مفهوم القوة

مفهوم القوة[1]
يظن بعض الشباب أن القوة تُعني القوة الجسدية، التي يظهر بها أبطال الملاكمة والمصارعة والكاراتيه. قوة من نوع قوة شمشون الجبار القضاة 13 : 16 .
*ولكن ليست القوة الجسدية هي كل شيء.
*بل أن كثيرين من الأقوياء بالجسد، كانوا ضعفاء.
إن شمشون الجبار الذي انتصر بالجسد على كثيرين، كان ضعيفًا أمام إغراء دليلة وحبه لها. وقد ضعف أمام إلحاحها، فكشف لها سره فحلقت شعره، وسلمته لأيدي أعدائه، ففقأوا عينيه، وأوثقوه بسلاسل، وجعلوه يطحن في بيت السجن القضاة 16 : 19-21 .
وداود الذي هزم جليات الجبار (1صم17)، وكان منذ صباه “جبار بأس ورجل حرب” صموئيل الأول 16 : 18 . هذا الجبار كان ضعيفًا أمام جمال بثـــشبع فسقط وأخطأ. واستحق أن يعاقبه الرب، وقد جعل أعداء الرب يشمتون صموئيل الثاني 12 : 7-14 .
هنا ونقرأ ما قاله القديس يوحنا الحبيب للشباب في رسالته الأولى: “كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي مِنَ الْبَدْءِ. كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَحْدَاثُ، لأَنَّكُمْ أَقْوِيَاءُ، وَكَلِمَةُ اللهِ ثَابِتَةٌ فِيكُمْ، وَقَدْ غَلَبْتُمُ الشِّرِّيرَ” يوحنا الأولى 2 : 14 .
هنا نوع آخر من القوة وهو أن تغلب الشرير (أي الشيطان).
*إذن القوي هو الذي يغلب الخطية.
ويغلبها لأن كلمة الله ثابتة فيه. لأن وصية الله ثابتة في قلبه.
أما الإنسان المغلوب من الخطية، فلا نستطيع أن نقول عنه إنه قوي. توجد نقطة ضعف فيه، يستطيع الشيطان أن يدخل منه ويهزمه…..
كذلك المغلوب من احدى العادات، هو إنسان ضعيف…..
المغلوب مثلًا من عادة التدخين، أو من المسكرات، أو الواقع تحت سلطان إدمان المخدرات، ليس هو قويًا، لأنه ضعيف أمام كل هذه العادات. وهو أمامها لا يمكن أن يملك السلطان على إرادته. بل العادة أو الإدمان لهما السلطان على إرادته وتصرفاته، وقد يقودانه إلى الجريمة.
*هناك لون آخر من القوة، هو قوة الأعصاب.
فالإنسان الذي لا يستطيع السيطرة على أعصابه، فيغضب في نرفزة، ويخطئ بلسانه أو بتصرفاته، ويفقد في سبيل ذلك مثالياته، كما يفقد علاقاته مع غيره…. ليس هو قويًا بالحقيقة، حتى لو ظن أنه قد انتصر على غيره وهزمه بالعنف…
توجد نقطة ضعف فيه، وهي أعصابه. أما الذي يحتمل فهو القوي. ولذلك يقول القديس بولس الرسول: “فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ الضُّعَفَاءِ، وَلاَ نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا” رومية 15 : 1 .
إذن الذي يحتمل هو القوي والذي يهين غيره هو الضعيف.
ليتك إذن تمتحن نفسك، وترى ما هي ضعفاتك، وتبذل كل جهدك في الانتصار عليها….
إن القوى ليس هو الشخص الذي ينتصر على غيره، إنما هو الذي يستطيع أن ينتصر على نفسه. لأن البعض يظن أنه منتصر وقوي من الخارج. بينما هو في داخله ضعيف ومهزوم.
*إذن من عناصر القوة ضبط النفس.
الذي يضبط لسانه هو إنسان قوي، حسب شهادة القديس يعقوب الرسول يعقوب 3 : 2 وما أكثر الأشخاص الذين نقطة الضعف فيهم هي أخطاء اللسان. ويدفعوا ثمن ذلك غاليًا.
كذلك الإنسان القوي هو الذي يستطيع أن يضبط أفكاره. فلا تهزمه الأفكار، وتسرح به حيثما تشاء، وتوقعه في خطايا كثيرة.
والإنسان القوى هو الذي يضبط نفسه وقت الغضب. ويضبط نفسه وقت الصوم، من جهة الطعام والشراب. ويضبط نفسه من جهة الوقت، فلا يضيعه في المتعة واللهو ويفشل في مسئولياته…..
*الإنسان القوى أيضًا هو قوي في شخصيته.
له الشخصية القوية التي لا تنقاد إلى مشورة خاطئة. هي التي تؤثر في غيره دون أن تكون تحت تأثير الغير، إلا مشورة الروحيين… وليس معنى القوة في الشخصية أن يكون الإنسان عنيدًا صلب الرأي، بل أن يكون قويًا في الخير. سهلًا في التفاهم، ولكن ليس ألعوبة في أيدي الغير.
*الإنسان القوى يكون أيضًا قويًا في عقليته وفكره.
يكون قوى العقل، عميق الفهم، قوي الذاكرة، لا يسير وراء كل شائعة، ولا وراء كل مذهب بل يفكر ويفحص الأمور جيدًا، في ذكاء ويتمسك بما هو أفضل…. وبذكائه وفهمه، يكون ناجحًا في كل مسئولية تُعهد إليه. ويقف قويًا أمام المشكلة، لا تهزمه، بل يحلها، أو يحتملها إلى أن تحل.
أما الذي ينهار أمام المشاكل، فليس هو قويًا.
*هناك إنسان آخر قوي في خدمته وكرازته.
له قوة الكلمة، وقوة التأثير على الغير، ويستطيع أن يجذب النفوس إلى الله. وكلمته لا ترجع فارغة إشعياء 55 : 11 بل باستمرار تأتي بثمر. من أمثلة هذا النوع، كان القديس بولس الرسول، ومار مرقس، والقديس أثناسيوس الرسولي الذي وقف ضد الأريوسيين، ونشر الإيمان السليم…. وكذلك كل أب كاهن روحي عميق في تأثيره الروحي، وكل واعظ وخادم ناجح في خدمته.
*نوع آخر من القوة، هو قوة الصلاة.
الصلاة القوية في إيمانها، وفي حرارتها، وفي انسحاقها وفي روحياتها، التي يمكن أن تصعد إلى السماء وتأتي بالاستجابة.
كثيرون يشعرون بقوة الشخص الذي له مثل هذه الصلاة، ويلجأون إليه في مشاكلهم لكي يحلها الله لهم على يديه….
ونريد أن نقول إن الوداعة لا تتعارض مع القوة.
فقد كان السيد المسيح قويًا ووديعًا في نفس الوقت.
كان “لا يخاصم ولا يصيح” وفي نفس الوقت كانت له قوة للإقناع وقوة الشخصية. وكان يفحم مقاوميه في كل حوار.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “باب الشباب، مفاهيم (2- القوة)”، نُشر في مجلة الكرازة 6 نوفمبر 1992م.




