مال الراعي.. ومال الكنيسة

مال الراعي.. ومال الكنيسة[1]
نحب أن نعرف رأيك “أيها القارئ العزيز”.
– ونرحب به به وننشره- لكيما نناقش معًا موضوع:
مال الراعي.. ومال الكنيسة
أن المال الذي يصل إلى يد الراعي، كله ملك الله. الناس قد أعطوه للراعي كوكيل لله: ينفقه بطريقة ترضي ضمائرهم، وتشعوهم أن الذي قدموه قد وصل إلى الله فعلًا..
كثير من الناس يفضلون أن يعطوا عشورهم ونذورهم للفقراء، إذ قد قال المسيح: “كنت جوعانا فأطعمتموني” واستطرد: ” بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ” (متى 25: 40). وهم في ذلك يفضلون أن يعطوا الفقراء شخصيًا، بأيديهم ليطمئنوا أن المال قد وصل إليهم. لأن البعض لا يطمئن- للأسقف الشديد- أن الراعي سيوصل المال للفقراء، إذ قد يعتبره ملكًا لنفسه. فقد يعتبر أن المال عندما يصل إليه شخصيًا، يكون قد وصل إلى الله.. !
فما هو الحل إذن؟.. متى نعتبر أن العشور والنذور والبكور قد وصلت إلى الله؟.. هل عندما تصل إلى أيدى الرعاة، أم عندما تصل إلى أيدى الفقراء؟..
في الواقع أن مال الله يشمل هؤلاء وأولئك وغيرهم.. ما لله يشمل رجال الإكليروس جميعًا، وكل خدام الكنيسة، والكنيسة اذتها بكل احتياجاتها من بناء وبخور وزيت وصور وخلافه. ويشمل خدمات الكنيسة كلها. ويشمل الفقراء والمحتاجين.. وليس المال خاصًا بالراعي وحده..
أن الراعي الذي يدرك أن ما يصل إلى يده من مال يجب أن ينفق على كل هؤلاء، هو الذي يأتمنه الناس على عشورهم ونذورهم. أما الذي يعتبر أن كل ما يصل إلى يده إنما يؤول إلى جيبه الخاص، فإن هذا يكون قد سلب الله حقوقه، ومن يده يطلب الرب حقوق الفقراء واحتياجات الكنيسة. ومثل هذا لا يأتمنه الناس على عطاياهم التي يقدمونها لله..
يجب أن يكون هناك خط فاصل واضح بين مال الراعي ومال الكنسة. ما هو هذا الخط الفاصل؟.. وكيف نميزه؟.. فلنتلمسه إذن في الدسقولية وقوانين الكنيسة:
ينص الباب الخامس من الدسقولية على أن الراعي “ينبغي أن ينال طعامه وكساءه بقدر الكفاف، كما يليق بالحاجة والعفاف. ولا ينال من مال بيعة الرب كأنه له رأس مال، بل بقدر، لأن الفاعل مستحق أجرته، ولا يكون مسرفًا…”.
هذا النص يعطي الرعاة الحق في أن يأخذوا من مال الكنيسة كفافهم فقط، مجرد احتياجاتهم بغير إشراف. ولا يصح أن يعتبروا مال البيعة ملكًا خاصًا لهم ويستطرد هذا الباب:
“والعشور والبكور التي تدفع للكنيسة كوصية الله، فليفرقوها كرجال الله- كوكلاء صالحين- على الأيتام والأرامل والمتضايقين والغرباء والمحتاجين، كمن يحاسبهم الله عليه”.
“أما مال الرب فلا تفرطوا فيه، ولا تأكلوه وتنفقوه على أنفسكم وحدكم.. بل تكونون مثل البقرة التي تعمل في البيدر بغير كمامة، وتأكل منه. لكن لا تأكل الكل”..
ما أجمل هذه العبارة في الدسقولية “تأكل منه، لكن لا تأكل الكل”. تأكل على قدر كفافها، وتترك الباقي كله لغيرها ليأكل معها “خادم المذبح، من المذبح يأكل”، ولكنه لا يأكل الكل. من المذبح يأكل الأسقف، ومعه يأكل الكاهن، ومعهما يأكل الشماس والأغنسطس والمرتل والقيم. ومع كل أولئك يأكل من المذبح أيضًا، الغريب والضيف، واليتيم والأرملة، والفقراء والمحتاجون.
لا يجوز مطلقًا لخادم المذبح، أن يأكل وحده من المذبح، ويترك الباقين، شركاه في الخدمة مهما قلت رتبهم، وشركاءه في جسد المسيح. لا يجوز أن يأكل من المذبح، ويكنز ويخزن في جيبه الخاص!
لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض
وهكذا تشترط قوانين الكنيسة أن يكون الراعي “جيد التدبير”. “يعرف جيدا من هم الذين في ضيقة، ويدبر ويدفع لكل واحد كما يجب”. وهكذا تقول الدسقولية (الباب 15) “.. والذي تجمعه، فرقه على الأخوة الأيتام والأرامل بعدل.. اكسوا المحتاجين وعولوهم.. ونجوا العبيد المأسورين المربوطين والمأخوذين ظلمًا والذين وقعوا في حكم لأجل السيد المسيح…”.
وتحذر القوانين من أن يعتبر الراعي مال الكنيسة ملكًا خاصًا له. فيقول القانون 29 من الكتاب الثاني للرسل “وليهتم الأسقف بأشياء الكنيسة ويدبرها، كان الله هو الرقيب عليه. ويجب أن لا يأخذ منها ربحًا له وحده، ولا أن يهب ما لله لأبناء جنسه (لأقاربه) وأن كانوا فقراء. ولا أن يتجر في الكنيسة بحجة أولئك”.
أمامنا نوعان من الإكليروس يأكلان من المذبح: أصحاب درجة الأسقفية، ثم القسوس وباقي الخدام.
أما أصحاب درجة الأسقفية، فهم حاليًا من الرهبان- الرهبان الأسكيميين- أي أعلى درجة في النساك، وهم جميعًا قد نذروا الفقر الاختياري، أي لا يملكون شيئًا، ولا يستطيعون أن يملكوا.
كل ما يصل إلى أيديهم هو ملك لله. أنهم يأكلون- بقدر كفافهم فقط- من مال البيعة. وكل ما يصل إلى أيديهم هو ملك للكنيسة. لذلك نادينا مرارًا أنهم لا يرثون، ولا يورثون، ولا يملكون شيئًا يورث. هم مجرد وكلاء على أموال إيبارشياتهم.
الأسقف كراهب نذر الفقر، ليس له مال خاص يورث. كل ماله ملك للإيبارشية. والإيبارشية لم تمت حتى تورث!
أما الكهنة المتزوجون وباقي الخدام، فلهم أسرات، يحق لهم أن يملكوا في حدود روحانية الكاهن. أنهم يأكلون من المذبح هم وعائلاتهم، ويأخذون من الكنيسة احتياجاتهم. أما باقي مال البيعة فيوزعونه خدام الكنيسة وعلى الفقراء، في ضوء روحانية الاشتراكية المسيحية.
ألا ترى معي إذن أن هذا الموضوع يحتاج إلى تكملة طويلة؟
[1] مقالة لنيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم: صفحة الرعاية – مال الراعي.. ومال الكنيسة بمجلة الكرازة: أكتوبر ونوفمبر 1966




