مزمور الرب يرعاني

مزمور الرب يرعاني[1]
هذا المزمور هو من مزامير صلاة الساعة الثالثة.
ويسمّى مزمور الراعي، وهو مزمور محبوب من جميع الناس. وله ميزة أنه لا توجد فيه أية طلبة. المرتل لا يطلب فيه شيئًا.. ولا يوجد فيه اعتراف بالخطية، ولا توسل لنوال الغفران، ولا حزن ولا انسحاق.
إنما يشمل إحساسًا بوجود الله في حياة الإنسان.
فرح برعاية الله وعنايته فيقول في ذلك:
“الرَّبُّ يَرْعَاني فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي” المزامير 23 : 1-2 .
كون أنك تشعر أنك محتاج إلى رعاية، هي حالة من الاتضاع. وكون أنك تشعر أن الله هو الذي يرعاك، لا شك أن ذلك يغرس في نفسك شعورًا بالاطمئنان، وفيها شكر لله، وسلام قلبي.
عبارة الرب يرعاني معناها أنني لست وحدي.
أنا لا أعيش في هذه الدنيا وحيدًا متعبًا، بعيدًا عن المعونة.. إنما الرب يرعاني..
الناس لهم من يهتم بهم، ولهم من يسندهم ويحميهم ويرعاهم. أما أنا فلي الله نفسه. الله نفسه هو الذي يرعاني.
ولأن الله هو الذي يرعاني، لذلك لا يعوزني شيء.
ما دام الله يرعاني، فسوف أعيش في سلام وفي اطمئنان، وفي فرح. لا يدخل القلق إلى قلبي، ولا الاضطراب.
هذا المزمور أيضًا يتحدث عن علاقة خاصة مع الله. الرب يرعانا كلنا، ويرعى العالم كله، وهذا حق.
ولكني هنا أتكلم عن علاقة خاصة لي مع الله.
أنا شخصيًا لي علاقة مع الله. وأنا شخصيًا – كفرد كإنسان- أشعر بيد الله في حياتي، وأشعر بأن الله يرعاني، وأنه يهتم بي.
هذه مشاعر قلب فرحان بربنا، قلب حاسس بربنا في حياته، شاعر بوجود ربنا في حياته، وبحفظ الله وستر الله، ومعونة الله، واهتمام الله به بصفة خاصة.
يعني أنك لست تائهًا أو ضائعًا وسط ملايين من البشر الذين يهتم بهم الله.
إنما لك علاقة خاصة مع الله. لست ضائعًا وسط الزحمة، ما أكثر وجود رعاة لهم آلاف من الناس يرعونهم. وعلى الرغم من هذا يوجد واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أكثر يضيعون وسط زحام الناس من حولهم. لا يحس بهم الراعي لكثرة مشغولياته!! أما أنا فالرب يرعاني. وفي وسط ملايين الملايين من مخلوقاته، يعطيني اهتمامًا خاصًا في حياتي، بسبب المحبة التي بيني وبينه.
هذه نقطة عملية مفرحة بلا شك.
يفرح قلبي طبعًا أن أشعر بهذا..
وهذه النقطة المفرحة نجدها في القداس الغريغوري:
ففي صلواته نجد علاقة خاصة بين الفرد وبين الله. يقول له “أقمت السماء لي سقفًا. ومهّدت لي الأرض لأمشي عليها” يقول لي، وليس لنا..
هذه السماء أقامها الله لأجلي أنا. ومهّد الأرض من أجلي أنا.. ويقول أيضًا: “من أجلي ألجمت البحر. من أجلي أخضعت طبيعة الحيوان..”، “أرسلت الناموس من أجلي..”.
شعورك بعلاقة خاصة بينك وبين الله.
الله ليس فقط إلهًا للعالم كله، وأنت مجرد شيء بسيط في العالم.
وإنما هو أيضًا إله لك أنت بالذات.
ربنا كما صُلب ومات لأجل العالم، هو كذلك صلب ومات لأجلك أنت. من أجلك أنت بالذات، لأجل خطاياك الخاصة، “هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ..” يوحنا 3 : 16 . وهكذا أحبك أنت كفرد.
“الرب يرعاني” شعور جميل عن رعاية الله.
وربنا فعلًا يحب الرعاية. والرعاية لها معنى خاص عنده.
ويقول: “أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ” يوحنا 10 : 11 . والرسول يتكلم عن الله فيقول عنه: “رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا” بطرس الأولى 2 : 25 . ثم يسميه أيضًا “رَئِيسُ الرُّعَاةِ” بطرس الأولى 5 : 4 . وفي سفر حزقيال النبي يقول: “أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ، وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ..” حزقيال 34 : 15 .
والله أقام في الأرض رعاة من رجال الكهنوت.
ويقول القديس بولس الرسول عن ذلك لأساقفة أفسس: “اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ” أعمال الرسل 20 : 28 .
إنه عمل رعاية، وعصا رعاية تُعطى للأسقف في يوم سيامته.. وفي الواقع إن الراعي له في الكنيسة مكانة معينة.. سأشرح قليلًا عنها لنفهم مكانتها..
كثير من الناس الذين ائتمنهم الله على شعبه، جعلهم يشتغلون بالرعي أولًا:
“تَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ” أعمال الرسل 7 : 22 . ولكن هذا لم يكن كافيًا. تربّى في القصر الملكي بكل تربية أولاد الملوك. وتدرب على أمور من قيادة الجيش، ولكن كل ذلك لم يكن كافيًا. فأخذه الله وجعله يرعى الغنم لمدة أربعين سنة، فلماذا؟
لأن مهنة الرعي تعطي عواطف الحب والحنان والشفقة، والهدوء والطيبة. الراعي يحب غنماته، ويشفق عليها كل الإشفاق ويقودهم إلى العشب الأخضر وإلى الماء.
وتوجد علاقة طيبة وارتباطًا بين الراعي وغنمه.
تجد الراعي يمشي، والغنم تتبعه وتمشي وراءه. حيثما يسير، غنماته معه. في كل اتجاه يتجه إليه. “خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي”.. تميز صوتي وتتبعني “وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ”، هكذا قال الرب يوحنا 20 : 4-5 .
لو أن أحدًا منكم رأى زريبة غنم، وقد فتح الراعي بابها، سيرى أن كل الغنم متجهة بأنظارها إليه. تعرفه وتركز وجهها فيه، وتتعلق به.. والغنم أيضًا تميز صوته، وتحبه، وهو يحبها. والراعي يبذل نفسه عن الخراف..
جميلة عبارة “تسمع صوتي، ولا تسمع لصوت الغريب”. يظن البعض أن الغنم لا تفهم! كلا، إنها تميّز صوت راعيها، وتحبه، وتنظر إليه، وتسعى وراءه وتتبعه حيثما سار..
إن الغنم لو كانت ترعى في أرض معشبة، وتجد أن راعيها قد ترك المكان، تترك العشب وتسعى وراءه. إن الراعي عندها أهم من العشب ومن الطعام.. إنه قلبها المحب اللطيف.
والراعى يمسك عصا، يقود بها غنمه. لا يضرب بها أبدًا، إنما يرشد بها. وفي إرشاده للغنم، قد يمسّها بعصاه، ولكنه لا يضربها. لذلك قال داود في المزمور:
“عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي”.
سبب تعزية لي. متى تكون العصا سبب تعزية؟
هذا أمر يعرفه الرعاة، وتعرفه الرعية. إن عصا الراعي ليست للتأديب أو للأذى، إنما للإرشاد والتوجيه. بطريقة خفيفة. والخراف تحب عصا الراعي حينما تلمس أجسادها..
تدرب كثير من الآباء على الرعي، قبل أن يدخلوا إلى الرعاية.
داود النبي- مثل موسى النبي- تدرب في الرعي.
هذا الذي قال “الرب يرعاني”، كان من أنجح الرعاة في التاريخ. ولم يكن راعيًا عاديًا. كان يمشي معهم بالمزمار والقيثار، يغني لهم أغاني حلوة. لم يحدث أن غنيمات قد سمعت راعيًا حلو الصوت مثل داود..! إنه راع موسيقي، راع يغنّي، راع عازف.. إنه الراعي الذي كان يشنف أسماع غنيماته، وليس فقط يأخدها إلى الخضرة.. كانت الغنيمات تأكل، وتسمع الموسيقى في نفس الوقت.. أية غنيمات تمتعت بمثل هذا؟!
حينما يقول داود “الرب يرعاني”، إنما يقولها وهو فاهم تمامًا معنى الرعاية. من النوع الجميل الذي تدرّب عليه هو نفسه.
إن النفس المحبة لله تقول في سفر النشيد: “أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِي. الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ” نشيد الأناشيد 6 : 3 يرعاني وسط الورود والزنابق.. يرعى النفس. لذلك حينما نتكلم عن كلمة (الراعي)، إنما نتكلم عن كلمة كبيرة وعميقة.
داود رعى الغنم، والله رعاه.
والقديس أوغسطينوس يقول لله وهو يصلي من أجل شعبه: أنا يا رب بالنسبة إليهم الراعي. ولكن بالنسبة إليك مجرد خروف صغير من قطيعك.. أطلب إليك أن ترعاني وترعاهم.
الله هو الراعي المهتم بالكل.
إنه الراعي الصالح، الذي لما كان يرعى مائة، وواحد منها قد تاه. ترك التسعة والتسعين، وذهب يبحث عن الواحد. أي لا يترك أحد من رعايته. بل يهتم بالكل. يبحث عن الضال في وسط الجبال والتلال “طَافِرًا عَلَى الْجِبَالِ، قَافِزًا عَلَى التِّلاَلِ” نشيد الأناشيد 2 : 8 ، يبحث عن رعيته. إنه الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف.
الكتاب يقدم لنا أمثلة عديدة لرعاية ربنا.
رعاية الشعب في البرية. يظللم ويقودهم بالسحاب في النهار، وبعمود النار في الليل الخروج 13 : 21 . الراعي الذي يرسل لهم المن والسلوى (خر16)، ويفجر لهم الماء من الصخرة الخروج 17 : 6 ، العدد 20 : 8 .
الراعى الذي يقود إلى مراع خضراء.. الذي كان يرعى يونان وهو في بطن الحوت (يون2)، ودانيال وهو في جب الأسود (دا 6). ويرعى الثلاثة فتية وهم في أتون النار (دا 3). ويرعى المسبيين وهم عند أنهار بابل.. إن أمثلة رعاية الله لا تدخل تحت حصر..
وحينما نقول (الرب يرعاني) إنما نقصد يرعاني ماديًا وروحيًا.
تشمل رعايته الأمرين معًا. يرعى الجسد والروح، وكذلك النفس والعقل والفكر. إنها رعاية شاملة لذلك قال داود في المزمور..
لا يعوزني شيء..
كل إنسان يمكنه أن يقول، إن كثيرًا من الناس يرعوني. أبي وأمي يهتمون برعايتي في أمور الجسد، فيعطونني كفايتي من طعام وشراب وكساء. ويوجد مدرّسون في المدارس يرعونني من جهة الثقافة والعلم والتهذيب. كذلك الدولة ترعاني، تعطيني الأمن والتموين والمسكن واحتياجات الحياة من كافة النواحي.
أما الله فيعطيني الكل. لا يعوزني شيء.
إنه الراعي الذي تتمثل فيه كل احتياجاتي.
منذ أن عرفت الله، لم أعد معوزًا شيئًا.
هو وكفى. لا أريد غيره. لا يعوزني شيء.
هو يرعاني. لذلك فإن الذي اختبر رعاية الله، لم يعتمد على ذراع بشري. ولا على الذات، ولا على العالم. بل حينما آمن برعاية الله له، واختبرها في حياته، لم يعد معوزًا لشيء.
ولا يعوزني لأحد. ولا أتكل على ذراع بشر.
هو الرب الذي يرعاني، ولا يعوزني شيء.
إنها عبارة يقولها الفرد، وتقولها الكنيسة، ويقولها العالم كله.
هو يرعانا، ولسنا محتاجين لشيء. لأن الله في رعايته لا يغفل شيئًا من احتياجات الإنسان. بل يقول: “لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هذِهِ كُلِّهَا. لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ” متى 6 : 32-33 .
كل هذه تزدادونها. لا يترككم محتاجين لشيء.
الله الذي يرعى “طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ” متى 6 : 26 . هو يرعاكم. الذي يرعى الفراشة التي تطير، والدودة التي تدب تحت الحجر.. الكل ينال من رعايته.. لذلك قل هذه العبارة بإيمان: “الرَّبُّ يَرْعَانِي فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ”..
يقول هذه العبارة إنسان اختبر الله وعاش معه.
وذاق الله، كما يقول المزمور: “ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ” المزامير 34 : 8 . أنظروا ماذا قال داود أيضًا في خبراته الروحية: “كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ، وَلَمْ أَرَ صِدِّيقًا تُخُلِّيَ عَنْهُ، وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزًا” المزامير 37 : 25 . جرّبت ربنا وعرفته.
معاملات الله ليست أشياء أقرأها في الكتاب المقدس، إنما هي في حياتي العملية.
جرّبتها وعشتها. ومن خبراتي أقول: “الرَّبُّ يَرْعَانِي فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ”.
ينبغي أن تؤمن أن الله يرعاك لكي تطمئن من الداخل.
مسكين الإنسان الذي لا يشعر أنه تحت رعاية الله. وأنه محتاج لأحد. كلا. إن الله فيه الكفاية.
لكي يُذَكّر السيد المسيح تلاميذه بالرعاية الإلهية، قال لهم ذات مرة: “حِينَ أَرْسَلْتُكُمْ بِلاَ كِيسٍ وَلاَ مِزْوَدٍ وَلاَ أَحْذِيَةٍ، هَلْ أَعْوَزَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالُوا: لاَ” لوقا 22 : 35 .
أليس الله يرعى الراهب المتوحد في أعماق الجبل وسط الوحوش والدبيب، وعدم وجود لوازم الحياة الأساسية! الله يجعل قوانين الطبيعة في رعايتك. النبات والحيوان من أجل رعايتك.. في النهار مثلًا تقول: هذه الشمس أرسلها الله لرعايتي، تعطيني النور والدفء.. وهكذا النجوم بالليل.. كلها لي.. وكذلك القمر الجميل الهادئ.
ولذلك فإن أولاد الله الذين آمنوا برعايته، سلّموا له الحياة بالكامل.
كل منهم يقول: أنا لا أقود نفسي، ولا أرعى نفسي، لأن الرب يرعاني. أُسلّم له نفسي بالكامل، وأنام مطمئنًا في الأحضان الإلهية، شاعرًا بالقلب المحب الذي أسند عليه رأسي. إنها حياة التسليم إيمانًا برعاية الله.
إحذر من أن تشك في أي وقت، مهما كانت الظروف.
بطرس الرسول مشى مع الرب على الماء، “وَلكِنْ لَمَّا رَأَى الرِّيحَ شَدِيدَةً خَافَ. وَابْتَدَأَ يَغْرَقُ” متى 14 : 30 . نسى أن الرب يرعاه، فبدأ يسقط في الماء. فقال له الرب: “يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟!” متى 14 : 31 هل الرب يرعاك وأنت ماش في الطريق، ولا يرعاك وأنت ماش على الماء؟! نعم، إنه يرعاني حتى وأنا في جوف الحوت.. في كل مكان. إن الذي يقول الرب يرعاني، يمتلئ بالإيمان.
الرب يرعاني، مهما كانت الظروف الخارجية صعبة..
داود قال هذه العبارات، على الرغم من كل فترات الذل والضيق التي قاساها، وبخاصة من شاول الملك الذي كان يطارده في كل مكان ليقتله. وجرّب أبشالوم ابنه الخائن، وجرّب الحروب والكروب. وفي كل ذلك يقول: الرب يرعاني.
ليس معنى رعاية الرب، أن يجعله يسير في الطريق الواسع! كلا، بل يرعاه في وسط الضيقة. لذلك يقول:
“هَيَّأْتَ قُدَّامِي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِيَّ”.
إذًا هناك مضايقون. ويقول له أيضًا: “إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي”.
إذًا هناك ظل الموت، وهناك مضايقون. ومع ذلك هو شاعر أن الرب معه..
ليست عبارة أن الرب معي، معناها أن يمنع عنّي وادي ظل الموت، أو يمنع عني المضايقين!! كلا أبدًا. كل هذه المضايقات موجودة، ولكنه معي، وأنا مسرور وسط الضيقات.
لكن قبل أن يتكلم عن وادي ظل الموت وعن الضيقات، تكلم أولًا عن الخبرات الجميلة فقال:
فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي.
يقودني إلى المراعي الخضراء.. حقًا إن الله حينما خلق الإنسان، وضعه في جنة. والعروس في سفر النشيد تقول إنه يرعاها “بَيْنَ السَّوْسَنِ” نشيد الأناشيد 6 : 3 . ولكن ما هي المراعي الخضراء يا داود؟ يقول:
المراعي الخضراء هي وسائط النعمة التي أعيش فيها.
وهي أيضًا أسرار الكنيسة السبعة.. لقد مهد الله لي كل وسائط النعمة. أنا شاعر أنني سائر في مراع خضراء. أتغذى بالروحيات، كما أتغذى بالجسديات. سعيد..
“فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي”:
في عمل النعمة، في عمل الروح القدس في عمل الكنيسة.
عبارة (المراعى الخضر) تشير إلى معنى آخر:
تشير إلى أن السائر في طريق الرب، يشعر بلذة في طريقه، وأن وصية الرب لَيْسَتْ ثَقِيلَةً يوحنا الأولى 5 : 3 . أو أن الفضائل ضاغطة على النفس!
لا. بل أولاد الله يشعرون بأن وصية الرب مضيئة تنير العينين المزامير 19 : 8 . فيقول كل منهم أن الله يرعى حياته الروحية في مراع خضراء. ويقول أيضًا:
إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي.
والماء في الكتاب المقدس يرمز إلى عمل الروح القدس. ولهذا يقول الرب: “مَنْ آمَنَ بِي.. تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ. قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ” يوحنا 7 : 38-39 .. الماء الذي يعطي الحياة. فيكون المؤمن كشجرة مغروسة على مجاري المياه (مز1). إلى هذا الماء الحي يوردني.
لذلك فإن الكنيسة تبارك الناس بالماء، في آخر كل قداس.
وأول ماء راحة دخلته في حياتك، هو ماء المعمودية.
يغسلك من القديم كله “غُسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي” تيطس 3 : 5 . وكما قال القديس حنانيا الدمشقي لشاول الطرسوسي بعد دعوة الرب له: “لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ” أعمال الرسل 22 : 16 .
إنه ماء الراحة. يريحك من كل الخطايا القديمة. يريحك من الإنسان العتيق رومية 6 : 6 . هذا أول ماء راحة بالنسبة لابن الله. وماذا بعده؟
هناك أنواع أخرى من ماء الراحة.
أحيانًا تخطئ. وماء الدموع يغسلك. ويكون ماء راحة.
السيد المسيح قال للمرأة السامرية إن ماء العالم، من يشرب منه يعطش. ولكن الماء الذي أعطيه أنا، من يشرب منه لن يعطش إلى الأبد يوحنا 4 : 13-14 .
هذا هو ماء الراحة الذي يروي الإنسان. ولذلك يقول في المزمور: “كَأْسِي رَيَّا”. إن كانت نفسك عطشانة إلى هذا الماء، “فطُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ” متى 5 : 7 .
هناك ماء راحة قال عنه داود النبي في المزمور: “اشتاقت نفسي إليك يا الله، كما تشتاق الأرض العطشانة إلى الماء”.. “كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ” المزامير 42 : 1-2 . أنت يا رب هو الماء الحي. أنت هو “يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ” إرميا 2 : 13 . أنت ماء الراحة الذي يرويني.
في مراع خضر تربضني، وإلى ماء الراحة توردني. أي أنني حينما أسير معك أجد الراحة الكاملة، وأجد السعادة الكاملة، ليس كما يظن البعض أن من يسير مع الله يتعب!! أو أنه يُحرم من ملاذ الدنيا ونعمها.. أبدًا. فإنني حينما أسير معك يا رب، أستريح في المراعي الخضراء، وفي ماء الراحة..
وماذا يقول بعد هذا؟ يقول:
يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ.
إن داود النبي يقول في اتضاع: إنه على الرغم من أن الله يقودني إلى مراع خضراء، ولكنه يتركني إلى حرية إرادتي. وبِحُرّية إرادتي قد أضل وأخطئ. فماذا يفعل الرب معي وأنا هكذا؟ يقول: “يَرُدُّ نَفْسِي يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ”.
وسبل البر تعني كل الطرق المؤدية إلى البر.
[1] مقال لقداسة البابا شنوده الثالث “مزمور الرب يرعاني (مز22، أو 23)”، نُشر في مجلة الكرازة 16 فبراير 1996م.





