مزمور رضيت يارب عن أرضك

يتأمل البابا شنوده الثالث في مزمور «رضيت يا رب عن أرضك»، موضحًا أنه مزمور صلح مع الله وتوبة وانسحاق، لا توجد فيه طلبات مادية أو عالمية، بل كل طلباته روحية: رضا الله، والغفران، والرجوع إليه، والحياة والفرح معه.
«أَرْدِدْنَا يَا إِلَهَ خَلاَصِنَا»
تكشف هذه العبارة عن إنسان أدرك أنه ابتعد عن الله ويريد أن يرجع إليه. وأولى مراحل التوبة هي أن يصبح الإنسان غير راضٍ عن حالته وعن الخطية التي يعيش فيها، وأن يشتاق إلى العودة إلى حياته الروحية الأولى.
ولكن الرغبة في الرجوع وحدها قد لا تكفي؛ فقد يريد الإنسان التوبة ويجد نفسه عاجزًا أمام طبعه وعاداته وخطاياه والعثرات المحيطة به. لذلك يصرخ إلى الله: «أرددنا»، أي: ردنا إليك، وردنا إلى نفوسنا وضمائرنا وحالتنا الأولى.
إنها صلاة إنسان يجاهد ولكنه يشعر بضعفه، فيطلب تدخل النعمة الإلهية. فهو كالعصفور الواقع في فخ الصيادين، لا يستطيع أن يكسر الفخ بنفسه، وإنما ينتظر من الله أن يحرره.
الضعف ليس تواكلًا
طلب المعونة من الله لا يعني الكسل أو رفض الجهاد، بل هو اعتراف بأن القوة البشرية وحدها لا تكفي. فالإنسان يطلب من الله أن يعطيه الرغبة والقوة والإرادة والفرصة والإمكانيات، وأن يقوده في طريق الخلاص وينجيه من ذاته وشهواته والعثرات التي أمامه.
وأقوى صلاة هي التي يرفعها الإنسان وهو شاعر بضعفه واحتياجه إلى الله. فالذي يعتمد على قوته وحدها يكون أكثر تعرضًا للسقوط، أما المنسحق أمام الله فينال قوة من فوق ويستطيع أن يقول إنه يستطيع كل شيء بالمسيح الذي يقويه.
«يَا إِلَهَ خَلاَصِنَا»
ينادي المرتل الله بهذه الصفة لأنه يثق أن الله يريد خلاص الإنسان وقادر على أن يرده إليه. ولذلك يستند في رجائه إلى عمل الله مع الذين تغيرت حياتهم من قبل، ويرى أن باب الرجوع لا يزال مفتوحًا ما دام الإنسان في زمن التوبة.
فالخلاص قريب، ويمكن أن يحدث التحول في حياة الإنسان سريعًا عندما يرجع إلى الله بكل قلبه. ويستشهد البابا بأمثلة لأشخاص تغيرت حياتهم جذريًا بالتوبة.
«فَهَلْ إِلَى الأَبَدِ تَغْضَبُ عَلَيْنَا؟»
يتحول المزمور إلى التوسل من أجل الرحمة. والله طويل الأناة ولا يريد استمرار الإنسان في الخطية. ويشرح البابا أن التأديب الإلهي هدفه أن يرجع الإنسان، وليس أن يبقى بعيدًا عن الله.
ويستشهد بأهل نينوى الذين تابوا بالصوم والصلاة، فلم يستمر الغضب عليهم. وهكذا فطريق العودة هو التوبة والانسحاق والاعتراف بالخطية والتقدم نحو قلب الله.
«أَنْتَ يَا اللهُ تَعُودُ فَتُحْيِينَا»
الرجوع إلى الله ليس مجرد ترك للخطية، بل هو عودة إلى الحياة. فالخطية موت روحي، أما التوبة فهي قيامة وحياة جديدة. ومن هذه الحياة يأتي الفرح الحقيقي، لذلك يرتبط طلب الحياة في المزمور بعبارة: «وشعبك يفرح بك».
«أَرِنَا يَا رَبُّ رَحْمَتَكَ وَأَعْطِنَا خَلاَصَكَ»
بعد الاعتراف بالضعف والتوسل، يصل المصلي إلى الرجاء في رحمة الله. والعجيب أن المصلي، وهو لا يزال يصلي، يبدأ في الشعور باستجابة الله، فيقول إنه يسمع ما يتكلم به الرب، لأن الله يتكلم بالسلام لشعبه وللذين رجعوا إليه بكل قلوبهم.
وهكذا تتحول الصلاة من صرخة إنسان عاجز إلى إحساس بالسلام والخلاص، وكأن نورًا داخليًا أشرق في قلبه وأعطاه الثقة بأن الله قد سمع صلاته.
«لأَنَّ خَلاَصَهُ قَرِيبٌ»
خلاص الله ليس بعيدًا عن الإنسان الذي يريد الرجوع إليه. فقد تتغير حياة كاملة في لحظة صادقة من التوبة. المهم أن يرجع الإنسان إلى الله بكل قلبه، وأن يستجيب لعمل النعمة ولا يقاومه.
«لِيَسْكُنَ الْمَجْدُ فِي أَرْضِنَا»
المجد المقصود ليس المجد العالمي، بل عودة الإنسان إلى الصورة الإلهية التي خُلق عليها. فمجد الإنسان الحقيقي أن يحمل صورة الله ويعيش في شركة معه. والخلاص يعيد إلى النفس هذه الصورة التي شوهتها الخطية.
«الرَّحْمَةُ وَالْحَقُّ تَلاَقَيَا، الْعَدْلُ وَالسَّلاَمُ تَلاَثَمَا»
يربط البابا هذه الكلمات بعمل الخلاص والفداء: ففي الصليب تلتقي الرحمة والعدل. فالخطية لا تُعامل كأنها بلا ثمن، وفي الوقت نفسه تُفتح للإنسان أبواب المغفرة والخلاص. وبالإيمان والتوبة ينال الإنسان المغفرة ويعود إلى الشركة مع الله.
الخلاصة
المزمور كله رحلة روحية تبدأ بإنسان يشعر ببعده وعجزه فيصرخ: «أرددنا يا إله خلاصنا»، ثم يعترف بحاجته إلى الرحمة والمعونة، ويطلب الحياة والفرح والخلاص، حتى يصل إلى الثقة بأن الله قد سمع صلاته.
والرسالة الأساسية هي أن التوبة ليست اعتماد الإنسان على قوته الخاصة، ولا هي تواكل بلا جهاد، وإنما هي إرادة صادقة للرجوع، وجهاد مصحوب بانسحاق، واعتماد كامل على نعمة الله القادرة أن ترد الإنسان وتحييه وتعيد إليه صورته الروحية الأولى




