شفتاك يا عروس، تقطران شهدًا

أحدثكم اليوم عن عبارة جميلة في سفر نشيد الأناشيد هي:
“شفتاك يا عروس، تقطران شهدًا” ( نشيد الأناشيد 4 : 11 )
قالها الرب للكنيسة، وللنفس البشرية، وقدم لها مثالًا حيًا في تجسده…
كثير من الناس، متاعبهم من ألسنتهم، لذلك يفضلون الصمت:
يجعلون أمامهم قول الحكيم: “كثرة الكلام لا تخلو من معصية”، وقول يعقوب الرسول: “اللسان نار، عالم الإثم… هو شر لا يضبط، مملوء سمًا مميتًا.. يدنس الجسم كله (يع 3).
ويحب هؤلاء قول القديس أرسانيوس: “كثيرًا ما تكلمت فندمت، وأما عن سكوتي فما ندمت قط”. لذلك يرون الصمت أفضل…
حقًا إن الصمت أفضل من الكلام الرديء، حقًا إن اللسان غير المنضبط هو سم مميت. ولكن هناك كلام طيب…
ليس كل صمت فضيلة، فأحيانًا ندان على صمتنا.
وليس كل كلام خطيئه. فهناك نفس تتكلم، فيقول لها الرب: “شفتاك يا عروس تقطران شهدًا”. قال الرب أيضًا:
“بكلامك تتبرر، وبكلامك تدان… إذًا يمكن أن نتبرر بالكلام.
ولذلك قال الكتاب: “شفتا الصديق ينبوع حياة”. هناك إذًا شفاه مقدسة، تخرج منها كلمة حياة، وكلمة منفعة…
كان المسيح يتكلم، والناس يبهتون من كلامه، ويقولون: “ما سمعنا أحدًا قد تكلم مثل هذا”.. كان كلامه روحًا وحياة.
وقد قدم لنا مثالًا للكلام، إذ كانت شفتاه تقطران شهدًا. لذلك لا نعجب إن رأينا مريم أخت مرثا، تحرص أن تجلس عند قدميه، لكي تسمع وتتأمل. كانت كل كلمة تخرج من فمه، تدخل إلى قلبها، وتحرك مشاعرها وتبنيها، وتشبعها…
القديس يوحنا ذهبي الفم. منحته الكنيسة هذا اللقب، إذ كانت كلماته كالدر والجوهر، وكانت شفتاه تقطران شهدًا.
القديس أثناسيوس قيل عنه: “إن سمعت كلمة لأثناسيوس، ولم تجد ورقًا تكتبها عليه، فاكتبها على قميصك… وما أجمل اللقب الذي أعطي للقديس غريغوريوس، إنه ناطق بالإلهيات”.
وقد قدم الرب شفتيه مثالًا لنا، فقال داود عن كلامه، إنه: “أحلى من العسل وقطر الشهاد” ( المزامير 19 : 10 ).
فما هي اذًا صفات الكلام، الذي تقطر به الشفاه شهدًا؟
ألوان من شهد الكلام:
قال سليمان الحكيم: “الكلام الطيب شهد عسل، حلو للنفس” .( الأمثال 16 : 24 ).
فما هو هذا الكلام الطيب الذي يقصده؟
إنه الكلمة الرقيقة العطوفة، التي تفيض حبًا وعطفًا وحنانًا، ككلمات السيد المسيح للمرأة التي ضبطت في ذات الفعل…
وقفت المرأة أمامه ذليلة محطمة، يجرها أناس قساة، أشبعوها إهانة وتحقيرًا وتشهيرًا، وهي تنتظر مصيرها من شفتيه… فإذا بالمسيح الكلي الطهر، يصرف الرجال الذين أدانوها وأذلوها، ثم يقول لها: “وأنا أيضًا لا أدينك، اذهبي بسلام”.
لم يخجلها، لم يوبخها، لم يجرحها، لم يحكم عليها، إنما بكل عطف نشلها من الوحل ومن العار، وصرفها بسلام، وهي متعجبة من هاتين الشفتين اللتين تقطران شهدًا…
بأسلوب رقيق، شبيه بهذا، تحدث السيد مع المرأة السامرية
حدثها- وهي خاطئة- عن الماء الحي، وعن السجود بالروح والحق، وبلطف زائد اقتادها إلى الاعتراف، دون أن يريق ماء وجهها. فتركت جرتها، ونادت في المدينة: تعالوا انظروا، إنسانًا قال لي كل ما فعلت… دون أن يجرحني بكلمة.
وبنفس الرقة تحدث عن المدينة التي أغلقت أبوابها في وجهه.
قال التلميذان اللذان معه: “أتشاء يا رب أن تنزل نارًا من السماء فتحرق هذه المدينة؟” فأجابهما: لستما تعلمان من أي روح أنتما؟! ما جئت لأهلك العالم، بل لأخلص العالم”…
جئت لأرفع القلوب المنكسرة، أقوم الركب المخلعة، وأشدد الأيدي المسترخية، جئت لأنادي لليائس بالرجاء، وللخاطئ بالتوبة.
لا دينونة في فمي. إنما في فمي كلمة حب، وكلمة خلاص
هناك أشخاص كلامهم كرجم الحجارة، قسوة وعنف، وفيه اتهام ونقد وتجريح، ولكنه لا يبني، إنما تبني الكلمة الحلوة. الشفتان اللتان تقطران شهدًا، تكسبان حب الناس، وبالحب تبنيهم.
وهذا الشهد في نوع الكلام، ولهجة الكلام وروحه وأسلوبه.
† من أنواع هذه الكلمات التي تقطر شهدًا، كلمة المنفعة:
عظة الرب على الجبل، بتقديم أسمى تعاليم سمعتها البشرية وكلمات آباء البرية التي كان الناس يأتون في طلبها من أقاصي الأرض ليسمعوا كلمة منفعة. من أجلها قصد البابا ثاوفيلوس القديس أرسانيوس والقديس بفنوتيوس. وبها كتب بستان الرهبان. ومن أمثلتها أيضًا أقوال الآباء التي جمعناها في مجموعات الباترولوجيا، ومنها أيضًا أقوال المرشدين الروحيين النافعة لهداية النفس.
† ومن الكلمات التي تقطر شهدًا، كلمات البركة:
مثل البركة التي بارك بها الرب نوحًا وإبراهيم، والبركات التي وردت في سفر التثنية (ص 28)، ومثل بركة اسحق ليعقوب، وبركة يعقوب لبنيه. ومثل البركة التي تمنحها الكنيسة لأبنائها في كل قداس، في نهاية كل اجتماع.
لذلك أمرنا الكتاب قائلًا: “باركوا ولا تلعنوا”، باركوا كل أحد، حتى أعداءكم “باركوا لاعنيكم”… كل شخص يقابلك، قل له كلمه بركة، كلمة دعاء، تفرح بها قلبه، وتشعره بمحبتك، فتهتف الملائكة: “شفتاك يا عروس تقطران شهدًا”…
† والشفاه التي تقطر شهدًا تنطق بكلام مريح فيه طمأنينة وتعزية،
مثل كلمة الطبيب التي تريح المريض، وتدخل الرجاء إلى قلبه… وكلمة أب الاعتراف الذي يقدم حلًا لمشكلة، أو يريح قلب خاطئ يائس، أو يعطيه حلًا من خطاياه… ومن أمثلتها ما طلبه قائد المائة من السيد المسيح: “قل كلمة فقط… فيبرأ غلامي” كلمات التعزية المريحة تسمعها فتقول: “شفتاك يا عروس تقطران شهدًا”.
† كلمات أصحاب المواهب، هي أيضًا تقطر شهدًا…
أولئك الذين أعطاهم الرب قوات وعجائب، وائتمنهم على عطاياه… يأتي الشخص إلى واحد من هؤلاء القديسين، ويسأله قائلًا: قل إنني سأنجح. قل إن الله سيعطيني ابنًا… قل إن مشكلتي ستحل… فإن قال تمتلئ النفس فرحًا بالرجاء، متيقنة أنها ستأخذ… إنها كلمات تسعد سامعها، من شفاه تقطر شهدًا.
حنة- وهي صائمة- تصلي في الهيكل بحرارة وانسكاب ودموع، تطلب نسلًا… فظنها عالي الكاهن سكرى، وكلمها كلامًا قاسيًا، فلما شرحت له حالها، دعا لها أن يعطيها الله سؤل قلبها… فمضت من عنده فرحة… لقد أسعدتها الكلمة الطيبة، كلمة الدعاء من الكاهن العظيم، الذي عادت شفتاه تقطران شهدًا…
† الكلمة التي تقطر شهدًا، كلمة باقية خالدة. لا تنسى…
تمد جذورها في أعماق القلب، وفي أعماق النفس من الداخل، يسترجعها الإنسان بين الحين والآخر، لا ينساها. إنها تعمر قلبه، وترسخ في ذاكرته إنها كلمة حية، غير عادية، باقية…
† من الكلمات التي تقطر شهدًا أيضًا: كلمات التشجيع والمديح.
صغار النفوس، والضعفاء، والمبتدئون، والأطفال يحتاجون إلى كلمة تشجيع، تقوي معنوياتهم، وتطمئن نفوسهم، وتدفعهم إلى قدام… إن سمعوها من إنسان، يقولون: شفتاك يا عروس تقطران شهدًا… بل صدقوني حتى الكبار أيضًا، تسرهم كلمة التشجيع أو كلمة المديح، مادامت صادقة بعيدة عن الملق… إنها تفعل في النفوس مفعول السحر، وتملأ القلب حبًا ورضى…
استخدموا هذا الأسلوب باستمرار، وانظروا نتيجته…
† ومن الكلمات التي تقطر شهدًا، كلمات الدفاع:
تصور إنسانًا كل الناس ضده، يتكلمون عليه، ويتهمونه… ثم يجدك واقفًا تدافع عنه.. ماذا يكون شعوره نحوك؟ تصور طفلًا توبخه أسرته، ثم تحتضنه، وتقول فيه كلمة طيبة. إنه لا ينساها لك، ويقول: شفتاها تقطران شهدًا.
السيد المسيح دافع عن المرأة الخاطئة التي بللت قدميه بدموعها، بينما اتهمها الفريسي. ودافع عن المرأة التي سكبت على قدميه طيبًا غالي الثمن، ولامها التلاميذ، ودافع عن العشارين، وعن السامريين، وعن الأطفال، وعن الأمم… وفي دفاعه كانت شفتاه تقطران شهدًا…
† ومن الكلمات التي تقطر شهدًا: عبارات الشكر وعبارات الاعتذار.
إن الشكر دليل على التقدير، والعرفان بالجميل، وعدم نسيان الخير. وقد قال الآباء: “ليست موهبة بلا زيادة، إلا التي بلا شكر”. ونحن نبدأ صلواتنا بصلاة الشكر. فإن كان هذا مع الله الذي لا يحتاج إلى شكرنا، فكم بالأولى مع الناس.
فيما تشكر، شفتاك تقطران شهدًا، وأيضًا فيما تعتذر… لأن اعتذارك يدل على حرصك على شعور من أسأت إليه، ورغبتك في أن تطيب قلبه. ونحن بعد صلاة الشكر، نتلو المزمور الخمسين، وكله اعتذار… ليتك تجرب الاعتذار إلى كل من أسأت إليه، وحينئذ شفتاك تقطران شهدًا، أمامه وأمام الله.
† ومن الكلمات التي تقطر شهدًا، عبارات التقدير والاحترام
تكلم مع الكل باحترام، تنل محبة الكل. يرون كلامك كالشهد. تكلم باحترام مع الكبار ومع الصغار أيضًا. وقر كل من هو أكبر منك سنًا أو مقامًا، أو أكثر منك علمًا، كما توقر أباءك الروحيين والجسدانيين، وكل من يقدم خدمة لك أو لغيرك. بل إن عبارة احترام تقولها لمن هو أقل منك، تستعبد بها قلبه لك.
إن الشفاه العفة الألفاظ، التي تحترم الناس، تفيض شهدًا.
هذا الاحترام والتوقير نراه لله في صلوات التسبيح والتمجيد، تسمعها الملائكة فتقول: شفتاك يا عروس تقطران شهدًا.
† ماذا أقول أيضًا عن الكلمات التي تقطر شهدًا. أن منها:
كلمات الحب التي تدل على عاطفة صادقة، وكلمات الترحيب التي تدل على فرحك بلقاء غيرك، وكلمات النزاهة والشجاعة، وكلمات الصدق في أحرج الأوقات، وكلمات الحكمة المملوءة عمقًا، كلمات الاتضاع المملوءة حياءً…
كلها تصدر من شفاه تقطر شهدًا…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الحادي والخمسون) 23-12-1977م



