اسمك طيب مسكوب

اسمك طيب مسكوب
نتأمل اليوم في قول عذراء النشيد للرب: “اسمك دهن مهراق، أو اسمك طيبًا مسكوب” “لذلك أحبتك العذارى. اجذبني وراءك فنجري. أدخلني الملك إلى حجاله. نبتهج ونفرح بك نذكر حبك أكثر من الخمر. بالحق يحبونك” (نش1: 3، 4).
من إعجاب الكنيسة بهذه العبارة تذكرها في رفع بخور عشية “طيب مسكوب هو اسمك القدوس. وفي كل مكان يقدمون بخورًا لاسمك القدوس وصعيدة طاهرة”.
اسم الرب له رائحة طيبة تنعش النفوس، وتنتشر في كل مكان، كما ينتشر الطيب. لذلك أحبته العذارى.
اسم الرب اسم حلو، يفرح به أولاد الله لذلك نقول له في الأبصلمودية “اسمك حلو ومبارك، في أفواه قديسيك”. ويقول له داود النبي في المزمور: “محبوب هو اسمك يارب، فهو طول النهار تلاوتي”.
أي أنه من محبتي لاسمك، أظل أردده طوال اليوم.. تمامًا مثلما يحب إنسان شخصًا ما، فيظل يتكلم عنه، ويردد اسمه في كل مناسبة، ويجد لذة في ترداد اسمه…
هذا الاسم يملأ عقله وفكره وحواسه، ولا يفارق شفتيه…
ومن حلاوة اسم الرب، نقول له “اسمك طيب مسكوب”. ويقول المزمور: “اسم الرب برج حصين. يركض إليه الصديق ويتمتع” يطلبه في كل ضيقة، ويحتمي به.
اسم الرب يرعب الشياطين، ويعطي القديسين طمأنينة…
وهكذا نرى داود النبي حينما وقف أمام جليات الجبار، قال له “أنت تأتيني بسيف ورمح، وأنا آتيك باسم رب الجنود” مجرد دخول اسم الرب، قادر أن يهزم جليات… وبنفس الوضع قال بطرس للرجل المقعد على باب الهيكل “ليس لى ذهب ولا فضة. ولكن الذي معى إياك أعطيه: باسم يسوع المسيح قم وأمش”… وباسم الرب قام ومشى، كما باسمه انتصر داود على جليات.
ونحن لذلك نستخدم اسم الرب في كل أعمالنا وحياتنا:
في الأكل، في المذاكرة، في العمل، في دخولنا وخروجنا، نبدأ كل هذا باسم الله. نضع اسم الرب في كل عمل،لكي يتبارك هذا العمل باسم الله.. وبهذا تشعر أن الله أمامك باستمرار.
اسم ربنا مخيف بالنسبة إلى الخطاة لأنه “مخيف هو الوقوع في يد الله”. لكن بالنسبة للقديسين اسم الرب محبوب.
اسمك يارب موسيقي في أذني، حلو في فمي.. هو في صلواتنا، في عبادتنا، في قراءتنا، في حياتنا اليومية…
في قصة كبريانوس الساحر، مجرد اسم يوستينه جعل الشيطان ينحل ويمشي. فكم بالأولى إذن اسم الله وتاثيره وقوته..!
اسمك طيب مسكوب، لذلك أحبتك العذارى
وعبارة (احبتك العذارى) تدل على أن الحب المذكور في سفر النشيد، هو حب إلهي وليس حبًا بشريًا أو جنسيًا.
الحب العالمي، الحب الجنسي، الحب الجسدي، تسوده الأنانية والرغبة في الإمتلاك. لذلك إذا أحبت واحدة شخصًا، قد تغار عليه جدًا، فإن رأت فتاة أخرى تحبه، تموت من الغيرة… لكن هنا في النشيد تقول له “أحبتك العذارى”… كلهم يحبونك… نفرح ونبتهج بك… ”
بالحق يحبونك” أي كل الناس يحبونك. وأنا أفرح بهذا.
حقًا أن النفس التي تحب الله، تود أن يحبه الجميع،
الإنسان الروحى يريد أن كل أحد يحب الله معه… المرأة السامرية لما تعرفت على المسيح، ذهبت تدعو الناس “تعالوا انظروا إنسانًا قال لي كل مافعلت” وملأت المدينة حديثًا عنه، وأحضرت الناس إليه… وهكذا الرسل لما أحبوا المسيح، ملأوا الدنيا كرازة باسمه.
وبولس الرسول لما عرف الرب، حاول بأسفار كثيرة وبتعب أكثر من الجميع، أن يخلص على كل حال قومًا..
وهكذا كل العذارى اللاتي أحببن الرب. فمن هن العذارى؟
العذراء هي النفس التي أحبت الرب، وليس في قلبها آخر يشغلها. اقترنت بالله وحده، وليس آخر يشغلها…
وهكذا قال بولس الرسول عن الكنيسة “خطبتكم لأقدم عذراء عفيفة للمسيح”. فأصبحت كلمة (عذراء) لقبًا للكنيسة. ولهذا أيضًا نرى أن جميع الذين ينالون الخلاص قد شبههم الرب بخمس عذارى حكيمات.
هؤلاء الخمس العذارى رمز لجميع المختارين، رجالًا ونساءًا، بتوليين ومتزوجين.
في الكنيسة العذراء يوجد إبراهيم واسحق ويعقوب، المتزوجون.
كانوا متزوجين، ولكن نفوسهم كانت عذراء… لأنها لم تعط ذاتها لآخر، لا تحب شيئًا إلى جوار الله.
النفس العذراء تحب الله من كل القلب ومن كل الفكر…
لا يوجد أحد إلى جوار الله ينافسه في قلبها، ولا توجد في داخلها محبة أخرى تتعارض مع محبة الله.
لذللك فإن كلمة (عذراء) استخدمت مجازًا في الشعر أيضًا، فقال أحدهم عن أمانيه التي لم تخطر بقلب أحد آخر:
أمان عذارى لم يجلن بخاطر وبعض أمانى القوم عذراء ثيت
القلوب العذارى هي التي تفرغت لمحبة الله وحده…
وقد يسأل البعض: أليس كل إنسان يحب أباه وأمه وأولاده وأصدقاءه وتلاميذه، نقول إنها محبة داخل محبة الله لا تتعارض معها ولاتنافسها ولا تنقصها… أحبتك العذارى، لأنها اشتمت من اسمك رائحة الطيب…
كذلك نرى أن أرواح القديسين رائحتها طيبة. قد تصعد روح إنسان فيمتلئ المكان برائحة بخور، فيشعر الناس أنها روح طاهرة… كذلك صلوات القديسين تصعد كرائحة بخور إلى الرب. والمحرقات أيضًا كانت رائحة سرور للرب… كطيب مسكوب…
فإذا كانت رائحة سرور، فكم يكون الله نفسه…
إن العروس عندما تزف إلى عريسها يضمخونها بالعطور، “كعروس مهيئة لعريسها”. وفي سفر أستير نسمع أن الملكة كانت تضمخ بالطيب والعطور مدة سنة كاملة قبل أن يقدموها للملك.
أن الجسد يعطر بالطيب. أما النفس فتتعطر بالفضائل.
أما اسم الله فإنه لا يتعطر، وإنما هو العطر ذاته. لايسكب عليه طيب، وإنما هو ذاته طيب مسكوب. كل من يدعى عليه هذا الاسم يتعطر وتنتشر رائحته.. لذلك أحبتك العذارى.. فما معنى هذه العبارة.
إن الحياة الروحية بكل تفاصيلها، تتركز في عبارة “احبتك العذارى”.. والملكوت هو نفوس عذارى، تحب الله وحده…
لا يوجد في الحياة الروحية سوى الحب… البعض يظن أن التدين في العبادة. والبعض يظن أن الحياة الروحية هي الإيمان، أو هي أعمال الرحمة، أو هي نقاوة القلب… أما أنا فأقول أن الحياة الروحية هي الحب وليس غير… “الله محبة: من يثبت في المحبة، يثبت في الله، والله فيه “.
إن كنت لم تحب الله، فأنت لا تعيش في الروح بعد…
إن شغلت يومك وليلك بالصلاة، وأنت لا تحب الله، فصلاتك ليست شيئًا. وإن ملأت الدنيا كرازة وخدمة وتعليمًا، وأنت لا تحب الله، فقد صرت نحاسًا يطن وصنجًا يرن… وإن عشت النسك وأسلمت جسدك حتى يحترق دون أن تذوق محبة الله، فأنت لست شيئًا.
الله لا يريد غير الحب فقط، من نفوس عذارى..
تقول له أحبك يارب، وأحب العالم معك “يقول لك:نفسك ليست عذراء، لأن كل من يحب العالم ليست فيه محبة الآب.
أما النفس التي تحب العالم والجسد والمادة والشيطان والذات فإنها ليست عذراء، بل هي مقترنة بخمسة أزواج… ومحبة العالم أولادًا كثيرين من شهوات متنوعة…
أمامك إذن سؤالان: هل تحب الله وهل نفسك عذراء؟ فإن لم تكن نفسك عذراء، فكيف تصير كذلك؟ تصير بقولك
أجذبنىي وراءك فنجري…أجذبني فأجري، ويجري الكل…
سوف لا أمشى وراءك بل سأجري، بكل قوتي، كما قال رسول بولس “أركضوا لـــــكي تنالوا”. وسوف لا أجري وحدي وإنما سأحضر معي لك ثلاثين وستين ومائة…
إنما المهم يارب أن تجذبني وراءك، بدلا من أن يجذبني هذا التراب الذى أخذت منه، لأنني وربما إلى التراب أعود فأجذبنى، إلى محبتـــــــــــــــــــــك وإلى خدمتك. قل لي “هلم ورائي كما قلت لبطرس و إندراوس… ولاشك أن كلمتك ستكون لها قوة عجيبة لا يستطيع أن يقاومها قلبي…
عندما قال الله لمتى “اتبعني” لم يكن ذلك مجرد أمر أو دعوة إنما كانت قوة جاذبة عجيبة شدته من مكان الجباية.
فقام وراءه يجري” كما جرى وراءه كل التلاميذ.
كلمة الرب قوية وفعالة، ومثل سيف ذي حدين، استطاعت تقطع كل الروابط التي تربطه بالعالم، فوجد نفسه قد ترك كل شيء حتى مسئولياته في مكان الجباية.
أجذبني يارب وراءك، بنعمتك، بروحك القدوس، بقوتك بملائكتك، بكل ماعندك من وسائط روحية…
وأنا سأجري كما جرى أوغسطين الذي تحول من ملحد إلى أسقف قديس، ومثل كثير من الخاطئات اللاتي تحولن مرة واحدة لا إلى تائبات وإنما إلى قديسات…
لما جذب السيد المسيح إليه التلاميذ الإثنى عشر، جروا وراءه ومعهم في أول يوم ثلاثة آلاف، ثم بعد معجزة شفاء الأعرج جذبوا خمسة آلاف، ثم أنضمت للرب جماهير من رجال ونساء. ثم إنضمت إلى الإيمان مدن وقرى. وكانت عدد الكنائس تنمو وتزداد، والرب يضم في كل يوم للكنيسة الذين يخلصون… كانت الكنيسة الأولى تجري في طريق الملكوت ،لأن الرب قد قال: وأنا إن ارتفعت أجذب إلى الجميع…




