التجربة على الجبل

| الكتاب | التجربة على الجبل The Temptation on the Mountain |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| الطبعة | مايو 1995م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 4647/ 1995م |
| الترقيم الدولي | 977-5345-27-8 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا).
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
مقدمة الكتاب
مقدمة الكتاب
في كل عام، في بداية الصوم الكبير، كانت الكنيسة تقرأ فصل الإنجيل عن التجربة (مت24، مر1، لو4) وكنا نلقي عظات عن التجارب بصفة عامة، وعن تجربة السيد المسيح على الجبل، في تفاصيلها.
ومن مجموعة تلك العظات، اخترنا لك منها المحاضرات التي ننشرها في هذا الكتاب.
وقد سبق لنا نشر بعض منها في مجلة الكرازة، وفي جريدة وطني. ثم قمنا بجمع كل تلك المقالات، وأضفنا إليها ما يمكن إضافته، وأعدنا تنظيمها لكي تخرج بهذه الصورة.
وهي تشرح عدة أمور منها:
1- لماذا يسمح الله بالتجارب لجميع الناس، حتى لقديسيه؟
2- ما فائدة هذه التجارب، للمؤمن الذي يمكنه أن يأخذ منها فوائد روحية كثيرة لحياته.
3- ما كنه تجربة السيد المسيح على الجبل؟
وما هو الهدف الشيطاني منها؟ وكيف استطاع السيد المسيح أن ينتصر عليها؟
4- وما علاقة تلك التجارب بقضية الصليب والفداء، وبمبادئ الخدمة التي وضعها السيد الرب أمامه؟
عن هذا وغيره يحدثك هذا الكتاب.
أبريل سنة 1995م شنوده الثالث
الفصل الأول التجارب والضيقات
اعتدنا في الصوم الكبير، أن نتذكر تجارب المسيح له المجد. وفي الحديث عن التجارب، يهمنا أن نذكر بعض ملاحظات هامة، منها:
التجارب للكل
لا تخلو حياة إنسان - أيًا كان - من التجارب والضيقات. فهي للكل، حتى للأنبياء والقديسين، حتى للسيد المسيح نفسه الذي كان "مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عب4: 15).
ولم تكن تجاربه على الجبل سوى مثال للتجارب التي شملت حياته كلها.
والسيدة العذراء أيضًا كانت حياتها مملوءة بالتجارب، منذ يتمها المبكر، وحبلها العذراوي الذي شك فيه يوسف أولًا، ثم اضطرارها للسفر إلى مصر..
والأنبياء جميعًا تعرضوا للضيقات.
كم من الضيقات لاقاها داود النبي من شاول الملك، الذي كان يطارده في كل مكان لكي يقتله... ويوسف الصديق تعرض لتجارب عديدة، من إخوته، ومن امرأة فوطيفار. بيع كعبد، وألقي به في السجن، وهو رجل بار.
ودانيال النبي ألقي به في جب الأسود. والثلاثة فتية القديسون ألقوهم في أتون النار. وبطرس وبولس الرسولان ألقيّ بهما في السجن. واسطفانوس الشماس رجموه. وما أكثر الضيقات التي تعرض لها الشهداء والمعترفون...
فلا يظن أحد إذًا أن التجارب والضيقات هي للخطاة بسبب خطاياهم وإنما هي لجميع الناس، وبالأكثر للأبرار والقديسين.
وقد قال السيد المسيح لتلاميذه القديسين: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ" (يو16: 33). وقيل أيضًا في المزمور: "كَثِيرَةٌ هِيَ بَلاَيَا الصِّدِّيقِ، وَمِنْ جَمِيعِهَا يُنَجِّيهِ الرَّبُّ" (مز34: 19).
جميع الأبرار اجتازوا في بوتقة الألم، واختبروا الضيقة والتجربة. ولم يستثنهم الله من ذلك، بل كانت آلامهم أكثر.
وهنا نضع أمامنا قاعدة هامة وهي أن التجارب لا تعني تخلي الله.
التجارب لا تعني تخلي الله
التجارب لا تعني تخلي الله
إن الله كأب حنون، لا يتخلى عن أولاده مطلقًا. وسماحه بالتجربة لا يعني مطلقًا أنه قد تخلى عنهم، أو أنه قد رفضهم. ولا يعني أيضًا غضبه أو عدم رضاه.
بل هو يسمح بالتجربة لمنفعتهم، ويكون معهم في التجربة: يعينهم ويقويهم ويحافظ عليهم، ويسندهم بيمينه الحصينة..
لقد سمح أن دانيال النبي يُلقى في جب الأسود. وفي نفس الوقت لم يسمح مطلقًا للأسود أن تؤذيه. بل خرج دانيال سليمًا من الجب وهو يغني قائلًا: "إِلهِي أَرْسَلَ مَلاَكَهُ وَسَدَّ أَفْوَاهَ الأُسُودِ" (دا6: 22).
وسمح بإلقاء الثلاثة فتية في أتون النار، ولكن "لَمْ تَكُنْ لِلنَّارِ قُوَّةٌ عَلَى أَجْسَامِهِمْ، وَشَعْرَةٌ مِنْ رُؤُوسِهِمْ لَمْ تَحْتَرِقْ، وَسَرَاوِيلُهُمْ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَرَائِحَةُ النَّارِ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِمْ" (دا3: 27). وكان الرب يتمشى معهم في أتون النار.
وفي هذه القصة درس عميق هو:
أن الله لا يمنع النار عن أولاده، ولكنه يمنعها من أن تحرقهم.
التجارب تأتي ولا تؤذي
التجارب تأتي ولا تؤذي
إلهنا الحنون لا يمنع الحوت من أن يبلع يونان النبي. وفي نفس الوقت لا يسمح له بإيذائه. ويخرج يونان من بطن الحوت سليمًا، لكي يؤدي رسالته. وتحمل قصته لنا درسًا ورمزًا...
لقد سمح الله لشاول الملك أن يطارد داود. وفي نفس الوقت لم يتخل الله عن داود، ولم يسمح لشاول بإيذائه.
****
إنه يسمح بالضيقة، ولكن بشرط أن يقف معنا فيها:
وهكذا يغني المرتل في المزمور: "لَوْلا أنَّ الرَّبَّ كان مَعنا عِنْدَما قامَ النّاسُ عَلَيْنا. لابْتَلَعونا ونَحْنُ أحْياء، عِنْدَ سَخطِ غَضَبِهِمْ عَلَيْنا... مُبارَكٌ الرَّبُّ الّذي لَمْ يُسَلِّمْنا فَريسةً لأسْنانِهِم. نَجَتْ أنْفُسُنا مِثْلَ العُصْفورِ مِنْ فَخِّ الصَّيّادينَ، الفَخُّ انْكَسَرَ ونَحْنُ نَجَوْنا" (مز 124).
****
إنه اختبار روحي جميل، أن نرى الله في التجارب... نراه معنا وبقوة...
وربما لولا التجارب ما كنا نراه هكذا... وهذه هي إحدى فوائد التجارب العديدة.
العمق الروحي للتجارب، هو أنه لا يجوز لنا أن نراها، بدون أن نرى الله فيها...
فالله قد يسمح لقوى الشر أن تقوم علينا. ولكنه في نفس الوقت يأمر القوات السمائية أن تقف معنا وتحمينا ونحن نغني مع أليشع النبي الذي اجتاز نفس التجربة، ونقول: "لأَنَّ الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ" (2مل6: 16). ويقول الرب لكل واحد منا: "فَلا تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ ولا مِنْ سَهْمٍ يَطيرُ في النَّهار... يَسْقطُ عَنْ يَساركَ أُلوفٌ وعَنْ يَمينكَ رِبْواتٌ، وأمّا أنْتَ فَلا يقْتَربُ إليْكَ الشَّرُّ" (مز91: 5، 7).
****
من أجل هذا كله أقول:
إن المؤمن لا يمكن أن تتعبه التجربة أو الضيقات...
ذلك لأنه يؤمن بعمل الله وحفظه. ويؤمن أن الله يهتم به أثناء التجربة، أكثر من اهتمامه هو بنفسه...
إنه يؤمن بقوة الله الذي يتدخل في المشكلة. ويؤمن أن حكمة الله لديها حلول كثيرة، مهما بدت الأمور معقدة.
لذلك فالمؤمن لا يفقد سلامه الداخلي مطلقًا أثناء التجربة، ولا يفقد بشاشته بل يتذكر في ثقـة كبيرة قول الرسول: "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2).
*****
إن كل تجربة هي بلا شك خبرة روحية جديدة يتمتع بها الإنسان، وتعمق مفاهيمه الروحية. وفيها يرى الله كيف يتدخل وكيف يعمل... ويجمل بنا الآن أن نضع ثلاثة شروط للتجارب التي يسمح بها الله...
أربعة شروط للتجارب
أربعة شروط للتجارب
إنها قواعد أربع، وضعها لنا الكتاب المقدس في حديثه عن التجارب، وهي:
1- لا يسمح الله بتجربة هي فوق طاقتكم البشرية.
إن الله يعرف احتمال كل واحد منا. ولا يسمح أن تأتيه التجارب إلا في حدود احتمال طاقته البشرية. وفي ذلك يقول الكتاب: "وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ" (1كو10: 13).
ولعلك تقول: ما أصعب التجربة التي وقعت على أيوب الصديق، في موت كل أولاده، وضياع كل ثروته، وفقد صحته، وتخلي كل أصحابه... من يستطيع أن يحتمل كل هذا؟!
أقول لك: لولا أن أيوب كان بإمكانه احتمال التجربة، ما سمح الله بها له...
إن القامة الروحية الجبارة التي لأيوب، كانت تناسب التجربة الهائلة التي وقعت عليه. فقد كان أيوب "رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ... لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ" (أي2: 3).
****
لا تخف إذًا، لو كنت في قامة أيوب لأمكن أن يسمح الله لك بتجارب مثل تجارب أيوب. أما وأنت في ضعفك، فإن الله لا يسمح لك إلا بما تقدر على احتماله.
هل تخاف أن تحدث لك تجارب مثل التي حدثت للقديس الأنبا أنطونيوس؟! هذا الذي ظهرت له الشياطين بهيئة وحوش مفزعة مخيفة، والذي ضربته الشياطين حتى تركته يومًا بين حي وميت...
اطمئن. لن يحدث لك هذا، إلا إذا وصلت إلى الدرجة التي تحتمل فيها مثل القديس أنطونيوس، وتنتصر مثلما انتصر.
****
الشرط الثاني ومعها المنفذ:
2- تأتي التجربة ومعها المنفذ:
أي تأتي ومعها الحل. فلا توجد تجربة هي ظلمة حالكة السواد، بدون أية نافذة من نور. بل هوذا الكتاب يقول عن الله: "بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا" (اكو10: 13).
لهذا ليس هناك داعٍ لأن ييأس أحد في وقت التجربة - فلكل تجربة حل، بل حلول.
****
لا تنظر إلى التجربة في شدتها الحاضرة. إنما انظر إليها في رجاء، يرى الحل الإلهي قادمًا، حتى إن كانت العين البشرية لا تراه الآن، ولكنها تراه بعين الإيمان التي تعرف تمامًا محبة الله وقدرته على الحل...
****
إن التجربة تأتي ومعها النعمة، ومعها المعونة الإلهية، ومعها الحفظ والحلول...
وحتى إن كنت أنت من النوع الذي لا يحتمل، فالله قادر وقت التجربة أن يهبك اِحتمالًا وصبرًا وعزاءً...
وهذا منفذ آخر للتجربة، تمر منه وتعبر، ولا تستمر ضاغطة.
إن التجارب الصعبة القوية، هي فقط للأقوياء، أمثال أيوب وأنطونيوس... وهي أيضًا للضعفاء الذين يمنحهم الله قوة وقتذاك...
قوة ما كانوا يتخيلونها في أنفسهم...
*****
قاعدة أخرى ينبغي أن نضعها أمامنا في التجربة وهي:
3- التجارب التي يسمح بها الله هي للخير، أو تنتهي بخير.
وفي ذلك قال الرسول: "كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو8: 28).
ولهذا "اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع1: 2).
هذا الإيمان بخيرية التجارب، يعطي الإنسان المجرب سلامًا وهدوءًا واطمئنانًا، فلا تطحنه التجربة، ولا تضغط عليه، بل على العكس تمنحه فرحًا.
*****
4- شرط رابع للتجربة، وهو أن لها زمنًا محددًا تنتهي فيه.
فلا توجد ضيقة دائمة، تستمر مدى الحياة. ذلك في كل تجربة تمر بك، قل "مصيرها تنتهي" سيأتي عليها وقت تعبر فيه بسلام.
إنما خلال هذا الوقت ينبغي أن تحتفظ بهدوئك وأعصابك، فلا تضعف ولا تنهار، ولا تفقد الثقة في معونة الله وحفظه.
فوائد التجارب
فوائد التجارب
التجربة شيء نافع بلا شك. ولولا منفعتها، ما كان الله الشفوق يسمح بها...
كثيرون يريدون أن يكون طريق الملكوت سهلًا مفروشًا بالورود! ولكن هذا عكس التعليم الذي شرحه لنا الإنجيل المقدس، إذ قال لنا الرب فيه:
"مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ" (مت7: 14).
وقال: "فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ" (يو16: 33). وقيل وفي الإنجيل أيضًا "بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ" (أع14: 22)..
****
هذه الضيقات نحتملها لكي نثبت أننا جادون في سيرنا إلى الملكوت. ولكي ندخل إلى هذا الملكوت باستحقاق، لأننا بذلنا وتعبنا من أجله...
إن كان التلميذ يتعب ويكد، لكي يحصل على شهادة دراسية... وإن كان كل صاحب عمل لا بد أن يتعب، لكي ينجح في عمله... هكذا الطريق الروحي: ينبغي أن نتعب فيه لنستحق الملكوت... وصدق الرسول في قوله:
"كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو3: 8)... والتعب قد نبذله بإرادتنا. أو نحتمله إن وقع علينا بغير إرادتنا.
وهكذا تكون التجارب التي يحتملها المؤمنون من أجل الله والثبات في محبته... وقد يكون بعضها في مصارعة النفس من الداخل. وبعضها في تحمل الضيقات من الخارج.
وهوذا القديس بولس الرسول يقول:
"بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ، فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ" (2كو6: 4، 5).
ومع ذلك يشرح كيف أنه لم يتضايق - هو وزملاؤه - بشيء من هذا، ولم يفقدوا سلامهم، ولم يفقدوا الرجاء بالله، فيقول: "مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ... مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ" (2كو4: 8، 9). "كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا... كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ... كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ" (2كو6: 9، 10).
في الضيقات نشعر بالقوى السمائية الكثيرة المحيطة بنا فنتعزى.
فنحن لسنا وحدنا مطلقًا في التجربة... ولا في وقت الضيقة، بل تحيط بنا نعمة الرب ومحبته، وتحيط بنا قوات الملائكة القديسين التي قال عنها الله أنها تحيط بخائفيه وتنجيهم، وتحيط بنا أيضًا أرواح القديسين تشجعنا وتقوينا... إنها خبرة روحية.
ومن فوائد الضيقات في العالم، أننا لا نتمسك بمحبة هذا العالم مشتاقين إلى السماء.
ولو كان النعيم في هذه الدنيا، ما كنا نشتاق إلى النعيم الأبدي، في الموضع الذي هرب منه الحزن والكآبة والتنهد، حيث "ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، وما لم يخطر على قلب بشر، ما أعده الله لمحبي اسمه القدوس".. ونحن كما قال الرسول:
"غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ" (2كو4: 18).
من أجل ذلك كان الآباء القديسون يشعرون أنهم على الأرض غرباء، يعيشون مشتاقين إلى الوطن السمائي... ينظرون كل حين بالإيمان إلى "الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ" (عب11: 10).
ولولا الضيقات لتشبث الناس بالبقاء في غربة هذا العالم الزائل. لذلك نحن نقول عن الشخص في يوم وفاته، أنه قد تنيح أي استراح. استراح من هذا العالم الزائل وكل ما فيه من شهوة الجسد والروح وتعظم المعيشة... واستراح من التعب الذي يبذله للثبات في روحياته، واستراح من الضيقات والشدائد والتجارب التي تختبر إرادته هنا في هذه الحياة الأرضية، واستراح مما في العالم من أمراض ومن تعب للجسد وللنفس.
الإنسان الروحي لا يتعب من الضيقات... وإنما يأخذ ما فيها من فائدة روحية... ويفرح بالأكاليل التي ينالها باحتمال التجارب.
لا تهزه التجربة... إنما في التجربة يختبر حياة الانتصار الروحي عليها... ويختبر كيف أن الله "يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ" (2كو2: 14).
إن الإنسان لا يكلل إلا إذا انتصر... ولا ينتصر إلا إذا حارب... ولا يحارب إلا إذا تعرض لضيقات تمتحن مدى روحانيته: حياته وثبات إرادته تابعة للمشيئة الإلهية.
****
وفي التجارب يتلامس المؤمن مع محبة الله العاملة في حياته.
إن الله إذ يرى محبة الإنسان له في وقت الضيقة، يكافئه بما يظهره له من حب... وكم من قديسين تمتعوا بهذا الحب في وقت الضيقة.
فالقديس يوحنا الإنجيلي رأى تلك الرؤيا العجيبة وهو منفي في جزيرة بطمس من أجل الشهادة بكلمة الله (رؤ1).
والقديس بطرس اختبر عناية الله به وهو في السجن أيضًا (أع12)... واختبر نفس العناية القديسان بولس وسيلا وهما في السجن أيضًا (أع 16).
ما أجمل عبارات القديس يوحنا ذهبي الفم وهو يتأمل قول القديس بولس عن نفسه "أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ" (أف 4).
حديث جميل عجيب عن الضيقات وبركاتها، بودي أن أترجم لكم بعضًا منه وأنشره...
****
تحدث التجارب أحيانًا بحسد من الشياطين.
وبخاصة في أيام الصوم والتناول والحرارة الروحية.
إن كان الإنسان يستعد في الصوم، لكي يسلك سلوكًا روحيًا، فإن الشيطان يستعد أيضًا لمقاتلته ومحاربته، ولكي يسقطه في الخطية أو في الفتور...
أعني أن الاستعداد هنا متبادل: استعداد من جانب الإنسان للنمو في محبة الله، واستعداد من الشيطان لإسقاطه.
إن الشيطان يحزن حينما يجد إنسانًا يسير في طريق الله.
لذلك إن حلت بك التجارب في فترة الصوم، لا تحزن. فهذا دليل على أن صومك له مفعوله، وقد أزعج الشيطان.
بل إن بعدت عنك التجارب، يمكن أن تتساءل: لماذا يتركك الشيطان بدون تجارب؟! هل احتقر أو استصغر جهادك الروحي؟!
اعلموا أن ربنا يسوع نفسه، حاربه الشيطان بالتجارب في صومه الأربعيني
وهذا ما سوف نشرحه الآن.
الفصل الثاني التجربة على الجبل
مقدمة
قبل أن نعرض لتجربة السيد المسيح على الجبل، يحسن أن نقدم أولًا بعض ملاحظات هامة هي:
أولًا: لم تكن تجربة المسيح هي فقط الثلاث تجارب التي حدثت في أواخر الأربعين يومًا.
وفي هذا يقول معلمنا لوقا الإنجيلي عن السيد إنه "كَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ" (لو4: 1، 2) (مر1: 13). وهذه التجارب لم تذكر وتسجل، إلا أنه بعد إتمامها تقدم إليه المجرب بالتجارب الثلاث.
وبعد هذه التجارب الثلاث، لم يتركه الشيطان بلا تجربة، بل يقول القديس لوقا إنه: "وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ" (لو4: 13).
وعبارة "إلى حين" تعني أنه عاد إليه مرة أخرى أو مرارًا كثيرة ولعل من أمثلتها، لما تحدث عن صلبه بعد أيام، تقدم إليه بطرس وانتهره قائلاً: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!" فأجابه السيد: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي" (مت16: 22، 23).
أي أن الشيطان قدم تجربة على لسان تلميذه بطرس...
وكانت التجربة أن يبعد عن الصليب. ثم عاد الشيطان ليقدم نفس التجربة وقت الصلب، ويقول له على لسان اللص الشمال: "إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!" (لو23: 39).
نفس التجربة على لسان المجتازين: "خَلِّصْ نَفْسَكَ وَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!... لِيَنْزِلِ الآنَ الْمَسِيحُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ عَنِ الصَّلِيبِ، لِنَرَى وَنُؤْمِنَ!" (مر15: 30، 32).
وأيضًا "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!... فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ!" (مت27: 40، 42).
حقا، إن النزول عن الصليب هو شهوة الشيطان، وإن كان هذا المصلوب هو ابن الله.
والتجارب أيضًا كانت منذ الميلاد. وذلك فيما أثاره هيرودس الملك من حروب ضد هذا المولود، أدت إلى قتل كل أطفال بيت لحم وأدت أيضًا إلى النزول إلى مصر، وما حدث هناك من ضيقات كلما كانت تسقط الأصنام أمام هذا المولود (إش19: 1).
*****
ثانيًا: التجارب شملت كل حياة المسيح، وكانت لها فوائدها.
وفي ذلك يقول الكتاب عنه: "مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ" "يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا" (عب4: 15). وأيضًا "فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ" (عب2: 18).
وتجربة المسيح لا تدل على ضعف وإنما تدل على قوته:
فهي تدل على قوته، من حيث أنه انتصر على الشيطان في كل تجاربه... وأيضًا لأنه لولا قوته، ما كان يحاربه الشيطان هكذا.
****
وهنا نضع قاعدة هامة وهي:
الشيطان شغوف بمحاربة الأقوياء
الشيطان شغوف بمحاربة الأقوياء
فهو يحارب أيوب لأنه قوي. هذا الذي قال له الرب عنه: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ" (أي1: 8). وكمال أيوب لم يمنع الشيطان من محاربته، بل قلق إلى ذلك لأكثر... وانتصار أيوب في التجربة الأولى، لم يمنع الشيطان من الاستمرار في الحرب أيضًا.
كذلك حارب إيليا، وهو قوي... بعد انتصار إيليا النبي العظيم على أنبياء البعل والسواري، وتطهير الأرض منهم، وبعد إنزاله المطر على الأرض... لم يمتنع الشيطان عن محاربته. بل حاربه بالخوف من الملكة إيزابل (1مل19: 2، 10).
وقاتل الشيطان سليمان أحكم الناس. هذا الذي أخذ الحكمة كموهبة من الله نفسه (1مل3: 12). ولم يكن هناك أحد حكيمًا مثله، لا من قبل ولا من بعد. سليمان الذي تراءى له الله مرتين: في جبعون (1مل3: 5). وفي أورشليم (1مل9: 2). سليمان هذا يجربه الشيطان تجربة مذهلة، بعد زواجه بالأجنبيات لدرجة أنه في زمان شيخوخته حدث "أَنَّ نِسَاءَهُ أَمَلْنَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ كَامِلاً مَعَ الرَّبِّ" (1مل11: 4).
وقاتل الشيطان فلاسفة وعلماء، مثل أوريجانوس، أعظم اللاهوتين في عصره.
هذا الذي قال عن نفسه: "أيها البرج العالي كيف سقطت؟".
واستطاع الشيطان أن يُسقط في البدعة والهرطقة: القس أريوس، أشهر وعّاظ الإسكندرية، بل أسقط مقدونيوس ونسطور، وكلاهما من بطاركة القسطنطينية، وثيودوريت اللاهوتى الكبير معلم نسطور، وأوطاخى أعظم رهبان القسطنطينية، والأب الروحي لدير كبير...
الشيطان لا يبالي، ولا يوقر الكبار، بل يحاربهم. وكما قيل في الخطية أنها:
"طَرَحَتْ كَثِيرِينَ جَرْحَى، وَكُلُّ قَتْلاَهَا أَقْوِيَاءُ" (أم7: 26).
وهكذا حارب الشيطان بطرس الرسول الذي كان أكثر التلاميذ حماسًا، واستطاع أن يجعله ينكر المسيح ثلاث مرات، وهو يسب ويلعن ويقول: "لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!" (مت26: 74). حتى استحق أن يقول له الرب: "هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! وَلكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ" (لو2: 31، 32).
وبنفس الأسلوب كان الشيطان مهتمًا بمحاربة النساك والسواح والمتوحدين. أما الضعفاء، فلا يحتاج الشيطان إلى محاربتهم: إن كانوا ساقطين من تلقاء أنفسهم.
هناك ثلاثة أنواع من الثمار:
نوع ساقط عند أسفل الشجرة، لا يحتاج إلى جهد لإسقاطه. ونوع آخر يحتاج إلى من يهز الشجرة هزًا ليسقط ما عليها من ثمار، ونوع ثالث يلزمه خبير يصعد إلى أعلى الشجرة لجمع ثمارها، كما في سباطات النخيل مثلًا...
والشيطان لا يلزمه أن يبذل جهدًا لإسقاط الثمار الساقطة عند أسفل الشجرة.
هؤلاء، يقف ناظرًا إليهم ولو من بعيد، فرحًا بسقوطهم، موفرًا جهده إلى من يلزمه الصعود إليهم، أو إلى هزهم هزًا...
*****
ثالثًا: التجربة ليس معناها السقوط.
الشيطان يجرب الكل، ولكنه لا يستطيع أن يسقط الكل... وهو في التجربة مجرد مقترح، يقدم أفكارًا، ولا يملك أن يرغم أحدًا على طاعته. كل شخص له حرية إرادته، يقبل منه أو لا يقبل... وكثيرون قد رفضوه وهزموه...
إنه قد جرب السيد المسيح ولكن السيد رفضه ولم يقبل منه.
رأى المسيح قويًا، فتقدم لمحاربته كعادته... ولكن المسيح هزمه... أرانا كيف يكون الانتصار في حروب الشياطين.
على أننا نلاحظ ملاحظة رابعة في تجربة المسيح على الجبل، وهي:
حسد الشيطان
حسد الشيطان
رابعًا: التجربة هنا مصدرها حسد الشيطان:
طبع الشيطان هو هذا: أنه يكره كل من هو بار، وكل من هو ناجح في حياته، وكل من نال عظمة وعلوًا من الله والناس.
وكان المجد الذي ناله السيد المسيح في العماد، مجدًا لم يستطيع الشيطان أن يحتمله:
هوذا السموات قد انفتحت، وروح الله نزل عليه بهيئة حمامة. وصوت من السماء يقول: "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مت3: 17)...
فهل يمكن للشيطان أن يسكت على ابن حبيب يسرّ به الله...
دون أن يتدخل ليرى ما نوع هذه البنوة! ويحاول أن يهزّ هذا السرور بها...
كذلك أثارت حسد الشيطان، العبارات التي فاه بها القديس يوحنا المعمدان.
من هذا الذي يقول له المعمدان: "أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ" (مت3: 14). أهو حقًا أعظم من يوحنا المعمدان الذي "خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ، وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ" (مت3: 5، 6).
ومن هو هذا الذي قال عنه المعمدان: "يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ" (مت3: 11). بل يقول عنه: "فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي، الَّذِي صَارَ قُدَّامِي، الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ" (يو1: 26، 27).
كل هذا أثار حسد الشيطان، من هذا الذي هو أعظم من المعمدان. وإن كان قد قال عنه لليهود: "فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ". فلا بد أن أتقدم أنا لكي أعرفه: من هو؟ وماذا قد جاء ليفعل؟
وهنا رأى الشيطان في تجربته للمسيح معركة مثيرة.
فهو يحارب هنا شخصًا غير عادي، شهدت له السماء، وشهد له المعمدان. وهو شخص لم يرَ الشيطان فيه أية نقطة ضعف على الإطلاق طوال السنوات الماضية. حياته كلها قداسة مطلقة في كل مراحل السن. وهذه القداسة تزعج الشيطان وتثيره، فيريد أن يحاربها...
إن حربه مع هذا القوي، لا شك لها لذتها! حرب تنقذه من الروتين الذي أسقط به كثيرين.
أولئك الذين قال عنهم الكتاب: "الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا، فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا، لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مر14: 3)... وكأن الشيطان يقول: فلنجرب إذًا مع هذا الذي لا أستطيع أن أبكته على خطية...
ضعفات البشر أصبحت كلها معروفة ليَّ... وكل حروبي أصبحت متكررة ومألوفة ومملة... فلندخل إذًا في حرب مع هذا القوي، نقدم به عرضًا جديدًا. لنصعد إذًا معه على الجبل ونختبره...
لقد مرّت عليه ثلاثون سنة وهو ساكت، وأنا ساكت. فإن بدأ يعمل، سأعمل أنا أيضًا...
خامسًا: هناك عبارة أزعجت الشيطان جدًا وكانت سببًا رئيسيًا للتجربة...
وهي قول القديس يوحنا المعمدان عن السيد المسيح: "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!" (يو1: 29)... أتراه إذًا الذي قال عنه إشعياء النبي: "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش53: 6)؟ أهو إذًا الفادي المنتظر؟
ثم ما معنى قول المعمدان عنه من قبل "يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي" (يو1: 30). ماذا يقصد بقوله "كَانَ قَبْلِي"؟ أكان له وجود قبل مولده؟ وهل يرتبط هذا بعبارة "ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" هل هذا إذًا هو ابن الله وقد جاء ليرفع خطية العالم كله.
وهنا انزعج الشيطان، لأن معنى هذا هو ضياع تعبه الذي تعب فيه منذ البدء. وكأن به يقول: هذا أمر لا يمكن السكوت عليه. لا بد أن أتأكد لكي أتصرف بما يلزم. يبدو أن وقت الجد ابتدأ، ونحن داخلون على معركة لا مفر منها. ويبدو أن هذا عدو من نوع خاص، لم أتعود حربه من قبل!!
سادسًا: لم تكن تجربة الشيطان تدور حول نقاط عارضة، إنما كانت تشمل خط الحياة كله...
إنه أراد - كما سنرى - أن يقدم مقترحات تغير الأهداف والوسائل كلها... تغير المبادئ التي وضعها المسيح أمامه في تنفيذ رسالته...
ولكن السيد المسيح كان راسخًا جدًا في القيم التي وضعها أمامه واستطاع أن يصد الشيطان، وأن يطرده أخيرًا.
فما الذي كان يقصده الشيطان؟ وكيف تصرف؟ وكيف تصرف الرب معه؟
****
الفرق في التجربة بين آدم والمسيح
الفرق في التجربة بين آدم والمسيح
1- آدم وهو أحد مخلوقات الله، بدأ حياته بأن منحه الله صورته ومثاله منذ خلقه... بينما السيد المسيح، وهو ابن الله الوحيد، وبهاء مجده ورسم جوهره (عب1: 3). بدأ خدمته في رسالة تجسده "بأن أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ... وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ" (في2: 7، 8).
2- بدأ آدم حياته في جنة فيها كل أنواع الخيرات هي جنة عدن (تك 2). أما السيد المسيح فبدأ خدمته في برية قاحلة، في قفر، على الجبل... كما كان ميلاده في مزود بقر.
3- بدأت تجربة الشيطان للإنسان الأول بأن أغراه بالأكل.
وهكذا فعل مع السيد المسيح. غير أن الإنسان الأول قَبلَ إغراء الشيطان وأكل، وهو غير جائع. أما السيد المسيح فرفض الأكل وهو في قمة الجوع...
4- الإنسان الأول أكل من شجرة محرمة، وقد سمع عقوبة من الله بخصوص أكلها. أما السيد المسيح فرفض الأكل من خبز هو محلل للجميع.
5- الإنسان الأول أطاع الشيطان في مشورته، من أول تجربة. أما السيد المسيح فرفض كل مشورات الشيطان، ثلاث مرات على الجبل، ومرات عديدة فيما بعد (لو4: 13)، بالإضافة إلى تجارب أخرى خلال الأربعين يومًا (مر1: 13).
6- الإنسان الأول كسر وصية الله. أما السيد المسيح فقد تمسك بكل ما هو مكتوب، وجاهر بذلك (مت4: 4، 7، 10).
7- الإنسان الأول وقع في الكبرياء، وحينما اقتنع أنه سيصير مثل الله (تك3: 5). أما السيد - وهو الله الظاهر في الجسد (1تي3: 16). فقد أخلى ذاته. وسلك باتضاع أمام يوحنا المعمدان، حينما تقدم ليقبل معمودية التوبة، وهو غير محتاج إلى توبة. كما أنه تواضع أيضًا إذ سمح للشيطان أن يجربه، وأن يختار ميدان المعركة معه كما يشاء...
8- الإنسان الأول اشتهى سلطانًا ليس له. أما السيد المسيح فقد تنازل عن استخدام سلطانه الخاص، ورفض أن يستخدم لاهوته من أجل راحة ناسوته، ومن أجل نشر رسالته بالمعجزات...
9- الإنسان الأول - في تجربته. سقط في الخطية، واستحق حكم الموت. أما السيد المسيح فاستطاع أن "يُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ" (مت3: 15). واستطاع أيضًا أن يخلص الإنسان من الموت ومن الهلاك.
10- الإنسان الأول سلك بطريقة جسدية، فيها أكمل شهوة الجسد في الأكل. أما السيد المسيح، فإنه سلك بطريقة روحية، تتغذى بكل "كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ" (مت4: 4).
11- الإنسان الأول جعل هدفه ذاته وكيف تزيد. فكانت النتيجة أنه فقد كل شيء. أما السيد المسيح، فلم يهدف إلى علو الذات. بل سلك بإخلاء الذات. وهكذا أعاد للإنسان ما فقده.
12- الإنسان الأول، بسقوطه في التجربة، أدخل إلى العالم الموت والفساد، كما قال القديس بولس الرسول: "كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ..." (رو 5: 12).
أما السيد المسيح فبانتصار في كل تجربة وبقدسية حياته البشرية التي بلا خطية، وليست تحت حكم الموت، استطاع أن يفدي البشرية كلها، وينقذها من الموت، ويهبها التبرير، منقذًا إياها من الفساد...
****
الفصل الثالث تجربة الخبز
إنه يجول في الأرض كزارع يلقي البذار. فهو أيضًا يلقي الأفكار، ويلقي الأخبار. ويفرح إن أتت بثمار. وإلا عاد إليها بعد حين في إلحاح صامد لا يلين..!
أمران أزعجا الشيطان
وفيما يجول في الأرض، أزعجه أمران:
أزعجه صوت الآب، يقول وقت العماد عن يسوع الناصري: "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مت3: 17). فأي ابن تراه هذا؟!... وأزعجه أيضًا أن يسوع هذا، في وحدة مع الآب على الجبل وهو صائم...
والشيطان بطبيعته يكره توحد الأبرار وصومهم، ويضايقه ما ينالونه في خلواتهم من روحانية، وما يهبهم الله من نعمة... لذلك قرر التدخل. وكأنه يقول للسيد المسيح:
لماذا تجلس وحدك على الجبل؟ لقد جئت لكي أجلس معك...
إن أردت أن تنشر الملكوت، فإن في جعبتي نصائح ومقترحات كثيرة لأقدمها لك... هي من ثمار شجرة المعرفة، التي قدمت ثمرة منها لحواء وآدم من قبل... دعنا نتفاهم: أنت تريد أن تنتصر. وأنا أيضًا أريدك أن تنتصر، على يديَّ!!
إن الشيطان يحب جدًا عمل المرشد...!
فإن لم يقبل البعض إرشاداته، فعلى الأقل يدخل معهم في حوار. وفي هذا الحوار يحاول أن يدخلهم في ميدانه. نعم ما أحلى الحوار بالنسبة إلى الشيطان...! وحواره كله شِباك.
فلما رأى السيد المسيح وحيدًا مع الآب على الجبل، قال في نفسه: هلمّ بنا نشغله... نقطع تأملاته. ونحاول أن ننزله من مستوى الإلهيات والسماويات، إلى الأرضيات، أو إلى أي مستوى آخر، ولو بدا من الظاهر روحيًا!!
المهم أنه لا يتفرغ للجلوس مع الآب... نشغله بالخبز، بالمناظر الروحية بكل ممالك الأرض ومجدها...
وكانت للشيطان خبرة سابقة مع آدم وحواء، حينما شغلهما بالشجرة الشهية للنظر، وبالثمرة الجيدة للأكل، وبالمعرفة: معرفة الخير والشر، وبالمجد الذي يصيران فيه مثل الله...!
سببان لجرأته
سببان لجرأته
على أن الجرأة التي بها تقدم الشيطان لمحاربة المسيح، كان لها سببان: أولهما إخلاء السيد لذاته.
ولم يكن اخلاؤه لذاته هو فقط حينما تجسد "آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ" (في2: 7). وإنما هذا الإخلاء كان سياسة عامة انتهجها إلى وقت صعوده إلى السماء.
بهذا الإخلاء تقدم إلى معمودية التوبة، وهو غير محتاج إلى معمودية، ولا إلى توبة. بل بهذا الإخلاء هرب إلى مصر في طفولته من وجه الملك هيرودس. وبهذا الإخلاء سمح للكتبة والفريسيين أن يجادلوه وأن يتهموه. وسمح لرؤساء الكهنة أن يحاكموه... وبهذا الإخلاء جرّبه الشيطان.
كذلك منح للشيطان مبدأ تكافؤ الفرص.
منحه الفرصة أن يجربه كما يشاء، وأيضًا أن يختار مكان التجربة، سواء على جبل التجربة، أو على جناح الهيكل، أو على جبل عالٍ... كل ذلك لكي لا يقول الشيطان: لو أنني مُنحت الفرصة لأجربه، لأمكنني أن أنتصر عليه...
جربه وهو يعرف قوته، ولا يعرف فيه أية نقطة ضعف. ولكن الشيطان شغوف بتجربة الأقوياء.
بنوة المسيح لله
بنوة المسيح لله
المسألة التي كانت تحيّر الشيطان هي بنوة المسيح للــه. العبارة التي سمعها وقت العماد (مت3: 17). والتي سمعها أيضًا وقت البشارة بميلاده.
وذلك حينما قال الملاك للعذراء: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ" (لو1: 35).
ولكن بشرى الميلاد هذه، غطى عليها أمران:
أولهما: ميلاده في مزود بقر من أم فقيرة...
والثاني هربه إلى مصر. ليس من المعقول - في فكر الشيطان - أن ابن الله يكون فقيرًا وأن يهرب!
أما الشهادة له بـأنه ابن الله - في المعمودية - فيغطي عليه أنه جوعان على الجبل، فهل يُعقل أن يكون ابن الله جوعانًا؟! إنه أمر يثير التساؤل...
وهنا ارتبك الشيطان... وأراد أن يتأكد: لو كان هو ابن الله، فيجب بذل كل الجهد حتى لا يتم الفداء على يديه. ولو كان ابن الله، فكيف يجوع: ولماذا لا يبعد الجوع عن نفسه؟
إذًا فليتقدم ويسأل لعله يفهم! ولا مانع من أن يقدم أفكاره ويرى ماذا تكون النتيجة... ويحاول أن يختبر هذا الذي أمامه، ليرى ما هو عنصره، وهكذا كانت التجربة الأولى وهي تجربة الخبز.
يقول الإنجيل عن المسيح إنه "جَاعَ أَخِيرًا" (لو4: 2). "جَاعَ أَخِيرًا. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ" (مت4: 2، 3).
لا شك أنه كان جوعًا من نوع قاسٍ غير عادي...
طبيعي أن فترة الأربعين يومًا، كانت كلها جوعًا. ولكن الجوع في نهايتها، كان قد وصل إلى قمته، وصار جوعًا لا يُحتمل.
وهذا الجوع يدل على أن ناسوته كان مثلنا قابلًا للجوع. كما يدل أيضًا على أن لاهوته لم يمنع الجوع عن ناسوته. ذلك لأن السيد المسيح كان قد اتخذ مبدأ ثبت عليه، وهو أنه:
قرر أن لا يستخدم لاهوته لأجل راحة ناسوته.
فلاهوته لا يمنع عن ناسوته التعب ولا الألم، ولا الجوع ولا العطش.. وإلا فإن التجسد يكون صوريًا أو شكليًا، حاشا. لذلك فهو على الصليب أيضًا قال: "أَنَا عَطْشَانُ" (يو19: 28).
وهنا على الجبل قيل إنه جاع... نلاحظ إنه في صوم القديس بطرس الرسول قيل عنه إنه "جَاعَ كَثِيرًا وَاشْتَهَى أَنْ يَأْكُلَ" (أع10: 10). أما بالنسبة إلى السيد المسيح، فلم يذكر أنه اشتهى أن يأكل وهنا تقدم له الشيطان "وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" (مت4: 3).
"إِنْ كُنْتَ..." عبارة تحمل الشك
إما أنه - أي الشيطان - في شك من هذه البنوة، وهذا هو المعنى الأكثر احتمالًا، وإما أنه يريد أن يقدم هذا الشك لسامعه.
أو هو يقدم الشك لهذا الصائم، لكي يعالج شكًا له هو - أي الشيطان - في قلبه:
أين محبة الآب، حتى يترك الابن في جوع، على الجبل وحده، وأين سلطان الابن؟ ألا يستطيع أن يحول الحجارة إلى خبز ويأكل؟ إن الشك والتشكيك هما من طبائع الشيطان.
وضع هذا بالمثل قديمًا أمام آدم وحواء... لو كان الله يحبكما، فلماذا يمنعكما عن المعرفة؟! "هل حقًا قال لكما الله..." (تك3: 1). ومن جهة الموت، "لن تموتا" كله أسلوب تشكيك. إن الشك عكس الإيمان. والشيطان ضد الإيمان.
وهنا يسأل عن بنوة المسيح لله. ويقينًا إنه لا يقصد البنوة العامة التي لجميع المؤمنين... بل البنوة التي تستطيع أن تحول الحجارة إلى خبز...
أي البنوة التي لها القدرة على الخلق، وليست البنوة التي نقول بها جميعًا: "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت6: 9)
ولا هي البنوة التي قال عنها الوحي الإلهي عما قبل الطوفان: "أَنَّ أَبْنَاءَ اللهِ رَأَوْا بَنَاتِ النَّاسِ أَنَّهُنَّ حَسَنَاتٌ" (تك6: 2).
ولا هي البنوة التي قال عنها الوحي إشعياء النبي: "فَإِنَّكَ أَنْتَ أَبُونَا؟... أَنْتَ يَا رَبُّ أَبُونَا" (إش63: 16).
ولا هي البنوة التي قال فيها القديس يوحنا الحبيب فيما بعد عن المسيح: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" (يو1: 12). وأيضًا "اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ!" (ايو3: 1).
إنما هي البنوة القادرة على كل شيء، التي تستطيع أن تصنع المعجزات بمجرد أن تأمر. وهكذا قال للمسيح: "قُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" (مت4: 3).
لم يقل له: إن كنت ابن الله، يمكنك أن تصلي إلى أبيك السماوي، فيحول لك الحجارة إلى خبز. وإنما قال له: "أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا".
إذًا فهو يسأل عن طبيعة المسيح ما هي؟
ونفس السؤال قدمه إلى المسيح فيما بعد، على لسان البعض "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!" (مت27: 40).
إن البنوة والصليب معًا، هما اللذان يزعجان الشيطان في اجتماعهما، لأنهما يحطمان دولته وكل تعبه. سأل أحدهما في بداية استعداد المسيح لخدمته على الأرض. وسأل الآخر للمسيح، وهو في طريقه إلى عبارة "قَدْ أُكْمِلَ" (يو19: 30).
هنا على جبل التجربة، قال للسيد المسيح - وهو صائم وجائع: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا".
وكان المسيح قادرًا على ذلك، ولكنه لم يفعل.
*****
تجربة الخبز (ب)
تجربة الخبز (ب)
قال الشيطان للسيد المسيح: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" (مت4: 3).
وهنا قدّم الشيطان مفهومًا للبنوة التي ترضي ذاتها باستخدام حقوقها وسلطتها...
حقوق البنوة
إنه لا يفهم البنوة التي تخلي ذاتها، وتأخذ شكل العبد، وتطيع "حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في2: 7، 8). لا يفهم البنوة التي تبذل، بل التي تأخذ، ولا يقبل أن تجوع. تمامًا مثل تفكير الابن الكبير، في خطيئته إذ قال لأبيه: "هَا أَنَا أَخْدِمُكَ سِنِينَ هذَا عَدَدُهَا... وَجَدْيًا لَمْ تُعْطِنِي قَطُّ لأَفْرَحَ مَعَ أَصْدِقَائِي" (لو15: 29).
ولكن السيد المسيح لم يطلب لنفسه حقوقًا كابن!
وهنا أعجب من الذين يقولون لكل مؤمن مبتدئ يجب أن تطالب بحقوقك كابن ووريث وشريك مع المسيح!!
من نحن الذين نطالب لأنفسنا بحقوق، بينما الابن الوحيد للآب السماوي المساوي له في الجوهر، رفض أن يستخدم حقوقه الطبيعية كابن، أو رفض استخدام طبيعته كابن، أو أقنومه كابن.
حقًا، كان جادًا في إخلائه لذاته.
كان بإمكانه أن يحول الحجارة إلى خبز، بل أن يقدم الخبز، حتى بدون حجارة، كما في معجزة إشباع الجموع.
استطاع أن يخلق الخبز، الذي أشبع خمسه آلاف والذي امتلأت بما فضل منه اثنتا عشرة قفة (مر6: 35 -44). وفعل نفس الوضع في معجزة إشباع الجموع الأخرى من السبع خبزات (مر8: 2-9).
فعل ذلك من أجل غيره، وليس من أجل نفسه.
وكان الدافع هو الإشفاق. إذ قال لتلاميذه في ذلك: "إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى الْجَمْعِ، لأَنَّ الآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ. وَإِنْ صَرَفْتُهُمْ إِلَى بُيُوتِهِمْ صَائِمِينَ يُخَوِّرُونَ فِي الطَّرِيقِ" (مر8: 2، 3).
إذًا بإمكانه أن يوجد الخبز، ولو يخلقه خلقًا. ولكنه لم يفعل. فلماذا؟
أولًا: لأنه كما قلنا، كان قد وضع مبدأ لنفسه أنه لا يستخدم لاهوته لأجل راحة ناسوته.
ثانيًا: لأنه لا يليق به أن يسمع لمشورة الشيطان، كما فعلت حواء وآدم من قبل. وهذا يذكرنا بقصة قيلت عن القديس أنطونيوس الكبير: إن الشيطان أيقظه ذات ليلة من النوم لكي يصلي. ولكن القديس رفض مشورة الشيطان، حتى لو اتخذت أسلوبًا روحيًا. وقال له: "إني أصلي متى أريد. ولكن منك أنت لا أسمع...".
ثالثًا: إن الشيطان لا يمكن أن تكون له نية سليمة في أية مشورة يقدمها...!
فهو لم يقل ذلك إشفاقًا على السيد من الجوع. وإنما كان يريد أولًا أن يعرف طبيعته هل هو ابن الله حقًا؟ لا ليؤمن به، بل ليحارب الإيمان به، ويحارب رسالته في الفداء... كما كان يريد أن يتدرج في التجربة. وكيف؟
استخدام الخبز لنشر رسالته
استخدام الخبز لنشر رسالته
يمكن بتحويل الحجارة إلى خبز، أن يتبعه الناس كمصلح اجتماعي يشبعهم، وليس كمخلص يفديهم.
وكأنه يقول للسيد: إنك لا تريد أن تستخدم الخبز لأجل نفسك، لتشبع من جوع. حسنًا تفعل. ولكن ما أسهل أن تستخدم الخبز لأجل نشر ملكوت الله. وهذا حل سهل. فقل أن تصير الحجارة خبزًا.
هوذا العالم كله يحتاج الخبز... العلم كله يجرى وراء - لقمة العيش- فلو حولت الحجارة إلى خبز، سوف تصير مصلحًا اجتماعيًا، تكفي احتياجات الناس المادية.
وإذ تشبع الناس، يلتفون حولك، وبهذا يمكنك أن تؤدي رسالتك... وتسهل مهمتك.
ولكن السيد المسيح رفض هذا الطريق السهل... إنه جاء يدعو إلى مملكة روحية، طريقها أيضًا طريق روحي، ليس هو طريق الخبز المادي وإنما كل كلمة تخرج من فم الله...
إن السيد المسيح لم يأت لكي تكون بطون الناس ملآنة، إنما لكي تكون قلوبهم نقية، وأرواحهم ملتصقة بالله.
إنه يعرف حاجة الناس إلى الخبز ويعطيهم إياه، لكنه لا يجعله هدفًا لهم. بل يقول لهم: "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ" (مت6: 33)..
لهذا قال للناس: "لاَ تَهْتَمُّوا... بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ... الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ" (مت6: 25). "يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ... أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا" (مت6: 30، 32).
وقال لهم أيضًا: "اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ" (يو6: 27).
السيد المسيح لا يريد أن يتبعه الناس من أجل الخبز، إنما حبًا للملكوت... وكانت مشورة الشيطان هي التركيز على الخبز!
وإن أحبوا الملكوت، وجاءوا من أجله وعطشوا، حينئذ سيمنحهم كل احتياجهم المادي، دون أن يطلبوا، كذلك فإن الخبز، الذي هو رمز للمادة لا يجوز أن يكون هدفًا لحياتهم... هنا نتذكر أمثلة خاطئة.
إن الشيطان لا يقترح أبدًا للخير. ولا يجوز السماع له، مهما بدا اقتراحه خيرًا.
ولكنه هنا، كان يقصد ما هو أخطر. فماذا يقصد؟
لاهوته لصالح ناسوته
لاهوته لصالح ناسوته
إن استخدام السيد المسيح لاهوته من أجل التخلص من ألم الجوع، فالتدرج الذي يريده الشيطان هو أن يتخلص المسيح بلاهوته من كل ألم، بما في ذلك آلام الصلب. ويتحول التجسد والفداء إلى شكليات...
أما السيد المسيح فاستطاع أن يبت في الموضوع من أوله. ولم يستخدم لاهوته مطلقًا لأجل راحة ناسوته. لا على جبل التجربة، ولا على الصليب، ولا كل فترة تجسده على الأرض. وهكذا جاع وعطش وتعب ونام. وتصبب عرقه كقطرات دم (لو22: 44).
إذًا لم تكن التجربة هي مجرد استخدام لاهوته لمنع الجوع، إنما لمنع الفداء كلية. لأنه لو لم يتألم لأجلنا، ما كان فداء... بل لتحول الأمر إلى خدعة كبرى.
لكن السيد المسيح كما جاع على جبل التجربة، كذلك فإنه على الصليب قال أنا عطشان (يو19: 28).
كان ناسوته يدفع الثمن كله... وكانت نار العدل الإلهي تشتعل في المحرقة، حتى تحولها إلى رماد (لا6: 10). من أجل هذا قال: "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مت27: 46). أي أن لاهوته تركه للألم، لم يتدخل لمنع الألم عنه، ليتم الفداء. إن السيد المسيح يمكن أن يستخدم لاهوته من أجل راحة الناس، وليس من أجل راحته هو...
وهكذا كان يشفي المرضى، ويطهر البرص، ويفتح أعين العميان، ويخرج الشياطين من المصروعين.. يجول يصنع خيرًا... ولكن لا يستخدم المعجزة ليشبع جسده...
****
لقد رفض السيد المسيح استخدام معجزة الخبز لأجل نفسه. ورفض أيضًا استخدام الخبز للكرازة ونشر الإيمان. فهذا هبوط بمستوى وسائل الإيمان. فالإيمان يتعلق بالروح والقلب والفكر. وليست وسيلته الجسد والطعام.
أنه يمكن أن يقدم الخبز بدافع الحب والإشفاق عليهم كجياع. ولكن ليس ثمنًا للإيمان!
كان الشيطان يهدف في استخدام الخبز لنشر الإيمان، إنما يُغري بسهولة الخدمة.
إنه فيما يتحدث عن الخبز، إنما يريد أن يلبس المادة ثوبًا روحيًا من حيث أهميتها في جذب الناس ونشر الملكوت. فتصبح الخدمة سهلة وأكثر قبولًا وكأنه يقول "لو ملأتم الدنيا خبزًا، لأحبكم الناس وساروا وراءكم، فينتشر الملكوت، ويقبل الناس الإيمان".
ولكن هذا الأمر كانت له مساوئه بلا شك. فإن الذين يقبلون إلى الإيمان عن طريق الخبز، لا شك أنهم سيتركون الإيمان إذا انقطع الخبز عنهم!
كذلك فإن السيد رفض فكرة سهولة الخدمة...
فالذي يتعب في نشر الملكوت، إنما يدل على محبته للملكوت وبذله من أجله، وسوف يكافئه الرب على بذله وجهده "كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1كو3: 8). ولا بد أن يحمل كل إنسان صليبه في طريق الملكوت (مت10: 38) (مت16: 24).
*****
أما من جهة ردّ المسيح على تجربة الخبز، فهي أنه قال للشيطان:
مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله (مت4: 4).
إنه لم يرد على الشيطان ردًا مباشرًا.
لم يرد على عبارة "لو كنت ابن الله". لم يقل للشيطان: ما هدفك من السؤال؟ لماذا تسأل؟ هل أنت في شك؟ ولماذا تحتاج إلى معجزة بينما أنت قد رأيت المعجزة وقت العماد وسمعت شهادة الآب وشهادة يوحنا؟
وبالمثل، لم يرد أيضًا على اقتراح تحويل الحجارة إلى خبز.
إن الشيطان يريد أن ينقله بالحديث عن الخبز، إلى ميدانه المادي. فتجاهل المسيح هذا، ونقله إلى الميدان الروحي.
نقله إلى الطعام الروحي الذي تحيا به الأرواح، فقال له: "مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ".
إن الطبيعة البشرية ليست مجرد جسد، بل هي جسد، وأيضًا روح. فإن كان الجسد يحتاج إلى الخبز، فالروح تحتاج في فدائها إلى كل كلمة تخرج من فم الله... وهنا أيضًا وضع الرب أمامنا غذاء للروح هو الكتاب المقدس.
أما بالنسبة إلى الشيطان، فكأن الرب يوبخه بطريقة هادئة وهي: لماذا تركز على الجسد والخبز، وتنسى الروح، بينما أنت روح؟!
ثم هل يليق بنا أن نتكلم عن الخبز وعن طعام الجسد، بعد أربعين يومًا من الصوم والانفراد مع الآب؟
أين هي ثمرة الصوم إذًا؟ أتريده صومًا بلا ثمر؟ أم تريد أن تعكر روحياته بالحديث عن الخبز فلنحول الحديث إذًا إلى الروحيات، لأن الحديث عن الخبز والجسد لا مجال له معي.
موضوع الخبز والمادة والجسد، سدّ المسيح أبوابه أمام الشيطان. ولم يفتح له مجالًا للحديث فيه.
لم يشأ السيد المسيح أن ينزل إلى هذا المستوى المادي. وهكذا أسكت الشيطان، إذ أوقفه أمام مستوى روحي. معطيًا لنا درسًا أن نسد الأبواب أمام الشيطان في كل موضوع غير روحي يقترحه. إننا لسنا ملزمين أن نتناقش معه في أي موضوع يعرضه. بل ينبغي أن نسكته. فلا يستمر أو يتمادى في موضوع مادي، بأن نحول كلامه أو أفكاره إلى موضوع روحي.
أما الآية التي قالها السيد المسيح، فقد اقتبسها من سفر التثنية (تث8: 3).. وتحمل دروسًا روحية لنا:
1- نتذكر الآباء والأمهات الذين يكون كل اهتمامهم لطعام أبنائهم وتربية أجسادهم، دون أن يهتموا مطلقًا بأرواحهم.
كما لو كانوا قد أنجبوا أجسادًا فقط بدون أرواح، شاعرين أن واجبهم الأساسي هو إطعام هؤلاء الأولاد... وفي سبيل ذلك قد يمنعونهم عن الصوم خوفًا على صحتهم الجسدية...
2- مثال آخر: مكاتب الخدمة الاجتماعية في الكنائس، التي تبذل كل جهدها في إطعام الفقراء، دون أي اهتمام بأرواحهم...
3- مثال ثالث: وهو أنه بسبب الاهتمام بالخبز يكسرون وصايا الله. قد لا يدفعون العشور ولا البكور ولا كل حقوق الله في أموالهم، لأنهم محتاجون إلى هذه النقود من أجل لقمة العيش.
وقد يشغلون أنفسهم مشغولية تأخذ كل الوقت من أجل الحصول على أجور إضافية لازمة للقمة العيش... وهكذا يمنعون أنفسهم عن الكنيسة والاجتماعات والقراءات والتأمل والخلوة وكل الوسائل الروحية في سبيل الحصول على المال.
كل هؤلاء يقول لهم السيد المسيح ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
وهنا يضع أمامنا السيد المسيح أسلوبًا روحيًا في محاربة الشيطان وهو:
الرد على المحاربة بآية:
جميل أن ترد على الشيطان بآيات من الكتاب، لأن "كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ" (عب4: 12).
لذلك إن كنت محاربًا بالغضب، اجمع كل الآيات التي هي ضد الغضب وضعها في ذهنك، واحفظها، ورددها كلما حوربت...
وإن كنت محاربًا بأخطاء اللسان افعل هكذا أيضًا. وكذلك في كل حروبك الروحية.
المسيح رد على الشيطان بآية فأسكته.
لذلك انتقل الشيطان إلى تجربة أخرى محاولًا أن يستخدم الآيات أيضًا.
الفصل الرابع تجربة جناح الهيكل
هنا كان ميدان الحرب في المدينة المقدسة وعلى جناح الهيكل.
حيث قال له الشيطان: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ" (مت4: 6).
ما زالت مشكلة الشيطان قائمة "إن كنت ابن الله" وما زال المسيح لا يجيبه عليها!!
في المواضع المقدسة
في المواضع المقدسة
عجيب هو الشيطان، فهو يمكن أن يحارب في كل مكان، بكل جرأة، حتى في المدينة المقدسة، وعلى جناح الهيكل! إنه مستعد أن يدخل إلى الكنيسة ويحارب. الناس يذهبون إلى الهيكل للبركة، أما هو فيذهب إليه ليغري ويعثر...
لذلك كن حريصًا منه، حتى في المواضع المقدسة، وحتى في الأوقات المقدسة كالصوم.
إنه يهوي جدًا أن يدنس كل ما هو مقدس. وله جرأة عجيبة بل له استهانة عجيبة بالمقدسات. وهو مستعد أن يجرب في وقت الصلاة، وفي وقت الخدمة، وفي وقت الخلوة المقدسة هي شهوته التي يريد أن يلتهمها ويحطمها.
لقد حارب آدم وحواء، وهما في الفردوس وحارب اللص الشمال وهو إلى جوار المسيح. كما حارب امرأة لوط ويدها في يد الملاك.
وقدم تجربته ضد أيوب، وهو واقف أمام الله. وكانت الخطايا التي أسقط فيها أولاد عالي الكاهن في مكان الذبائح، وعند باب خيمة الاجتماع (1صم2: 13، 22).
هدف التجربة
هدف التجربة
وبالنسبة إلى السيد المسيح، شاء الشيطان أن تكون تجربته هذه على جناح الهيكل. فماذا كانت صورة التجربة؟ شرحها كالآتي:
ألق نفسك من جناح الهيكل، فتحملك الملائكة على أيديهم وكل الذين في الهيكل يرون هذا المنظر العجيب، فتبهرهم ويقولون: هذا حقًا هو المسيا النازل من السماء محمولًا على أيدي الملائكة. وهكذا يؤمنون وتنشر ملكوتك بسهولة!!
هذه هي الوسيلة السهلة التي تحتاج إليها. فهل تظن أن الناس يؤمنون بمولود في مزود بقر؟ أو بمصلوب على خشبة؟!.. إنما أنا أقدم لك الوسيلة السريعة الفعالة...
فهل ترى نصيحة أخلص من هذه؟!
وهل ترى نصاحة أذكى من هذه؟!
ولكن المسيح ما جاء ليبهر الناس بالمعجزات، إنما جاء لكي يفديهم بدمه ولا يسمح للشيطان أن يبعده عن طريق الفداء...
إنه لم يأتِ لكي يكسب إعجاب الناس، إنما لكي ينقي قلوبهم، ويغرس فيهم الإيمان.
ليس انبهارهم به هو هدفه، إنما هدفه هو خلاص نفوسهم. كما أن إظهار قوته لم يكن هو هدف تجسده، بل حمل خطاياهم ومحوها بالدم الكريم...
إن الشيطان يريد بالتجربة أن يبعد المسيح عن طريق الصليب.
ويحوله إلى إعجاب الناس بالمناظر والمعجزات. هذه هي شهوة الشيطان وشهرة الشيطان في استخدام المناظر والمجد الباطل والمديح وإعجاب الناس. أما الخلاص، فيبعد الناس عن التفكير فيه. وأراد إبعاد المسيح عنه أيضًا.
ولو أتيح له على فرض المستحيل أن يقوم برسالة، لكان يعجبه أن يأتي على سحابة، وفي هيئة ملاك من نور (2كو11: 14).
وفي آخر الزمان سوف يساعد إنسان الخطية ضد المسيح Anti Christ بقوة آيات وعجائب وآيات (2تس2: 9). لكي يجذب بها إعجاب الناس، فيؤمنون به ويرتدون عن المسيحية!!
طريق المناظر وإبهار الناس طريق سهل ومبهر، ولكن المسيح قد رفضه.
إنه يعمل المعجزات كعمل محبة لمريض يحتاج إلى الشفاء، أو مصروع يخرج منه الشيطان الذي يصرعه، أو إشفاقًا على أم فقدت وحيدها.
ولكنه يرفض المعجزات لأجل الفرجة وحينما طلب منه اليهود هذا الطلب أجابهم: "جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ" (مت12: 39). وهكذا رفض المنظر، وأعطاهم صورة عن موته، ودفنه ثلاثة أيام.
المحاربة بالآيات
المحاربة بالآيات
كان الشيطان في تجربة الخبز قد قال للسيد المسيح: "إن كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا" (مت4: 3). إنها عبارة لم يقلها لأي بشري من قبل. وكان لها عمقها وأهدافها كما شرحنا.
وإذا بالسيد يوقف الشيطان أمام آية من الكتاب. أمام كلمة خرجت من فم الله (تث8: 3).
وهنا عدل الشيطان أسلوبه: ما دمت تجيب بكلام الله فسأحاربك أيضًا بكلام الله!!
******
لعلنا إذًا نلتفت جيدًا إلى هذا الخطر في بعض الحروب الروحية، التي لا يستخدم فيها الشيطان أسلوب أهل العالم، وإنما قال له: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ" (مت4: 6).
وهنا تبدو مشكلة بنوة المسيح لله لا تزال تشغل بال الشيطان بالدرجة الأولى...
تمامًا كما قال من قبل: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا"، ظل بهذا السؤال يتابع المسيح حتى إلى الصليب "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!" (مت27: 40).
وهنا يقول: "إن كنت ابن الله، ألقِ نفسك من على الجبل، فتحملك الملائكة" فماذا كان يقصد بهذه التجربة؟ لعله يقصد الآتي:
إن ألقى نفسه من الجبل ومات، أكون قد تخلصت منه! أما إن حملته الملائكة، فتكون بنوته لله قد انكشفت.
وحينئذ أحارب موضوع الفداء الذي جاء من أجله ليخلص به البشر!! وتتعدل الخطة في محاربته.
استخدام خاطئ للآيات
استخدام خاطئ للآيات
نلاحظ في استخدام الشيطان لآيات الكتاب أنه يخادع، ولا يذكر الآية سليمة.
فهذه الآية لم تذكر مطلقًا في مناسبة إلقاء الإنسان لنفسه من على الجبل وهذا واضح من نص الآية الذي هو: "وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ (من مسكنك) مِنْ خَيْمَتِكَ. لأَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ فِي كُلِّ طُرُقِكَ. عَلَى الأَيْدِي يَحْمِلُونَكَ لِئَلاَّ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ" (مز91: 10 - 12).
وهنا لم يذكر الشيطان الآية في مناسبتها، كما حذف أجزاء منها لكي تتمشى مع التجربة التي يريدها.
فالحديث هنا ليس عن جبل، يلقي شخص نفسه منه. إنما عن خيمتك وطرقك، فيما أنت سائر.
ويمكن أن تؤخذ بمعنى روحي بعيد تمامًا عن الإلقاء من الجبل... بل يبدو أن الآية عكس ما يقصده الشيطان.
****
الكتاب لا يقول هنا: ألقِ نفسك من الجبل فتحملك الملائكة، أي أن تسعى بنفسك إلى التجربة، وترى ماذا يفعل الله...
بل يقول الكتاب: إن الله يمنع التجربة من أن تصل إليك. وإن وصلت إلى مسكنك يرسل ملائكته لتحفظك في سائر طرقك.
إذًا الشيطان هنا يستخدم الآيات بطريقة شيطانية.
يطبقها على غير المقصود منها. ويقولها في غير مناسبتها ويحذف ما يريد لتتفق مع أغراضه، ويحاول أن يفسرها تفسيرًا ملتويًا. خاطئًا... كمن يقص ألفاظ الآية قصًا ويفصلها تفصيلًا لكي تنطبق على وضع معين...
****
بهذا الوضع استخدم الشيطان آيات الكتاب، بتفسير خاطئ، لنشر البدع والهرطقات.
ما هي الشكوك التي قدمتها الأريوسية؟ هي مفهوم خاطئ لبضع آيات. بل حتى البدع الحديثة في جيلنا، تقدم أيضًا آيات من الكتاب. فلا يخدعك الشيطان بشيء من هذا كله. واسأل عن المفهوم السليم للآية:
****
الشيطان يحفظ آيات من الكتاب ولكنه ليس عالمًا من علماء الكتاب!
فالعالم ليس هو الذي يحفظ الآية، وإنما هو الذي يفهم الآية فهمًا سليمًا يتمشى مع روح الكتاب كله. وما أجمل قول الرسول في ذلك وما يشبهه:
"الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي" (2كو3: 6).
إن اليهود حينما حاربوا المسيح في موضوع تقديس السبت، واعتبروه نقاضًا للسبت لأنه يجري فيه معجزات شفاء وإقامة موتى وفتح أعين عميان... إنما كانوا يعتمدون على آية من الكتاب تقول: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ... لاَ تَعْمَلْ فِيهِ عَمَلاً مَّا" (خر20: 8، 10) (تث5: 12، 14).
إن المشكلة ليست في الآية، وإنما في المفهوم الخاطئ للآية...
والشيطان مستعد أن يقدم مفاهيم خاطئة كثيرة، ويستخدم آيات الكتاب لكي يضلّ الناس.
أو لكي يثير شكوكًا، أو لكي يعقد الناس ويضعهم أمام مستويات أعلى من مقدرتهم. كأولئك الفريسيين الحرفيين الذين كانوا "يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لاَ يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ" (مت23: 4).
وهكذا أغلقوا ملكوت السموات قدام الناس. فلا هم دخلوا ولا جعلوا الداخلين يدخلون (مت23: 13).
إن حرفية استخدام آيات الكتاب هي حرب مشهورة من حروب الشياطين.
****
على أن هناك حربًا أخرى خاصة باستخدام الآيات، وهي طريقة أنصاف الحقائق، حيث يستخدم المحارب آية واحدة ويترك باقي الآيات المتعلقة بالموضوع، التي لا يتكامل المعنى بدونها.
ولقد حدثتكم من قبل عن خطورة استخدام الآية الواحدة في مقدمة كتاب "الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي". وذلك لأن الكتاب ليس هو مجرد آية إنما هو كتاب...
فكلما تقدم لك آية لإثبات عقيدة أو مفهوم روحي... فاستخدم نفس جواب المسيح: مكتوب أيضًا:
مكتوب أيضًا
مكتوب أيضًا
استخدم هذا الأسلوب، سواء في الأمور الروحية، أو في الأمور اللاهوتية والعقيدية أيضًا. كما قال لنا الرسول: "بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ" (1كو2: 13).
****
1- فإن أراد العدو إخراجك عن وداعتك، وقال لك مكتوب: "وَبِّخِ، انْتَهِرْ، عِظْ" (2تي4: 2).
قل له: إن القديس بولس الرسول قد قال هذه العبارة للقديس تيموثاوس الأسقف، لرجل من رجال الكهنوت والرعاية مسئول عن هداية الناس. ومن أنا حتى أضع نفسي موضع القديس تيموثاوس؟
هذا من ناحية، ومن ناحية أخري:
مكتوب أيضًا: "مَنْ هُوَ حَكِيمٌ وَعَالِمٌ بَيْنَكُمْ، فَلْيُرِ أَعْمَالَهُ بِالتَّصَرُّفِ الْحَسَنِ فِي وَدَاعَةِ الْحِكْمَةِ" (يع3: 13).
ووداعة الحكمة نستخدمها في هداية الناس بدلًا من التوبيخ والانتهار الخاصين بأصحاب السلطان. ولذلك مكتوب أيضًا "أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا" (غلا6: 1).
إذًا ليس التوبيخ أو الانتهار هو الطريق الوحيد لإصلاح الآخرين، إنما هناك روح الوداعة، ووداعة الحكمة كما هو مكتوب. ولننظر إلى بولس الرسول الذي قال: عظ وبخ انتهر، لنرى كيف كان هو نفسه ينتهر.
مكتوب أيضًا عن القديس بولس أنه قال: "لِذلِكَ اسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاَثَ سِنِينَ لَيْلاً وَنَهَارًا، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ" (أع20: 31).
هذه هي الطريقة التي كان ينذر بها والتي كان بها يعظ ويوبخ... "بدموع" وهذه الدموع كانت تشعر من يسمعه بمقدار محبته وحرصه على خلاص نفس من يوبخه. إذًا لم يكن يوبخ بقسوة أو بعنف أو بأسلوب جارح أو شديد.
****
بهذا المكتوب أيضًا، يمكننا أن نفهم المعني الروحي "قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ".
2- وإن قال لك العدو: مكتوب أن موسى النبي لما أبصر العجل والرقص، حمي غضبه وطرح لوحي الشريعة من يديه وكسرهما في أسفل الجبل (خر22: 19)... فلماذا لا تغضب مثله للحق؟
عليك أن تجيب بأن موسى كان نبي الله، وكان له سلطان أن يغضب على الشعب ليصلحه. كما أن الأمر كان خطيرًا جدًا، وهو أن الشعب كله صنع له عجلًا ذهبيًا ليعبده قائلًا: "هذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ" (خر32: 8). حتى أن الرب نفسه غضب على الشعب وأراد إفناءه. هذا من جهة. ومن جهة أخرى نذكر حقيقة هامة وهي:
مكتوب أيضًا عن موسى النبي "وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ" (عد12: 3).
وبلغ من حلمه في هذا الحادث بالذات أنه وقف شفيعًا في هذا الشعب أمام الله، حتى لا يغضب الله عليهم ويفنيهم. كما حدث أيضًا وتشفع في مريم أخته التي تقوّلت عليه ووبخها الله وعاقبها (عد12: 9، 13). وهذا من جهة موسى النبي، والأمثلة كثيرة ولكن من جهة الغضب عمومًا.
مكتوب أيضًا: "لاَ تُسْرِعْ بِرُوحِكَ إِلَى الْغَضَبِ، لأَنَّ الْغَضَبَ يَسْتَقِرُّ فِي حِضْنِ الْجُهَّالِ" (جا7: 9). ومكتوب أيضًا "لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ... مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ، لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ" (يع1: 19، 20).. ومكتوب أيضًا "لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ" (أف4: 31).
ومكتوب "لاَ تَسْتَصْحِبْ غَضُوبًا، وَمَعَ رَجُل سَاخِطٍ لاَ تَجِيءْ" (أم22: 24). وما أكثر المكتوب عن الغضب.
*****
3- كذلك إن أتاك فكر أن تقيم نفسك معلمًا لآخرين لأنه مكتوب "وَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ" (1كو9: 16).
قل: أنا تلميذ أحتاج أن أتعلم، وليس أن أقوم بتعليم غيري.
أما هذه الآية فقد قالها بولس الرسول، الذي اختاره الرب نفسه لكي يبشر، لذلك قال: "قَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ" (1كو9: 17). أما أنا فيمكنني أن أقول ذلك لو أنني أيضًا استؤمنت على وكالة!
لأنه مكتوب أيضًا: "لاَ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ كَثِيرِينَ يَا إِخْوَتِي، عَالِمِينَ أَنَّنَا نَأْخُذُ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ!" (يع3: 1).
وعلل الرسول ذلك بقوله: "لأَنَّنَا فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ نَعْثُرُ جَمِيعُنَا" (يع3: 2). ومكتوب أيضًا "الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ" (رو12: 7). فإن أقامتني الكنيسة للتعليم، فهذا واجب لا بد أن أؤديه. وحينئذ "وَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ".
****
4- وهكذا إن جاء العدو في مجال الشهادة للرب. وقال لي اصمت ولا تفعل لأنه مكتوب: "ليَصْمُتُ الْعَاقِلُ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ لأَنَّهُ زَمَانٌ رَدِيءٌ" (عا5: 13).
قل لنفسك: ليس هذا هو الوقت الذي يكون فيه الصمت فضيلة، لأنه مكتوب أيضًا "لِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ... للسكوت وقت وللكلام وقت" (جا3: 1، 7).
ومكتوب أيضًا "لاَ تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلاَ تَسْكُتْ" (أع18: 9).
إذًا الأمر يحتاج إلى حكمة وإلى إفراز، لنفهم ماذا يعلمنا الكتاب، وما هو مفهوم الآيات، وجميل جدًا ما قيل عن عمل الرب في الرسل: "حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ" (لو 24: 45).
*****
5- استخدم نفس الأسلوب في العقيدة أيضًا. إن قرأت آية، قل مكتوب أيضًا...
فإن قيل لك: مكتوب "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أع16: 31).
قل: مكتوب أيضًا "مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ" (مر16: 16).
ومكتوب أيضًا "إِيمَانُ أَيْضًا بِدُونِ أَعْمَال مَيِّتٌ" (يع2: 26، 17).
لا تجرِّب الرب إلهك
لا تجرِّب الرب إلهك
نعود إلى تكملة تأملاتنا في التجربة على الجبل، فنقول إن الرب أجاب الشيطان: "مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ" (مت4: 7).
وهذه الآية مأخوذة من (تث6: 16).
الشيطان يريد أن السيد المسيح يجرب محبة الآب، فيرى هل إذا ألقى نفسه من على الجبل، يرسل ملائكته ليحملوه.
فأجابه: "مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ"...
نلاحظ هنا أن السيد المسيح لم يصحح للشيطان منطوقه الخاطئ للآية... فالشيطان يعرف تمامًا أن استخدامه غير سليم لكلام الرب. إنما انتقل به إلى الإيجابيات، كما حدث في التجربة السابقة، إذ لم يناقشه في موضوع الخبز، ولا في عبارة "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ" كما هنا أيضًا. وإنما رد بالتعليم الإيجابي السليم: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ...
*****
إن محبة الله ليست موضع شك ولا موضوع إثبات، لكي نجربه في أن يثبتها لنا بالعطايا والمنح...
إننا واثقون من محبة الله، حتى إن كنا في عمق التجربة والضيقة. لا نجربه بأن يرسل ملاكًا وينقذنا، أو يصنع معجزة وينقذنا. حتى لو استمرت التجربة أو التعب، فلا نشك أيضًا في محبة الله، ولا نجربه بصنع العجائب من أجلنا لإثبات عنايته بنا!
أمثلة في تجربتنا لله
أمثلة في تجربتنا لله
1- في حالة مرض: قد يرفض إنسان أخذ الدواء أو استشارة طبيب، ويقول: أنا تارك الأمر لله ليشفيني بدون واسطة.
كلا. لا تجرب الرب إلهك. فهو نفسه قال: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى" (مت9: 12). ومع أن هذه الآية قيلت في معني روحي، إلا أنها تعني ضمنًا موافقة الرب على احتياج المريض إلى طبيب.
ونلاحظ أن بولس الرسول وصف لتلميذه تيموثاوس علاجًا (1تي5: 23)... ولم يكتف بمجرد الصلاة التي ذكرها الرسول (يع5: 14).
***
2- مثال آخر: تلميذ لا يذاكر! ويطلب من الله منحه النجاح بمعجزة. وإذا حدث أن الامتحان لم يأت من الصفحات القليلة التي ذاكرها، يشك في محبة الله وفي معونته! بينما الله دعانا أن نكون أمناء في عملنا. ومن ذلك الأمانة في المذاكرة.
*****
3- مثال ثالث: إنسان يذهب إلى مكان معثر، ويقول: الله قادر أن ينجيني من السقوط!!
ويضرب أمثلة بالقديس إبراهيم الذي نجا مريم، والقديس يوحنا القصير الذي أنقذ بائيسة... وينسى أنه ليس في مستوى أولئك القديسين. كما ينسى قول الكتاب: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي... وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (مز1: 1).
لا تدخل نفسك في تجربة، وتطلب من الرب أن ينقذك منها ولكن إن دهمتك التجارب بدون خطأ، فالله ينقذك.
*****
4- مثال رابع: قد يجرب الرب الذين يحددون له علامات معينة!!
إن كان هذا الأمر قد حدث مع جدعون في ظروف معينة قاسية (قض 6) فلا تطلب أن يحدث ذلك معك أيضًا، ولا تجعلها قاعدة.
****
5- مثال خامس حينما تصر أن ينفذ لك طلباتك بحرفيتها وبسرعة، وإلا تشك في محبته!!
الفصل الخامس تجربة المُلك
الفصل الخامس
تجربة المُلك
لم تكن التجارب التي تعرض لها السيد المسيح على الجبل هي مجال للاختيار، بل هي بالحق مجال للانتصار. كان – وهو في البرية – "مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (لو4: 1). لقد بارك طبيعتنا البشرية، وأعطانا نعمة الانتصار والقدرة على الانتصار.
وقد استخدم أيضًا في انتصاره قوة الكلمة الإلهية، وعبارة (مكتوب) التي قابل بها كل تجربة...
في تجربة الخبز قال للشيطان: "مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ" (مت4: 4) (تث8: 3). وفي تجربة جناح الهيكل، قال له: "مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّب الرَّبَّ إِلهَكَ" (مت4: 7) (تث6: 16). في تجربة الملك هذه، قال له: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مت4: 10) (تث6: 13).
إنه يعطينا مثالًا عن الانتصار باستخدام كلمة الله، وبالامتلاء بالروح القدس.
ولكن ماذا كانت تجربة المُلك؟
يقول الكتاب إن الشيطان أخذ السيد إلى جبل عال، وأراه جميع ممالك الأرض ومجدها، "وَقَالَ لَهُ: أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي" فانتهره الرب...
ولعله يقول له: إنك من سبط يهوذا، سبط الملك. فماذا يمنع من استخدام المُلك في أن تقوم برسالتك على خير وجه؟ وهي وسيلة سهلة...
تستطيع أن تصدر القوانين والأنظمة التي تغيّر بها الكون، وتلغي بها الوثنية، وتمنع الرذائل، وتنشر الخير، وتبني الملكوت... بسلطة المُلك...
ولكن الرب رفض هذا. رفض أن يسير الناس في طريق الخير، عن طريق السلطة والأمر والقانون. إنه يريد أن يحبوا الله من أعماق قلوبهم وأن يحبوا الخير ويفعلوه عن رضى، وليسوا مرغمين على ذلك بالقانون.
إنه لا يريد أن يكون الإنسان مسيرًا ولو في طريق الخير، إنما يريد له نقاوة القلب التي بها يفعل الخير بتلقائية الحب. فالسلطة قد تؤدي إلى مظهرية نقية خارجية. وقد يكون القلب غير ذلك تمامًا، مملوءًا بالشهوات والخطية.
طريق النقاوة الداخلية طريق طويل وصعب ولكنها أكثر ثباتًا من الطاعة الخارجية.
إن الرب يريد أن ينبع الخير من داخل قلب الإنسان، وليس عن طاعة وقهر. بحيث يكون الخير بالنسبة إليه عملًا من أعمال الحب، بكامل إرادته، وليس ضرورة وجبرًا، واضطرارًا وإرغامًا.
وهكذا رفض السيد تجربة المُلك، ليس فقط على الجبل، بل في مرات كثيرة أخرى.
فبعد معجزة إشباع الجموع، يقول الكتاب: "يَسُوعُ إِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أَيْضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ" (يو6: 15). وتكرر الأمر في يوم الشعانين، إذ استقبلوه كملك في أورشليم ولكنه رفض هذا الملك، لأنه لم يأت ليملك مُلكًا عالميًا، بل مُلكًا روحيًا على القلوب. لذلك قال:
"مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" (يو18: 36).
وهكذا عاش المسيح على الأرض بلا لقب، بلا سلطة عالمية مجرد مُعلّم ينشر الروحانية والحب وسط الناس. لا يستخدم السلطة وإنما يستخدم الإقناع. وتدخل كلماته إلى القلوب في عمق. يدعو الناس إلى الإيمان والتوبة وإلى الملكوت، بخدمة الكلمة وليس بالأمر. بالعمل الداخلي وليس بالضغط الخارجي...
إن الله لا يحب مطلقًا، أن يتبع الإنسان طريق الخير عنوة، بل اختيارًا.
وكان هذا هو أسلوبه في العهد القديم أيضًا:
انظروا ماذا قال الرب في آخر سفر التثنية، نفس السفر الذي استخدمه سيدنا يسوع المسيح في الرد على الشيطان في التجربة على الجبل...
يقول الرب للشعب في سفر التثنية: "اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ... أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ، إِذْ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْمَعُ لِصَوْتِهِ..." (تث30: 15- 20).
إذًا الاختيار موضوع أمام الإنسان وليس السلطة. وحسب اختياره تكون المكافأة أو العقوبة.
هذا من جهة الإنسان. أما عن المُلك بالنسبة إلى السيد المسيح، فله معنى آخر:
من جهة لاهوته، هو يملك كل شيء كما قيل في المزمور: "لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا" [مز23(24): 1].
أما عن ناسوته، فقد قيل عن ملكه في المزمور:
"الرَّبَّ قَدْ مَلَكَ عَلَي خَشَبَةٍ" (مز95: 10).
على الصليب صار ملكًا، حينما اشترى الكل بدمه، فصاروا له. وفي ذلك قال الرسول: "لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ" (1كو6 :20).
وهذا ما فعله الرب في الفداء:
دفع الثمن، واستخلص الفريسة كلها من يد الشيطان الذي كان يدعى "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ" (يو16: 11).
وفي سفر الرؤيا دُعي الرب "مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ" (رؤ19: 16). ولكن بالمعنى الروحي وليس بالمعنى الذي أراده الشيطان.
وما زالت تجربة الملك تطارد المسيح حتى بعد صعوده إلى السماء وذلك في ما يسميه البعض بالمُلك الألفي.
إذ يتصورون أن المسيح سيأتي ليحكم على الأرض ألف سنة!!
بينما مُلك المسيح لا يمكن أن يكون مُلكًا أرضيًا مثل القياصرة والأباطرة! إنه رفض أن يجلس على عرش في الهيكل، فهدفه لم يكن العرش، إنما تطهير الهيكل...
إنه يريد أن يملك على القلوب. وليس أن يملك بالتيجان والعروش.
مسكين هيرودس الملك الذي ظن أن المسيح سينافسه في مُلك أرضي، لذلك قتل كل أطفال بيت لحم، من أجل وهم في قلبه لا وجود له في عالم الحقيقة...
إن السيد المسيح كان أعلى وأسمى من المُلك الأرضي. وكل ممالك الأرض ومجدها التي اهتم الشيطان بإظهارها، لم تكن لها قيمة في نظره. ولم يكن لها الإغراء الذي يراه محبو العالم وما فيه من تعظم المعيشة (1يو4: 16).
الذي أخلى ذاته من عظمة السماء، هل من المعقول أن تغريه عظمة أرضية؟!
هذا الذي جاء وديعًا ومتواضع القلب (مت11: 29). وعاش خلال فترة تجسده على الأرض "لَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (لو9: 58).
مسكين هذا الشيطان الذي يظن أن عبارة "ممالك الأرض ومجدها" يمكن أن تغري هذا الذي يقول: "كلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي" (مت11: 27). "دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ" (مت28: 18). على أننا نجد في كلمات الشيطان عبارة يحسن أن نقف عندها لنرى ما فيها من زيف... وهي:
لك أعطي هذه كلها
لك أعطي هذه كلها
الشيطان يدعي دائمًا أن في يده شيئًا يمكن أن يعطيه، وأن يغري به!
وهل حقًا كانت في يده كل ممالك الأرض ومجدها، وكان بإمكانه أن يهبها لشخص ما، أيًا كان؟!
والسيد لم يناقش معه في النقطة، كما لم يناقش سابقاتها.
من المعروف أن الشيطان يكذب. والكذب هي أحد وسائله. وقد قال عنه الرب أنه "كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ" (يو8: 44). وهو قد كذب حينما أغرى أبوينا الأولين. وهو يكذب أيضًا في ادعائه أنه سيعطي.
الشيطان لا يُعطي أبدًا وإنما يأخذ، أو يأخذ أكثر مما يُعطي!
يعد أن يُعطي ممالك الأرض ومجدها، لكي يأخذ التجرد والقناعة.
يُعطي الزنا لكي يأخذ العفة.
يُعطي متعه الجسد. وفي الواقع أنه يسلب متعه الروح.
يعدك أن يعطيك العالم، لكي يسلبك قلبك وأبديتك.
وأحيانًا لا يُعطي شيئًا على الإطلاق، وإنما كل ما يقدمه هو الأماني الكاذبة وأحلام اليقظة.
وحتى إن كان يُعطي، نحن لا نقبل أن نأخذ شيئًا من يد الشيطان.
الإنسان الروحي لا يأخذ إلا من يد الله.
ذلك لأن "كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ" (يع1: 17).
أما عطايا الشيطان فهي مرفوضة، لأنها تُضيع من يأخذها كما حدث مع لوط. فقد أخذ الأرض المعشبة، التي كانت تبدو في عينيه "كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأَرْضِ مِصْرَ" (تك13: 10). وكانت نهايتها الضياع!!
وأيضًا: الشيطان لا يُعطي مجانًا.
إنه يشترط شروطًا معينة يسلب بها الملكوت، لأنه قد حُرم من هذا الملكوت، لذلك يحسد كل المتمتعين به. وهدفه الأول هو سبي الروح وإخراجها من محبتها لله...
وفي تجربته للمسيح جاوز اللامعقول.
فقال في جرأة لا يصدقها أحد: "إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي" ! ولعله كان يعرف تمامًا أن هذا العرض مستحيل. ولكن ربما إذ استشعر الهزيمة في كل تجاربه، لم يشأ أن يخرج منها مهزومًا بدون انتقام.
فليقل ولو كلمة إهانة! والإهانة لا تصيب من يسمعها، بل هي في حقيقتها إهانة لمن يلفظها.
ولذلك انتهره الرب قائلًا: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ!" فذهب مدحورًا في خزي...
وهكذا كان الرب منتصرًا على طول الخط في كل تجارب الشيطان. وكانت كل تجربة لها الرد الحاسم من آيات الكتاب.
وأعطانا الرب قدوة صالحة في حياة الانتصار، كما قدم للآب أمثلة من البشرية الطاهرة، إذ الكل قد أخطأوا. وفي نفس الوقت أظهر للشيطان كم هو فاشل في تجاربه.
ونحن نصلي قائلين للرب:
كما هزمت الشيطان في كل تجاربه، اهزمه أيضًا في حروبه لنا.
لأننا بدونك لا نقدر أن نفعل شيئًا. وكما مجدت طبيعتنا البشرية بتجسدك وأعطيتها روح النصرة في كل تجاربك، كذلك قدنا معك في موكب نصرتك (2كو2: 14).
وكما انتهرت الشيطان فذهب، كذلك قل له أيضًا في تجاربنا:
اذهب يا شيطان...
******
الفصل السادس اذهب يا شيطان
الفصل السادس
اذهب يا شيطان
تجاوز الشيطان أقصي الحدود، حينما قال للسيد له المجد: "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي" (مت4: 9)!!
وفي هذه العبارة ادعى لنفسه السلطان أن يعطي لمن يشاء كل ممالك الأرض ومجدها. كما أنه كشف عن الكبرياء الدفينة التي في نفسه، منذ سقطته الأولى التي قال فيها: "إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللهِ... أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ" (إش14: 13، 14).
وإذ وصل بكبريائه إلى أن يقول للسيد نفسه: "إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي". كان لا بد أن يطرده الرب من قدام وجهه بعبارة: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ!".
إن الرب لم يناقشه فيما يدعيه من قدرة، وإنما طرده ليعلمنا كيف نطرد الشيطان أيضًا.
لم تكن هذه العبارة التي قالها الرب على الجبل هي الوحيدة، بل كررها أيضًا حينما تحدث عن صلبه فقال له بطرس: "حَاشَاكَ يَا رَبُّ!" فأجابه: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي..." (مت16: 22، 23). كانت فكرة الشيطان نطق بها بطرس، فانتهر الرب صاحبها، الشيطان...
*****
بل عبارة (اذهب يا شيطان). هي مبدأ روحي يقدمه لنا الرب في كل الحروب الروحية.
والرب في استخدامه هذه العبارة، لم يفعل ذلك في تجاربه فقط، بل يفعل ذلك من أجلنا نحن أيضًا في حروبنا وتجاربنا...
إنه ينتهر الشيطان الذي يحاربنا فيذهب عنا ويتركنا في هدوء.
لأنه لو أن الرب ترك الشيطان يحارب البشرية بكل حريته وبكل قوته، ما كان يخلص أحد، ولاستطاع الشيطان أن يحطم كل عمل روحي. مثلما يفك من سجنه ليضل الأمم كما قال الكتاب (رؤ20: 7).
إن الشيطان مقيد، بالعبارة التي قالها الرب: (اذهب يا شيطان).
والرب يقول له اذهب، حتى لا ينتصر الشر على الخير.
ويقول له اذهب، حينما يراه قد تجاوز حدوده، وأرهق الإنسان.
فالله يريد أن تكون حروبنا في حدود المعقول، وفي طاقة احتمالنا. وكما يقول الكتاب: "وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا" (1كو10: 13).
فإن وجد أن الشيطان قد ضغط على الإنسان بقسوة فوق احتماله، ينتهره بسرعة ويقول له: اذهب يا شيطان.
*****
وكثير من تجارب الشيطان، يمنعها الرب قبل وصولها إليك.
إنك تشكر فقط على التجارب التي تعرفها وقد نجاك الرب منها... ولكن هناك تجارب أخرى أنت لا تعرفها وقد منعها الرب من أن تصل إليك. كان الشيطان يحملها لزعزعتك. وفيما هو في الطريق قال له الرب: "اذهب يا شيطان"... اذهب بعيدًا عن هذا الإنسان ولا تضره.
ومثال ذلك ما قيل في المزمور: "وَلاَ تَدْنُو ضَرْبَةٌ مِنْ مَسكنكَ" (مز90: 10).. ومثال أيضًا ما ورد في قصة أيوب.
إذ قال الرب للشيطان في التجربة الأولى عن أيوب: "هُوَذَا كُلُّ مَا لَهُ فِي يَدِكَ، وَإِنَّمَا إِلَيهِ لاَ تَمُدَّ يَدَكَ" (أي1: 12). وفي التجربة الثانية قال له الرب: "هَا هُوَ فِي يَدِكَ، وَلكِنِ احْفَظْ نَفْسَهُ" (أي2: 6).
ولم يستطع الشيطان أن يمد يده حيث منعه الرب...
إذًا ليتنا نشكر الله على هذا الإنقاذ الذي لا نعرفه.
*****
فإن وجدت نفسك يومًا في راحة لا تجارب، ولا أفكار، ولا شهوات، ولا سقوط، ولا فتور، أعرف أن الرب قد انتهر الشيطان المحارب لك قائلًا: اذهب يا شيطان.
وحاذر من أن تنسب راحتك الروحية إلى نقاوتك وتقواك، أو إلى قوتك، فلو أن الحرب ثقلت عليك، ربما كنت تتعب جدًا.
ولكن الله من فرط محبته وحفظه، لا يشاء أن نكون على الدوام محاربين أو مهزومين، لئلا من شدة القتال يقع الإنسان في اليأس أو في الاستسلام، أو أن كَثِيرُونَ يَقُولُونَ... لَيْسَ لَهُ خَلاَصٌ بِإِلهِهِ (مز3: 2).
*****
إن الله يسمح للشيطان أن يجربنا، لكي نشعر بضعفنا.
فنتضع ونصلي ونشفق على المجربين، ولكن لا يسمح أن نيأس ونسقط.
وأحيانًا يكون الإنسان في حرب قاسية، وعلى وشك السقوط. ثم يجد نفسه قد نجا من هذه الحرب. دون أن يشعر كيف! وكما قال القديس باسيليوس عن هذه الحالة إن هذا الإنسان قد أُعين من النعمة.
فلنطمئن إذًا في حروبنا، ولا نظن أن الشيطان له قوة غير محدودة! حاشا.
*****
فقد أعطانا الرب "سُلْطَانًا عَلَى جَمِيعِ الشَّيَاطِينِ" (لو9: 1). نستطيع أن نقول للشيطان اذهب، فيذهب...
وواجبنا أن نستخدم هذا السلطان وننتهر الشيطان كلما حاربنا لا نخاف منه، ولا نستسلم له، ولا نفتح له أبوابنا، ولا نقبل التفاهم، والتفاوض معه، بل نقول له كما قال الرب: "اذهب يا شيطان".
*****
أول علاقة لنا بهذه العبارة هي جحد الشيطان في المعمودية.
حيث تحمل الأم طفلها، وتتجه نحو الغرب، وتقول للشيطان: أجحدك أيها الشيطان وكل حيلك الشريرة، وكل أفكارك الرديئة والمضلّة، وكل جيشك وكل سلطانك، وكل بقية نفاقك. أجحدك، أجحدك، أجحدك.
يا ليت كل أم تقول جحد الشيطان بكل قلبها، وتحض ابنها على الدوام بجحد الشيطان. وكلما يحارب ابنها تقول له: اذهب يا شيطان.
وليت الأب يفعل كذلك، وأيضًا جميع الأقارب والأصدقاء، كلما يجدون تجربة شديدة تحيط بعزيز لديهم، فيصرخون قائلين: اذهب يا شيطان...
هذه هي ما نسميها شفاعة الأحياء في الأحياء.
على أن جحد الشيطان ينبغي أن يبقى ثابتًا في الإنسان المعمد كل أيام حياته...
*****
والمهم أن يقول الإنسان اذهب يا شيطان، ليس بلسانه فقط، إنما من كل القلب، وبكل الإرادة، وفي حزم، وبجدية.
يستطيع أن يقول للشيطان، اذهب، ذلك القلب النقي الطاهر، الذي يرفض الشيطان وكل مغرياته، ولا يشتهي شيئًا يستطيع الشيطان أن يقدمه، فعبارة اذهب يا شيطان، إذا كانت تسندها نقاوة القلب، تصير لها قوة لا يحتملها عدو الخير.
وهذا الإنسان النقي، تكون له هيبة أمام الشيطان، لأنه ينتهر الشيطان بجدية وقوة.
ويعرف عدو الخير أنه لا مجال له إطلاقًا للتفاهم مع هذا الإنسان، وأن كل أبواب قلبه وفكره وحواسه ومشاعره مغلقة أمامه.
تمامًا كما قيل في سفر النشيد: "أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ" (نش4: 11). إن قلب هذا الإنسان الطاهر هو الذي غنى له المرتل في المزمور قائلًا: "سَبِّحي الرَّبَّ يا أورُشَليمَ، سَبِّحي إلَهَكِ يا صِهْيونَ. لأنَّهُ قَدْ قَوَّي مَغاليقَ أبْوابِكِ، وبارَكَ بَنيكِ فيكِ" (مز147: 1، 2)..
*****
على أن البعض لا يشاءون أن يقولوا للشيطان: اذهب.
إما لأن بينهم وبينه صداقه وتعاون، أو لأن في قلبهم شهوات لا يحققها لهم إلا الشيطان، أو لأن الشيطان قد قيدهم بعادات وطباع خلال عشرته الطويلة معهم...
وإن قالوا له اذهب، يقولونها في ضعف يفهمه الشيطان تمامًا ويدركه.
بل إن البعض إن ذهب عنهم الشيطان، يطلبونه قائلين: اعبر إلينا وأعنا...
هؤلاء قد دخلوا في عبودية العدو، وصاروا من جنده. هم مهزومون داخل قلوبهم. لذلك لا يمكنهم أن ينتصروا في الخارج.
بينهم وبين الشيطان عمل مشترك يحبونه ويعينهم عليه. فكيف يقولون له: اذهب؟!
يحتاج هؤلاء إلى صلوات ليتدخل الرب ويقول للشيطان: اذهب.
سواء كانت هذه الصلوات منهم، أو من محبيهم، أو من الكنيسة على الأرض، أو صلوات من الملائكة والقديسين. مثلما شفع ملاك الرب في يهوشع الكاهن وقال: لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب... أَفَلَيْسَ هذَا شُعْلَةً مُنْتَشَلَةً مِنَ النَّارِ؟" (زك3: 2).
*****
والذي يقول للشيطان اذهب، عليه أيضًا أن يتخلص من كل ما يخص الشيطان عنده.
فلا يستبقي عنده شيئًا يمكن أن يحاربه به الشيطان، ولا يستبقي علاقة يمكن أن تسقطه فيما بعد، ويبعد عن كل عشرة أيًا كان نوعها، وكما قيل للوط عند خروجه من سادوم: "اهْرُبْ لِحَيَاتِكَ. لاَ تَنْظُرْ إِلَى وَرَائِكَ، وَلاَ تَقِفْ فِي كُلِّ الدَّائِرَةِ" (تك19: 17).
وهكذا يمكن أن يقول للشيطان اذهب، ليس باللسان، إنما بالتصرف الروحي السليم.
ليبعد عنه كل من يستخدمه الشيطان لمحاربته، حتى إن أعثرته عينه أو يده (مت5: 29، 30). ويقول له اذهب عن طريق العمل الروحي، والانشغال بالصلاة والقراءة والاجتماعات والخدمة. فإن أتى الشيطان لمحاربته، يجده مشغولًا عنه جدًا، ولا وقت لديه يقضيه معه فيذهب...
ويقول له اذهب بطرد كل أفكاره.
بسرعة، بغير إبطاء، وبحزم. وكما قال الرسول: "مُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ" (2كو10: 5).
كان المسيح قويًا حينما طرد الشيطان فذهب. فاطرده إذًا بقوة المسيح العاملة فيك.
*****




