أفعل معهم خيرًا، أجد شرًا

أفعل معهم خيرًا، أجد شرًا[1]
السؤال
ماذا أفعل مع الذين أعمل معهم خيرًا، فأجد شرًا، وذلك من الناس إليَّ؟! كيف أريح قلبي؟ وقد تعبت من هذه المعاملة…
الجواب
1- إن فعلت مع الناس خيرًا، وردّوه لك بخير أو بأكثر، ربما تكون بهذا قد نلت أجرك على الأرض لوقا 16 : 25 .
أما الآن، فأجرك محفوظ في السماء.
هذه واحدة، ينبغي أن تفرح بها وتّسر.
2- في غير دائرة الجزاء والمكافأة، يمكننا أن نسأل سؤالًا هامًا، وهو ما هدفك من فعل الخير؟
هل أنت تفعل الخير لذاته، لمجرد حبك للخير؟
إن كان الأمر هكذا، فلا يهمك ماذا يكون ردّ الفعل…. سواء قُبلت خير أو بجحود، أو بشر، فإن هذا كله لن يغيّر من طبيعتك الخيّرة. ذلك لأنك لا تفعل الخير من أجل مقابل…..
أتراك إن لم تنل مقابلًا، تحجم عن فعل الخير؟! حاشا.
فأنت لا تستطيع أن تفعل سوى الخير، فهذه هي طبيعتك.
وهنا تقدم مثلًا طيًبا للإنسان الخّير….
3- ربما ما حدث لك، هو اختبار لاحتمالك.
أو هو اختبار لجودة عنصرك…
إنك إن احتملت أعداءك، ربما تكون هذه فضيلة عادية تليق بك كإنسان روحي… أما أن تحتمل إساءة من أحسنت إليه، فهنا يبدو طريق الكمال والنبل. وكونك تحتمل ولا تغير أسلوبك، فهذا نبل أيضًا.
4- هذه صورة الله. وهكذا حدث للسيد المسيح.
السيد الرب الذي صنع أعمال رحمة مع الكل، ومع ذلك صرخوا قائلين: “اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!” لوقا 23 : 21 .. وصياحهم هذا لم يؤثر على صلاحه وخيريته. فدافع عنهم قائلًا: “يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ” لوقا 23 : 34 .
أليس هذا هو الله، الذي لم يمنع خيره حتى عن الملحدين والمجدفين عليه؟!
الذي “يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ” متى 5 : 45 . لذلك قال الرب: “إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟.. وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟” متى 5 : 46-47 .
5- نقطة أخرى أحب أن أقولها لك، وهي:
إن فعل الخير مع الذين يسيئون إليك، يخجلهم.
وفي هذا قال القديس بولس الرسول: “إِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ” رومية 12 : 20 .
لا شك أنه سيقدر نبلك، ويقدر معاملتك له، ويخجل. وربما يغير مسلكه ويعتذر ويأخذ من تصرفك معه درسًا….
لعلك تقول: وإن لم يخجل، ولم يعتذر، ولم يتغير؟!
أقول لك: على الرغم من كل هذا، استمر في عمل الخير معه. وتذكر قول ذلك الأب الروحي: “دعهم يعملون عملهم، ونحن نعمل عملنا”. عملهم أن يعملوا الشر. وعملنا أن نجازي بالخير…
6- نصيحة أخرى يقولها لك الرسول وهي:
“لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ” رومية 12 : 21 .
إنك إن فعلت الخير، وأساءوا إليك فتغيرت، يكون الشر الذي فيهم، قد غلب الخير الذي فيك… وهذا ما لا يجوز أن يحدث، من إنسان روحي مثلك.
7- أما كونك تعبت من معاملة من أحسنت إليهم، فأساءوا إليك، فإني مقدر جدًا شعورك. ومع ذلك أقول لك:
حاول أن تنتصر على تعبك…
وقل لنفسك: كل إنسان له ضعفاته، وظروفه وضغطاته. وقد قال الكتاب: “كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا” يعقوب 5 : 17 . مع أنه صلى صلاة أن لا تمطر السماء فلم تمطر. وصلى صلاة أخرى فأمطرت.
السيد المسيح على الصليب، أوجد عذرًا لصالبيه…
ليتك أيضًا تصلي من أجل هؤلاء المسيئين، لكي يغير الرب قلوبهم وحياتهم، ويغفر لهم.
8- إنك إن تغيرت من جهتهم بسبب إساءاتهم، فإنه ينطبق عليك قول ما را سحق:
“تكون بمنزله قاض، لا عابد”.
القاضي يمسك بميزان العدل في يده، ويحاكم ويحكم. ويدين المسيء والمخطىء. أما أنت فلست في موقف القاضي، وعملك هو أن تحب الكل حتى المسيئين. وتصنع الخير معهم، بغض النظر عن أفعالهم….
9- اسأل نفسك: لماذا هؤلاء يجازون خيرك بشر؟
ربما هناك سبب لتصرفهم لا تعرفه.
إن عرفت السبب، ربما تحاول أن تعالجه، إن كان من الممكن علاجه… وإن لم تعرف، هل يمكن أن تجلس مع هؤلاء وتعاتبهم، كما قال السيد الرب: “وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ” متى 18 : 15 .
وإن وجدت العتاب يكبّر الموضوع ويأتي بنتيجة عكسية، فلا داعي له…..
وبدلًا من أن تجلس مع ذلك المسيء، أجلس مع نفسك، وحاول أن تصفي قلبك، وأن تنسى ما حدث أو تتناساه. ولا تسترجع في ذاكرتك ما أتعبك، لئلا يزداد تعبك بالأكثر.
١٠- إن فعلت خيرًا، وقوبلت بشر، قل لنفسك:
لعلها محاربة من الشيطان، ليمنعني من فعل الخير!
أما أنا فلن أعطيه فرصة ليغير مسلكي أو أسلوبي، أو ليغير قلبي وشعوري من جهة الناس، مهما حدث…..
بل على العكس أنا استمر في عمل الخير، فهذا يخزي الشيطان، إن لم يخزِ المسيئين.
وليكن الله معك…..
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “سؤال وجواب – أفعل معهم خيرًا، أجد شرًا”، نُشر في مجلة الكرازة 12 أكتوبر 1990م.




