يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي (نش1: 7)

يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي (نش1: 7)
تأملات في سفر نشيد الانشاد
الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله … أما الجسدانيون فيحتاجون في قراءته إلى مرشد، لئلا يسيئوا فهمه، ويخرجوا من معناه السامي إلى معان عالمية…
نتأمل اليوم في قول النشيد “فِي اللَّيْلِ عَلَى فِرَاشِي طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. طَلَبْتُهُ فَمَا وَجَدْتُهُ. إِنِّي أَقُومُ وَأَطُوفُ فِي الْمَدِينَةِ، فِي الأَسْوَاقِ وَفِي الشَّوَارِعِ، أَطْلُبُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي. وَجَدَنِي الْحَرَسُ الطَّائِفُ فِي الْمَدِينَةِ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي؟” (نش3: 1-3).
ويهمني هنا هذه العبارة التي تكررت مرات، وهي:
يا من تحبه نفسي (نش1:7)
إنه الله هو الذي تحبة النفس، لأن الكتاب يقول “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ” (تث6: 5). مسكين الإنسان الذي يعلق قلبه بشخص غير الله… لا شك أنه يتعب.
الله هو الكائن الوحيد، الذي إن أحببته، تجده معك في كل حين، في كل مكان، في كل مناسبة. فلا تشعر بالغربة عنه أو بالانفصال عنه في أي وقت…
أما أي شخص آخر تحبه. فمن الجائز أن تنفصل عنه، بالسفر، بالموت، بالأحداث… يفصلكما المكان أو الزمان…
كذلك يتميز الرب عن جميع المحبين، بالإخلاص الكامل الحقيقي.
كثير من الناس لا تثبت محبتهم. قد يتغيرون، أو يخونون، أو تبرد محبتهم، أو يصدقون الأقاويل، أو تؤثر عليهم العوامل الخارجية. ينطبق عليهم ما قاله الرب لملاك كنيسة أفسس ” عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى” (رؤ2: 4). أما الله فثابت في محبته، حتى لو تغيرنا نحن…
نقطة أخرى تميز محبة الله عن محبة الناس، وهي:
أن محبة الله محبة روحية، فيها يرتفع الإنسان إلى الله ويسمو.
إنها محبة مقدسة، تهدف إلى خلاص نفس الإنسان وإلى نقاوته، وفيها نرى الله دائمًا يعطي.
تقول العذراء في النشيد “يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي” (نش1: 7) … وهي تقصد المحبة التي تملأ كل القلب والفكر والنفس والعاطفة. والإحساس.
ولكن ليس معنى هذا أننا نحب الله فقط، ولا نحب الناس. كلا، بل نحبهم المحبة التي لا تتعارض مع محبة الله، ولا تزيد على محبتنا لله، ولا تشغلنا عن محبة الله.
القلب الطاهر هو الذي يحب جميع الناس، دون أن تنقص محبته لله. لأن محبته لجميع الناس هي جزء من محبته لله. محبة فيها وليست محبة إلى جوارها، نحبهم لأنه يحبهم، ولأن فينا يعمل الحب الذي هو الله.
سعيد هو الإنسان الذي ينادي الله دائما. بعبارة ” يَا مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي” دون أن يبكته ضميره على أنه خان هذه المحبة في شيء…
اسأل إذن نفسك: هل محبة الله هي الغالبة في حياتك؟ هي المسيطرة على كل محبة أخرى؟ هل هي القائدة لكل تصرفاتك وكل أفكارك وكل أحاسيسك وكل معاملاتك؟
إن لم يكن الله هو الوحيد في قلبك، فعلى الأقل هل هو الأول في قلبك؟ هل هو الأساس لكل محبة أخرى؟
هل أنت تحب الله كما يحبك؟ هل محبتك له فيها لون من البذل؟
“فِي اللَّيْلِ… طَلَبْتُ مَنْ تُحِبُّهُ نَفْسِي” فماذا تقصد بالليل؟
قد يكون المقصود هو الليل نفسه، كما قال مار إسحق “إن الليل مفروز لعمل الصلاة”. الليل، في هدوئه، وبعده عن المشغوليات وعن الضجيج. في السكون، حيث الكل نائم، والنفس مختلية بالله. كما قال المزمور ” في اللَّيالي. ارْفَعوا أيْديَكُم إلَي القُدسِ، وبارِكوا الرَّبَّ” (مز134: 2، 3) …
وقد تكون لليل معان أعمق، نؤجلها إلى العدد المقبل بمشيئة الرب.



