الجيل الثاني في المهجر

الجيل الثاني في المهجر[1]
ليس عملنا الرعوي من أجل المهجر مركز فقط في الجيل الأول الذي هاجر من بلادنا إلى الغرب.
فالجيل الأول حمل المبادئ والقيم، والتقاليد والعقائد، واللغة، والانتماء.
وبمعونة من الله، وبالقليل من الرعاية، يمكنه أن يثبت.. بل هذا الجيل هو الذي سعى إلى بناء الكنائس، وهو الذي يطالب باستمرار أن تكفل له الرعاية من الكنيسة الأم. وهو لمعرفته بلغة بلاده، لديه الفرصة والإمكانية أن يقرأ المؤلفات والكتب باللغة العربية. ويفهم الألحان الكنسية، سواء بالقبطية أو العربية.
ليست هنا إذن المشكلة أو الخطورة. وليست هنا الصعوبة في الرعاية.
إنما الخطورة في الجيل الثاني، أو الجيل الثالث، في المهجر.
أعني الأطفال الذين ولدوا هناك، وأخذوا جنسية بلاد المهجر، ولغتها، وتقاليدها، وربما أخلاقياتها أيضًا..
وبنفس الوضع الذين ولدوا في مصر، ولكنهم هاجروا وهم أطفال مع عائلاتهم. وليس في ذاكرتهم شيء من القديم، أو لم يرسخ فيهم شيء..
هؤلاء يعيشون في جو غير جونا، ويتكلمونه لغة غير لغتنا. وكما قلت ذلك في إحدى المناسبات:
أقصى ما يصلون إليه من جهة اللغة، هو مستوى الأميين.
فالأميون في بلادنا هم الذين يتكلمون العربية بطلاقة، ويفهمون كل الحديث بها، ولكنهم لا يعرفون القراءة والكتابة بها. وأطفال المهجر لا يعرفون القراءة ولا الكتابة بالعربية، وفي نفس الوقت لم يصلوا مطلقًا إلى مستوى الأميين، ولن يصلوا..
وما داموا قد فقدوا اللغة، إذن صاروا غرباء عن كل كتبنا بالعربية..
غرباء عن تراثنا وعن ثقافتنا، وعن كل كتبنا الروحية والعقائدية.. إلا إذا ترجمنا لهم كل هذه الثقافة الدينية والروحية، وقمنا بحركة نشر واسعة النطاق في كل فروع المعرفة اللازمة لخلاص نفوسهم..
كذلك في عنصر الانتماء..
الانتماء لمصر، والانتماء إلى الكنيسة. بعد أن تصير لهم جنسية أجنبية، بكل حقوقها وواجباتها. فهل سيذكر الجيل الثالث مثلًا أو الرابع، أن جدوده كانوا مصريين وكانوا أقباطًا؟!
هنا يبدو واجبنا الأساسي نحوهم.
عملية الترجمة الواسعة، والمناهج الروحية والدينية، وإشعارهم بمجد بلادهم وعظمتها، حتى يفتخروا بالانتماء إليها.. ولذلك من واجبنا ربطهم بالبلد والكنيسة، وتشجيع الرحلات إلينا، وافتقادنا لهم، ورعايتهم، وإيجاد رابطة من الحب وليس من السهل زعزعتها.
بهذا الجهد فقط، تبقى كنائسنا في المهجر، ويبقى شعبنا.
جهد في رعاية الجيل الثاني والثالث والأجيال التي تليهما، بحكمة ومعرفة..
إن هذا المقال هو الإجابة عن سؤال يطرحه البعض: لماذا يسافر البابا؟ ولماذا يسافر الأساقفة..
إننا نحفظ أولادنا من الضياع، لتبقى لهم عقيدتهم وروحياتهم وأنتماؤهم.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “الجيل الثاني في المهجر”، نُشر في مجلة الكرازة 10 أبريل 1992م.



