كلمة “أنا”

أكلمكم اليوم عن خطية أتعبت العالم كله، وتسببت في عدد كبير من الخطايا. هذه هي خطية الاهتمام بالذات، والتركيز على كلمة (أنا)
كلمة “أنا”
لا يضيّع الإنسان، أكثر من ذاته…
عندما خلق الإنسان، كان يرى أن ذاته مستمدة من الله، ذاته تدين لله بوجودها، وبمواهبها، ولا تستطيع أن تحيا بعيدة عنه.
وأول مشكلة واجهت الإنسان، هي استقلال ذاته عن الله.
بحيث يتولى تدبير نفسه بنفسه، دون أن يترك لله تدبيرها..
ثم جاءت مشكلة التركيز حول الذات، بحيث أصبحت (أنا) هي كل شيء، ومن أجلها يضحي بالكل، حتى الله.
وهكذا يصبح اهتمام الإنسان كله: أنا، كرامتي، مستقبلي، علمي، شكلي. ومن أجل كلمة أنا: يضيع الله والناس، وكل علاقاته، تبقى أناه وحدها، بدون الله، وبدون الناس، وبدون القيم والمبادئ، وتضيع أناه أيضًا…
يعجبني قول بولس الرسول “لكي أحيا، لا أنا، بل المسيح الذي يحيا في”. (لا أنا) عبارة أخذناها في المعمودية.
في المعمودية نموت لكي نحيا. ندفن في المعمودية. يموت الإنسان العتيق. تموت الأنا، لكي نلبس المسيح… فهل هذا المعنى يظل عالقًا في ذاكرتنا طول الحياة؟
“أحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ”. لأنه “لي الحياة هي المسيح” وليست(أنا).
لهذا كان مبدأ الحياة في المسيح، هو إنكار الذات…
وهكذا قال الرب “من أراد أن يتبعني، فلينكر ذاته، ويحمل صليبه ويتبعني”… فما معنى إنكار الذات أو الأنا.؟
“لا أنا” تعني “لا إرادتي”.. بل إرادتك…
متى يا رب تموت إرادتي، فأحيا لا بمشيئتي، بل بمشيئتك أنت؟ لا يكون لي فكري، فأنا على فهمي لا أعتمد، بل يكون لي فكر المسيح.. ليس يا رب ما أريده أنا، بل ما تريده أنت لي.. لا أريد أن أدبر نفسي، بل تدبرها أنت… أريد أن أنسى كلمة أنا، وأفتكرك أنت، أختفي أنا لكي تظهر أنت “ينبغي أن ذاك يزيد، وإني أنا أنقص”
وأحيانا تؤخذ كلمة (أنا) بطريقة نسبية، وبنفس الخطية:
أسرتي، بلدي، قبيلتي، أولادي، أخوتي… كل ما ينتسب إليّ. وقد يقيم إنسان مشاجرة إن سمع أحدًا يتكلم عن (الصعيد) مثلًا، لأنه بلده.. كذلك مثل “أنا وأخي على ابن عمّي”، لماذا لأنه أخي، ترتبط أناه وأناي برابطة دم…!
ومن أجل كل هذا قامت مشاكل الانتقام والأخذ بالثأر…
غالبية الخلافات تحدث بين الناس من كلمة (أنا):
كل الخلافات الزوجية مثلًا، ألا تدخل فيها كلمة (أنا)؟! حقوقي، كرامتي.. من يدير البيت: أنا أم حماتي؟ من يصرف على البيت: أنا أم زوجي؟ من يملك الأثاثات؟ أنا أم هو؟؟
كيف بدأت علاقة الله بإبراهيم؟ يترك كل ما يتعلق بالانا…
“أترك أهلك وعشيرتك وأرضك وبيت أبيك، واذهب إلى الأرض التي أريك”… ستختفي كلمة (أنا) ويصبح شعبك هو شعب الله، وأرضك أرض الله، وترتبط بمذبح الله، وبيت الله…
أناك ستختفي، ولا يظهر إلا الله. إنسانك العتيق سيختفي وكل ما يتعلق به. ويبقى الله وما يتعلق به…
وموسى أيضًا تخلّى عن أناه، عن إمارته، عن غناه، عن قصره، عن نسبه كإبن ابنة فرعون، وحسب عار المسيح غنى أفضل من كل خزائن مصر.
ما الذي أتعب مرثا أخت مريم سوى كلمة (أنا)؟
كيف إني أنا أشتغل وحدي. أنا أتعب ومريم تستريح!!
أما مريم فلم تفكر في أناها، بل في المسيح وكلامه…
وما الذي أتعب الابن الأكبر، سوى كلمة (أنا)؟
أنا أخدمك سنين هذا عددها. أنا لم أتجاوز وصيتك. لم تعطني قط جديًا، لأفرح مع أصدقائي…!
حتى متاعب الإنسان وأحزانه، قد تصدر من كلمة أنا!
أنا شعري قد ابيض، والتجاعيد دخلت إلى وجهي. أنا كبرت في السن. أنا ضعفت في الصحة… ويبدأ الإنسان يرمم أناه، ويصلح أناه، ويزين أناه… أنا فقدت علاقتي مع الناس”…
الغني الغبي لم تفارقه كلمة أنا: أنا أهدم مخازني، وابني أعظم منها. وأقول لنفسي أمامك خيرات كثيرة…
وأيوب الصديق، من أتعبه غير كلمة (أنا)؟
أنا “كُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى الْبَابِ، وأهيء في الساحة مجلسي… الأُذُنَ سَمِعَتْ فَطَوَّبَتْنِي، وَالْعَيْنَ رَأَتْ فَشَهِدَتْ لِي. أنا أَنْقَذْتُ الْمِسْكِينَ الْمُسْتَغِيثَ.. لَبِسْتُ الْبِرَّ فَكَسَانِي، كَجُبَّةٍ وَعَمَامَةٍ كَانَ عَدْلِي” (أي29: 14).
والعجيب أن الإنسان قد يُدخل أناه في محيط الخدمة!!
(أنا قلت كده) لابد أني أنا الذي أوقّع على الأوراق! أريد أن تكون لي حريتي في العمل!
الحديث عن النفس: الافتخار، هو من أخطار كلمة (أنا):
إنسان يتكلم عن نفسه، أكثر مما يتكلم عن المسيح. لا يتحدث عن عمل الله فيه، وإنما عن عمله هو وبكلامه عن نفسه، يضيع أجره، وأناه تضيع أناه…!
الذين لا يفكرون إلا في أنفسهم، يصيرون أنانيين..
أما الذين نجحوا في الخدمة، فهم الذين نسوا أنفسهم واهتموا بالآخرين. تعبوا لكي يستريح غيرهم…
ضحوا بوقتهم، بصحتهم، براحتهم، لأجل غيرهم. كل واحد فيهم قال: لا أنا، بل الكنيسة، بل الخدمة، والملكوت، والإنجيل، وتوصيل الكل إلى الله، ومصالحة كل نفس مع الله… أما نفسي فقد نسيتها منذ زمان…
الذين ركزوا كل تفكيرهم في أنفسهم، ضيعوا أنفسهم أيضًا…
وما أجمل قول المسيح في هذا الأمر “من وجد نفسه يضيعها. ومن أضاع نفسه من أجلي يجدها”…
هناك أشخاص هم أعداء لأنفسهم…
فالذين من فرط محبتهم لأنفسهم، يشغلون أنفسهم بأفكار الحسد والغيرة، ويحرقون أعصابهم بذلك، إنما يهلكون أنفسهم.
ليتني أنا الذي كنت كذا. آه لو أخذت موضعه… وبهذا التفكير يعيشون في كمد وتعب وغليان داخلي مستمر.
وبنفس الوضع الذين يهلكون أنفسهم بأفكار الغضب والانتقام..
أنا يقال لي كذا؟! لابد أن أرد وأنتقم. أنا أهان؟! أنا تُجرح كرامتي بهذا الشكل؟! لابد أن أفعل وأفعل.
هذا الإنسان يضيع نفسه بالأفكار والتعب الداخلي والحصر النفسي.
أما إنكار الذات فليس فيه فقط نسيان الذات، وإنما بذلها أيضًا، إذ يضع الإنسان نفسه عن أحبائه..
ومن الاهتمام بالأنا، تبرير الذات، وما فيه من أخطاء روحية..
صعب جدًا على المهتم بأناه، أن يعترف بخطاياه…
مثال ذلك أبونا آدم الذي من أجل أناه، ضحى بحواء، واتهمها أمام الله، لكي يبرئ نفسه!
أما غير المحارَب بالأنا، فإنه مستعد في كل حين، أن يحمل خطايا غيره، وينسبها إلى نفسه، ويعاقَب من أجلها، لكي ينقذ هذا الآخر. وإذ ينقذه يصير فرحًا… كما فعل السيد المسيح…
ما أكثر ما تجلبه كلمة (أنا) من أخطاء: الكبرياء، الافتخار، المجد الباطل، تبرير الذات، الانتقام من الآخرين، الشهوات، الرغبات…
فليعطنا الرب أن ننسى ذواتنا، ونفتكره هو…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة الثامنة (العدد السابع والعشرون) 8-7-1977م



