تأملات في عيد الصعود

| الكتاب | تأملات في عيد الصعود |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| الطبعة | الأولى، ستمبر 1997م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 7225/ 1997 |
| الترقيم الدولي ISBN | 977-5345-41-3 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقدمة
مقدمة
يسرني أن أقدم لكم هذه النبذة عن عيد الصعود المجيد، حيث أحدثكم فيها عن:
⭐ صعود السيد المسيح كان بالجسد.
⭐ كان صعودًا بجسد ممجد، ليس ضد الجاذبية الأرضية.
⭐ ما معنى صعوده على السحاب؟ وعلاقته بالسحاب؟
⭐ الصعود دليل على لاهوته، وانتهاء إخلائه لذاته.
⭐ ما معنى جلوس عن يمين الآب؟
⭐ السيد المسيح في صعوده لم يفارق كنيسته.
⭐ كان صعوده عملية فطام لتلاميذه.
⭐ صعوده كان عربونًا لصعودنا إليه.
⭐ تأملات في الصعود. ودروس من مجد الصعود.
⭐ الحياة الروحية كلها صعود.
⭐ حكمة العشرة أيام بين الصعود والعنصرة.
البابا شنوده الثالث
فما هو تأملنا في هذا الصعود؟
تحتفل الكنيسة بعيد الصعود يوم الخميس في يوم الأربعين لقيامة الرب، ونود أن نتأمل معًا ما في هذا العيد من معانٍ روحية، حتى نحتفل به في عمق، وفي فهم لما يحويه من إيحاءات...
قضى المسيح مع تلاميذه أربعين يومًا بعد القيامة، وفي يوم الأربعين ودعهم، ووعدهم بأنهم سينالون قوة متى حل الروح القدس عليهم (أع1: 8).
ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون وأخذته سحابة عن أعينهم، وفيما كانوا يشخصون إلى السماء وهو منطلق - وقف بهم ملاكان وقالا لهم: "مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ..." (أع 1: 9 -11).
فما هو تأملنا في هذا الصعود؟
عيد الصعود عيد سيدي، معجزته خاصة بالسيد المسيح وحده.
أي أنه يشمل معجزة لم تحدث مع أحد من البشر، وإنما كانت للسيد الرب وحده: مثل الميلاد العذراوي ومثل قيامته بقوة لاهوته وخروجه من القبر المغلق ومثل التجلي على جبل طابور. كذلك صعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب.
لقد صعد بذاته وليس مثل إيليا النبي الذي أخذته مركبة نارية فصعد فيها (2مل 2: 10، 11). ولا مثل أخنوخ الذي "وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ" (تك 5: 24). أما السيد المسيح فصعد بقوته، دون أية قوة خارجية.
فكما قام بقوته وحده، دون أن يقيمه أحد، هكذا صعد بقوته.
كانت فيه قوة الصعود كما كانت فيه قوة القيامة. وفي كلتيهما ظهر مجده.
كيف كان الصعود
كيف كان الصعود
لقد كان صعودًا بالجسد، بالناسوت:
فاللاهوت لا يصعد ولا ينزل. إنه مالئ الكل موجود في السماء وفي الأرض، وفي ما بينهما. فكيف يصعد إلى السماء وهو فيها؟! وكيف يترك الأرض إلى السماء وهو باقٍ في الأرض أثناء صعوده؟! إذًا لا بد أن نقول إن السيد المسيح قد صعد بالجسد (المتحد باللاهوت). وهذا ما نقوله في صلاة القداس الغريغوري "وعند صعودك إلى السماء جسديًا..".
****
كان صعود الرب في السحاب:
"ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ" (أع 1: 9).
صعد على سحابه في مجد هكذا سيأتي أيضًا في مجيئه الثاني، على السحاب في مجد، وهكذا قال لرؤساء الكهنة أثناء محاكمته قبل الصليب: "مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ" (مت 26: 64). وهذه العبارة تضيف أنه كان من أمجاد الصعود الجلوس عن يمين الآب.
والسحاب في الكتاب المقدس كان يرمز إلى مجد الرب وحلوله، ففي قصة مباركة السبعين شيخًا كمساعدين لموسى النبي، يقول الرب عن موسى: "فَنَزَلَ الرَّبُّ فِي سَحَابَةٍ وَتَكَلَّمَ مَعَهُ..". وفي الانتهاء من إقامة خيمة الاجتماع، قال الوحي الإلهي: "ثُمَّ غَطَّتِ السَّحَابَةُ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ وَمَلأَ بَهَاءُ الرَّبِّ الْمَسْكَنَ. فَلَمْ يَقْدِرْ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ، لأَنَّ السَّحَابَةَ حَلَّتْ عَلَيْهَا وَبَهَاءُ الرَّبِّ مَلأَ الْمَسْكَنَ" (خر 40: 34، 35).
وفي العهد الجديد قيل بعد معجزة التجلي "وَكَانَتْ سَحَابَةٌ تُظَلِّلُهُمْ. وَصَارَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا" (لو 9: 35) (مر 9: 7).
لم يفارقنا المسيح في صعوده
لم يفارقنا المسيح في صعوده
كان السيد المسيح مع التلاميذ بالجسد.. ثم صعد عنهم، ولكنه لما يفارقهم..
صعود المسيح إلى السماء، لم يكن مفارقة لكنيسته على الأرض.
ما كان انفصالًا عن الكنيسة، ولا تركًا لها، ولا تخليًا عنها. لأنه قال: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 20). وقال أيضًا: "حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت 18: 20). إذًا هو معنا في الكنيسة، وفي كل اجتماع روحي، وهو كائن معنا في المائدة في كل قداس. هو عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا (مت 1: 23).
وسفر الرؤيا يقدم لنا صورة مؤثرة للسيد المسيح وهو وسط الكنائس السبع، وفي يمينه سبعة كواكب هم رعاة الكنائس (رؤ 2: 1).
وهو أيضًا ثابت فينا ونحن فيه (يو17)، وهو أيضًا يحل بالإيمان في قلوبنا (أف 3: 17).
كل ما في الأمر أنه معنا بطريقة غير مرئية.
لأننا في مواهب العهد الجديد صرنا في حالة من النضوج الروحي، نعيش فيه بقول الرب: "طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا" (يو20: 29). إننا نؤمن بوجود الله معنا، دون أن نراه، ونؤمن بوجود الروح القدس فينا، دون أن نراه. يكفي أن نرى عمله ونلمس يده في حياتنا...
*****
المسيح مع الكنيسة بمستوى أعلى من مستوى الحواس، وأعلى من مستوى المرئيات.. لا نراه بالجسد ولكن نؤمن بوجوده معنا بالإيمان والإيمان هو الإيقان بأمور لا ترى.. (عب 11: 1).
في صعود المسيح اختفى عن أنظار التلاميذ.. ولكنه لم يختف عن أرواحهم، إنه اختفاء وليس مفارقة.. إنها عملية فطام للحواس، لكي تتغذى الروح بالإيمان، ولا تبقى تحت سيطرة الحواس.
قبل أن ينضج التلاميذ روحيًا.. كان يسمح لهم أن يروا ويلمسوا، ويعيشوا معتمدين على حواس الجسد.. أما بعد نضوجهم. وبعد حلول الروح عليهم، فليبصروا إذًا بالإيمان.
وكأنه يقول: لستم في حاجة الآن إلى أن تروني بالجسد.. أنتم الآن في مرحلة النضوج، ترونني بالروح وفعلًا في هذا النضوج لم يشعر التلاميذ مطلقًا أن المسيح قد فارقهم، فليكن إذًا هذا الفكر في قلوبنا.
فطاَم
فطاَم
كان صعود الرب إلى السماء عملية فطام للتلاميذ:
لقد تعودوا خلال فترة تلمذتهم له وهو موجود بينهم بالجسد، أن يتكلوا عليهم في كل شيء دون أن يعملوا شيئًا. كان هو الذي يعمل المعجزات وهو الذي يرد على المعارضين، بينما يقف التلاميذ متفرجين، كانت تلمذتهم هي مجرد السير وراءه والتعلم منه، يتأملون ويتعلمون...
أما الآن، بعد الصعود، فقد آن لهم أن يفطموا، ويقوموا هم أنفسهم بكل المسئوليات الروحية: يتلمذون جميع الأمم، ويعلمونهم جميع ما أوصاهم الرب به (مت 28). ويردون على معارضيهم، ويحتملون الألم في عمل الكرازة.
وفطام المسيح لتلاميذه، لم يكن يعني مطلقًا التخلي عنهم، بل الإعلان عن نموهم ونضوجهم وحملهم للمسئولية.
لقد قضى المسيح مع تلاميذه أربعين يومًا يحدثهم عن الأمور المختصة بالملكوت.. ولكنه لم يمد الأربعين يومًا.. هذه تكفي. الآن يصعد ويتركهم ليخدموا. ليس مفأجاة وإنما أمامهم عشرة أيام أخرى يمهدون فيها أنفسهم. وينتظرون حلول الروح عليهم.
بالأربعين يومًا انتهت فترة الإعداد للخدمة، وانتهت فترة الإيمان بالحواس.
اخدموا إذًا. وليقل كل واحد.. أنا شاعر يا رب أنك معي، وشاعر أن كلمتك في فمي. أنا سأخدم ولكن ليس ببشريتي، إنما بروحك، تعطيني أنت ما أتكلم به. وأنا سأعمل المعجزات ولكن بقوتك أنت.
كان الرب كالنسر الذي يعلم فراخه الطيران.
حينما يكبرون أو ينضجون، يحملهم على جناحيه، ثم يلقى بهم في الجو ويصعد عنهم، كي يحركوا أجنحتهم ويتعلموا الطيران، وفي كل ذلك لا يتخلى عنهم، بل يرقبهم ويأتي لحمايتهم إن تعرضوا لخطر.
أو مثل أب يعلم ابنه العوم، ويحمله على يديه، ثم يتركه في الماء بعد أن يعلمه العوم، كي يعوم وحده ويجرب الماء، ومع ذلك لا يتركه، بل يبقى قريبًا معه، يساعده كلما احتاج.
هكذا الرب، درب تلاميذه خلال ثلاث سنوات أو أكثر، وأرسلهم أيضًا في تدريب عملي (مت 10)، ثم انتهت فترة التدريب، فصعد عنهم لكي يعملوا بأنفسهم ويؤدوا رسالتهم، وهو معهم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر.
كان الصعود إعلانًا لانتهاء فترة التدريب، وإعلانًا لبدء الخدمة
ولذلك قال لهم قبيل صعوده: "تَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا" (أع1: 8). وقال لهم: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا" (مر16: 15) وقال أيضًا: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ... وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (مت 28: 19، 20).
الصعود والجاذبية الأرضية
الصعود والجاذبية الأرضية
قد يسأل البعض: هل في صعود الرب قد داس على قانون الجاذبية الأرضية؟
وللإجابة على هذا السؤال نذكر نقطتين هامتين وهما:
أ- أن القوانين الطبيعية قد وضعها الله، لتخضع لها الطبيعة، وليس ليخضع هو لها. فهل كان في الأمر معجزة إذًا؟ هنا وأجيب:
ب- إنها معجزة بالنسبة إلينا نحن، إذ ترى السيد المسيح صاعدًا بجسده إلى فوق إلى السماء، ولكنها في الواقع أمر طبيعي بالنسبة إلى الجسد الممجد الذي قام به الرب.
إذًا معجزة الصعود لم تكن في الانتصار على قوانين الجاذبية الأرضية، إنما كانت المعجزة في هذا الجسد الروحاني السماوي، الذي يستطيع أن يصعد إلى فوق، إنه إذًا سمو للطبيعة وليس تعارضًا معها، إنه نوع من التجلي لطبيعة الجسد...
لو أن جسدًا ماديًا صعد إلى السماء، لقلنا إن هذا ضد قوانين الجاذبية الأرضية، أما أن يصعد جسد روحاني سماوي، فهذا أمر يتفق مع سمو الطبيعة الجدية التي يأخذها الجسد في القيامة، فيصير جسدًا روحانيًا "إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ" (1كو 15: 50).
****
حقًا إن جسد القيامة أو جسد الصعود: إنما هو المعجزة.
صعد السيد المسيح إلى السماء بجسد ممجد، ارتفع منطلقًا إلى فوق لا يخضع مطلقًا لقوانين الجاذبية الأرضية.
إنه جسد ليست فيه ثقل المادة التي تجذب إلى أسفل.. بل له طبيعة أخرى ممجدة يمكن أن تصعد إلى فوق.
حقًا إن السيد المسيح قد قام بجسد ممجد، أمكنه أن يخرج من القبر وهو مغلق، وأمكنه أن يدخل العلية على التلاميذ وأبوابها مغلقة (يو20: 19 - 26)، ولكن التلاميذ لم يتيقنوا من مجد جسده هذا، لأنهم ظنوه خيالًا ثم لأنهم جسوه، ولأنه تنازل فأكل معهم (لو 24: 37 - 43).
أما في الصعود فدخلوا في عمق الإيمان بهذا الجسد الممجد، الذي جذب أنظارهم إلى فوق، حتى قد لهم الملاكان: "مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟" (أع 1: 11).
*****
معجزة الصعود هي تحول الجسد المادي إلى جسد روحاني، جسد سماوي، جسد ممجد، يمكنه أن يصعد إلى فوق. وهذا ما سوف يحدث لنا أيضًا في القيامة، حينما "نتمجد معه" ونقوم "في عدم فساد"، ونقوم في قوة "في مجد" (1كو 15: 42 - 44). الأحـياء على الأرض في وقت القيامة، سوف يتغيرون "فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ"، "وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ" (1كو 15: 52، 53) "ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس 4: 17).
والرسول يبشرنا بأن الرب "الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (في 3: 21). أي أنهما سنقوم بجسد ممجد.
ويشرح هذا الأمر بالتفصيل في أصحاح القيامة (1كو 15) كيف جسدنا المائت سيلبس عدم موت، والفاسد سيلبس عدم فساد. وسنخلع الجسد الترابي الحيواني، لنلبس جسدًا روحانيًا نورانيًا سماويًا.. (1كو 15: 41 - 50).
*****
إذًا صعود الرب يسوع هو عربون لصعودنا.
كما كانت قيامة الرب عربونًا لقيامتنا، إذ هو "بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ" (1كو 15: 20). "كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ" (1كو 15: 22).
كذلك أيضًا في الصعود، نسمعه يقول: "وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ" (يو12: 32)... على السحاب وفي السماء، وبجسد ممجد، ونكون في كل حين مع الرب، في أورشليم السماوية مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ (رؤ 21: 2، 3). في مستوى أعلى من المادة ومن الحواس، على شبه جسد مجده، في ربوات قديسيه.. حيث نتمجد أيضًا معه (رو8: 17). حيث نقام في مجد (1كو15: 43).. وبالتالي نصعد إليه في مجد.
في صورة الصعود، أخذنا عربونًا للجسد الممجد المرتفع إلى السماء.
وما زال هذا هو أملنا، في أن يعتقنا الله من المادة وتأثيرها. ولا يكون جسدنا ماديًا إلى الأبد، إنما سنلبس الجسد الروحاني، بافتداء أجسادنا (اكو 15: 53). ولكن ما هو الطريق الموصل إلى المجد الذي ستناله أجسادنا.
الطريق الموصل إلى مجد أجسادنا، هو الموت أولًا، ثم القيامة.. ولهذا لا نخاف الموت. بالموت نتخلص من مادية الجسد، وبالقيامة نلبس روحانية الجسد الممجد.
إن بقينا في هذا الجسد، سنبقى في المادة، ولكن إن خلعنا هذه المادة بالموت، سنؤهل إلى روحانية الجسد في الأبدية. من منا إذًا يشتهى أن يبقى في التراب، دون أن يتغير إلى المجد؟!
الجلوس عن يمين الآب
الجلوس عن يمين الآب
لهذا الجلوس شواهد من العهدين القديم والجديد:
ففي العهد القديم نقرأ في المزمور: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" (مز 110: 1). وهنا - في هذا الجلوس - يدعوه ربًا، مع مجد الانتصار على أعدائه.
وفي العهد الجديد تروى قصة الصعود في إنجيلي مرقس "ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ" (مر16: 19). وظهر هذا الجلوس في قصة استشهاد استفانوس أول الشمامسة، إذ قال: "هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ" (أع 7: 56).
وما أكثر الإشارات إلى جلوسه عن يمين الآب في الرسالة إلى العبرانيين: منها "بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي، صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ" (عب1: 3، 4) (انظر أيضًا: عب 8: 1، عب 12: 2).
هنا ونسأل: ما معنى الجلوس عن يمين الآب؟
إن الله ليس له يمين ولا شمال، لأنه غير محدود. كما أنه لا يوجد فراغ عن يمينه يجلس فيه أحد. لأنه مالئ الكل. ولكن كلمة يمين تعنى القوة والعظمة والبر، كما قيل في المزمور: "يَمينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً. يَمينُ الرَّبِّ رَفَعَتْني" (مز 117). والمعنى أن المسيح جلس في عظمة الآب وفي قوته.
*****
انتهاء عبارة - أخلى ذاته
معنى آخر نفهمه من الصعود:
انتهاء عبارة - أخلى ذاته
في الصعود المجيد، انتهت عبارة "أخلى ذاته" التي قيلت عن السيد المسيح (في 2: 7). إنه الآن في مجد...
كان قد "أَخْلَى نَفْسَهُ" عندما تجسد "آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ" (في2: 7). أما بعد صعوده، فقد دخل في مجده وعبارة "جلس عن يمين الآب" تعني استقر. أي أنه مجد دائم، لا إخلاء فيه فيما بعد... الإخلاء الذي به ولد في مزود بقر، وعاش فقيرًا ليس له أين يسند رأسه "رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ" (إش53: 3).
لذلك حينما يأتي في مجيئه الثاني سيأتي "بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ" (مت 24: 30)، "فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ" (مت 25: 31). بل قيل: "سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ" (يه 14). "وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت 16: 27).
وقبل مجيئه الثاني، رآه شاول الطرسوسي في مجد (أع 9: 3). وكذلك رآه يوحنا "وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا" (رؤ 1: 16).
وعبارة "جلس" تعني الاستقرار والاستمرار، فهو في مجده إلى الأبد.
إنه لا يأتي في مجيئه الثاني ليحمل خطايا العالم كله (يو1: 29) ويجعل خَطِيَّةً لأَجْلِنَا (2كو 5: 21) كما حدث في مجيئه الأول، إنما يأتي برًا مطلقًا، يقود جيش الأبرار أو جيش الغالبين...
****
ونحن في صعود الرب إلى السماء نقول له: ليست الأرض هي الموضع الذي تسند فيه رأسك، ولكنها موطئ قدميك (مت 5: 35). يل إنه تواضع منك يا رب أن تجعلها موطئًا لقدميك!
حقًا هذه الأرض لا تستحق أن تطأها بقدميك. ونحن من تراب هذه الأرض. فمن نحن إذًا أمامك؟ لا شيء... وإذ نتضع هكذا قدامه، يمكن أن نرتفع إليه لأن "مَن يتضع يَرْتَفِعْ" (مت23: 12).
تأملات في الصعود
تأملات في الصعود
الصعود يعطي روح الرجاء:
من كان يظن أثناء آلام الصلب، وما فيه من إهانات وتحقير، أنه سينتهي إلى هذا المجد في القيامة وفي الصعود وفي الجلوس عن يمين الآب؟! ألا يعطينا هذا ملء الرجاء حينما تحيط بنا الضيقات. فنتذكر أنه بعد أحزان الجلجثة، توجد أفراح القيامة وأمجاد الصعود...
كل ما في المسألة، أن الأمر يحتاج إلى إيمان وثقة وإلى صبر.
هناك أشخاص حينما تأتيهم الضيقة تبتلعهم، وتظل نفوسهم داخلها، حبيسة داخل الضيقة، كأن لا خلاص!!
هؤلاء تنتهي حياتهم عند الجلجثة، في يأس بلا رجاء ولو كانت قصة المسيح قد انتهت بصلبه، لصرنا أشقى الناس.
لكننا نفرح لأن قصة الصلب، أعقبتها القيامة، ثم الصعود. وفي القيامة أمكن تحطيم الموت، ولكن المسيح كان لا يزال على الأرض. أما الصعود، فقد ارتفع عن الأرض.. في مجد - إلى السماء...
****
معجزة الصعود تعطينا لونًا من الرجاء من ناحيتين:
الأولى أن الذين أعثروا بصليب الرب وما صاحبته من إهانات ومن آلام، كان الرد عليها في مجد القيامة، ثم في مجد الصعود. وهكذا عاد الإيمان إلى الناس الذين ظنوا أن كل شيء قد انتهى بالصليب. وصار لنا رجاء أنه بعد كل صليب توجد قيامة وصعود. وهذا الرجاء صاحب الشهداء والمعترفين في كل جيل.
الناحية الثانية من الرجاء أنه سيكون لنا المثل:
فكما صعد المسيح بجسد ممجد، سيكون لنا أيضًا جسد ممجد (في3: 21). وكما أخذته سحابة عن أعين التلاميذ في صعوده، هكذا في اليوم الأخير سنأتي معه على السحاب. "فِي مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِ قِدِّيسِيهِ" (1تس 3: 13)، متى "جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ، لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ" (يه 14، 15)، حين يأتي على السحاب وتنظره كل عين (رؤ 1: 7). "نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس 4: 17).. حقًا ما أعظم هذا الرجاء...
*****
وهذا الرجاء يعلمنا الصبر وانتظار الرب.
الصبر أولًا في تحقيق مواعيد الرب. الصبر على آلام الصليب حتى تتحقق أمجاد القيامة وأمجاد الصعود.
والصبر على الصعود وترك الرب لنا بالجسد، حتى يتحقق قول الملاكين للرسل يوم الصعود "إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ" (أع 1: 11).
كذلك الصبر أيضًا الذي صبره الآباء الرسل في انتظار وعد الرب لهم بإرسال الروح القدس.
إنه صبر في رجاء. وهو رجاء مملوء بالفرح في إيمان بتحقيق مواعيد الرب. وكما قال الرسول: "فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ..." (رو12: 12).
*****
وكان صعود الرب محفوفًا بثلاثة وعود:
أما الوعد الأول فهو إرسال الروح القدس ليكون معنا إلى الأبد. وهكذا سبق فقال لهم: "الْحَقَّ: إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ" (يو16: 7). وقد كان. وأرسل لهم الروح القدس بعد صعوده بعشرة أيام.
أما الوعد الثاني فهو قوله لهم: "لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ" (يو14: 18). وقوله أيضًا: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت 28: 20). وقد حقق هـذا الوعد أيضًا ولا يزال يحققه.
وقد رآه القديس يوحنا الحبيب وسط الكنائس السبع (رؤ 1: 13، 20). وقد أمسك ملائكة الكنائس السبع - أي رعاتهم - في يمينه (رؤ 2: 1).
أما الوعد الثالث، فهو قوله لتلاميذه:
"وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ" (يو12: 32).
يجذبنا إليه لنرتفع معه إلى السماء كما قال: "أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو14: 2، 3).
إذًا هو وعد بأن يكون معنا، ونكون معه، على الأرض وفي السماء، على الأرض "ها أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ"، "وحَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ" (مت 18: 20)، وفي السماء "حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا".. وكما قال بولس الرسول: "سَنُخْطَفُ جَمِيعًا مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ" (1تس 4: 17) … ما أعظمه من مجد.
******
قال لتلاميذه: "ستكونون معي" ليس على الأرض، إنما في السماء. إنما على الأرض أعدوا أنفسكم لتكونوا ا في السماء.
كنت معكم لما أخليت ذاتي، وستكونون معي لما دخلت في مجدي.
من يدرك هذه الحقيقة، وأنه سيكون مع الرب في صورة جسد مجده، لا بد أنه سيحترم نفسه، ولا يذلها بالخطية، بل يعدها لترث الملكوت.
هذا المجد مع الرب في السحاب وفي السماء، لا يرثه الملتصقون بالتراب وبالمادة وبالأرض، والمحبون للعالم.
نصائح بمناسبة الصعود
نصائح بمناسبة الصعود
بارتفاع الرب إلى السماء، جذب أنظارنا وقلوبنا إلى السماء أيضًا:
لذلك قيل في صعود الرب إلى السماء: كان تلاميذه شاخصين إلى السماء، وهو منطلق (أع 1: 10).
إنه درس لنا من دروس السماء، أن نكون شاخصين إلى السماء، حيث صعد الرب، وإلى السماء من حيث يأتي إلينا في مجيئه الثاني. وأيضًا شاخصين إلى السماء حيث تتركز كل عواطفنا وآمالنا كل حين، في ملكوته السماوي كما قال الرب "حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" (مت 6: 21).
مساكين الذين كل كنوزهم في الأرض، ولذلك تكون كل رغباتهم وآمالهم فيها. وحينما يتركون الأرض، لا يجدون شيئًا...
أما أولاد الله، فيعيشون دائمًا شاخصين إلى السماء التي تلتصق بها قلوبهم وكل رغباتهم.
ليت أفكارنا إذًا ترتفع دائمًا إلى السماء.
تصعد كلها هناك لتكون مع الرب، هي وكل شهوات قلوبنا وكل حواسنا الروحية. كما قال القديس بولس الرسول: "وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2كو4: 18).
وإن بقينا شاخصين إلى السماء، ناظرين إلى غير المرئيات، وقد صار كل كنزنا في السماء، حينئذ سنقول مع الرسول: "لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (في 1: 23).
في عيد الصعود، لا بد أن تصعد أفكارنا إلى فوق. ونتأمل في السماء التي صعد إليها المسيح.
وفي الجلوس عن يمين الآب. وفي تأملنا في السماء، نتذكر قول الرب: "حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا" (مت6: 21).
فليكن كنزك إذًا هو السماء. وليت كل إنسان يدرب نفسه على بركة الصعود في حياته.
يصعد من المستوى المادي إلى المستوى الروحي. وتصعد رغباته وشهواته من مستوى الجسد إلى محبة الله.
فالذي يصعد بقلبه وفكره عن مستوى الأرض والماديات، فهذا يستحق أن يصعد ويكون مع المسيح.
أما الملتصقون بالأرض والمادة، فكيف يصعدون.
واضح حتى من الناحية المادية: كلما يصعد الإنسان إلى فوق، تصغر الأرض في نظره، ويتضاءل كل ما فيها، حتى يصبح وكأنه لا شيء..
******
وعيد الصعود يعطينا أيضًا مبدأ الصعود.
فالحياة الروحية، أو الحياة مع الرب، هي صعود دائم، نمو مستمر إلى فوق، حتى نصل إلى حياة الكمال.. هي صلة دائمة بالسماء.
إن المنارة في الكنيسة، تعطينا فكرة، عن الاتجاه إلى فوق نحو السماء، والصعود فوق مستوى الأرض والأرضيات...
التأمل في مجد الله
التأمل في مجد الله
في صعود الرب أيضًا، يمكننا أن نتأمل في عظمته ومجده:
مجد المسيح في صعوده، كان ردًا على كل من أعثروا به في صلبه!
أولئك الذين كانوا يسخرون قائلين: "إن كان هذا ابن الله، فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ!" (مت 27: 40 - 43).
وكان صعوده أيضًا تقوية لإيمان تلاميذه الذين خافوا في وقت صلبه وأثناء القبض عليه. ومجد المسيح في صعوده كان ردًا على اليهود الذين يرون الصليب عثرة، وعلى اليونانيين الذين يرونه جهالة. أما نحن الذين نؤمن بالصعود، فنرى في الصليب قوة الله (1كو 1: 23).
كان الصعود تأكيدًا للمجد الذي رأوه للمسيح على جبل التجلي، ونسوه.
إذًا نحن نؤمن، ليس فقط بالمسيح الذي ولد في مزود بقر، إنما أيضًا بالمسيح الذي صعد على السحاب إلى السماء. ولا نؤمن فقط بيسوع المصلوب، إنما أيضا نؤمن به وهو جالس على يمين أبيه، في عرش العظمة في الأعالي.
وبهذا نأخذ عن المسيح فكرة متكاملة الميلاد والصلب، تكملهما أمجاد التجلي والقيامة والصعود...
كثيرون يتخذون محبة الله وتواضعه ووداعته ومغفرته مجالًا للتأمل. وهذا حسن ونافع. فهل هناك فوائد روحية حينما نتأمل مجد الله وعظمته؟ بلا شك، إنها منابع كثيرة للروحيات.
أ- تأمل مجد الله، يقودنا إلى الخشوع.
البعض قد تقودهم مشاعر المحبة غير المنضبطة إلى الاستهتار، قائلين في كل تسيب وتجاوز، إن الله شفوق جدًا وحنون، ولا بد سيغفر، كما لو كان الغفران ليس له شروط من التوبة والانسحاق. ونحن نحتاج إلى مشاعر الخشوع، حينما نتأمل مجد الله وعظمته.. الله غير المحدود، غير المدرك، الذي هو نور لا يُدنى منه، الذي تخرّ وتسجد أمامه الملائكة ورؤساء الملائكة.. الذي أمامه يخشع الشاروبيم والسارافيم: بجناحين يغطون وجوههم، وبجناحين يغطون أرجلهم.. إن الصعود يغرس في قلوبنا مشاعر الخشوع.
إن اليهود استغلوا محبة الله وطول أناته استغلالًا خاطئًا ووداعة المسيح استغلوها لإهانته وصلبه. وكان لا بد أن يعرف الكل مجد الرب ليؤمنوا به. وظهر هذا المجد في الصعود وفي رؤى كثيرة.
ب- وأيضًا مجد الله يغرس فينا المخافة والطاعة.
ونحن محتاجون إلى كليهما، لأنه بدونهما لا يمكن أن نصل إلى المحبة الكاملة التي تنزع الخوف إلى خارج (1يو 4: 18) وبدونهما لا نستطيع أن نصل إلى نقاوة القلب التي بها نعاين الله (مت 5: 8).
إن المخافة هي بدء الحكمة، وبدء الطريق الروحي. لأن الذين لا توجد فيهم مخافة الله، قد يقودهم هذا إلى الاستهتار واللامبالاة، فيخطئون دون حياء...
⭐ مجد الله يقود إلى الخشية. وهذه تقود إلى حياة الحرص والتدقيق، وإلى النقاوة والتوبة.
وكما نرى المسيح الوديع، الداخل إلى أورشليم على جحش ابن أتان، نراه أيضًا على السحاب، حتى نفكر فيه كما ينبغي.
إن الله المحب الرحيم الشفوق الذي يكلم إيليا النبي بصوت منخفض خفيف هو نفسه الله الجالس فوق الشاروبيم، الماشي على أجنحة الرياح، الذي تغطي الملائكة وجوهها من هيبة مجده.
*****
⭐ وإذ نذكر مجده في الصعود، إنما نذكر قوله لنيقوديموس: "وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ" (يو3: 13).
إذًا فالسماء ليست جديدة عليه في صعوده، إنما هي موطنه الأصلي. وبالمثل جلوسه عن يمين الآب.
ولهذا فإنه قال لتلاميذه: "مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَيْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ" (يو16: 28).
وبهذا أدرك الكل تواضع تجسده وإخلائه لذاته، في ظل عظمته الحقيقية وبنوته الله.
*****
جـ - وهذا التأمل يغرس في قلبنا مشاعر عميقة منها:
1- نشعر براحة واطمئنان، إذ أننا في رعاية إله عظيم هكذا، كل عظمة ضده لا قيمة لها. وهكذا نثق بوعده للكنيسة أن "وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت 16: 18). وقوله لها: "كُلُّ آلَةٍ صُوِّرَتْ ضِدَّكِ لاَ تَنْجَحُ..." (إش54: 17). وقوله للقديس بولس: "لاَ تَخَفْ.. لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ" (أع 18: 9، 10).
وهكذا نتعزى بعظمة الرب، ونتكل عليها، ونحتمي بها.
2- والتأمل في عظمة الرب يقودنا إلى حياة الاتضاع وإلى تمجيد الرب. فمن نحن أمام هذا الصاعد إلى السماء، الجالس عن يمين الآب (مز 110: 1) (أع 7: 56) (عب 1: 3).. "الذي ليست السموات طاهرة قدامه، وَإِلَى مَلاَئِكَتِهِ يَنْسِبُ حَمَاقَةً" (أي 4: 18).
حينئذ تنسحق أنفسنا ونتعلم التواضع وحينما نتأمل عظمة الرب في صعوده إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب، نقول له في اتضاع:
"إن السماء يا رب هي عرشك الذي صعدت إليه (مت 5: 34)، "كُرْسِيُّكَ يَا أَللهُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ" (عب 1: 8). أما نحن، فإننا تراب. حب عظيم منك أن تجذبنا إليك، ونكون معك ومع ملائكته. حقًا أنك أنت "الْمُقِيمِ الْمَسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ، الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافٍ، مَعَ أَشْرَافِ شَعْبِهِ" (مز 113: 7).
نحن يعوزنا في قصة الصعود، أن ندرك شيئًا من مجد الله ونخافه، حتى ننسحق أمامه ونتضع، لأننا تراب ورماد...
ولهذا فإننا في صلواتنا نرفع أبصارنا إلى السماء، ونصلي إلى أبينا "الذي في السموات"، مع أنه في كل مكان. ولكن عبارة "الذي في السموات" تذكرنا بمجده، وتذكرنا بالمسيح الذي صعد إلى السماء.
وهكذا نذكر الله القوى العلي، الذي السماء هي كرسيه، والأرض موطئ قدميه (مت 5: 34، 35). وانسحاقنا في الصلاة، أمام عظمة الله، يفيدنا كثيًرا.
العشرة أيَام
العشرة أيَام
في الصعود نتأمل فضيلة انتظار الرب، كما انتظر التلاميذ العشرة أيام.
لأن المسيح صعد إلى السماء ووعد التلاميذ بحلول الروح القدس. وبقوا منتظرين عشرة أيام لا يرون الرب معهم، ولا الروح حل عليهم. ولكنهم كانوا مؤمنين بالوعد الإلهي.
والإنسان الروحي ينتظر في الإيمان كما قيل في المزمور: "انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ" (مز 27: 14).
انتظر عمل الروح فيك.
وثق أن العشرة أيام التي انتظرها التلاميذ كانت لخيرهم. كانت فترة مقدسة لإعداد القلب لحلول الروح فيه.





