نبذة الآباء السواح

| الكتاب | نبذة الآباء السواح – Anchorites (Hermits) |
| المؤلف | مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث |
| الطبعة | 1996م |
| رقم الإيداع بدار الكتب | 10568/ 1996 |
قداسة البابا شنوده الثالث في سطور
1- وُلِدَ في 3 أغسطس 1923م، باسم نظير جيد روفائيل. في قرية سَلاَّم بأسيوط.
2- حصل على ليسانس الآداب - قسم التاريخ - من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول (جامع
3- التحق بالقوات المسلحة - مدرسة المشاة - وكان أول الخريجين من الضباط الاحتياط سنة 1947م.
4- تخرَّج في الكلية الإكليريكية "القسم المسائي" سنة 1949م، وكان الأول على الخريجين - فعُيِّنِ مُدرّسًا فيها.
5- عمِلَ مُدَرِسًا للغة الإنجليزية والعربية، في إحدى المدارس الأجنبية.
6- أتقَنَ الشعر منذ عام 1939م، وكتب كثيرًا من القصائد الشعرية.
7- في سنة 1949م: تَكَرَّسَ للخدمة في الكلية الإكليريكية وبيت مدارس الأحد في روض الفرج بشبرا، وتولى رئاسة تحرير مجلة مدارس الأحد.
8- صار راهبًا في دير العذراء الشهير بالسريان في 18 يوليو 1954م.
9- تمت سيامته بيد البابا كيرلس السادس، أول أسقف للتعليم والكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، باسم الأنبا شنوده في 30 سبتمبر 1962م.
10- بدأ الاجتماعات الروحية التعليمية منذ سنة 1962م، واستمر فيها حتى نياحته سنة 2012م.
11- أصدر مجلة الكرازة في يناير 1965م، واستمر في تحريرها حتى نياحته سنة 2012م (واستمرّ قداسة البابا المُعَظَّمْ تواضروس الثاني في إصدارها).
12- اختارته السماء بالقرعة الهيكلية وتمَّ تجليسه البابا الـ 117 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 14 نوڤمبر 1971م.
13- نَمَتْ الكنيسة القبطية في عهده، داخل مصر وخارجها؛ في كل قارات العالم: أفريقيا
وآسيا وأوروبا وأستراليا والأمريكتين: الشمالية والجنوبية
14- حصل على تسع شهادات دكتوراه فخرية من كبرى جامعات أمريكا وأوروبا.
15- امتدت الكلية الإكليريكية في عهده، وأصبح لها 16 فرعًا في مصر وخارجها.
16- حصل على العديد من الجوائز مثل؛ جائزة أفضل واعظ ومعلم للدين المسيحي في العالم 1978م من مؤسسة Browning الأمريكية، وجائزة أوجوسبورج الألمانية للسلام. كما حصل على وسام الصليب الأكبر للقديس أغناطيوس من الكنيسة السريانية.
17- كتب أكثر من 150 كتابًا ونبذة في كثير من المجالات الكتابية والروحية، واللاهوتية والعقائدية وفي الخدمة والرعاية والتربية.
17- قامَ بسيامة بطريركين لكنيسة إريتريا و5 مطارنة و112 أسقفًا وأكثر من 2000 كاهن و1000 راهب.
18- قامَ برحلات رعوية ورسمية لكثير من بلدان العالم، وصلت إلى 104 رحلة.. فمثلاً زار الولايات المتحدة (57 زيارة)، والمملكة المتحدة (31 زيارة) وغيرها.
19- أحضر إلى مصر رفات القديس أثناسيوس الرسولي البطريرك الـ 20، في 10 مايو 1973م.
20- اهتم بخدمة المرأة؛ وقام بتشكيل لجنة المرأة، وسمح للمرأة بالدراسة بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية، وقام بتعيينها مدرسًا بالكلية الإكليريكية والمعاهد الدينية لتدريس علم اللاهوت، وسمح لها بعضوية المجلس الملي، وعضوية مجالس الكنائس.
21- جلس قداسة البابا شنوده الثالث على الكرسي المرقسي لمدة 40 سنة، و4 أشهر، و3 أيام، وبهذا يعتبر سابع الباباوات من حيث طول مدة الجلوس على الكرسي المرقسي. عاش 88 سنة و7 أشهر، و14 يوم.
22- رقد في الرب في 17 مارس سنة 2012م، وكانت جنازة قداسته مهيبة وعظيمة، حضرها أكثر من اثنين ونصف مليون شخص. نيحَ الله نفسه في فردوس النعيم، ونَفَّعْنا بصلواته.
الآباء السواح Anchorites (Hermits)
مِن عظمَة السُوّاح
لما عاد القديس مكاريوس إلى ديره، بعد رؤيته اثنين من السواح في البرية قال لتلاميذه:
أنا لست راهبًا، لكنني رأيت رهبانًا!
مقدمَة
مقدمَة
السائح يمثل حياة إنسان مات كلية عن العالم، لكي يحيا في الله، والله فيه. ترك كل متع الحياة الدنيا ليصير الله هو متعته الوحيدة.
من ذا الذي يستطيع أن يكتب سيرة سائح، أو يتعرف على يوم واحد من حياته. إننا نطوف فقط حول الإطار الخارجي لحياته: كيف بدأ السياحة؟ ومن رآه وكتب عنه. أما روحياته وعشرته بالله، فهي قدس أقداس. ناجيته مرة وأنا في مغارتي في الجبل سنة 1960م فقلت:
كُلُّ ما حولك صمتٌ وسكونْ إنَّ في صمتك سرًّا لن يرى | وهدوءٌ يكشف السرَّ المصونْ قدس أقـــداســـــه إلا الصــــامتـون |
ومن ذلك الحين قرأت المخطوطات التي تحوي سير السواح.
وهي من مكتبة دير السريان العامر تحت أرقام 391 ميامر، 396 ميامر، 399 ميامر، 380 ميامر، وكتاب الأربعين خبرًا تحت رقم 383 ميامر. كما قرأت ما كتبه القديس جيروم، وبعض آباء آخرين، وكتاب السنكسار، وكتبًا أخرى.
ولم أشأ أن أسرد السير واحدة واحدة كما هي. إنما أردت أن أستخرج منها بعض معلومات تعطي صورة عامة عن السواح.
وإذ أُقدّم هذا الكتاب للقارئ العزيز، إنما أضع أمامه فكرة مبسطة عن حياة أشخاص عاشوا كالملائكة. والكنيسة المقدسة تكرمهم كثيرًا. وقد بُنيت كنائس عديدة على أسماء البعض منهم.
غالبيتهم بدأوا حياتهم كرهبان. والبعض ذهبوا إلى السياحة مباشرة، كالقديس الأنبا بولا، والقديسة مريم القبطية.
والآن أترك هذه الصفحات تحدثك عن شيء من قصصهم.
البابا شنوده الثالث
من هُم السواح؟
من هُم السواح؟
يظن البعض أن الآباء السواح هم أرواح تطير من مكان إلى آخر!! إذ يدخلون الكنائس وهي مغلقة، ليصلوا فيها دون أن يراهم أحد!! والحقيقة غير ذلك.
فمن هم السواح إذًا؟!
« هم بشر مثلنا يأكلون ويشربون، وقد يمرضون ويشعرون بألم وأوجاع الجسد.
« لكنهم نُساك على درجة عميقة في الصوم.
« عاشوا في البرية الجوانية، بعيدًا جدًا، في أماكن لا يعرفها أحد... ومرت على البعض منهم عشرات السنوات، لا يرى فيها وجه إنسان.
« بعضهم كان تائهًا في البراري، لا يعرف أين هو.
« في آخر حياة السواح الذين نعرفهم، أرسل الله لكل واحد منهم من يلتقي به، ويعرف منه سيرته، ويكتبها ويقدمها إلى الكنيسة. وغالبًا كان ذلك اللقاء في آخر حياة السائح الناسك، حيث يكفنه ويدفنه القديس الذي سمح له الله أن يلتقي به.
هم بشر لهم أجساد تأكل وتشرب، وقد تمرض.
نسمع عن الأنبا بولا أول السواح أنه كان يأكل كل يوم نصف خبزة يحضرها له الغراب. ونسمع عن القديس أبو نفر السائح أنه كانت له نخلة تطرح له بلحًا يأكل منه. ونسمع عن الأنبا بيجيمي السائح وأنبا موسى السائح أنهما كانا يأكلان من أعشاب الجبل. كما كان كل هؤلاء يشربون من ينابيع أو آبار في الجبال.
إذًا لا بد أن السواح لهم أجساد مثلنا تأكل وتشرب، وبالتالي تجوع وتعطش.
ونسمع أيضًا عن الأنبا تيموثاوس السائح أنه مرض مرضًا من قرحة أصابته في كبده، شفاه منها ملاك الله. وفي نهاية حياة آبا نفر نقرأ أنه أصابته حمى واحمّر جسمه.
لا صحة إذًا لأن يُقال إن السواح مجرد أرواح.
أشهر السواح
أشهر السواح
السواح كثيرون، نذكر من بينهم سواحًا ذكروا في السنكسار:
- الأنبا بولا السائح... وتعيد له الكنيسة في 2 أمشير.
- أبا نفر السائح... وتعيد له الكنيسة في 16 بؤونة.
- أنبا كاراس السائح... وتعيد له الكنيسة في 8 أبيب.
- أنبا بيجيمي السائح... وتعيد له الكنيسة في 11 كيهك.
- أنبا ميصائيل السائح... وتعيد له الكنيسة في 13 كيهك.
- أنبا هرمينا السائح... وتعيد له الكنيسة في 2 كيهك.
- أنبا هدرا السائح الأسواني... وتعيد له الكنيسة في 12 كيهك.
- أنبا أولاغي السائح... وتعيد له الكنيسة في 10 أبيب.
- أنبا إيليا السائح... وتعيد له الكنيسة في 17 كيهك.
- أنبا تيموثاوس السائح... وتعيد له الكنيسة في 23 كيهك.
- أنبا بسنتاؤس السائح... وتعيد له الكنيسة في 7 مسري.
- أنبا لاتصون السائح... وتعيد له الكنيسة في 16 بؤونة.
- القديسة مريم القبطية السائحة... وتعيد لها الكنيسة في 6 برمودة.
وهناك سواح آخرون منهم:
أنبا غاليون السائح أنبا بالامون السائح.
أنبا يوساب السائح أنبا حزقيال السائح.
أنبا قرياقص السائح أنبا سيلاس السائح.
القديسة أنا سيموس الملكة السائحة.
سائحان رآهما القديس مقاريوس الكبير.
أربعة سواح رآهم القديس أبا مقار الكاتب.
سواح رآهم القديس الأنبا بقطر الكاتب.
سواح رآهم أنبا ببنوده في رحلته للقاء أبا نفر السائح.
سواح آخرون لا نعرفهم، وسواح ليست لهم أسماء مشهورة.
« البعض من كاتبي سير السواح أطلق عليهم لقب سواح مثل:
أنبا ببنوده السائح الذي التقى بأنبا نوفر السائح.
أنبا زوسيما السائح الذي التقى بالقديسة مريم القبطية السائحة.
الرحلة إليهم
الرحلة إليهم
سنختار بعض الرحلات لنكشف عن:
1- بُعد المسافة التي قطعها الآباء القديسون في الوصول إلى السواح، مما يدل على سكناهم في البرية الجوانية.
2- التدبير الإلهي في اللقاء مع القديس السائح.
3- الكشف الإلهي الذي تمتع به السائح في معرفة القديس الذي أرسله الله لزيارته.
« وسنبدأ بلقاء القديس الأنبا ببنوده بأبا نفر السائح.
« ثم لقاء القديس الأنبا بموا بالأنبا كاراس السائح.
قال القديس الأنبا ببنوده:
في رحلته للقاء القديس أبا نفر السائح:
إنني فكرت في نفسي أن أدخل إلى البرية الجوانية، لأنظر الأخوة الرهبان السواح عبيد المسيح إلهنا له المجد.
فمشيت فيها أربعة أيام بلياليها، لم آكل ولم أشرب ماء، فلم أر فيها أحدًا.
وكنْت قد أخذت معي يسيرًا من الخبز والماء مقدار ما يكفيني أيامًا، فمشيت أربعة أيام أُخر، فلم أر أحدًا.
وفرغ الخبز والماء الذي كان معي، فتضيقت نفسي وأيقنت الموت. ثم شجعت نفسي وقويتها، ومشيت أيامًا أخرى لم آكل خلالها ولم أشرب. فاشتد بي تعب المشي والجوع والعطش الشديد. وسقطت قوّتي، وكادت روحي تخرج من جسدي. وبقيت ملقى على الأرض مثل الهالك، لا أستطيع الحركة.
ثم أنني بعد ذلك رأيت شخصًا، دنا منى ولمس شفتي، فعادت إليَّ قوتي، وعاشت روحي، وزال عني التعب والجوع والعطش. فما رأيت هذه الأعجوبة العظيمة التي أنعم الله علىّ بها، نهضت للوقت، وقصدت داخل البرية. فمشيت أربعة أيام أخرى، فتعبت أيضًا وضعفت قوتي، فرفعت يديّ وصليت إلى الرب. فرأيت ذلك الشخص الذي كنت قد رأيته أولًا. فدنا منى ولمس شفتيّ وجسمي كله، وقواني أكثر من المرة الأولى. فقويت ونهضت قائمًا، ومشيت سبعة عشر يومًا أخرى في تلك البرية.
فرأيت من بعيد إنسانًا مخوفًا بشع المنظر جدًا، وهو عريان، ولا لباس عليه، وشعره قد كسا جسمه كالثوب، وهو مؤتزر بعشب البرية. فلما دنا منى خفت منه. وطلعت إلى قرنة جبل عال، لأنني ظننت أنه من سباع الجبل. فألقى بنفسه تحت الجبل الذي لجأت أنا إليه، ثم رفع وجهه وقال لي: "انزل يا أخي القديس ببنوده، ولا تخف فأنا إنسان مثلك متوحد في هذه البرية من أجل الله".
فتعجبت من معرفته لاسمي، وعلمت أنه ممتلئ من الروح القدس الذي أطلعه على اسمي. فنزلت إليه، وسقطت بوجهي بين يديه، وخررت له ساجدًا على الأرض. فقال لي: "قم يا ولدى، لأني عبد لله مثلك". فقمت وجلسْت بين يديه.
وسألته عن اسمه وحاله. فقال لي: "اسمي نفر. ولى اليوم في هذه البرية ستون سنة منفردًا في هذا الجبل لأجل الله ليلًا ونهارًا كالوحش ومع الوحوش، وأكل من عشب البرية ومن التمر. ولم أنظر منذ صرت إلى ههنا وجه إنسان إلا وجهك اليوم".
****
قال القديس الأنبا بموا:
عن رحلته للقاء الأنبا كاراس السائح:
"خرجت من كنيستي ومشيت داخل البرية فرحًا ومبتهجًا وكنت أرتل وحدي ولا أدري أين أمضي. ومشيت اليوم الأول والثاني، وفي اليوم الثالث وصلت إلى مغارة، وبابها مسدود بحجر. وإنني قرعت الباب وقلت: "بارك عليَّ يا أبي القديس" وللوقت جاوبني إنسان قائلًا لي: "حسنًا قدومك إليَّ اليوم يا محب الله أنبا بموا، الذي استحق أن يكفن جسد القديسة إيلارية ابنة الملك زينون... ادخل، سلام الرب يكون معك".. وإنني دخلت. فقام، وقبّل كل منا الآخر، وجلسنا نتحدث بعظائم الله".
وإنني قلت له: "يا أبي أترى في هذا الجبل قديس آخر يشبهك". فتنهد ثم أجابني: "في البرية الداخلية قديس، الحق أقول لك إن العالم كله لا يستحق وطأة أقدامه" فقلت له وما هو اسمه؟ فقال: "أنبا كاراس".
فقلت له: "يا أبى القديس ما اسمك وكم لك من السنين منذ أن أتيت إلى هذا المكان وسكنت هذه المغارة، وبماذا تعيش؟ فقال: "اسمي سمعان القلاع. ولي اليوم في هذه البرية ستون سنة، وأقتات في كل سبت بخبزة واحدة أجدها ملقاة على الحجر الذي هو خارج هذه المغارة، فتكفيني من السبت إلى السبت".
وإنني تباركت منه، ومشيت في البرية ثلاثة أيام أخرى، فوصلت إلى مغارة، قرعت بابها وقلت: "بارك عليَّ يا أبي القديس". فجاءني صوت مملوء بهجة قائلًا: "حسنًا قدومك إليَّ اليوم يا قديس الله أنبا بموا. ادخل سلام الله يكون معك". وإنني عبرت إليه، وقبلنا بعضنا بعضًا. وتباركت منه وجلسنا نتحدث بعظائم الله. ثم إنني قلت له: "يا أبي القديس أترى في هذه البرية قديس آخر نظيرك" فتنهد وقرع صدره، وقال: "الويل لي يا أبي... داخل مني قديس، العالم بأسره لا يستحق منه وطأة قدم وبصلواته يبطل الغضب الذي يأتي على العالم من إله السماء".
وإنني قلت له: "لعلك أبا كاراس". فقال لي: "ومن هو أنا الترابي حتى أكون أبا كاراس الذي هو صديق لملائكة الله؟"، فقلت له: "وما هو اسمك، وكم لك من السنين منذ سكنت هذه البرية. وكيف تعيش في هذا الموضع؟"، فقال: "اسمي بامون، ولي في هذا الوضع تسعة وستون سنة، وحياتي وقوت جسدي من نخلة تطرح وآكل منها".
وإنني تباركت منه وقلت صلِ عليَّ يا أبي القديس. فقال لي: "إله المجد يسهل خطواتك ويرسل ملاكه ليحفظك في جميع طرقك". فخرجت من المغارة وسمعت صوتًا عظيمًا، فأغلقت عيني ولم أعلم ماذا يكون. وبعد ساعة فتحت عيني، فوجدت ذاتي على باب مغارة، قرعته وقلت، بارك عليَّ يا أبي القديس، وللوقت تكلم معي قائلًا: "حسنًا قدومك إليَّ اليوم يا رجل الله أنبا بموا، يا من استحق أن يكفن جسد القديسة إيلارية ابنة الملك زينون البار. ادخل سلام الله يكون معك".
وإنني دخلت وسلمت عليه وأخذت منه البركة ونظرت إليه فإذا هو إنسان حلو العينين، وشعر رأسه ولحيته أبيض كمثل الثلج، ونعمة الله حالة على وجهه. فلما جلست معه وتحدثنا عن عظائم الله رأيته وقد رفع عينه نحو السماء وشهق متنهدًا، وقال: "لقد هوى نجم الآن، كوكب عظيم ترك عالمنا، هو الأنبا شنوده الأرشيمندريت رئيس المتوحدين بصعيد مصر"... وكان ذلك في اليوم السابع من شهر أبيب.. فجعلت الاسم والتاريخ والوقت في ذهني... وصرت متعجبًا...
ثم سألته عن اسمه فقال: "اسمي أنا الحقير كاراس. فقلت له كم لك في هذه البرية؟ فقال لي سبعة وخمسون سنة، وقطعت الأيام كلها وأنا منتظر هذا اليوم، فقد حضرت لي وأحضرت موتي معك".
كيف خرجوا للسياحة؟ - الأنبا بولا
كيف خرجوا للسياحة؟
الأنبا بولا
قصة دخول الأنبا بولا إلى السياحة:
هو أول السواح. لم تكن في أيامه أديرة ولا رهبان. قيل إن أخاه أو أحد أقاربه ظلمه في الميراث، فذهب ليقاضيه. وفي الطريق نظر ميتًا محمولًا على نعش... وتأثر مما سمعه من المشيعين. فزهد المال والميراث والعالم كله. وسار على قدميه حتى وجد مقبرة في غرب المدينة، وأقام هناك ثلاثة أيام مصليًا ليرشده الله.
وأرسل الله له ملاكًا حمله إلى مكان وحدته، حيث كانت هناك عين ماء حلو. وكان غراب يعوله بنصف خبزة يأكلها كل يوم.
أبا نُفر
أبا نُفر
أما عن القديس أبا نفر السائح فقد قال:
أول أمري أنني كنت مع جماعة من الرهبان في دير بريده.
وكنا كلنا قلبًا واحدًا. وكان عددنا مائة وأربعة راهبًا، نأكل في موضع واحد مرة واحدة في كل يوم، وسلام الرب بيننا ومعنا، ونحن ممجدون لله ربنا. وكنت أنا شابًا أتعلم خدمة الله وعبادته من قوم قديسين مثل ملائكة الله قد استمروا في عبادتهم.
ثم إنني سمعتهم ذات يوم يمدحون السواح السكان في البراري ويقولون إنهم يخاطبون الله فمًا لفم مثل إيليا ويوحنا المعمدان الذي قال الرب يسوع عنه إنه لم تلد النساء أفضل منه (مت11: 11)، وأنه أقام في البرية ثلاثين سنة إلى أن ظهر لإسرائيل (لو1: 8).
فتعجبت أنا من ذلك وقلت لهم: "يا آبائي القديسين، هل يوجد في البرية من يكون أفضل منكم عند الله، على الرغم من هذا التعب، وهذا الحرص العظيم، وهذا العمل الروحي الذي تعملونه؟!".
فأجابني أحدهم: "نعم يا ولدي، هناك قوم منتخبون أبرار عند الله أكثر منا بكثير. لأننا نحن ههنا مجتمعون نؤنس بعضنا بعضًا. ونتحدث كل يوم بعظائم الله، ونصلي بفرح. وإذا جعنا نأكل ما قد أعدّ لنا بسرعة، وإذا عطشنا وجدنا الماء نشربه للوقت. وإذا ضعفنا أو مرضنا، وجدنا من يخدمنا ومن يزورنا ويعزي خاطرنا. وإذا ورد على قلوبنا فكر رديء، وجدنا من يسلينا بكلام الله، وإذا اشتهينا شهوة من طعام هذه الدنيا، وطلبناه من القوم الأخيار المحبين للرهبان يعطونه لنا فنأكله...
"أما السواح الذين في البرية، فإنهم عديمو هذا كله: إذا ضجروا، فإنهم لا يجدون ما يسليهم، ولا من يكلمهم بكلام الله. وإذا جاعوا لا يجدون ما يأكلونه، وإذا عطشوا لا يجدون ما يشربونه. وإذا مرضوا، لا يجدون من يخدمهم، ولا من يعالجهم، ولا من يخاطبهم بالجملة. وأول ما يدخلون إلى السياحة يقعون في تعب شديد بسبب الجوع والعطش وقتال الشياطين وتجربتهم لهم. لأن الشيطان عالم بعظم الكرامة التي ينالونها من الرب بصبرهم وعظم جهادهم وعملهم، وما يصيرون إليه عند خروجهم من هذا العالم.
"وبقدر صبرهم تأتيهم رحمة الله الذي يأمر ملائكته فتخدمهم... وكما هو مكتوب في سفر إشعياء النبي إن الذين يتعبدون للرب الإله "يُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ" (إش40: 31). إذا عطشوا أخرج لهم الماء من الصخر. ويجعل الحشائش التي تنبت في الجبال حلوة في أفواههم مثل شهد العسل. وإذا نالتهم بلية أو جربوا من العدو المجرب، وبسطوا أيديهم وصلوا إلى الرب تأتيهم رحمته سريعًا، ويبدد عنهم جميع الحروب التي تقوم عليهم لاستقامة قلوبهم. وكما كُتب في مزامير داود: "مَلاَكُ الرَّبِّ حَالٌّ حَوْلَ خَائِفِيهِ وَيُنَجِّيهِمْ" (مز34: 7). "وَمِنْ كُلِّ شَدَائِدِهِمْ أَنْقَذَهُمْ" (مز34: 17)، وأيضًا أن "الرب لا يترك الفقير إلى الأبد" وأيضًا "الْمِسْكِينُ صَرَخَ وَالرَّبُّ اسْتَمَعَهُ وَمِنْ كُلِّ ضِيقَاتِهِ خَلَّصَهُ" (مز34: 6). إنه يجازي كل واحد بحسب ما يحتمله من العذاب لأجل اسمه القدوس. ومغبوط هو الرجل الذي يعمل إرادة الرب على الأرض، فإن الرب يجعل ملائكته القديسين يخدمونه، ما دام هو في الدنيا متعبدًا له كل حين...".
فلما سمعت أنا يا أخي ببنوده هذا الكلام من الآباء القديسين المحبين لله، كان كلامهم في قلبي مثل العسل.
وألقيت عن نفسي جميع الأفكار لأجل كلامهم، حتى إنني ظننت أن نفسي وجسدي قد انتقلا إلى جبل آخر. فقمت ليلًا وأخذت معي يسيرًا من الخبز مقدار ما يكفيني ثلاثة أيام أو أربعة بقدر ما يوصلني الرب إلى الموضع الذي يختاره لي.
فلما خرجت من عند الأخوة ليلًا وصرت مقابل الجبل، رأيت إنسانًا منيرًا قائمًا قدامي وهو مضيء جدًا. فخفت منه وهممت بالرجوع إلى حيث كنت لأقيم في مكاني كما كنت أولًا فدنا منى ذلك الإنسان المنير وقال لي: لا تخف، أنا ملاك الرب المصاحب لك منذ صباك. رحمة الله تأتيك، وأنا معك إلى أن تتم إرادتك فيه.
فمشيت ومشى الملاك معي في البرية مقدار ستة أو سبعة أميال. فرأيت مغارة صغيرة، فملت إليها لأنظر إن كان فيها أحد. فلما دنوت منها قرعت بابها وقلت كقانون الأخوة الرهبان: "بارك عليَّ يا أبي، بارك عليَّ". فخرج إليَّ قديس عظيم حسن الصورة بوجه باش. فلما رأيته خررت على الأرض عند قدميه. فأقامني وقال لي: "أنت أبا نفر، خليلي في العمل. الرب الإله يباركك ويكون معك، لتتم الأمر الذي عولت عليه وأنت مندوب له. ادخل يا خليلي، السلام لك". فدخلت وجلست عنده أيامًا قلائل أتعلم منه طريق الله. وعرفني العمل في البرية وقتال الشياطين وأفعالهم المخيفة.
ولما رآني قد أضاء عقلي يسيرًا، وعرف قيامي ومقاتلة الحروب الخفية والظاهرة، قال لي: "آن لك يا ولدي أن تقاتل وتجاهد حسنًا. قم لأمضى بك إلى البرية الداخلة مني، لتقيم فيها وتسيح وحدك، وتتعب للرب الذي دعاك إلى هذه البرية وهذه السياحة".
فقام ومشى معي إلى داخل البرية أربعة أيام حتى وصنا إلى حصن ونخلة مزروعة عنده. فقال لي الشيخ القديس: "هذا هو الموضع الذي دبر الله لك أن تخدمه فيه". وأقام فيه عندي شهرًا من الزمان، إلى أن هداني إلى العمل الجيد الذي ينبغي أن أعمله. ثم سلمنا على بعضنا البعض، وودعته ومضى عني. وكنت اجتمع به بعد ذلك دفعة واحدة في السنة، إلى أن تنيح فدفنته في المكان الذي كان يعبد الله فيه. وعدت إلى هذا الموضع أمجد الله بسبب ذلك الشيخ القديس.
الأنبا بيجيمي
الأنبا بيجيمي
وفي قصة الأنبا بيجيمي السائح:
إنه ذهب إلى دير يعيش فيه – وهو في العاشرة من عمره - فقالوا له: "أمضِ وقل لأبهاتك" فقال لهم: "أنتم أبهاتي". فقضى بينهم سبع سنوات يعلمونه نواميس الرهبان. ولما رأوه يسير في خوف الله وفي الاتضاع والصبر والحكمة والوداعة، ألبسوه ثياب الرهبنة. وقضى بينهم 24 سنة، لم يرفع نظره إلى فوق ليبصر وجه واحد منهم.
ولما تنيح أولئك الشيوخ، قضى أنبا بيجيمي سنتين، وكان يأتيه كثيرون يتباركون منه ممن سمعوا فضائله. فبكت نفسه قائلًا:
"ماذا أفعل، إذا افتقدني الرب وأنا وسط هذه الجموع، ولست استحق واحدًا منهم؟!" حينئذ قام وصعد إلى الجبل في شيهيت.
أقام ثلاثة أيام وثلاث ليال، وهو يمشي في البرية ولا يعلم إلى أين هو ماضِ. ولم يأكل ولم يشرب في تلك الأيام الثلاثة، ولا حمل معه خبزًا ولا ماءً ولا شيئًا البتة سوى جريدة (عصا) صغيرة. ثم ظهر له شياطين يخيفونه، فأعانه الله عليهم...
وبعد يومين آخرين وهو يمشي في الجبل، وصل إلى وادٍ فيه نخيل وماء ووحوش برية، ففرح به وأقام فيه... وكان يأكل بنسك شديد مرة كل أسبوع، ملء قبضته من التمر، ويشرب من ماء الوادي. ثم بدأ يشرب من الندى. ودخل في أصوام أصعب.
الأنبا هدرا
الأنبا هدرا
وفي سيرة القديس أنبا هدرا السائح الأسواني:
يروى أن أهله زوجوه - على غير إرادته - وهو في الثامنة عشرة من عمره. وفي ليلة الزواج تظاهر بالمرض. وفي الصباح الباكر ذهب إلى الكنيسة طالبًا إرشاد الله. ولما خرج منها أبصر رجلًا ميتًا يحمله أهله فقال لنفسه: "ليس هذا الإنسان هو الذي مات، بل أنا الذي متّ عن هذا العالم الزائل".
وذهب إلى دير وأقام فيه. وحاول أهله إرجاعه فلم يرجع. ودفع نفسه إلى عبادات عظيمة ونسك شديد فلما رأى آباء الدير نشاطه، ألبسوه الشكل الملائكي. وكان تحت إرشاد أنبا بيمن.
وبعد ثماني سنوات طلب السكنى في البرية، فصحبه الأنبا بيمن، ووجدا مغارة فسكن فيها. وزاد في فضائله ونسكه. فزاره أحد المتوحدين، ولما رأى تعبه نصحه أن يترفق على نفسه، فأجاب باتضاع: "إن كل ما أفعله، لا يقوم مقام خطية واحدة من خطاياي" فاتعظ المتوحد من إجابته، وأخبر متوحدين آخرين، فجاءوا لسماع تعليمه...
ولما رأى أن شهرته قد ذاعت، وقد جاء كثيرون إليه، قرر أن يهرب إلى مكان لا يعرفه فيه أحد، ووافقه مرشده.
وكان الموضع الذي اختاره له الرب على مسيرة ثلاثة أيام، لا يأوي إليه إلا الوحوش الكاسرة والحشرات والهوام ودبيب الأرض.
وحاولت الشياطين إزعاجه بمناظر مخيفة. فكان ينتصر عليهم بعلامة الصليب.
وفي إحدى المرات عاد إلى مغارته، فوجد فيها تنينًا عظيمًا. فصلى قائلًا: إن كانت هذه هي إرادتك يا رب أن يسكن معي هذا الوحش الرديء، فمسرتك كائنة إلى الأبد... فخلصه الرب منه.
الأنبا غاليون
الأنبا غاليون
أما قصة الأنبا غاليون السائح، فتختلف عن كل ما سبق:
دخل إلى دير في جبل القلمون. وبقي فيه حتى صار شيخًا، ولم يخرج من باب الحصن إلى خارج، ولم يختلط بأحد من رهبان الدير إلا في وقت الصلوات. ولم يكن في الدير من يحفظ الألحان مثله...
فنصب له الشيطان فخًا. وأتى إليه ليلًا، وهو خارج من قلايته يريد البيعة لصلاة نصف الليل.
وقال له: "إننا اثنا عشر رجلًا نسيح في هذه البرية. ولما كان اليوم، مات أحدنا ونحن لا نقدر على أن ينقص عددنا. وقد اخترناك لتكون كمال العدد، لأنك ناسك عابد محب للأخوة، زاهد في الدنيا ولست راغبًا فيها، ولا في متاعها ولا طعامها. فأنت مستحق أن تكون معنا".. وتوارى عنه.
ولما فرغت الصلاة، خرج من الدير دون أن يشعر به أحد، ولم يأخذ معه إلا عصا يتوكأ عليها.
فوجد أحد عشر رجلًا من جند الشيطان في زيّ رهبان...
فمضوا أمامه بعد الابتهاج به والسلام عليه، وهو يتبعهم إلى أن انتصف النهار. وإذا هم على جبل عالٍ مشرف على أرض الواحات، مقفر ليس فيه طعام ولا شراب ماء ولا أحد البتة. وجلسوا يضحكون ويهزأون ببعضهم البعض، ويفرحون ويقولون: لقد اصطدنا في هذه الليلة صيدًا حسنًا"...
قال الأنبا غاليون: فتفكرت في أمري. وقلت إن هؤلاء القوم شياطين وليسوا قديسين. وإني رشمت على وجهي بعلامة الصليب المقدس، والتفت فلم أجد أحدًا منهم. وبقيت في الجبل لا أعرف أين أذهب، ولا كيف تكون النجاة... ففتحت فاي وابتدأت أقرأ المزامير:
والتفت خلفي وإذا أنا سامع صوتًا. فتعجبت، وإذ بثلاثة نفرًا يقرأون المزمور 97 "سَبِّحوا الرَّبَّ تَسْبيحًا جَديدًا..." وكانت أصواتهم كأصوات الملائكة. وكنت أعرف اللحن الذي يقولونه فقلت معهم. وكنت حذرًا من الشيطان أن يكون قد أرسل أيضًا جنده ليهلكوني. ولكني قلت: لا يمكن للشيطان أن يصلي مزامير داود.
وبينما أنا كذلك، وإذا القوم قد قربوا مني، وهم يقرأون بألحان حسنة، فجاوبتهم بمثل ألحانهم. ولم نزل تلك الليلة جميعها نقرأ من مزامير داود إلى الصباح... ولا هم سألوني عن أمري، ولا أنا سألتهم عن أمورهم.
ثم جلسنا جميعًا فسألتهم، وإذا هم رهبان من دير القديس الأنبا شنوده، وهم يسيحون في الجبل. وقالوا لي ما نريد أن تعرفنا بما أصابك. فقد عرفنا بالروح مناصب العدو وفخاخه وحيله... فاشكر الله ونشكره جميعًا. قال الأنبا غاليون. فأقمت معهم سنة كاملة. وقد وجدنا تحت هذا الجبل عين ماء...
الأنبا ميصائيل
الأنبا ميصائيل
أما عن الأنبا ميصائيل السائح:
فقد كان من أسرة غنية جدًا، وقد أنجبه والداه في شيخوختهما بعد توبتهما، وربياه تربية حسنة. وزهد في الدنيا وفي الغنى. وأتى إلى الدير في جبل القلمون. وسار في جدية عميقة في النسك والطهر والصلاة، حتى صار جسده مثل الحطب اليابس، ويداه ورجلاه مثل جريد النخل. فبكى عليه الأنبا إسحاق. ولكنه عزاه بكلام روحاني، وقال له: لا تبكِ. وأنبأه بنبوءة رآها في المنام، أن قومًا سيأتون ويأخذونه.
وتحقق ذلك. وكان الذين أخذوه من الجنود الروحانيين.
فعاش معهم. وفي العالم التالي، أتى معهم وأنقذ الدير من والِ ظالم يريد اغتصاب ما في الدير من قوت الرهبان.
وطلب من الأنبا إسحاق أن يمضي إلى أسقف بلدته، ويأخذ للدير ما في عهدة الأسقف من ماله، وأن يبني له على اسمه بيعة في الدير. وحدث ذلك وبنى الأنبا إسحاق كنيسة للأنبا ميصائيل في موضع مسكنه. وحضر تدشينها هو ومن معه من القوم الروحانيين. وكان ذلك في العاشر من شهر بشنس.
كل هؤلاء اختلفت طريقة دخولهم إلى السياحة.
فمنهم من حمله ملاك إليها كالأنبا بولا، ومن أحب سيرة السواح فخرج إليها، كأبا نفر. ومن كمل في حياة الرهبنة فدخل للسياحة كالأنبا بيجيمي. ومن خدعه الشياطين فألقته في الجبل، ولكن الله أرسل له من يرشده، كالأنبا غاليون...
كتبة سيرة السواح
كتبة سيرة السواح
السواح كان الله يسمح بأن يرسل لكل منهم في نهاية حياته من يعرف منه سيرته ويكتبها ويدفنه، ويقدم هذه السيرة إلى الكنيسة.
فالأنبا بولا السائح، أرسل له الله القديس الأنبا أنطونيوس، فعرف منه سيرته وكتبها ودفنه. والأنبا كاراس السائح، أرسل له الله القديس الأنبا بموا، فعرف منه سيرته وكتبها. والأنبا مرقس الترمقي، أرسل له الله القديس الأنبا سرابيون، فعرف منه سيرته وكتبها. وأبا نفر السائح أرسل له الله القديس الأنبا ببنوده، فعرف منه سيرته وكتبها ودفنه. وكذلك الأنبا موسى السائح، أرسل له الله القديس الأنبا صموئيل، فعرف منه سيرته وكتبها...
وهناك أشخاص مشهورون من كتبة سيرة السوّاح:
منهم أنبا بقطر الكاتب، وأبا مقار الكاتب الذي صار فيما بعد أسقفًا، وأنبا إسحاق رئيس دير الأنبا صموئيل بالقلمون، وكتّاب آخرون قد جمعت السير التي كتبوها في مخطوطة مشهورة بالأديرة تعرف باسم (الأربعين خبرًا). والمعروف أن القديس جيروم كتب سيرة القديس الأنبا بولا السائح.
أسئلة حول السواح
العصّمَة من الخطيَة
1- هل وصل السواح إلى درجة العصمة من الخطية، أم من الممكن أن يخطئوا؟
لا يوجد إنسان معصوم من الخطية طالما هو عائش في الجسد على الأرض. الله وحده هو الذي بلا خطية. وسير السواح تقص علينا أخبارًا من سقوط البعض منهم، ثم توبته.
ومن أمثلة السواح الذين وقعوا في الخطية القديس الأنبا موسى السائح.
الذي بعد أن عاش ثلاثين عامًا في السياحة حتى كانت الوحوش تأتلف به وتحتكم إليه، استطاع الشيطان أن يخدعه ويسقطه أكثر من مرة. ثم تاب الأنبا موسى، وأرسل له الله القديس الأنبا صموئيل المعترف فاعترف عليه، وتناول من الأسرار المقدسة، وانتقل من هذا العالم تائبًا.
والقديس الأنبا تيموثاوس السائح، في بدء حياته أخطأ، وحزن على خطيته جدًا وبكى وناح، حتى تكوّنت له قرحة في الكبد، وشفاه الملاك منها، وقضى حياته في قداسة.
الملابس والعُــري:
2- هل كان السواح يرتدون ملابس. علمًا بأن ملابسهم لا بد أن تكون قد بليت خلال عشرات السنوات في سياحتهم...
نقرأ في حياة القديس مكاريوس الكبير أنه رأى سائحين عاريين في البرية الجوانية، في الغرب ناحية ليبيا. ولكن هذا وضع شاذ.
فالقديس الأنبا بولا أول السواح، قد صنع لنفسه ثوبًا من ليف النخل أو من سعفه. والقديس أبا نفر السائح، كان شعره طويلًا عوضًا عن الثوب يغطي عُريه.
والقديس الأنبا بيجيمي السائح حورب بأن يعيش عاريًا كناحية من التجرد، ولكنه ردّ على نفسه بحكمة، وقال لها:
كيف أجلس عريانًا؟ وكيف أقدر أن أصلي لله وأنا عريان؟!
وتذكر أن الله صنع لآدم وحواء أقمصة من جلد وغطى عُريهما (تك3: 20). وأن الملائكة الذين بشروا بالقيامة كانوا يلبسون ثيابًا بيضًا (مت28: 3) (مر16: 5) (لو24: 4) (يو20: 12). وأن يوحنا المعمدان الذي عاش في البراري كان "يَلْبَسُ وَبَرَ الإِبِلِ وَمِنْطَقَةً مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقَوَيْهِ" (مر1: 6) والسارافيم كانوا بجناحين يغطون أرجلهم (إش6: 2). فغطى أنبا بيجيمي جسده بورق الأشجار.
وهكذا نرى أن السواح إما أن الله يحفظ لهم ثيابهم من البلى، أو الشعر يغطي أجسامهم، أو يصنعون ثيابًا من ليف أو سعف، أو ربما من جلود الحيوانات التي تموت في البرية، أو يبقى البعض منهم عاريًا، إذ لا يراه أحد.
نسمع عن القديسة مريم السائحة إنها اختفت وراء صخرة، عندما وصل أنبا زوسيما إلى البرية، ولما اقترب لأخذ بركتها، طلبت إليه أن يلقى ثوبه إليها، وائتزرت به...
هل العدد محدود؟
3- هل عدد السواح محدود؟ وكلما توفى واحد منهم؟ اختاروا غيره ليظل العدد كما هو؟
لا يوجد ما يبرر محدودية العدد. وربما يوجد سواح في مكان ولا يعرفون بعضهم بعضًا. كما أن اجتماع سواح معًا، لاختيار شخص يصير سائحًا ليكمل عددهم، إنما يدل على أن هؤلاء يحيون حياة مجمع لا حياة وحدة!! ولا يتفق هذا مع السائح الذي لا يختلط بغيره، وقد تمر عليه عشرات السنوات لا يرى وجه إنسان.
وموضوع العدد المحدود، واختيار من يحل محل المتوفي، إنما هو حيلة، لجأ إليها الشيطان في محاربة أنبا غاليون السائح وإسقاطه، بدعوته إلى السياحة لأن عدد السواح ينقصه...
ولم ترد مثل هذه الفكرة على لسان القديسين.
4- هل يوجد سُوّاح حاليًا:
من بين الرهبان، لا يوجد. لأن كل رهبان الأديرة معروفون لنا بأسمائهم، وبموضع ومصير كل واحد منهم.
فإن كان الله قد سمح في أيامنا أن يوجد أحد السوّاح، فلا يكون ذلك من بين الرهبان. إنما يكون شخص قد دخل البرية الجوانية، وعاش ناسكًا فيها، دون أن يمرّ على دير، ودون أن يبدأ كراهب... ودون أن يراه أحد حتى الآن...
العجيب
العجيب
العجيب بعد كل هذا أن بعض السواح نزلوا للخدمة!!
« أنبا هدرا الأسواني، عندما كبر في السن، مضى إلى بعض الأديرة وحبس نفسه في قلاية، وأعطاه الرب موهبة الشفاء، وموهبة إخراج الشياطين، وصنع عجائب كثيرة.
ولما تنيح أسقف أسوان، أتى الشعب، وفتحوا عليه المحبس، وأخذوه وسافروا إلى الإسكندرية، حيث كرزوه أسقفًا بيد البابا ثاوفيلس، البطريرك 23 بداية القرن الخامس... وتنيح في 12 كيهك.
« وأنبا غاليون السائح، طلبه أبوه الأنبا إسحاق، ليسلّم ما يحفظه من ألحان الكنيسة وترتيب البيعة للصبي موسى. وكانت الألحان كثيرة جدًا. فأخذ موسى إليه، وضمه إلى صدره. وقال له: "يا ولدي، اقبل مني الروح الذي عليَّ. فإني في اليوم السابع أتنيح". وقبل موسى الروح منه. وكان يزيد في القراءة والألحان، مثلما يزيد البحر في أيام النيل...
« والأنبا ميصائيل السائح جاء مرة مع الجند الروحاني لإنقاذ الدير، ومرة أخرى جاءوا معه لحضور تدشين كنيسته...
ولكن السياحة في أصولها، هي سياحة القديس الذي عاش عشرات السنوات، لم ير وجه إنسان، إلا يوم وفاته.
مثل حياة السواح: الأنبا بولا، وأبا نفر، والأنبا كاراس، والأنبا مرقس الترمقي... وأمثال هؤلاء من السواح القديسين الذين انطبقت عليهم.
قصيدة "سَائح"
أنا في البيداء وحدي | ليس لي شأن بغيري |



