اختبار

اختبار
حياة الإنسان على الأرض، هي كلها اختبار لإرادته، واختبار لحريته، هل يختار طريق الله أم لا…
هذا الاختبار اجتازته الملائكة كمخلوقات عاقلة حرة، وما زال الإنسان يجتازه أيضًا.
الإنسان لا يختبر في لحظة أو في فترة معينة من حياته إنما حياته كلها- حتى يوم مماته- هي فترة اختبار.
ولهذا، فإن الكتاب يقول عن الأبرار “انظروا إلى نهاية سيرتهم، فتمثلوا بإيمانهم”. لأن هناك من “بدأوا بالروح، وكملوا بالجسد”. وبدايتهم الطيبة لم تمثل اختبارًا صحيحًا لهم، وإنما عرف الاختبار بنهاية سيرتهم، لما كملوها في الإيمان.
إن لحظات في حياة الإنسان، لا يمكن أن تعبر عن حياته كلها. فبطرس الرسول في لحظة ما كان في منتهى الحماس والتمسك بالرب حتى الموت، وقال “لو أنكرك الجميع أنا لا أنكرك”. وبعدها بساعات سب ولعن وقال لا أعرف هذا الرجل!
والله قد يختبر الإنسان، بأمر بسيط، ولكن يكشف طبيعته:
إنه لم يختبر آدم وحواء بعدد كبير من الوصايا، إنما بوصية واحدة فقط، تبدو بسيطة، يمنعهم عن أكل ثمرة إحدى الأشجار. ولكن هذه الوصية الواحدة، كشف ضعف النفس البشرية، وسهولة انقيادها، وما وقعت فيه من كبرياء ومن طمع ومن عدم إيمان، ومن عصيان، ومن شهوة ومن خطايا أخرى عديدة…
يمكن إن الله يختبر الإنسان بأن يمنع عنه شيئًا ما…
ويري هل يحتمل المنع، أم يقوده المنع إلى التذمر، أو إلى العصيان، أو إلى الشك في الله ومحبته ورعايته…
هل لو صليت، ولم تستجب صلاتك، أو خيل إليك إن الله لم يستجبها، ولم يعطك ما تريد… هل تظل مع ذلك ثابتًا في محبة الله، أم تتضايق وتشك؟ إنه اختبار…
والله قد يختبرك، بأن يأخذ منك شيئًا، كالعشور مثلًا.
الله غير محتاج إلى شيء من عشورك، فهو أغنى من أن يحتاج، بل هو مصدر كل غنى.. ولكنه بطلب العشور، يختبر مدى محبتك للمال، أو محبتك للعطاء. وهل أنت أمين جهة حقوق الله أم لا؟ وهل ستلتمس حيلًا للتخلص من العشور.. وتظل تخصم منها أمورًا قد لا تدخل في نطاقها، كبعض واجباتك نحو أسرتك، وكثمن الكتب الدينية، وكبعض الإكراميات… إلخ.
هل ستدقق مع الله وتحاسبه على كل مليم، أم أنت تدفع بسخاء وبسرور، ولا تعرف مقدار ما تدفع؟
وهكذا في البكور وفي النذور.. هل تنذر، ثم ترجع وتناقش النذر، أو تحاول إبداله، أو تؤجله، أو تنساه؟
أنها ليست مسألة مال، وإنما هي اختبار للنفس من الداخل.
كذلك في الصوم مثلا: هل تصوم ثم تظل تناقش: هل الجبنة الديمكس صيامي؟ هل السمنة النباتين، هل الجيلي… صيامي.. مجرد هذه الأسئلة تدل على الأخذ بشكليات الصوم، وعدم الدخول في روحياته وعمقه، وتدل على رغبة في التخلص، مع محبة للطعام… كل هذا اختبار لنفسيتك…
الله يختبرك أيضًا بحفظ يوم الرب..
إنه لا يحتاج إلى يوم منك. والسبت قد أعطي للإنسان وليس الإنسان للسبت. وحياتك كلها للرب، وليس هذا اليوم الواحد. إنما هو اختبار لمحبتك للرب…
إن الله يختبر أمانة الإنسان بهذه الوصايا…
هل أنت أمين في دفع العشور والبكور والنذور؟ هل أنت أمين في حفظ يوم الرب؟ أم تلتمس حيلًا لكي تخرج من الوصية، وتبرر كسرك لها بتبريرات أنت أعلم الناس بزيفها!
من أكثر الناس الذين اختبرهم الرب بأخذ أشياء منهم: أيوب الصديق، وإبراهيم أبو الآباء..
أيوب: جرده الرب من كل شيء: من كل أملاكه، ومن أولاده، ومن هيبته واحترام الناس له. ثم جرده أيضًا من صحته.. أخذ منه كل شيء. ونجح أيوب في الاختبار إلى أبعد الحدود، وقال عبارته الخالدة “الرب أعطى، والرب أخذ. ليكن اسم الرب مباركًا إلى الأبد”…
وإبراهيم أبو الآباء اختبره الرب بقوله “خذ ابنك، وحيدك، الذي تحبه نفسك، اسحق، وقدمه لي محرقة على الجبل الذي أريك إياه”. اختبار صعب… ابنه، الذي رزق به في شيخوخته، ابن الموعد، حبيبه… كيف يقدمه محرقة؟ ولكن إبراهيم نجح في الاختبار، أقصي نجاح، بكر صباحًا جدًا، وأخذ الحطب والسكين وابنه اسحق معه… كانت محبته لله فوق كل المشاعر الطبيعية…
إن الله يختبر طبيعة الإنسان. ليست المسألة مجرد أوامر ونواه، إنما هي نقاوة القلب من الداخل، ومدى محبته لله…
مدي طاعته لله، ومدي تفضيله الرب على كل شيء…
فالذين يهتمون بشكلية الوصية أو حرفيتها، لم يدخلوا إلى العمق بعد. الله يختبرهم، ويكشف مدي شكليتهم وحرفيتهم…
الله يختبر الإنسان أحيانًا، بنقطة ضعف معينة فيه…
مثلما فعل مع الشاب الغني، الذي حفظ الوصايا منذ حداثته. ولكن كانت فيه نقطة ضعف معينة، هي محبة المال. فوضع الرب يده على هذه النقطة بالذات، وكشفها له، فمضى حزينا لأنه كان ذا أموال كثيرة…
وضع يده على الجرح، على الدمّل، وعلى الموضع الذي يوجع. وهكذا الله مع كل إنسان، يختبره بنقطة ضعفه بالذات، ولا يتنازل عنها… قد تقول للرب “أصوم كل يوم حتى الغروب”، فيقول لك “المهم في الشهوة الفلانية”. تقول له “سأدفع كل أموالي للفقراء… سأملأ الدنيا نشاطًا”. ولكن الرب يرد عليك: أنا لن أختبرك إلا بنقطة الشهوة هذه…
الله يختبر الإنسان أيضًا، بأن يتأخر عليه أحيانًا..
لما تأخر على التلاميذ قليلًا، صرخوا قائلين “أما تبالي أننا نهلك”. ولما تأخر على داود صرخ في المزمور “إلى متى يا رب تنساني إلى الانقضاء”. على أن هناك من يخطئون إذا تأخر الرب عليهم. مثال ذلك رفقة، التي تأخر الله عليها في مباركة يعقوب، فلجأت إلى الحكمة البشرية الخاطئة، وقدمت ليعقوب حيلة يخدع بها أباه! وسارة لما تأخر الله عليها في منحها نسلًا، لجأت إلى الحيل البشرية، بأن قدمت هاجر لإبراهيم…
وأنت ماذا يكون شعورك، إذا تأخر الرب عليك؟
هل تتعب؟ هل تيأس هل تلجأ إلى الخطية أو إلى الطرق البشرية؟ أم تعاتب الرب مثل مريم ومرثا “لو كنت ههنا لم يمت أخي”؟… لقد أعطى الرب للإنسان وعدًا بالخلاص، ولم يتم الخلاص إلا بعد آلاف السنين. ولم يكن ذلك تأخيرًا من الرب، إنما كان تدبيرًا لملء الزمان.
كلمة تأخير هي عبارة بشرية، وصحتها هي حكمة “ملء الزمان”..
إن الله لابد سيأتي، ولو في الهزيع الرابع من الليل. والله يدبر كل شيء بحكمة، في موعدها السليم. المهم أن نثق بحكمته وبمواعيده. فإذا اختبرنا الرب بالتأخير. نقول “انتظرت نفسي الرب من محرس الصبح إلى الليل”.
إيليا النبي نجح في اختبار التأخير. صلى ست مرات ولم ينزل المطر. ولم يتضايق إيليا. وصلى الصلاة السابعة، ونزل المطر…
إذا تأخر الله عليك، ربما هو يختبر صبرك وطول أناتك، ومدي ثقتك بمحبته وبمجيئه وبحكمته في اختبار المواعيد…
أحيانا أخرى يختبر الرب الإنسان، بأن يبعد قليلًا عن معونته، أو يتركه حينًا إلى التجارب والضيقات، ويري ثباته في محبته..
الكنيسة اختبرت بالاستشهاد الذي استمر مئات السنين، بعذابات في منتهى القسوة، ونجحت الكنيسة في الاختبار وثبتت في الإيمان، ولم تشك في مواعيد الله ولا في محبته. واختبرت الكنيسة أيضًا بالفكر الهرطوقي في كل شكوكه وأفكاره، ونجحت أيضًا… فلا قدر عليها السيف، ولا قدر عليها الفكر ولا الشك…
جازت الاختبار، ولم تهتز ثقتها بالله لحظة واحدة، كما أنها لم تترك الإيمان على الرغم من طوفان الدماء والعذابات.
هل أنت في كل ضيقة تمر عليك، تحب الرب لذاته، أم تحبه كمصدر الخير ومصدر للراحة، فإن أبعدهما عنك، تشك!
الضيقة اختبار. وهناك من لا يحتملها، ومن يحتملها وهو يشكو ويضج ويبكي. وهناك من يحتمل في هدوء، وفي رضى. وهناك من يفرح بالضيقة وهو أفضلهم…
الإنسان في حياته، يجوز سلسلة من الاختبارات وأنواعًا…
الإغراءات التي تعرض للإنسان، حروب الشياطين، كلها اختبارات. قد يختبرك بشيء بسيط. هل تقاوم النوم مثلًا وقت الصلاة أم لا؟ هل لو نسى الكمساري أن يقطع لك تذكرة سترضى أم تدفع؟
هذه الاختبارات التي تمر بها، تدل على نوعية قوة شخصيتك، هل أنت تثبت في الاختبارات أم لا تثبت؟
هل أنت من النوع السهل، الذي يستجيب لإشارة بسيطة يشير بها الشيطان، ولو من بعيد؟! أم أن الشيطان يتوسل إليك راكعًا، وأنت ثابت كالصخرة…
هل أنت مبني على الرمل، أم مبنى على الصخر؟
نحن نجتاز فترة اختبار على الأرض، نختبر فيها مدى محبتنا لله، ومدى طاعتنا له… يختبر الله نقاوة عنصرنا، يختبر أفكارنا وقلوبنا ونياتنا، وجديتنا في الحياة، وثباتنا في السير معه، وأمانتنا، ومواعيدنا..
إننا نختبر كل يوم، كل لحظة… نار الاختبار ستشتعل فينا، وتميز القش من الخشب من الحديد من الذهب..
ما أجمل شهادة الرب عن أيوب الصديق، إذ اختبر الرب نقاوة قلبه، فقال إنه “رجل كامل ومستقيم، يعمل الخير ويحيد عن الشر”. وما أجمل شهادة الرب نفسه عن قلب آخر قد اختبره، فقال له: كنت أمينًا في القليل، فسأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك…


