بيت عنيا

بيت عنيا
من العبارات المؤثرة في قصة آلام السيد المسيح، قول الكتاب عنه:
” وخرج خارج المدينة، إلى بيت عنيا، وبات هناك” (مت 17:21).
ولعل إنسان يسأل: ما هو الشيء المؤثر في هذه العبارة؟
فنقول إن السيد المسيح قام ضده كثيرون: رؤساء الكهنة، وشيوخ الشعب، والكتبة، والفريسيون، والصدوقيون، وكثيرون غيرهم. وتآمروا عليه ليقتلوه..
ووسط هذه المؤامرات التي كانت تدبر ضده، كانت هناك قلوب مخلصة تحبه، في بيت عنيا. اذن بيت عنيا – بالنسبة الى السيد المسيح – تمثل القلوب المخلصة التي تحبه، ويرتاح اليها.
وسط المتاعب التي وجدها في مدينة أورشليم العظيمة، وجد راحته في قرية بيت عنيا. أورشليم كانت مدينة عظيمة، ولكنها كانت مملوءة بالمؤامرات، مملوءة بالصخب والضجيج وبالدسائس، وفيها القادة المتعبون. أما بيت عنيا، فكان فيها لعازر، وكان فيها مريم ومرثا.
كان المسيح يحب لعازر. وعندما مات قال عنه لتلاميذه “لعازر حبيبنا قد نام”. ولما بكى عند قبره، قال الناس “انظروا كيف كان يحبه… وكانت مريم ومرثا يحبان المسيح: تجلس مريم عند قدميه متأمله، وتخدمه الأخرى…
أورشليم الكبيرة الجبارة، لم يكن قلبها جبارا مثلها…
أورشليم مدينه الملك العظيم، طردت الملك العظيم من أمامها.
“إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله”. أورشليم التي أحسن الرب إليها، ورفض أن يحلف أحد بها، وبكى عليها في خطيئتها، أورشليم هذه لم تكن فيها القلوب المحبة..
أما بيت عنيا، فكانت صغيرة، ولكنها كانت مملوءة حباً…
أورشليم كان لها أسم مشهور، وبيت عنيا كانت بلا شهرة. ولكن الرب وجد فيها راحته. لعل هذا يذكرنا باليهود والأمم. اليهود كان لهم الآباء والأنبياء، والعهود والمواعيد…
ومع ذلك وجد الرب راحته في الأمم، وليس في اليهود.
حسن أن الله قد أبقى لنا بقية، ولم يترك نفسه بلا شاهد. ومازال له أحباء مخلصون، في بيت عنيا.
أن بيت عنيا هذه، لها أمثلة كثيرة في الكتاب المقدس:
الأرض امتلأت شراً قبل الطوفان. الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الرب، حتى أن الله ندم أنه خلق الأنسان. كل إنسان منهمك في خطيته، حتى أولاد الله “رأوا بنات الناس أنهن حسنات” وفسدوا معهن.
ووسط كل الفساد، أستطاع الرب أن يبيت في بيت عنيا، في بيت نوح البار أو أولاده…
أنهم الوحيدون الذين استقبلوا الرب في بيتهم، وهو يشعر بالغربة في كل مكان. نفس الوضع كان بالنسبة إلى سادوم التي فسدت كلها. ووجد الرب بيت عنيا عند لوط.
هناك أشخاص لا يتركون الرب مهما تركه الكل…
يشبه بيت عنيا يوسف الصديق، ويشبهها إيليا النبي، الذي قال ” وبقيت أنا وحدي” ويشبهها السبعة آلاف ركبة التي قال عنها الكتاب “لولا أن الرب أبقى لنا بقية، لشابهنا سادوم”.
هذه البقية المخلصة تحيط بالمسيح عندما يتركه الكل. الكل تركوه ماعدا هؤلاء الذين ثبتوا في محبته. لأجل هذا، ذهب المسيح إلى بيت عنيا وبات هناك.
جاع في الطريق…
إن المسيح لما هاج عليه الحاسدون وفكروا في قتله، ذهب إلى بيت عنيا. يقول الكتاب..
“وفى الصباح، اذ كان راجعاً من لمدينة، جاع” (متى 18:21)
إنني تعجبت عندما قرأت هذه العبارة… يمكن أن يجوع الإنسان بالليل، إذا كان طول النهار صائماً. ولكن ماذا عن الذي يجوع في الصباح؟
لا نفهم هذا إلا على أنه كان صائماً في اليوم السابق ومعه أيام أخرى. وقد قضى الليل ساهراً صائماً…
قيل عنه في نهاية الأربعين يوماً إنه “جاع أخيراً”
نفهم من هذا، أنه لما ذهب إلى بيت مريم ومرثا، لم يأكل هناك. أغلق على نفسه وقضى وقته في التأمل…
أو قضى الوقت ينصح هذه البقية المخلصة كيف تعيش بعد صلبه.
كانت مرثا تعد الأكل للمسيح، ولكنه في ذلك الوقت لم يكن محتاجاً إلى الأكل…
عندما يكون الانسان حزينا، ونفسه حزينة حتى الموت، لا يستطيع أن يأكل، ولو وضعوا أمامه أشهى طعام…
المسيح في ذلك الوقت، كانت أمور كثيرة تشغل في ذهنه: كيف يخلص العالم، كيف ينجيه من الخطية، كيف يبذل نفسه عن كثيرين. كيف يخلص حتى المتآمرين على قتله…
مقال لقداسة البابا شنوده الثالث – بمجلة الكرازة – السنة السابعة (العدد السابع عشر) 23-4-1976م




