الجمال والفن وعلاقتهما بالكنيسة

أنه سؤال وجهّته إلى قداسة البابا الإذاعة العربية لمجلس كنائس الشرق الأوسط فأجاب بهذه المحاضرة التي ننشرها الآن للفائدة،
لشرح علاقة الكنيسة بالفن والأدب وطبعًا نقصد الفن في استخدامه الروحي، وفي صورته المثلى.
الله هـــو الفنان الأول:
تكفي نظرة إلى الخليقة، إلى الطبيعة، لنرى لوحة فنية رائعة، ترينا مدى محبة الله للجمال:
نظرة إلى الشمس في الأفق وقت الغروب، وانعكاس أشعتها على السحب والغيوم… ألوان الشقق، ألوان قوس قزح،
ألوان الأزهار الجميلة التي لم يكن سليمان في كل مجده يلبس كواحدة منها… كل شئ يوحي بمحبة الله للجمال…
الطبيعة كلها تحفة فنية رائعة.
أروع ما يصل إليه الفنان في الرسم أو النحت، هو أن يصل إلى صورة تحاكي الطبيعة،
فالطبيعة هي الوضع المثالي الجميل، وهي من صنع الله الذي يحب الفن…
والجمال والفن في الطبيعة، ليسا فقط في الصورة، وإنما أيضًا في الصوت.
إن الأصوات العجيبة في أغاني الطيور، وزقزقة العصافير، وخرير الماء وهدير الأمواج، وصوت الريح…
كلها في تنوعها العجيب، إنما تكون سيمفونية فنية رائعة…
بل إن حنجرة الإنسان، إنما هي آلة فنية دقيقة عجيبة في توقيعها الموسيقي.
حتى إننا في كنيستنا القبطية نفضل الموسيقى الصوتية على الموسيقى الآلية، ولا نجعل الآلة تطغي على الصوت الطبيعي، لأنه أعمق تأثيرًا…
وحينما ننظر إلى خيمة الاجتماع نرى صورة أخرى من الفن…
لقد كان الله بنفسه، هو الذي يصمم رسمها وتقسيمها، بل هو الذي كان يختار أنواع القماش وألوانها،
لكي تعطي معاني رمزية جميلة، تزيد روعة الصورة، وتدل على عمق فنها…
ويقول الكتاب أن موسى عمل كل شيء طبقًا للنموذج الذي قدمه له الله، الله الذي يراعي جمال الفن،
فلم تكن خيمة الاجتماع مجرد مكان للعبادة، إنما كانت فيها لمسات الفن…
وما يقال عن الفن في خيمة الاجتماع، يقال أيضًا عن هيكل سليمان. فالعبادة لاتمنع الفن بل تقويه…
النقوش والرسوم الجميلة، كرسوم الكاروبيم مثلًا، وكالكاروبين على تابوت العهد، واحد من هنا، وواحد من هناك…
بصالائيل الفنان، الذي أخذ موهبة من روح الله، استخدمها لكي يقدم فنه ومهارته في مكان العبادة المقدس…
ونرى الفن في العبادة في آلات الموسيقى المتعددة، التي كانت تستخدم في الهيكل،
وفي ترديد المزامير…
الدفوف، والأبواق، والصنوج، والعود، والناي، والمزمار، وذوات العشرة الأوتار، والرباب… وغيرها… مع كبار المغنيين
أمثال آساف وهيمان… بل حتى النساء مثل مريم النبيه أخت موسى التي أخذت الدف بيديها، ووقفت تغني وتقود الغناء قائلة
“الخيل وركاب الخيل، طرحهم في البحر الأحمر”… كل ذلك يدل على أهمية الغناء والموسيقى في العبادة، وفي المزامير، وفي هيكل الله…
بل الموسيقى كانت موجودة، حتى في الحرب…
صوت الأبواق والهتاف، من الجيش والشعب، كما حدث في حصار أريحا. إنها موسيقى الحرب، بأمر من الله.
بل كان هناك عيد في العهد القديم اسمه عيد الأبواق.
الموسيقى نجدها في الكنيسة أيضًا في القداسات وفي الصلوات وفي الترانيم والتسابيح…
صلواتنا في القداس، من الكهنة ومن الشمامسة، هي صلوات ملحنة منغمة، والشعب أيضًا يرد بنفس الطريقة، وتراتيلنا كلها، لها أنغامها وموسيقاها.
وكذلك التسابيح في الأبصلمودية، بل أن المزامير كانت تصلي قديمًا بألحانها، كل مزمور له لحنه الخاص. والإنجيل في الكنيسة نقرؤه باللحن.
وكذلك المزمور، وما أكثر الألحان التي لمختلف المناسبات… كل ذلك يدل على اهتمام الكنيسة بالموسيقى، كجزء من الفن الكنسي…
وإلى جوار الموسيقى كفن من الفنون الجميلة، نجد في الكنيسة أيضًا الرسم، متمثلًا في الأيقونات…
لا شك أن الكنائس قد أغنت الفن برسومها. لا تخلو كنيسة من الأيقونات تزينها، بترتيب خاص، سواء صور الملائكة أو القديسين أو رب المجد نفسه.
وهناك كنائس تعتبر تحفة في جمالها العجيب. وما أعظم الفنانين الذين تخصصوا في تجميل الكنائس…
وهذه الرسوم والصور، نستخدمها في التربية الكنسية أيضًا وهكذا ينشأ أطفالنا على تذوق الفن من صغرهم…
كل قصة من الكتاب المقدس معها صور أو مجموعة صور.
وفي المخطوطات نرى فنًا جميلًا في الحروف الهجائية.
والفنون الجميلة في كنائسنا تظهر أيضًا في العمارة والبناء.
ما أكثر النمط الفنية في البناء، الفن القبطي، والفن الباسيليكي، والفن الجوطي،
وأنواع الفن الروماني والبيزنطي… ألوان جميلة من الكاتدرائيات،
والمنارات، والقباب، والأعمدة، والعقود… مع عمارات الأديرة… كل هذا في فن جميل، أصبح مزارًا لكثيرين.
ومن أنواع الفن التي ظهرت في الكنائس، الفنون المعدنية:
مثل صلبان اليد والصدر، والأواني الكنسية، والمجامر، والحية النحاسية، والقناديل،
وأيقونات الصدر… كل ذلك بفن جميل أخاذ.
تضاف إلى ذلك أيضًا الفنون التي من الخشب…
مثل حجاب الهيكل، الايكونستاس، والمانجليات، والمقصورات، وتجليد الجدران والأعمدة بالأخشاب…
الحفر على الخشب، ونقشه بأسلوب رائع نبغت فيه الكنائس.
ومن أنواع الفن الكنسي: القصة وباقي فنون الأدب:
القصة كجزء من العظة، وكجزء من دروس مدارس الأحد، وكجزء واقعي في حياة القديسين،
وكجزء من فن التمثيليات الذي يعرض لأولادنا لتجسيم وتوضيح أحداث الكتاب والتاريخ…
بل الملابس الكهنوتية هي أيضًا قطع من الفن…
القماش نفسه يدخل فيه الفن. والنقوش التي عليه، وطريقة تطريزه وصنعه،
كلها مزينة بالفن الجميل، بل هي درس لأولادنا فيما يحمله من رموز…
أن الله لا يريد ان يكون الدين شيئًا جافًا …
فالفن يعطي الدين لونًا من الجمال ويحبب الناس إليه
الفن يمكن استخدامه في الخير كما يستخدمه المخطئون في الشر. والدين يقدم هذا الاستخدام الخير للفن…
ولقد خلق الله كل شيء جميلًا… وقيل عنه هو نفسه إنه أبرع جمالًا من بنى البشر.
وقال عن كنيسته: “ها أنت جميلة يا حبيبتي، عيناك حمامتان”…
بل المبادئ والمثل والوصايا التي وضعها الرب، لها مسحة هذا الجمال أيضًا، جمال في الروح وفي الفكر…
وملائكة الله يتصفون أيضًا بالجمال، وملكوته أيضًا كذلك…
إن شرحًا لأورشليم السمائية – كما ورد في سفر الرؤيا – يعطي فكرة عن جمال مسكن الله مع الناس…
وكيف هو مزين بكل حجر كريم: يشب وياقوت أزرق، وعقيق أبيض، وزمرد ذبابي، وزبرجد، وزمرد، واسمانجونى…
ما أجمل هذه الصورة العجيبة في ألوانها المتنوعة، وأحجارها الكريمة…
وأروع ما وصف الله به ملكوته في جماله أنه “مالم تره عين ومالم تسمع به أذن،
وما لم يخطر على قلب بشر “ما أعده الله لمحبي اسمه القدوس…
وقال لنا الكتاب عن تسبحه ال 144 ألفًا في السماء، إنها ترنيمة جديدة،
يعزفها الأطهار على قيثاراتهم، وأنه لم يستطيع أحد أن يتعلمها… إنها فن فوق المستوى.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد الثالث والأربعون) 27-10-1978



