هذا كله، انه يطلب موعدًا آخر، لكي يكمل هذا اللا شيء، بلا شيء آخر من نفس النوع!!
ليت كل إنسان يزن أقواله قبل أن يقولها ويرى هل تستحق الوقت الذي تستغرقه؟ وهل تأتي بفائدة؟ وهل تستحق السماع؟
ويضع في اعتباره أيضًا مدى احتمال السامع. وينظر إلى ملامحه ليرى مدى رغبته في السماع...
فإن شعر أن السامع يريد أن يعتفي، يطلق سراحه بسلام...
[26] مساهمة!
[26] مساهمة!
في كل بناء كنا نبنيه...
كان هذا الأخ يحاول المساهمة فيه. ومساهمته كانت كلامًا لا عملًا...
وكان يساهم بالنقد وليس للبناء، وكنا نحاول أن نستفيد من نقده، ونشكره لأنه ساهم، ولم يقف (سلبيًا)!
[27] موضوعات جانبية
[27] موضوعات جانبية
« هناك من يحدثك في موضوع ما. ولكنه لا يستطيع التركيز فيه، بل يخرج منه إلى موضوعات جانبية عديدة.
وتحاول أن تلمّ بالموضوع معه، ولكنك لا تستطيع. لأنه ما يلبث أن يتفرع مرة أخرى إلى موضوعات جانبية لا تحصى...
« وقد تدخل في مناقشة نقطة عقيدية مع إنسان، فيخرج منها إلى نقاط أخرى، كلما ترد على واحدة يتفرع منها إلى غيرها، وكأنك أمام منهج مترامي الأطراف ولست بصدد مناقشة نقطة محددة!
[28] لا يكفي
[28] لا يكفي
إذا أردت أن تشرك أحدًا معك في عمل، فلا يكفي حماسه للعمل، ولا يكفي اتفاقه معك في الغرض... وإنما ينبغي أن يتفق معك أيضًا في الوسيلة وكيفية التنفيذ...
إن شريكك في العمل قد يسيء إليك، أن كان أسلوبه خاطئًا، أو إن كانت طريقة تعامله منفرة، أو إن كانت وسائله موضع مؤاخذة...
خذ الخدمة أيضًا كمثال: جميع الناس يتفقون في أهمية الخدمة، ويتحمسون لها. ولكن ليس الكل واحدًا في طريقة الخدمة...
أما أنت، فاخدم مع من توافق روحه روحك، وينسجم منهجه مع منهجك. وإلا فإن أخطاءه سوف تحسب عليك... وتجد نفسك - دون أن تقصد - مشتركًا معه في المسئولية عن كل تصرف خاطئ...
حقًا: من شروط المرافقة، الموافقة...
[29] احتمال الكرامة
[29] احتمال الكرامة
قال القديس الأنبا أنطونيوس الكبير:
"كثيرون يستطيعون أن يحتملوا الإهانة، لكنهم لا يستطيعون أن يحتملوا الكرامة. لأن احتمال الكرامة أصعب من احتمال الإهانة"...
فالكرامة قد تدفع البعض إلى الكبرياء، بالتعالي على غيرهم، أو تجاهلهم، أو إساءة معاملتهم، أو تغيير البيئة والأصدقاء وأسلوب الحياة... وقد تدفع إلى الخيلاء، والحديث مع الناس بعظمة...
كل هذا دليل على أنهم لم يستطيعوا أن يحتملوا الكرامة، فغيّرت من طباعهم ومعاملاتهم لغيرهم، كما قال الشاعر:
لما صديقي صار من أهل الغنى .:. أيقنت إني قد فقدت صديقي
أما الإنسان القوي من الداخل، أو الإنسان المتواضع كالعذراء مريم، فإن الكرامة لا يمكنها أن تغيره.
إنه هو هو نفس الشخص، مهما نال من مراكز، أو غنى، أو ألقاب، أو سلطة، أو علم، ومهما مدحه الناس...
تراه على الرغم من هذا كله، لا يفقد بساطته ولا تواضعه ولا علاقته الطيبة بالناس. ولا يترك أصدقاءه القدامى، ولا يبحث عن بيئة جديدة تناسب كرامته...!
[30] ما يسجله التاريخ
[30] ما يسجله التاريخ
إن التاريخ لا يسجل كل شيء...
إنما يسجل الأمور الكبيرة فقط، ويسجل أعمال الكبار...
وهكذا فان آلاف الأعمال والتصرفات، يعبر عليها التاريخ عبورًا ولا يلتفت إليها، كأن لم تكن... لأنها لا تستحق... والعالم نفسه ينساها بعد حين. إنها أمور صغيرة!
أما العمل الكبير فيبقى مدى الأجيال، لا يستطيع التاريخ أن ينساه فيما ينسى أمورًا عديدة وأشخاصًا عديدين...
ألك عمل كبير من هذا النوع؟
لا ليسجله التاريخ، إنما ليسجل في سفر الأحياء...
[31] صراحة
[31] صراحة
أنت تريد أن تكون صريحًا في الدفاع عن الحق.
ولكن صراحتك كثيرًا ما تجرح الناس، فيستاءون، ويأخذون منك موقفًا...
راجع نفسك. كم شخصًا استخدمت معه هذا الأسلوب الصريح الجارح، فخسرت كثيرًا بلا داع، وأيضًا لم تربح نفوسهم للرب.
وكان يمكن أن تتكلم بهدوء، وبحكمة، وبمراعاة لشعور الآخرين، كما تكلم السيد المسيح مع السامرية، فربح نفسها، دون أن يخدش مشاعرها (يو 4).
لو أن الله أرسل ملاكًا ليكلم كل الناس عن أعمالهم الخفية والظاهرة، بصراحة... أكان أحد يستطيع أن يحتمل.
نشكر الله أنه لا يستخدم معنا هذا الأسلوب (الصريح) الجارح، من فرط محبته ورقته، وإشفاقه على مشاعر الناس.
[32] كل جليات له داود
[32] كل جليات له داود
لا تخف من الباطل أن ينتشر أو ينتصر...
إن الباطل لا بد أن يهزم أمام صمود الحق، مهما طال به الزمن.
وكل جليات له داود، ينتظره، وينتصر عليه... باسم رب الجنود...
[33] استغلال التسامح
[33] استغلال التسامح
يخطئ من يشاء، على أي مستوى من الخطأ، باعتبار أن كلمة (أخطأت) ستمحو كل شيء، وينتهي الأمر، ولا عقوبة!
يحدث أن البعض في وظائفهم الحكومية، يكونون في منتهى الانتظام والالتزام، لأن هناك مساءلة وهناك عقوبة.
أما في الكنيسة فقد يتحول العمل فيها إلى فوضى، ولا مبالاة، وتكثر الأخطاء وتتنوع، بحجة أن رجال الدين المفروض فيهم التسامح!
وباسم التسامح، أو الفهم الخاطئ للتسامح، وقد لا تكون هناك أمانة كاملة في العمل وفي الخدمة: لا يلتزم أحد بمواعيد، ولا بعمل متقن، ولا بنظام. وإذا عوقب البعض بسبب أخطائه، يستاء كثيرون، ويعثرون!! كأنما العقوبة خطيئة أو قسوة. بينما ما أكثر العقوبات التي ذكرها الكتاب منذ آدم وقايين، إلى الطوفان وسدوم، وقورح وداثان وأبيرام.
إن الله عاقب عالي الكاهن لأنه لم يعاقب أولاده.
وفي العهد الجديد حنانيا وسفيرة، وبار يشوع، وخاطئ كورنثوس.
[34] حساب ردّ الفعل
[34] حساب ردّ الفعل
يوجد أشخاص يتصرفون دون أن يحسبوا حسابًا لردود فعل أفعالهم، من حيث الأثر على الآخرين، وتصرفهم إزاءها.
أكثر حكمة من هؤلاء، لاعب الشطرنج الذي لا يحرك قطعة، إلا ويحسب حسابًا: ماذا يكون موقف غريمه إزائها؟
[35] في أخطر مرحلة!
[35] في أخطر مرحلة!
هناك قوم يعالجون مريضهم بأنفسهم، كيفما...! ولا يلجأون إلى الطبيب إلا عندما يصل المريض إلى أخطر مرحلة!
هكذا في الخدمة: تحدث أحيانًا مشاكل. ويقول المسئولون في الخدمة. "لا يصح أن نزعج البابا بأخبارنا المتعبة!" وإن أراد أحدهم أن يوصل أخبار المشكلة يمنعونه وقد يصفونه بالخيانة بحجة أنه سيكشفهم...
وتستمر المشكلة ولا تصل إليَّ إلا بعد أن تكون قد تعقدت جدًا ولم يعد حلها سهلًا. فإن عاتبتهم على ذلك يقولون: لم نرد أن نزعجك...!!
[36] متى؟ ومتى؟
[36] متى؟ ومتى؟
الإنسان الحكيم يعرف كيف يتصرف، ويعرف متى يتخذ قرارًا معينًا؟
متى تصلح الطيبة؟ ومتى يصلح الحزم؟
متى يصلح التأني؟ ومتى تجب السرعة؟
متى يصلح الصمت؟ ومتى يجب الكلام؟
إن الحكمة تعمل العمل المناسب في الوقت المناسب.
وذلك لأن كثيرًا من التصرفات تتحكم فيها مناسباتها.
[37] البساطة والحكمة
[37] البساطة والحكمة
ليست البساطة هي السذاجة.
وليست هي أخذ الأمور بدون فحص وبدون تفكير ولا تتناقض البساطة مع الحكمة. فقد قال السيد المسيح "فَكُونُوا حُكَمَاءَ... وَبُسَطَاءَ" (مت 10: 16).
كيف إذًا يمكن الجمع بينهما؟ وما هو تعريف البساطة؟ أقول لكم بكل بساطة:
البساطة هي عدم التعقيد، وليست عدم التفكير.
والكتاب يعلمنا البساطة الحكيمة، والحكمة البسيطة.
[38] بداية بلا نهاية
[38] بداية بلا نهاية
قد نحدد مواعيد لمقابلة الناس، نعرف متى تبدأ، ولكننا لا نعرف متى تنتهي، أو لا نملك ذلك. والزائرون قد لا يهتمون بأن هناك مواعيد محددة لآخرين بعدهم، فتستمر جلستهم، وتفشل كل المحاولات الرقيقة في إنهائها.
ولعل هذا يذكرني بأن أحد الأدباء قال لضيوف من هذا النوع وهو يمزح معهم:
أهلًا بكم وسهلًا.
تأتون أهلًا، ولا تخرجون سهلًا.
[39] في العام الجديد
[39] في العام الجديد
أهو مجرد عام جديد في التقويم، أم في حياتك؟
كيف يكون عامًا جديدًا، إن دخلت إليه بنفس العادات والطباع والأخطاء، دون أن تغير في نفسك شيئًا؟ وقد تجمدت شخصيتك على وضع معين!
ليتك تتحرك في هذا العام الجديد، ولو خطوة واحدة عملية، إلى وضع أفضل...
في العام الجديد لا تقدم لله نذورًا، ولا عهودًا، ولا وعودًا، هي فوق مستوى إرادتك وقوتك، إنما أجمع كل رغباتك، وقدمها لله كصلاة، معترفًا بضعفك. ولا تنذر كما لو كنت واثقًا بقدرتك.
بدلًا من أن تعد الله بتغيير نفسك إلى أفضل، خذ منه وعدًا في صلاتك أن يغيرك إلى أفضل...
[40] احترام الناس لك
[40] احترام الناس لك
لا تطلب احترام الناس لك...
وإنما اتركهم يحترمونك من تلقاء ذواتهم، لما يجدونه فيك من صفات تجبرهم على توقيرك.
ولا تعاتب غيرك إذا لم يحترمك، بل بالحري عاتب نفسك، إن كنت قد تصرفت بطريقة تقلل من احترام الناس لك.
واعلم أن الاحترام شيء، والخوف شيء آخر...
فقد يخافك الناس، لمركزك أو لسلطتك أو بطشك... ولا يكون هذا احترامًا منهم لك...
فالاحترام هو شعور باطني بالتوقير، تمجيدًا لصفات معينة سامية، أو لقيم روحية أو إنسانية.
[41] أفراح الخماسين
[41] أفراح الخماسين
عدم الصوم في الخماسين شيء...
والتسيب في الأكل شيء آخر...
وكون الخماسين أيام فرح، لا يجوز فيها الصوم ولا المطانيات، ليس معنى ذلك أن يفقد الإنسان ضبطه لنفسه!
وأن يأكل في وقت مناسب، وفي وقت غير مناسب، بطريقة تضره روحيًا، وتضره صحيًا أيضًا، وتفقده روحيات الصوم الكبير وروحيات البصخة...
وأفراح القيامة هي أولًا وقبل كل شيء أفراح روحية. وللجسد أن يشترك في أفراح الروح. ولكن ليس له أن ينحل...!
[42] إعداد كاهن للمهجر
[42] إعداد كاهن للمهجر
إعداد كاهن للمهجر ليس أمرًا سهلًا، فليس كل إنسان يصلح، سواء من جهة النوعية الروحية، أو المواهب واتقان اللغة وحسن المعاملة.
إن وجد الشخص الذي يصلح، قد لا يوافق.
وإن وافق، قد لا توافق زوجته على الهجرة.
وإن وافقت زوجته، قد لا توافق كنيسته التي يخدمها وشعبه الذي يحبه.
وإن وجد الشخص الصالح، وتمت الموافقة من جميع الأطراف، ولو بعد جهد وتعب وإقناع، تبقى أمامنا مشكلة أخرى، وهي ملء الفراغ الذي سيتركه في كنيسته.
وهذا قد يحتاج إلى تكرار القصة: الشخص الصالح هو الذي يوافق، وتوافق زوجته على قبول الكهنوت، وتقبله الكنيسة وتزكيه.
[43] بين الإلغاء والإبقاء
[43] بين الإلغاء والإبقاء
حينما بدأت مسئوليتي اقترح عليَّ البعض إلغاء (الموالد) لما يحدث فيها من أخطاء، ولهو، وأمور غير روحية. وكانت أعياد القديسين في ذلك الوقت يسمونها (الموالد) وهي تسمية خاطئة.
على أن البعض قال لي رأيًا عكس ذلك وهو:
إن أعياد القديسين تقدم تقدمات شعبية، يمكن تنقيتها وقيادتها روحيًا، فتؤول إلى الخير.
ونفذت هذا الرأي الثاني. وأمكن إصلاح ما في هذه (الموالد) من أخطاء. وصارت أعياد القديسين مناسبات روحية وضعت لها برامج مفيدة جدًا، فيها التراتيل والألحان والوعظ والتسجيلات الصوتية، والأفلام الدينية، والمسابقات الكتابية، وفيها القداسات والتناول.
وتحولت إلى بركة بالإبقاء وليس بالإلغاء.
[44] التزكيات
[44] التزكيات
في بدء حياتي الرعوية، تعودت أن تصلني تزكيات عليها توقيعات كثيرين يطلبون سيامة أحد الأشخاص كاهنًا، أو سيامة أحد الرهبان أسقفًا...
وكنت لا أثق بهذه التزكيات إطلاقًا:
فالبعض يوقع على التزكية مجاملة. والبعض يوقع عليها جهلًا، أو خوفًا، أو خجلًا ممن يقدمها، أو ممن تُقدم عنه. والبعض يوقع على التزكيات بلا مبالاة، أي قد يوقع عليها وعلى غيرها، وربما على عكسها...
والبعض قد يوقع عن نفسه وعن آخرين أيضًا: عن أبنائه، وأقاربه وأصدقائه، مدعيًا أن لهم نفس رأيه، وأنه يمثلهم...! وقد لا يكون رأيهم كذلك...
وربما تمثل هذه التزكيات رأي شخص واحد، كتبها ومرّ على كل الباقين يجمع توقيعاتهم، فوقعوا انقيادًا له...
لذلك كنت أستطلع رأي الشعب باللقاء المباشر معهم:
إما أن أذهب إليهم، أو أن يأتوا هم إليَّ.
وكنت أوزع عليهم أوراقًا يكتب فيها كل منهم ما يشاء، دون أن يقرأ رأيه أحد. وكنت أستفيد جدًا مما يكتبون من معلومات، وأناقشها معهم بكل صراحة...
[45] باسم الشعب
[45] باسم الشعب
كثيرًا ما تصلني برقية بشأن أمر من أمور الكنيسة، يريد صاحبها أن يعطيها ثقلًا ووزنًا، فيقول باسم شعب كنيسة كذا أو يجعل توقيعها: شعب كنيسة كذا...
وربما يكون محتواها عبارة عن مجرد رأيه الشخصي، والشعب لا علاقة له إطلاقًا بما ورد فيها من كلام...
إنه يعتقد أنه ما دام قد اقتنع بشيء، فلا بد أن الكل أيضًا مقتنعون...! فرأيه هو الحق. والكل وراء هذا الحق!
وقد يذهب أحدهم إلى مكتب التلغراف، ويرسل مجموعة كبيرة من البرقيات، بصيغة واحدة تقريبًا وبتوقيعات أسماء متعددة، الله يعلم مدى علمها بكل هذا. والأمر يحتاج إلى دراسة على الطبيعة...
[46] حتى ساعة الموت!!
[46] حتى ساعة الموت!!
كانت امرأة بارة جدًا، وقد مرضت بالسرطان. فتوجهت إلى الله بالصلاة، وأقيمت من أجلها صلوات وقداسات وأصوام.
ودخل السرطان في مرحلة خطيرة جدًا وقاربت ساعة الموت. فطلبتني، وكنت في ذلك الوقت أسقفًا، أستطيع زيارة الناس أكثر من الآن. فذهبت إليها، ووقفت إلى جوار فراشها، استمع إليها تشكو إليَّ نفسها:
قالت: إنني حزينة جدًا، لأن شكوكًا كثيرة تجول في فكري: ما قيمة الصلاة والأصوام والقداسات؟! وأين رحمة الله واستجابته؟!
كم صليت أن تتركني هذه الأفكار ولكنها مستمرة. فأقلق وأقول: هل سأفقد حياتي هنا، وأفقد أيضًا أبديتي بسبب هذه الشكوك؟
فقلت لها: لا تقلقي. إنها ليست أفكارك...
بل هي شكوك يلقيها الشيطان في ذهنك. وصلاتك تدل على أنك لا تقبلينها، وأنها ليست منك. والله لا يسمح أن بارة مثلك تتألم هنا وفي الأبدية أيضًا. إنك مثل لعازر الذي استوفى بلاياه على الأرض، واستحق أن يذهب إلى أحضان إبراهيم في طريق الأبدية السعيدة مع الله...
وإن كان الله يريد أن يأخذك إليه، فليس هذا ضد رحمته، ولا ضد الصلاة. فالأبدية متعة اشتهاها القديسون...
... ثم قرأت لها التحليل... واستراحت. وذهبت متعجبًا من الشياطين التي تحارب القديسين، حتى في ساعة الموت!!
[47] شائعة!
[47] شائعة!
هناك أناس إذا أرادوا الوصول إلى غرض ما، يطلقون شائعة مثيرة جدًا ضد هذا الغرض، وينشرونها بكل الطرق حتى يثار الناس، ويكثر الضجيج والضوضاء.
وفي وسط هذا الجو المعكر، يحاولون الوصول إلى غرضهم!
والعجيب أنهم يجدون كثيرين يصدقون شائعاتهم.
[48] أخطاء في النعي
[48] أخطاء في النعي
كثيرون يستخدمون كلمة (الفقيد) حينما يتحدثون عن حبيب لهم رحل عن عالمنا. كأن يقولوا مثلاً: ننعى الفقيد العزيز فلان!!
فالذين تركوا عالمنا ليسوا مفقودين. وهم أيضًا ليسوا موتى لأنهم أحياء في السماء. إنهم مجرد منتقلين من عالم إلى آخر...
عبارة الراحل الكريم أفضل من كلمة الفقيد.
كذلك البعض يقول: "انتقل إلى الأمجاد السمائية فلان"... وهذا خطأ لاهوتي، لأن الأمجاد السمائية لا تكون إلا بعد القيامة والحساب في اليوم الأخير (متى 25: 31 - 46).
أفضل من عبارة (الأمجاد السمائية) أن نقول: إلى كورة الأحياء، أو إلى فردوس النعيم، أو إلى مجمع القديسين...
أو نقول: انتقل من عالمنا الفاني إلى العالم الباقي... وما يشبه هذه العبارات بعيدًا عن (الأمجاد السمائية).
[49] الرحلات إلى الأديرة
[49] الرحلات إلى الأديرة
كثيرون يفكرون في ذواتهم فقط، حين يذهبون في رحلة تقيم يومًا كاملًا أو أكثر في أحد الأديرة البعيدة، مثل دير الأنبا أنطونيوس، أو دير الأنبا بولا... وقد يذهبون في أكثر من أتوبيس، برحلة أكثر من مائة شخص. وقد تصل إلى الدير أكثر من رحلة في نفس اليوم بمئات الضيوف...!
ويتحول هدوء الدير إلى ضوضاء. وتقف مشكلة في كيف تبيت هذه المئات من الرجال والنساء في الدير، وكيف تقدم لهم وسائل الراحة والخدمة.
ويفقد الرهبان حريتهم، ولا يشعرون أنهم تركوا العالم، ما دام العالم يسعى هكذا إليهم. وفي نفس الوقت لا يستفيد أعضاء الرحلات روحيًا وسط كل هذا الضجيج والزحام. المشرفون على الرحلات لا يستطيعون أن يضبطوا النظام في حالات كهذه. وهكذا لا يستفيد الرهبان ولا الضيوف...
وإن رفض الدير قبول هذه الرحلات، يتضايق أعضاؤه ويتذمرون ويقولون: هل قطعنا كل هذه المسافات الطويلة لترفضونا، ونحن في هذا القفر، وقد أوشكت الشمس على الغروب، وكيف نرجع؟! ويقع الدير في حرج! وبخاصة لأن كل هؤلاء لم يأتوا بتصريح مسبق، ولم يعطوا الدير فرصة لكي ينظم قبول هذه الرحلات.
إن الرحلة إلى الدير، رحلة لها هدف روحي، وينبغي أن تختلف عن رحلة إلى الهرم أو إلى المتحف.
والفائدة الروحية من زيارة الأديرة تأتي بالزيارات الفردية، أو بالرحلات القليلة العدد (لا تزيد عن عشرة مثلًا). وتكون بنظام دقيق تسلك به الرحلة، وببرنامج روحي يوضع لفائدة أعضائها.
وتكون باتفاق مسبق مع الدير، وبتصريح خاص، ولا يفاجأ بها الدير، ولا تسبب له إحراجًا.
وأيضًا تراعي هدوء الرهبان وروحياتهم، هؤلاء الذين بُنى الدير من أجلهم، والذين تركوا العالم وكل ما فيه التماسًا للهدوء، الذي يساعدهم على الوحدة والتأمل والتفرغ للعبادة.
[50] الحرية
[50] الحرية
كثير من الشباب كانوا حساسين جدًا نحو حريتهم الشخصية، وكانوا - حينما يبلغون سن الرشد أو قبله - يقولون إنه ينبغي أن يتمتعوا بحريتهم كاملة دون قيد، فيفعلون ما يشاءون...
فكنا نجيبهم بأن الحرية لها شرطان أساسيان:
1- أن يمارس الإنسان حريته بحيث لا يعتدي على حريات أو حقوق الآخرين.
2- وبحيث عدم الإخلال بالنظام العام أو بالآداب والقيم والتقاليد المرعية.
وكنا نقول إن هذين الشرطين ليسا قيدًا للإنسان الحر، بل هما حفظ له. ويشبهان شاطئ النهر.
إن الشاطئين ليسا قيدًا يحدّ حرية النهر، إنما هما حفظ لمياهه من الانسكاب على الجانبين. ولولاهما لتحول النهر إلى مستنقعات...
[51] أغاني شعبية
[51] أغاني شعبية
أحيانًا ينظم البعض ترنيمة، يكون تلحينها على وزن أغانٍ شعبية!
ويظن هؤلاء أنه ما دام الكلام سليمًا، فلا عبرة بالموسيقى!! بينما الموسيقى لها في حد ذاتها تأثير على العاطفة، لا يقل تأثير عن الكلام المنظوم.
إن ألفاظ الترانيم الروحية، لا تليق بها إلا موسيقى وألحان روحية تتناسب معها.
[52] التنوع والاختلاف
[52] التنوع والاختلاف
كثير من الناس يسرفون في استعمال عبارة الاختلاف، حيث لا يوجد اختلاف، بل يوجد تنوع...!
فيقولون مثلاً: "ألوان مختلفة" بينما الألوان لم تختلف وإنما تنوعت. وقد يكون في تنوعها جمال...
وبالمثل يقولون الأطعمة مختلفة، والطيور مختلفة، والأذواق المختلفة، والعلوم المختلفة...! وقد لا يكون اختلاف بين كل هذا وإنما هو تنوع...
إن استعمالنا الكثير لعبارة (اختلاف) ومشتقاتها، قد يغرس في عقلنا الباطن هذا المعنى!
وربما كلمة (تنوع) ومشتقاتها تكون أفضل.



