الله هو مركز الخدمة

الله هو مركز الخدمة[1]
الخدمة فيها الشيء الكثير، لكن المهم أن يكون الله فيها – المهم أن يكون الله هو موضوع الخدمة، وهو مركز الخدمة، وهو سبب الخدمة، وهو غاية الخدمة…
لأن كثيرًا من الخدام يحدثونك عن موضوعات عديدة ما عدا الله. لا ترى الله في كلماتهم.. وفي كلماتهم لا يدخلون الله في قلبك، ولا في حبك، ولا في فكرك ولا في حياتك.
كل ما عندهم كلام ومعلومات، تزيدك معرفة، ولكنها ليست من الإلهيات. لذلك حسنًا قيل عن القديس غريغوريوس (الناطق بالإلهيات).
فهل نحن في خدمتنا ناطقون بالإلهيات؟ الخدمة تواضع من الله وليست عملًا منك.
الله يستطيع أن يحول كل العالم إلى قديسين، يستطيع أن يعمل العمل كله، بدونك وبدوني وبدون خدام. بروحه القدوس يغير القلوب، ويقود الناس إلى التوبة ولكنه من تواضعه، يشركك مع روحه القدوس في العمل، فيعمل بك ومعك.
الخدمة أيضًا هي دعوة من الله:
الله هو الذي يدعو ويختار “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ” (يو15: 16) وهو يعين “الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ” (رو8: 29). وليس أحد يأخذ هذه الخدمة من نفسه “بَلِ الْمَدْعُّوُ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا”. إذن الخدمة لا يمكن فصلها عن الله، لأنها إرسالية منه ودعوة.
الخدمة كلمة من الله يضعها على فم الخادم، لكي يوصلها للآخرين:
الله هو “المعطي كلمة للمبشرين بعظم قوة”، إنه “الناطق في الأنبياء”، لذلك يقول الرب: “لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ” (مت10: 20)، ولذلك يصلي بولس الرسول أن يعطي كلمة عند افتتاح فمه…
الخادم هو مجرد موصل جيد لكلمة الله.
يأخذ الكلمة من فم الله، ويضعها في آذان الناس وفي قلوبهم.
فإن كنت لم تأخذ من الله شيئًا، فمن الخطورة أن تتكلم، أن تملأ آذان الناس بعبارات بشرية، غير إلهية…
موسي النبي لم يكن صاحب كلام، ولكن الله كان له فمًا، كان يأخذ الكلمة من الله ويوصلها للناس.
† الخدمة قوة من الروح القدس.
الرسل لم يخدموا، إلا بعد أن ألبسوا قوة من الأعالي. روح الله الذي حل عليهم، منحهم قوة خدموا بها. روح الله هو العامل فيهم بقوته، بكلمته، بالنعمة، لذلك نجحت خدمتهم.
فإن كنت لم تنل قوة من الروح القدس، فبأية قدرة تخدم؟
لهذا كان إعداد إنسان للخدمة، معناه أن يمتلأ من روح الله.
لهذا كان شرطًا للخادم أن يكون “مَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع6: 3). وهكذا يكون عملك في تحضير الدرس هو استحضار روح الله، ليعطيك قوة، ويعطيك كلمة، ويعطي لكلمتك تأثيرًا في سامعيك، فتكون كلمة “حية وفعالة” تخترق الفكر والقلب، وتحمل قدرة على تنفيذها.
† هناك فرق بين الخدمة ومجرد التدريس:
الخادم ليس مجرد مدرس ليس إنسان ذكي، عنده معلومات، ومتبحر في القراءة، ولبق في الحديث، وتربوي متدرب على التدريس. كلا بل هو إنسان روحي، يعمل الله فيه. لذلك أقول لكم:
عندنا في التربية الكنسية مدرسون كثيرون، ولكن ليس الكل خدامًا حقيقيين..
كثيرون عندنا ممتلئون بالمعرفة، دارسون، قادرون على تفهيم التلاميذ، منظمون في كراسات تحضيرهم. ولكن ليست هذه هي الخدمة. إن هذا مجرد تعليم. فما هي الخدمة إذن؟
† الخدمة هي أن تنقل للآخرين، روح الله الذي فيك، كخادم حامل لله.
إذن لا نستطيع أن نفصل الخدمة عن الله، ما دامت الخدمة هي نقل الله من إنسان لآخر، أو هي إعطاء الناس روح الله الذي فيك…
† الخادم إنسان يوصل للناس القوة التي فيه.
لا يعطيهم مجرد مبادئ روحية، إنما روحيات تحمل القوة على تنفيذها. بكلامه يملؤهم بالرغبة المقدسة، وبالقدرة علي حياة البر تمامًا كما حدث في يوم الخمسين. عظة بطرس المملوء من الروح، لم تكن تحمل مجرد الاقتناع والتأثير إنما كانت تحمل قوة انضم بها ثلاثة آلاف إلى الإيمان.
فرق بين إنسان يعظك فيقنعك، بينما تظل إرادتك غير قادرة، وإنسان آخر يمنحك بكلامه الإقناع والقدرة ويمنحك الروح الذي فيه، الذي يقنع ويقوي.
الخادم إنسان يدخل الله معه في الخدمة.
† إنه يدخل الفصل، ويدخل الله معه. ثم يترك الله يتكلم. ويختفي هو ويظهر الله.
ويشعر التلاميذ أن الله كان معهم أثناء الدرس، وإنه هو الذي كان يكلمهم. وأنه بالدرس قد حل فيهم، وأنه حرك مشاعرهم، ومنحهم محبته. ويصيحون جميعًا:
كانت حصة فيها روح الله…
ومن أين أتي روح الله؟ من الخادم الذي يحمله…
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “الله هو مركز الخدمة”، نشر بمجلة الكرازة 2 سبتمبر1977، وهي كلمة قداسة البابا شنوده في مؤتمر الخدمة (22 أغسطس 1972م).




