الخبز الجسدي والروحي

بعد ما صام الرب أربعين يومًا وأربعين ليلة، جاع أخيرًا فتقدم إليه المجرب وقال له:
“إن كنت ابن الله، قل أن تصير هذه الحجارة خبزًا” فأجابه: “مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله”.
جاع المسيح أخيرًا. ولجوعه دلالتان هامتان من الناحية اللاهوتية:
يدل هذا الجوع على أن الرب كان كاملًا في ناسوته، يمكن أن يجوع مثلنا.
كما يدل على أنه لم يستخدم لاهوته من أجل راحة ناسوته فبقي الناسوت يجوع ويعطش ويتعب، لا يحميه اللاهوت من ضعفات الجسد.
إن المسيح صاحب سلطان، لم يستخدم سلطانه من أجل نفسه وراحته، بل أخلى ذاته من هذا السلطان أيضًا… ولما جاع، جاء الشيطان، ليجربه في وقت ضعفه جسديًا…
وما أكثر المفارقات في التجربة، بينه وبين الإنسان الأول:
† الشيطان حارب المسيح بالأكل، كما حارب الإنسان الأول بالأكل. ولكن المسيح انتصر في تجربة الطعام، ورد بهذا على انهزام آدم وحواء.
† حورب المسيح بالطعام وهو جوعان بعدما صام أربعين يومًا، وانتصر، بينما انهزم أبوانا في تجربة الأكل، وما كانا صائمين…
إنه مبدأ روحي، أن الصائم يكون أقدر بكثير على مقاومة الطعام من المفطر.
† الشيطان انتصر على الإنسان وجعله يأكل من الثمرة المحرمة، أما المسيح فحتى الأكل الحلال، الخبز، تسامى عنه بالروح.
† الإنسان الأول انهزم أمام ثمرة واحدة، من بين مئات الثمار البديلة التي أمامه. أما المسيح فانتصر بينما لم يكن أمامه بديل.
† الإنسان الأول انهزم عملًا، المسيح انتصر حتى على الفكر.. مجرد فكرة الأكل، انتصر عليها.
وهكذا كما انهزم الإنسان الأول بالبطنة، انتصر الثاني في حياة النسك والزهد.
وجد الشيطان أمامه إنسانًا من لون آخر، يرتفع فوق مستوي الطعام، وفوق مستوي الجسد، تفكيره في الروحيات والطعام الروحاني.
الجسدانية التي أسقطت أبوينا، رد عليها المسيح بروحيته…
قال له المجرب: “إن كنت ابن الله، فقل أن تصير الحجارة خبزًا. إن الشيطان يهوى السلطة، لذلك يحارب بها… ولم يكن صعبًا أن تصير الحجارة خبزًا،
بل الله قادر أن يقيم من الحجارة أولادًا لإبراهيم… أمر سهل، ولكن الرب رفض…
هناك أشخاص يحبون اجتراح المعجزات، ويرونها دليلًا على بنوتهم لله. أما الرب فلا يرى البنوة الحقيقية في صنع المعجزات.
كثيرون سيقولون له في اليوم الأخير: “يارب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين وصنعنا قوات” فيقول لهم: “لا أعرفكم”…
اهتموا إذًا، لا بمواهب الروح، بل بثمار الروح. المواهب لا تخلص الإنسان. أما الثمار فتدل على شركة الإنسان مع الروح القدس.
الشيطان ربط البنوة لله، بتحويل الحجارة إلى خبز، والمسيح الواثق من بنوته لله، لم يطع هذا الأقتراح،
ولم يقبل الشرط. إنه ابن الله، سواء حول الحجارة إلى خبز أو لم يحولها…
كثيرون يرون أن بنوتهم لله، تستدعي إحاطتهم بالخيرات. آدم كان في الفردوس ولم يعبر عن بنوته لله.
أما المسيح وهو في القفر، كان ابن الله الوحيد. ليس الوجود في الفردوس دليلًا على البنوة.
الشيطان يريد أن يشككنا في بنوتنا لله، إن لم يفتح الله لنا كوى السماء ويصب خيراته علينا حتى نقول كفانا كفانا.
الحجارة تصير في أيدينا خبزًا، والسحابة تنزل لتحملنا في الطريق، ولابد أن يكون لنا سلطان، كبنين!!
هذه المظهرية التي يريدها الشيطان، حطمها المسيح على الجبل. فقبل أن يكون جائعًا وهو ابن الله، ورد على الشيطان قائلًا:
“ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله”.
الإنسان الأول رأى الشجرة شهية للعيون، وبهجة للنظر، وجيدة للأكل، فانهزم.
أما الآن فالشيطان أمام نوع آخر لا يشتهي شيئًا، وإنما يتحدث عن الروح والطعام الروحاني.
إن البنوه لله لا تعني شبع الجسد وكثرة الخيرات المادية، وإنما تعني أن تكون كابن، لك صورة الآب السماوي.
البنوة لله، هي أن تتعب من أجل الله، وتبذل من أجله، وليس أن تطلب لتأخذ… هو يعطيك دون أن تطلب..
يجب أن تكون علاقتنا بالله علاقة روحية، وليس علاقة مادية، تطلب مركزًا في العالم وسلطة، وخيرات العالم ومادياته…
بنوتنا لله تعني التمتع بالله، والمعيشة معه، والثبات فيه، طلب ملكوته. وكل هذه الأمور الأخرى نزدادها، أو نحرم منها، لا فرق.
يوحنا الرائي كان منفيًا في جزيرة بطمس، مضطهدًا من أجل كلمة الله، وحسب الجسد في ضيقة،
ولكن الرؤى التي رآها تدل دلالة أكيدة على بنوته لله، على الرغم من الضيقة والنفي…
المهم هو تمتعنا بالله نفسه، وليس بخيراته وعطاياه ومواهبه…
نتمتع بمحبة الله، بعشرته، بسكناه في قلوبنا، بعمل روحه فينا، وليس بالثمرة والجنة، وبالعطايا والخيرات…
الشيطان وجد أمامه في الجبل فكرًا جديدًا.. “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”…
لماذا لا تكون الحياة بالخبز وحده؟ لأن الإنسان ليس مجرد جسد… الجسد يقتات بالخبز، والروح بكل كلمة تخرج من فم الله.
وهكذا نقل المسيح الموضوع إلى المستوى الروحي.. لذلك لم يستطع الشيطان أن يرد، وعرض تجربة أخرى.
“قل أن تصير الحجارة خبزًا” البعض يفسرها بمعنى آخر:
قل أن تصير الحجارة خبزًا، املأ الدنيا خبزًا، فيتبعك الناس، وهكذا تتم رسالتك عن طريق الخبز، ويجري الكل وراءك…
أما المسيح فرفض أن يتخلى عن عمله الروحي، ورفض أن يسير الناس وراءه لأجل الخبز…
كما تفعل بعض الطوائف التي ينضم إليها الكثير من أجل الخبز والملبس وباقي المعونات… وفي الواقع ينضمون إليها وليس إلى الله وملكوته إطلاقًا.
وهكذا نحن إن جعلنا علاقتنا بالفقراء مجرد عطاء مادي:
ربما يكذبون للحصول على المال، ويلفون ويدورون ويخترعون الحكايات والأسباب للحصول على معونات، وفي كل ذلك يفقدون الملكوت،
ونكون نحن قد تخلينا عن العمل الروحي ورضينا بالعمل الاجتماعي “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”…
ولكن ليس معنى ذلك ألا نعطي، بل “افعلوا هذه، ولا تتركوا تلك”…
العناية الروحية يجب أن تسبق المعونة المادية، وتكون الأساس. إن المسيح رفض تأسيس الملكوت على الخبز،
ليس بالنسبة إليه فقط. وإنما بالنسبة لتلاميذه أيضًا. قال لهم: “لا تحملوا ذهبًا ولا فضة، ولا مزودًا (لحمل الزاد)”.
الخادم الذي يدعوه الرب للخدمة، ويفكر في معيشته وكيف يأكل، يكون قد وقع في تجربة الخبز…
قال داود النبي: “كنت فتى والآن شخت، لم أر صديقًا تخلى عنه، أو فتية له يلتمسون خبزًا”.
نحن لا نطلبه، ولكن الله يمنحه لنا، دون طلب.
المسيح لم يقدم معجزة الخبز، بل قدم الإقناع والتعليم، وهو طريق أصعب، ولكنه أعمق. وقال تلاميذه:
“كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء، كفقراء ونحن نغني كثيرين”.
بل البعض حرمهم من الخبز، ليختبر قلوبهم كأرملة صرفة صيدا.
لم يكن لها سوى قليل دقيق وزيت لصنع فطيرة تأكل هي وابنها وتموت، وكان الوقت وقت مجاعة.
وأمرها أن تعطي الأكلة الواحدة التي لها لإيليا النبي. وأعطت… فلم يفرغ الدقيق ولا الزيت من بيتها طول فترة المجاعة…
الإنسان الروحي يهتم بطعام الروح وليس بطعام الجسد.
والإنسان الشبعان روحيًا، لا يحس جوع الجسد. أما إن جاع روحيًا، فإن جوع الجسد يتعبه.
لذلك فنحن لا يتعبنا الجوع في أسبوع الآلام، إذ أننا ننال شبعًا روحيًا، من القراءات، والألحان، والذكريات المقدسة.. والطقوس. والنفس الشبعانة تدوس الشهد.
إن العمل الروحي يشبع الإنسان… يقول المزمور:
“باسمك أرفع يدي، فتشبع نفسي كما من شحم ودسم”.
الأنبا شنوده رئيس المتوحدين كان وهو في التاسعة من عمره، يعطي طعام يومه لراعي غنمه، ويظل صائمًا، شبعان بصلواته…
وآباؤنا القديسون في البراري والجبال، كيف احتملوا الجوع والعطش؟ بسبب شبعهم الروحي بالصلوات والتأملات والقراءات.
العالم كله، بتجربة الخبز، نراه يجري وراء لقمة العيش. ويشعر الناس بجوع، لأنهم لم يأخذوا طعامًا روحيًا. لم يشبعوا قلوبهم من كلمة الله، كما قال المرنم:
“وجدت كلامك كالشهد، فأكلته…”
مثل هذا لا يشعر بجوع. بل يقول الكتاب: “إن الخبر الطيب يسمن العظام”،
وليس هناك خبر أطيب من كلمة الله، بشرى الخلاص. ونرى هذا الأمر واضحًا في قصة السامرية.
لما شبع الرب باهتداء وتوبة المرأة السامرية، دعاه تلاميذه إلى الأكل، فاعتذر بقوله: “لي طعام آخر لستم تعرفونه”…
“طعامي أن أصنع مشيئة الذي أرسلني…”
وحدث المرأة عن الماء الحي، الذي كل من يشرب منه لا يعود يعطش مرة أخرى.
وفي السماء، نحن سوف لا نأكل ولا نشرب، ولكننا سنتغذى على الطعام الروحي.
نتغذى بمحبة الله وعشرته ومذاقته، لأن المزمور يقول: “ذوقوا وانظروا، ما أطيب الرب”.
قد يقول إنسان “إنني أقرأ الإنجيل، ولا أشعر بهذا الشبع الروحي!”… فنقول له: ذلك لأنك تقرأ بطريقة خاطئة.
إقرأ بلذة، بفهم، بروح الصلاة… إقرأ بحب بعاطفة، برغبة في الاستفادة، وعندئذ يهيئ لك الرب مائدة روحانية.
وهكذا أيضًا سير القديسين. إنها غذاء روحي شهي…
يقول مار إسحق: “شهية هي أخبار القديسين، مثل الماء للغروس الجدد” أي كالماء للزرع المغروس حديثًا…
نعم، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد السادس) 10-2-1978



