الكمال ومعناه وحدوده

سؤال:
يقول الكتاب “كونوا كاملين، كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل”.
فما هو هذا الكمال، وكيف يصل الإنسان إليه؟ ومتى نقول عن إنسان إنه كامل؟
الجواب:
الكمال المطلق هو لله وحده، ولا يمكن أن يصل إليه إنسان، لأننا كلنا في الموازين إلى فوق.
أما الكمال الذي يصل إليه الإنسان، فهو الكمال النسبي.
أما ما يمكن أن يصل إليه من كمال، بالنسبة إلى قدراته وإمكانياته، ودرجة النعمة الممنوحة له.
وقد قال الرب من أيوب الصديق، إنه رجل كامل ومستقيم.
يتقي الله ويحيد عن الشر. وقال إنه ليس مثله في الأرض ( أيوب 1 : 1-8 ). وكان أيوب هو طبعًا كمال نسبي، وليس الكمال المطلق.
وبهذا المعني كان نوح رجلًا بارًا وكاملًا ( تكوين 6 : 9 ).
وكان يعقوب إنسانًا كاملًا ( تكوين 25 : 27 ) مع أنه كانت له بعض الضعفات.
ولكن الله يحكم على كل إنسان بالنسبة إلى إمكانياته وإلى عصره ومستواه وإلى عمل الروح معه.
وقد يكون الكمال صفة بالنسبة وصية معينة، مثلما قال السيد المسيح للشاب الغني:
إن أردت أن تكون كاملًا، أذهب بع كل مالك واعطه للفقراء ( متى 19 : 21 ).
وواجبنا أن نسعى إلى الكمال، ولكن ليس لنا أن نقول إننا وصلنا إليه.
فالكمال درجات كلما يصل الإنسان إلى واحدة منها، يجد كمالًا آخر أعلى وابعد، في انتظاره. ويكون كمن يطارد الأفق.
أنظر إلى بولس الرسول الذي صعد إلى السماء الثالثة، والذي تعب أكثر من جميع الرسل، فإنه يقول.
“لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ…
أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ” ( فيلبي 3 : 12-15 ).
فإن كان القديس بولس العظيم لا يحسب أنه قد صار كاملًا، إنما يسعي لعله بدرك، فماذا نقول نحن؟
ومع ذلك فإن بولس يقول بعد ذلك مباشرة: “فليفتكر هذا جميع الكاملين منًا”
أي جميع من يحسبون أنهم قد صاروا كاملين، أو جميع الذين يحسبهم الناس أنهم كاملون.
إن طالبًا في الابتدائية قد يأخذ الدرجة النهائية في الرياضة فيقولون إنه كامل بالنسبة إلى هذا المستوى، وقد لا يفقه شيئًا في المستوى الأعلى.
وهكذا قد يرتقي من مستوى الكمال في الابتدائية إلى مستوى الكمال في الإعدادية ثم في الثانوية ثم في الجامعة..
وكله كمال نسبي، ومع ذلك لا يحسب أنه قد صار كاملًا في الرياضيات، فهناك مستويات ما تزال أعلى منه..
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة التاسعة (العدد الثاني والأربعون) 20-10-1978



