باب مفتوح في السماء

نقدم لكم اليوم بعضًا من كلمات قداسة البابا في محاضراته عن سفر الرؤيا، وبخاصة عن هاتين الآيتين:
(أ) “هأنذا قد جعلت أمامك بابًا مفتوحًا، ولا يستطيع أحد أن يغلقه”
(ب) “بعد هذا نظرت وإذا باب مفتوح في السماء ( الرؤيا 4 : 1–3 ).
(باب مفتوح في السماء)
الله واقف أمام أبواب قلوبنا المغلقة، يقرع ويقول “من يفتح لي، أدخل وأتعشى معه”. وفيما تكون أبوابنا مغلقة، يكشف لعبده يوحنا بابًا مفتوحًا في السماء! ويقول لملاك كنيسة فيلادلفيا “هوذا قد جعلت أمامك بابًا مفتوحًا”.
إنها عبارة عتاب عجيبة، يظهر بها الله أن معاملته لنا، غير معاملتنا له. فهو يفتح لنا أبواب السماء فيما يقف قارعاً أمام أبوابنا المغلقة طالبًا أن نفتح له، ولا نقسي قلوبنا:
إن بابه مفتوح أمامنا على الدوام. بصليبه أزال الحجاب الحاجز، وفتح الطريق إلى قدس الأقداس. فتح أبواب الفردوس أمام آدم، الأبواب التي أغلقت منذ خطيئته، وقال له “هوذا قد جعلت أمامك بابًا مفتوحًا.
إنها عبارة معزية، أن نرى أمامنا بابًا مفتوحًا في السماء، مهما أغلقت كل الأبواب على الأرض..
مهما ضاقت الدنيا أمامك، ومهما تعقدت السبل، وأغلق الناس قلوبهم وأحشاءهم، ودعوت وليس من مجيب، وبحثت وليس من صديق، حينئذ تتعزى بقول يوحنا الحبيب “نظرت وإذا باب مفتوح في السماء”.. إنها عبارة يقولها إنسان في ضيقة…
بل يقولها كل إنسان خاطي، وجد أبواب التوبة مغلقة أمامه:
الخطية مسيطرة عليه… حاول أن يتخلص منها مرارًا، ولم يستطع، وكاد ييأس.. طرق باب التداريب الروحية، وكل جهاد شخصي، وطرق أبواب الصوم وضبط النفس… ولم يجد طريق التوبة مفتوحًا أمامه… حينئذ يرفع هذا الخاطئ نظره إلى فوق، ويقول في رجاء “رأيت بابًا مفتوحًا في السماء” “عوني من عند الرب الذي صنع السماء والأرض”…
المهم في كل مشاكلنا، إن نرفع نظرنا إلى فوق، إلى السماء، لكي نري هذا الباب المفتوح، فنتعزى…
مشكلتنا أننا في كل ضيقاتنا، ننظر إلى المعونة الأرضية، ننظر إلى ذكائنا وحيلتنا، وإلى الذراع البشري، وإلى مساعدة الناس لنا، وإلى الظروف والإمكانيات. وبسبب هذا قد نقع في الحيرة والقلق والاضطراب. ويزول كل هذا، ونطمئن، إن رفعنا نظرنا إلى فوق، لنري الباب المفتوح في السماء…
ما أكثر الأمثلة في الكتاب، لهذا الباب المفتوح:
خذوا مثالًا لهذا، موسى وشعبه عند البحر الأحمر. نظروا وإذا البحر أمامهم، وفرعون ومركباته خلفهم، وهم محصورون بين الخطرين، ولا قوة لهم على القتال ولكن موسى رأى بابًا مفتوحًا في السماء، فقال للشعب قفوا وانظروا خلاص الرب… الرب يقاتل عنكم، وأنتم تصمتون” ( الخروج 14 : 13–14 ).
قال يوحنا الرائي “نظرت، وإذا باب مفتوح في السماء..
لاحظوا أنه رأى هذا الباب، دون إن يقرع وأن يطلب.. لم ينفتح الباب بصلواته، إنما هو مفتوح بطبيعته، بالحب الإلهي.
لم يقل “افتح لي يا رب بابًا في السماء، لأرى عرشك وجندك”. إنما الله أراه من ذاته، لكي نعرف أن عطاياه تنبع من محبته ومن إنعامه. حقًا أنه بالنسبة إلى التعابى، يقول لهم “اقرعوا يفتح لكم”. لكنه يقول للذين يحيون في الإيمان “كل هذه تزدادونها”. تأتيكم دون طلب، من الآب السماوي المحب لأولاده.
هذا الباب السماوي يفتحه الله “ولا يستطيع أحد أن يغلقه”.
كما وعد ملاك كنيسة فيلادلفيا. ذلك لأنه “يفتح ولا أحد يغلق”. إن فتح الله لك بابا، تجد كل أمورك متيسرة “لا يقف أحد في وجهك “أبواب الجحيم لا تقوى عليك”…
إذن لا تضيع وقتك منقبًا في الأرض، تحفر لك آبارًا مشققة لا تضبط ماءًا، إنما يكفي أن تضمن المعونة الإلهية، تضمن الباب السماوي المفتوح، وعندئذ يصير لك كل شيء…
والسؤال الآن هو “كيف تحتفظ بهذا الباب مفتوحًا على الدوام”
إننا حينما نغلق باب الهيكل (الحجاب)، نصلي قائلين “يا رب اجعل باب بيعتك مفتوحًا أمامنا في كل زمان، وإلى آخر الأزمان. ولا تغلق باب بيعتك في وجوهنا”. لأن هذه البيعة رمز للسماء نود أن يظل بابها مفتوحًا أمامنا “رمزًا لباب السماء المفتوح”. إن الكنيسة هي باب السماء كما قال أبونا يعقوب:
“ما أرهب هذا المكان: ما هذا إلا بيت الله، هذا باب السماء” ( تكوين 28 : 17 ). ودشن هذا المكان كنيسة للرب…
متى أظهر الله ليوحنا هذا الباب الذي في السماء؟
أظهره له وهو منفي في جزيرة بطمس، ومضطهد لأجل الكلمة
إنه يوحنا الذي قال “أنا يوحنا أخوكم وشريككم في الضيقة” فيما هو أسير ومضطهد “لا يجد على الأرض حنانًا ولا عدلًا، في موقف ربما يظن فيه شخص آخر أن الله قد تخلى عنه، وتركه إلى أيدي أعدائه يذلونه… في هذا الوقت الذي أغلقت فيه أبواب الأرض، نظر يوحنا وإذا باب مفتوح في السماء، وسمع صوتًا يقول له:
“اصعد إلى ههنا فأريك..” وأراه عرش الله…
عجيب أنت يارب! تقيم المسكين من التراب.. أنا البائس المسكين الذي لست بمستحق أن أقترب من عرش تراجان الإمبراطور، أراني صاعدًا إلى السماء لأرى عرش الله!!
نعم تعال واصعد، لأريك عرش ملك الملوك، لكي ما تتأكد أن كل أباطرة الأرض مجرد حفنة من تراب ورماد.
كيف صعد يوحنا إلى السماء؟ … هنا تقف اللغة عاجزة!
نعم كيف؟! أنا لست بمستطيع أن أجيب… أفضل إجابة هي أن أقول لا أعرف… لست أجد ألفاظًا في اللغة العربية، ولا في أية لغة أخرى تستطيع أن تعبر عن هذا المعنى… لذلك أكتفي بأن أتركه إلى تأملاتكم الروحية.
“اصعد إلى هنا” هذا أمر. كيف نفذه يوحنا؟ أو كيف نفذ في يوحنا؟ كيف صعد إلى السماء؟ وكيف دخل من هذا الباب المفتوح؟ وكيف رأى عرش الله والقوات السمائية المحيطة به؟ وكيف حول الله حزن يوحنا إلى فرح، وجهله إلى معرفة، ونفيه إلى ترقية وإنعام؟ هذا ما لا أعرفه.
ليتني أنزل قليلًا، وأسأل سؤالا في مستوي تفكيرنا:
أين أتيح ليوحنا أن يصعد إلى السماء ويرى عرش الله؟
لم يحدث ذلك في أورشليم، مدينة الملك العظيم، ولا في الهيكل، ولا في قدس الأقداس، ولا إلى جوار تابوت العهد. ليس في كل تلك الأماكن العظيمة، إنما في أرض المنفي.
حقًا، إن ملكوت الله لا يأتي بمراقبة…
أننا لا نعرف متى ولا أين يفتقدنا الله بنعمته وبروحه القدوس… لا نعرف متى تفتح السماء أبوابها، ولا متى يأتينا الصوت كبوق، أو كريح عاصف، أو كصوت مياه كثيرة.
لا نعرف. إنما المهم أن نكون مستعدين لعمل الروح فينا. نفتح نحن قلوبنا، فيفتح لنا الرب بابًا في السماء…
نصعد بأرواحنا إلى السماء، وما تزال أجسادنا على الأرض، فيصعدنا الرب إلى السماء، حتى لو بقينا ظاهريًا على الأرض… “في الجسد أم خارج الجسد، لست أعلم. الله وحده يعلم.
إن رؤيا يوحنا تحمل لنا أعظم رجاء مفرح، وهو:
أن أبواب السماء صارت مفتوحة. رآها إسطفانوس من قبل.
حينما حنق اليهود عليه ليقتلوه، يقول الكتاب “أما هو فشخص إلى السماء، وهو ممتلئ من الروح القدس. فرأى مجد الله، والرب يسوع قائمًا عن يمين الله. فقال: ها أنا أنظر السموات مفتوحة، وابن الإنسان قائمًا عن يمين الله” .
هذه السماء المفتوحة أمامنا هي أملنا الكبير الذي نسعى إليه، لكي نرى فيها مجد الله، ونبصر الرب يسوع..
رآها إسطفانوس، ورآها يوحنا الحبيب، مفتوحة، وأبصرا شيئًا من المجد العتيد، كعربون للملكوت…
والعجيب أن كليهما رآها وهو في حالة ألم، مضطهدًا ومرذولًا من الناس، لكي نفهم أن طريق هذه السماء هو الصليب “بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل الملكوت” ( أعمال الرسل 14 : 22 ).
وقبل إسطفانوس ويوحنا، أبصر السماء حزقيال النبي:
رأى عرش الله محمولا على الشاروبيم (حز 1). ورأى هذا المنظر، حينما كان ضمن المسبيين عند نهر خابور…
عجيب أن يرى هذا المنظر وهو في السبي.. كيوحنا في المنفى. بنفس الوضع، دانيال رأى شبه هذا المنظر وهو في السبي. رأى ابن الإنسان، على سحاب السماء، أمام الآب، وقد أعطي سلطانًا ومجدًا.. كما رأى أيضًا الأربعة الحيوانات (دا 8) … كانت السماء مفتوحة أيضًا أمامه…
سماء الله وعرشه رآهما يوحنا في المنفي، وإسطفانوس قبل الرجم، وحزقيال في السبي، ودانيال في السبي أيضًا…
هذه المناظر السمائية التي يسمح الله لقديسيه أن يروها في ضيقاتهم لأجل اسمه، إنما هي لون من العزاء الإلهي في الضيقة. أما المترفون في الحياة، فأخشى أن يسمعوا منه تلك العبارة المخيفة: “الحق أقول لكم إنكم قد استوفيتم أجركم”..
وأنتم أيها الأخوة، هل رأيتم هذه السماء المفتوحة؟ أم أن لكم عيونًا ولكنها لا تبصر؟! إذن متى تنقشع هذه الغشاوة عن أعيننا، حتى نرى ما يمكن أن يراه الروحيون؟!…
كأشخاص جسدانيين نحن لا نرى.. ولكن متى صرنا في الروح، مثلما كان يوحنا “في الروح في يوم الرب”، حينئذ سنرى…
طالما عيوننا مشغولة بالجسد وبالمادة وبالعالم، ومغلفة بالهيوليات، فلا يمكن أن نرى السماء مفتوحة…
أنظروا إلى الفلك الذي تغرب عن العالم، وارتفع فوق المياه التي غطت كل شيء… هذا الفلك كان يشبه السماء. وفتح نوح فيه طاقة تشبه الباب المفتوح في السماء. وخرجت من الطاقة حمامة حملت غصن الزيتون، رمزًا للسلام الإلهي في الأرض الجديدة التي باركها الرب.
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد الخمسون) 16-12-1977م




