مذكرات كاهن الجزء السابع

| الكتاب | مذكرات كاهن الجزء السابع |
| المؤلف | مثلث الرحمات القمص بطرس جيد روفائيل |
| دار نشر | كنيسة السيدة العذراء بالزيتون/ رقم 1021 |
| الطبعة | الأولى، أبريل 2026م |
مقدمة الجزء السابع
مقدمة الجزء السابع
نقدّم لك عزيزي القارئ الجزء السابع من سلسلة كتب مذكرات كاهن للمتنيح القمص بطرس جيد روفائيل.
حيث يتابع قدس أبونا بطرس جيد تعليمنا دروسًا نافعة، من خبراته ككاهن وأب وواعظ ومدرس، ومؤسس لفكرة لجنة البر.
نتمى لك عزيزي القارئ أوقاتًا طيبة، بشفاعة السيدة العذراء والمتنيح أبونا بطرس. وصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني.
القمص بطرس بطرس جيد
كاهن كنيسة السيدة العذراء بالزيتون
القمص بطرس جيد في سطور
القمص بطرس جيد في سطور
† من مواليد أسيوط 13 أغسطس 1918م. تأثَّر في بداية حياته بالاستماع لعظات نيافة الأنبا مكاريوس أسقف أسيوط، والواعظ إسكندر حنا، فتعلَّق بالكنيسة وبمحبة الله، ووهب حياته -مع أخيه قداسة البابا شنوده الثالث - للخدمة والتكريس منذ باكورة شبابهما.
† كان عظيمًا في حبّه للرَّبِّ، وكان قويًا في إيمانه، وكانت خدمته التي امتدت لحوالي 60 عامًا حافلة بالإنجازات في شتَّى المجالات.
† نَذر الذهاب ماشيًا من بنها إلى الكلية الإكليريكية بمهمشة بالقاهرة للبدء في دراسته بها، ولكن لاقته السيدة العذراء في الطريق في صورة سيدة جميلة تستقل سيارة، وأفهمته أنها ستتحمَّل نذره عنه وأوصلته إلى الكلية واختفت عن ناظره بعدها.
† كان من أوائل دفعة الكلية الإكليريكية 1940م. كما حصل على ليسانس آداب قسم فلسفة، وماچستير تربية علم نفس.
† بدأ خدمته بخدمة القرية؛ بقُرى الصعيد بعد عام 1940م، واهتم بإنشاء مدارس أولية قبطية تُعلِّم القراءة، والكتابة، والألحان، واللغة القبطية كتعليم إلزامي في ذلك الوقت.
كما اهتم بحالة المدرسين والطلبة الفقراء في تلك المدارس، ورعاهم روحيًا وماديًا، وكتب مذكراته عن الخدمة والرعاية الروحية والاجتماعية والتعليمية في كتاب نشره في الخمسينات باسم "مذكرات مفتش".
† اهتم بالفن القبطي وتدريب أول مجموعة من الأطفال، طاف بهم المرحوم حبيب بك جورجي ربوع أوروبا ناشرًا فنّهم القبطي كأبناء للفراعنة.
† عمل بالتدريس لفترة وكان يهتم بنفسية الطُلاب، فكان ينشئ عيادات نفسية لهم يستمع إلى مشاكلهم، فانتظم الطلاب بالدراسة وقلَّت المشاجرات بينهم واختفت الكلمات البذيئة التي كانت تُكتب على الجدران سرًا. كما كان يهتم بالعمل الفردي للطلبة ليبعد بهم عن الإلحاد أو الغواية، إلى معرفة الله.
† سيِمَ كاهنًا في 12يوليو1972م، على مذبح السيدة العذراء بالزيتون حسب طلب القمص قسطنطين موسى الذي كان يعرفه منذ أن كان طالبًا بالكلية الإكليريكية، وذلك في وقت خدمة القمص قسطنطين موسى كمسئول عن طلبة الكلية الإكليريكية.
† اهتم بالتعليم وتسليم الإيمان واعتُبِر من وعّاظ الكنيسة القديرين، في وقت ندرَ فيه الوعاظ الدارسين، وكانت عظاته تشدُّ الكثيرين من كل الفئات والمستويات، وتدخل إلى القلوب وتنخس الضمائر وتدعو إلى التوبة، كما كانت تتسم بالسلاسة والسهولة مع العمق الروحي.
كان يفسِّر أصعب الآيات بأسهل العبارات. وكانت له اجتماعات أسبوعية منتظمة بالكنيسة. دُعيَّ لكثير من الإيبارشيات لإلقاء عظاته إلى جانب الاشتراك في النهضات الروحية، وكان أحيانًا يُلقي عظتيْن في كنيستيْن متنوعتيْن في نفس اليوم لامتلاء جدول مواعيده بالعظات.
† رُقِّيَ للقمصية في 14 نوفمبر1975م، للاشتراك في المجلس الإكليريكي للكهنة وللأحوال الشخصية.
† هو أول من أنشأ لجنة البر لرعاية الفقراء الذين أحبهم جدًا، ورعاهم على مبدأ التنمية الموازي للخدمة الاجتماعية، وساعد الفقراء في عمل مشاريع تنموية لرفع مستوى معيشتهم.
كما أسَّس بالكنيسة فكرة المشروعات التي تعمل تحت مظلة الكنيسة، وتضُمّ عدد من أبناء الكنيسة كفرصة للعمل وكمصدر للتدريب على مهن مفيدة مثل مشغل التفصيل، التريكو، أنوال لعمل السجاد اليدوي، مصنع الشمع، والعديد من المشروعات.
† اهتم بالتربية الكنسية وكان يُعلِّم بنفسه في فصول إعداد الخدمة، واهتم بتدريس الطلبة بنفسه لرفع مستواهم التعليمي.
† كُلِّف من قِبل قداسة البابا شنوده الثالث بتسليم طقس الكنيسة القبطية للأساقفة الفرنسيين –الأنبا مرقس (نيح الله نفسه)- والأنبا أثناسيوس – واستمر في متابعتهم لسنوات طويلة وساعده في ذلك الوقت المتنيح القس أنجيلوس ميخائيل كمدرس للغة الفرنسية.
† دَرَّس بالكلية الإكليريكية كأستاذ لعلم الوعظ والدين المقارن والكتاب المقدس واللغة العربية، واشترك بالتدريس في معهد الكتاب المقدس ومعهد الدراسات القبطية. وكان يستخدم في تدريسه أسلوبًا تربويًا شيقًا ويهتم بالتدريب العملي تحت إشرافه.
† قام بكتابة مؤَلَفًا بعنوان "مذكرات كاهن" نُشِرَ في مجلةِ الكرازة؛ وضع فيه خبراته الرعوية لكي تكون فائدة للأجيال من الخدام.
† انتُخب عضوًا في المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس لعدة دورات. كما مَثَّل الكنيسة القبطية في أحد المؤتمرات المسيحية بقبرص.
† اهتم بخدمة تكريس الشباب والشابات بكنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ورُسموا كهنة أو مكرّسات للخدمة.
† كان أبًا حنونًا لأبناء الجمعيات الخيرية من الأيتام وكان يهتم بالاحتفال بذكرى رسامته كل عام بين هؤلاء الأطفال، ويدعو الشعب إلى تدعيم الأنشطة التي بها هذه الجمعيات. وكانت أعظم أوقاته هي التي يقضيها مع الفقراء. قام برعاية الجمعيات الخيرية بالزيتون وكان يدبِّر أمر اجتماع شهري لهم لحل مشاكلهم.
† اهتم بالتعمير في الكنيسة وكان أبرزها كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون، التي تُعتبر إحدى المزارات الدينية العالمية. وأيضًا إنشاء دُور للمسنين والمسنات، والمغتربين والمغتربات، لخدمة الشعب، ومستشفى العذراء الخيري لعلاج المرضى بأسعار رمزية ومجانًا للفقراء وغير القادرين، كما بنى العديد من مباني الخدمة بالكنيسة.
ووضع مع بعض من الاستشاريين تخطيط لكافة مباني الخدمة الموجودة حاليًا بالكنيسة التي تم بناؤها بعد نياحته بالرسومات التي وضعها قبلها بعدة سنوات.
† كانت له علاقات طيبة برجال الدين من كافة الطوائف، وأيضًا من رجال الدين الإسلامي، ورجال السياسة، والمجتمع المدني.
† تميَّز بالحكمة التي ساعدته في حلِ الكثيرِ من المشاكل الأُسرية والاجتماعية، كما تميَّز باللطف الشديد والمحبة الفائقة لكل من يقابله، وأحبّه الجميع حتى الذي كان يلقاه لأول مرة. ونظرًا لما كان يتمتع به من أبوة حانية، كان أب اعتراف لعدد كبير من أبناء الشعب، ولبعض الآباء الكهنة.
† كان دائم الافتقاد للشعب، عطوفًا على الذين سقطوا ممسكًا بأيديهم حتى يقوموا من سقطتهم.
† اهتمَّ بالافتقاد داخل منطقة الكنيسة وفي أي حي من أحياء القاهرة، كان يلبّي الدعوة لزيارة أبنائه حتى في فترة مرضه في أيامه الأخيرة.
† اهتمَّ بخدمة الأُسر المستورة التي كان يرعاها بنفسه والتي أخرجت العديد من الأطباء والمهندسين، والمهنيين الممتازين في مهنتهم.
† وكان مثالاً في فهمه لرسالة الكهنوت فكان يرفض أخذ أي مقابل لأية خدمة روحية.
† كان مثالاً في وداعته وتواضعه وزهده في الحياة. وكان القريب منه لا يلاحظ أي مظهر من مظاهر تعظُّم المعيشة، ولم يُعرَف عنه أبدًا أنه حاول استغلال قرابته لقداسة البابا شنوده الثالث لتحقيق أي مكاسب خاصة، حتى في مجال الخدمة.
† رقدَ في الرَّبِّ في 20 يوليو 1996م، حضر مراسم الصلاة البابا شنوده الثالث مع العديد من الأساقفة والكهنة، وكبار الشخصيات الرسمية المسيحية والإسلامية، والآلاف من أفراد الشعب المسيحي الذين بكوه تأثُّرًا عند دفن جثمانه بمزار أسفل كاتدرائية السيدة العذراء بالزيتون.
بركة صلاته فلتكن معنا آمين.
عمليات إنقاذ
عمليات إنقاذ*
غَرقَ العالم في الإثم، وحمَى غضب الله، وغرق العالم في الطوفان.. ومن العجيب أن الله تبارك اسمه، لا تفارق رحمته عدله، فعدله رحيم، ورحمته عادلة.. وهكذا أنقذ الله العالم عن طريق (فلك نوح) وهطلت الأمطار، وأغلق الله باب الفلك وشملت رحمة الله الخليقة كلها، حتى الطيور الهائمة، والحيوانات السائمة.
+ وشاء الله أن ينقذ العالم من الهلاك الأبدي عن طريق الفداء العجيب، والموت على الصليب.
+ وأرسل الله الملاك روفائيل، لينقذ طوبيا من خطر داهم، وموت محقق!
+ وأرسل الله جيشًا من الملائكة، احتاطوا بالنبي أليشع، لينقذوه من جيش أَرَام، الذي أحاط بالنبي إحاطه السوار بالمعصم. وعندما فتح الله عيني جيحزي الغلام، رأى جنود العدو مسلحين، ورأى أيضًا ملائكة نورانيين يقفون مستعدين فهتف: "الَّذِينَ مَعَنَا أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ مَعَهُمْ" (2مل6: 16)!
+ وأرسل الله ملاكه وأنقذ دانيال من الجب وسدّ أفواه الأسود، وأنقذ الفتية شدرخ وميشخ وعبدنغو من النار التي حُميت سبعة أضعاف، وأبطل قوة النيران..
+ وفي العهد الجديد، كانت أول (جمعية إسعاف) أربعة أشخاص، ملأت الرحمة قلوبهم، فحملوا مفلوجًا، ونقبوا السقف ودلّوه، فلما رأى الرب يسوع إيمانهم، وهب المفلوج نعمة الشفاء...
+ ولم يستطع مريض بركة حسدا، الذي كان طريحًا على مدى 38 عامًا، أن يأتي إلى الرب يسوع، فجاء الرب إليه وقال له: "أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ؟" (يو5: 6)، ثم قال له آمرًا: "قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" واذهب إلى بيتك (يو5: 8)، فتدفقت في جسده الهامد، ينابيع الصحة والقوة!
هذه كلها عمليات إنقاذ يذكرها الكتاب المقدس، ويلخصها الرب في هذه العبارة: "وَادْعُنِي فِي يَوْمِ الضِّيقِ أُنْقِذْكَ فَتُمَجِّدَنِي" (مز50: 15).
وأحدثك أيها القارئ العزيز عن أحداث قامت فيها لجنة البر بالزيتون بعمليات إنقاذ..
قبل أن يُقطع الجريد..!
لا توجد كنيسة تذخر بقصص الشهداء والقديسين كما تذخر بهم كنيستنا المجيدة العريقة في القدم والبطولة، ونقرأ عن شهيد وقع في يد ملك وثني كافر.. احضروا الشهيد موثوقًا مقيدًا. فلما مَثَل أمام الملك، أخذ الملك يقدح زناد الفكر، كيف يعذب الشهيد أشد أنواع العذاب؟ وفيما هو يُمعن الفكر في ابتكارِ طريقةٍ يتفنن بها في تعذيبه، وكان الشهيد في هذا الوقت مربوطًا إلى شجرة، خطر للملك هذا الخاطر، فصاح آمرًا: اقطعوا الجريد.. وليضرب به هذا المؤمن العنيد!
ثم عنّ الملك أن يسأل هذا الشهيد.. ترى ماذا يفعل السيد المسيح لك، وأنت الآن في قبضة يدي، وطوع أمري وسلطاني؟!
قال الشهيد في هدوءٍ عجيب: أيها الملك.. افعل ما بدا لك.. والمُلك للمالك! ثم أردف الشهيد وهو يقول من أعماقه، والملك يستمع إليه: "ولكن قبل أن يُقطع الجريد.. يفعل الله ما يريد"!!
والذي حدث أن الجنود صعدوا فوق الشجرة، حسب أمر الملك وأخذوا يقطعون الأغصان، ويجتثونها في جلبة، ليضربوا الشهيد حتى الموت، وإذا بحيّة ضارية، كانت تتخذ من قلب الشجرة مسكنًا، وأزعجها طرق الجنود فأنفلتت غاضبة، ونزلت من الشجرة هادرة.. فالتقت بالملك في طريقها وكان يجلس.. يمتع البصر بموت الشهيد، فلدغته وقضت عليه في التو والساعة، وسقط أمر الملك، وجلس على العرش ملك مؤمن، عفى عن الشهيد. وهكذا أنقذ الله الشهيد من موت محقق، فأخذ الناس يرددون هذه العبارة، التي ذهبت مثلاً، كلما اشتدت الأمور وادلهمَّت: "قبل أن يُقطع الجريد.. يفعل الله ما يريد".
أسرف على نفسه
أتمَّ دراسته الثانوية، وحصل على الشهادة باللغة الفرنسية، وحصل على شهادة دونبُسكو.. ثم تعرف بقُرناء السوء، وهبط من سيئ إلى أسوأ، وتمرغ في الوحل، وعرف بين ما عرف المكيفات والمخدرات.. وجاء أخيرًا إلى لجنة البر بالزيتون محطّمًا.. تارة يقول: إنه وجد عمل وتنقصه الأوراق، وتنقصه مصاريف الانتقال ليتسلم العمل، وتارة يقول إنه وُفّق إلى عمل في الصعيد.. وتارة يقول: إنه قرر السفر إلى ليبيا.. وعندما ضيقنا عليه الخناق، وطالبناه أن يقدم لنا أولاً عقد العمل، انهار وأخذ يبكي كالأطفال.
وسألناه عن أهله، فعرفنا أنهم تبرءوا منه ولفظوه.. وطردوه شرّ طردة.. فلطموه على وجهه، واكتشفنا أخيرًا أن كل مبلغ كان يقع في يده، كان يتعاطى به مخدرات وسمومًا. وأن الثياب التي كان يحصل عليها من الكنيسة، يبيعها في هذا المجال.. ولكنه عندما حضر إلى الكنيسة أخيرًا، قطع عهدًا أن يعود للرب، ويبدأ حياته من جديد! وعندما امتنع وكف عن تناول هذه السموم، أخذ يأكل بشراهة، فكان لا يكفيه لحوم بجنيهين في اليوم الواحد!
وأرسلناه للمستشفى فأرادوا اختباره.. هل في نيته أن يمتنع تدريجيًا أم يمتنع دفعة واحدة.. ولكنه قال: لقد قطعت عهدًا أمام مذبح العذراء، ولن أنكث بالعهد.. وهو الآن في المستشفى ما زال ينزف دمًا. عقد العزم على التوبة.. وبعد أن ينتهي علاجه بالمستشفى، سنبدأ في علاجه نفسيًا، وإعداد عمل له يعيش منه عيشًا شريفًا.. وإنني أهيب بعائلته أن يفتحوا له صدورهم، فقد يفعل الحنانُ.. ما لا يفعله النُّصحُ والبَيَانُ.
هذا شاب أسرف على نفسه.. بل أقول إنه جنى على نفسه.. فأهدر كرامته وبدد مستقبله، وشاء الله أن تتسلمه يد الكنيسة، لتعيده لأحضانها، وتعيد إليه الثقة من جديد.
قسا عليه الدهر.
قد تنزل الفتاة إلى خضم العمل، فتجد نفسها لأول مرة، في خضم الحياة، تُصارع أمواجها، وقد يحدث أن تكون قليلة الخبرة.. وفي رأيي أن تلجأ هذه الفتاة إلى أب الاعتراف، قبل أن تنزلق ويجرفها التيار.. فتجد الإرشاد والهداية، والكتاب يقول: "وَوَيْلٌ لِمَنْ هُوَ وَحْدَهُ.." (جا4: 10)!
وحديثنا عن فتاة ساذجة، لم تمارس سر الاعتراف، فانزلقت، وإذا برئيسها في العمل يزين لها طريق الغواية.. واستطاع أن يخدعها ويغرَّر بها.. وأمضاها ذات مرة على أوراق عمل، وظهر فيما بعد أنها أوراق تُثبت زواجها العرفي.. والفتاة رائعة الجمال، قليلة الخبرة بالحياة، وعاشت معه أيامًا، ولما أفاقت أخذت تشدّ شعرها من هول ما فعلت.. وأخذ هو يلاحقها ويهددها.. وفكرت أول ما فكرت في الانتحار، والتخلص من الحياة.. وأخيرًا استقر قرار الأسرة، أن ينزحوا عن البلدة، وأن تضحي الفتاة بوظيفتها، وجاء الجميع إلى كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ولو أنهم تأخروا كثيرًا! واتخذت الكنيسة هذه الخطوات لإنقاذها:
تذهب الفتاة إلى مكان أمين، وتهيئ لها الكنيسة عملاً شريفًا تعيش منه.. هي وأسرتها حتى لا تقتلها الوحدة، وتستمر في المذاكرة في وقت فراغها من العمل. واستطاعت الفتاة أن تحصل على شهادة الثانوية العامة بتفوق.. وأن تنتسب إلى إحدى الكليات، وهي الآن بالسنة الثالثة بإحدى الكليات.
إن إصلاح الخطأ لا يكون بالأسى والتأسّي، والبكاء والنحيب على ما فات، ولكن الإصلاح يكون بالالتجاء إلى الله أولاً.. وإصلاح النفس بالتوبة الصادقة والعمل الجاد وبالمعاناة. ويشاء الله أن يضع حلاً لهذه المشكلة. فينقذ الفتاة من الرجل الذئب. الذي حالما يئس من العثور عليها.. أسرع يبحث عن فريسة أخرى وتزوج بها.
إنقاذ أسرة
دخلت إلى لجنة البر بالزيتون سيدة تقول: مات عَائلها، ولم يترك لها معاشًا، لأنه كان يعمل (أرزاقيًا) ويزاول عملاً حرًا بسيطًا.. وترك لها خمس بنات، واحدة منهن مريضة بداء الرئة، وتشكو (السل) من الدرجة الأولى! فكيف تنقذ أسرة أخنى عليها الدهر وأثخنها بالجراح؟ هل يكون العلاج أن تقدم مالاً فحسب؟! هذا أسوأ الحلول... لقد بدأنا بعلاج الفتاة العليلة علاجًا كاملاً. ثم عرضنا على الأم أن تعمل في أسرة، وعملها مجرد رعاية أم عجوز ترافقها، وتأخذ في مقابل ذلك جنيهًا كل يوم أو ثلاثين جنيهًا في الشهر.. وهنا يتم إنقاذ مزدوج.. إنقاذ العجوز التي لا تجد من يرعاها، يقابله إنقاذ الأرملة التي تقوم برعايتها.
ألحقنا البنتين الكبيرتين في مصنع السجاد، وتعملان بعد اليوم الدراسي وتأخذ البنتان 10 جنيهات مع وجبة غذاء.. وهكذا وقفت الأسرة على قدميها. الجميع الآن يعملون، الأم تعمل.. والبنتان تعملان. والله لا يبارك الأيدي المرتخية، ولا يبارك الكسلان!
مقطوع الرجلين.
هذا رجل دبّ في إحدى رجليه (صديد) ثم انتقل الصديد إلى الرجل الأخرى.. وقرر الأطباء قطع إحدى رجليه، ثم يعودون ويقررون قطع الرجل الأخرى، إلى ما تحت الركبتين، والرجل معيل، وفي عنقه أسرة تحتاج إلى القوت، وهو من أهل الصعيد، قدمه لنا أحد الآباء الكهنة بالقاهرة، وتشترك لجنة البر بالزيتون في عمل أطراف صناعية له تكلفت مائة جنيه.. وللسعي في عمل كشك يجلس فيه ويواجه أعباء الحياة..
إنها عمليات إنقاذ لا تنتهي، ما دامت الحياة تزخر بالأحداث، وما دام هناك صوت يرتفع ويقول مع أهل مكدونيَّة: "اعْبُرْ إِلَينا وَأَعِنَّا" (أع16: 9)!
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 فبراير1979م.
الأعصاب المتوترة، والمستهلكة
الأعصاب المتوترة، والمستهلكة..*
يقدم لنا الكتاب المقدس أشخاصًا تمكنوا من ضبط النفس والسيطرة على أعصابهم وقت الملمّات، كما يقدم لنا الصورة المضادة لأشخاص أعصابهم مستهلكة.
+ ومن الذين توترت أعصابهم (شاول الملك) الذي كان يهيج، ويشتد جنونه وكان داود يضرب له على المزمار فيهدأ ويستريح.
+ ومرة فقد (موسى) النبي أعصابه عندما صعد على الجبل ليأخذ الوصايا مكتوبة بيد الله، وعند نزوله فوجئ بالشعب يعبد عجلاً ذهبيًا فهاج وفقد أعصابه وحطّم لوحي الشريعة..
+ وغضب الملك الوثني (نبوخذنصّر) عندما ردّ عليه الفتية شدرخ وميشخ وعبدنغو في حزم وحسم: "يا نبوخذنصر وَإِلاَّ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنَّنَا لاَ نَعْبُدُ آلِهَتَكَ وَلاَ نَسْجُدُ لِتِمْثَالِ الذَّهَبِ الَّذِي نَصَبْتَهُ" (دا 3: 18). وبلغ من غضب الملك أنه أمر أن تُحمى النار سبعة أضعاف ويُلقي فيها الثلاثة فتية ليكونوا وقودًا للنار.
+ وهاج (فرعون) وماج عندما طالبه موسى أن يخرج شعب الله من مصر وفقد أعصابه وهو يقول: "لاَ أَعْرِفُ الرَّبَّ، وَإِسْرَائِيلَ لاَ أُطْلِقُهُ" (خر2:5). وضرب الرب فرعون عشر ضربات.
+ وجنّ (هيردوس الملك) عندما سمع من المجوس بمولد السيد المسيح وفقد أعصابه تمامًا، وأقدم على أكبر جريمة في هذا الوجود وذبح جميع أطفال بيت لحم وتخومها من ابن سنتين فما أقل، "رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا وَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَتَعَزَّى، لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ" (مت2: 18).
+ ومن الجانب الآخر تميز موسى النبي بالحلم، وكان موسى أحلم بني الأرض.. "وَأَمَّا الرَّجُلُ مُوسَى فَكَانَ حَلِيمًا جِدًّا أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ" (عد12: 3).
+ وتكتمل الصورة في شخصية الرب يسوع.. "لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ، قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ" (مت12: 9)!!
+ وسنتناول في هذا المقال موضوع: الأعصاب المتوترة، والهادئة وندعم المقال بقصص من حياة القديسين ومن واقع الحياة.. مع كلمة مجملة عن الأعصاب من الوجهة السيكولوجية.
ما أسباب العصبية؟!
أولاً: عند علماء النفس
1- ترجع العصبية إلى توتر عقلي وعصبي وإلى أعصاب مشدودة باستمرار.
2- الشعور بالنقص وما يؤدّي إليه من حنق وخوف دائم من التهكم والنقد.
3- الشعور بالذنب، والخوف الدائم من عقاب الله وقصاصه، خاصة للأشخاص الذين لم يتقدموا لسر الاعتراف، ولم يأخذوا الحل "الرَّبُّ.. قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ" (2صم12: 13).
4- الإرهاق الشديد وتأدية أعمال يشعر المرء أنه مُكره عليها، فيؤديها آليًا.
5- افتقاد الراحة، والهدوء النفسي، وعدم وجود فترة استجمام بين عمل وآخر.
6- المنازعات المستمرة في الجو العائلي، أو جو العمل، فتُشد الأعصاب شدًا.
7- الاعتداد بالنفس والمبالغة في فهم الكرامة، وكبرياء النفس، فيحس الشخص بجرح غائر في كرامته لمجرد كلمة عابرة غير متعمدة.
8- عدم الاستقرار النفسي، فيشعر الشخص أن الأرض تهتز تحت قدميه.
9- فقدان الثقة في النفس، وقد ذكرت مثالًا للطالب الذي فقد أعصابه.. وأخذ يردد هذه العبارة (مفيش فايدة.. سعد زغلول قال: لا فائدة)!!
10- التشاؤم، فينظر الإنسان إلى الحياة بمنظار أسود ويتوقع دائمًا شرًا.
11- الانطواء، وعدم مواجهة الحياة في شجاعة وصبر.. وعدم الاعتماد على الله.
12- سوء المعاملة في الصغر، فقد تترك طابعًا لا ينمحي. كما تترك عقدًا نفسية ترسخ في النفس.
13- الفشل وما يتركه من مرارة في النفس، ويتبع هذا توقع الفشل.
14- الاهتمام المفرط، والتكالب على الحياة، وما يلحق كل هذا من شوائب وقلق وهم.
15- مشكلة لا يجد لها الإنسان حلاً. فتضيق عليه الخنق، ويبيت مفكرًا، مدبرًا، مضطربًا.
ثانيًا: من الوجهة الدينية
1- العصبية تعني البعد عن الله.. وعن الكنيسة. والله يهب الإنسان السلام الداخلي: "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ" (يو14: 27) والارتباط الدائم بالله عن طريق التأمل والصلاة.
2- الإيمان الذي يعطينا دائمًا نورًا نفاذًا، وسط غياهب الظلام، فنرى وراء التجربة خيرًا، وراء المشكلة حلاً، ونرى أن كل الأمور تعمل معًا للخير للذين يحبونه.
3- ضبط النفس: والتدريب على الفضائل والتسليم الكلي لمشيئة الله "وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ" (مت39:26) ومع التسليم لا تكون هناك أعصاب مشدودة.
4- الحب لله، والحب للآخرين والحب يدفعنا إلى الاحتمال، والتغاضي عن عيوب الآخرين.
5- القناعة والرضا، وهذا يحمينا من شيطان الطمع، ومن شيطان الشراهة، فقد تكون العصبية ناتجة عن المعدة، والمثل يقول: ما ملأ الإنسان وعاءً شرًا من بطنه، وقد تكون البطنة موطن الداء.
6- حياة الطُهر.. "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي" (مز51: 10)، وكثيرًا ما تكون العصبية ناجمة عن متاعب جنسية أو كبت أو شعور بالإثم مع ضغط العقل الباطن والتركيز اللاشعوري على السعادة الجنسية كمجرد هدف للحياة.. ويلزم تدريب الإنسان أن ينظر بطهارة إلى كل شيء "فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا" (مت6: 22) والابتعاد عن كل ما يثير، وشغل الوقت، والقراءة النافعة، والاهتمام بالهوايات والقدرات، والخدمات، وحب الخير، وإشباع عاطفة الحب، بالحب المقدس وزيارة الأصدقاء.
7- فلسفة الهدوء. وعدم الانفعال لأقل الأسباب وعدم الإسراع إلى الغضب فإن غضب الإنسان لا يصنع بر الله ويبدو هذا الهدوء في التصرف وفي الكلام وفي حسن الاستماع وعدم التسرع في الحكم على الأشياء.. وفي الطمأنينة وعدم الانزعاج.
على الصاج المُحمّى
ويقبض أحد الملوك الوثنيين على أحد الشهداء ويشتطّ في عذابه، ويعد له الصاج المحمّى ليُشوى عليه شيًّا.. ويقلبونه على كل جنب، على نار هادئة، حتى يحترق الجنب وتفوح رائحة الشواء.. والشهيد لم يفغر ثغره عن ألم أو أنين!
كان مستسلمًا للعذاب في سبيل السيد المسيح الذي أحبه، وترتفع ألسنة النيران وترتفع المحبة فتطفئ لهيب النار. ويفقد الملك أعصابه ولا يفقد الشهيد صبره واحتماله!
ويتقدم الملك إلى الشهيد ويسأله: أنا الآن أعذبك فماذا يفعل المسيح لك؟
ويجيب الشهيد في هدوء: إن ما يفعله الرب معي أنه يهبني الصبر فاحتمل عذابك.
القديس أغاثون.
ويحاول البعض أن يزحزح القديس أغاثون عن وقاره، فيوجه إليه الإهانة تلو الإهانة ويقول له أولاً: السلام لك يا أغاثون المتكبر، فيبتسم القديس ولا يجيب بشيء.. فيعود الرجل ويقول: السلام لك يا أغاثون المهذار.. فيستمر القديس في هدوئه ولا تبدو عليه بادرة تنم عن انفعال.. فيقول له الرجل ثالثًا: السلام لك يا أغاثون الملحد الكافر.
فيقول القديس أغاثون: لا لست ملحدًا أو كافرًا.. إنني مؤمن بالرب يسوع.
القديس والشيطان.
ويقول القديس للذين يطلبون منه إخراج الشيطان من إنسان معذّب إنني فقير في المواهب، عار من الفضائل! ويلحّون عليه والقديس يتهرب منهم وينسب إلى نفسه النقص والضعف.
وهنا يهيج الشيطان ويُزبد، ويعذب الإنسان المسكين، فيعلو صياحه، ويشتد خطره وإذا به يلطم القديس على وجهه لطمة قوية، وإذا بالقديس يدير وجهه الآخر حسب وصية الرب "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا" (مت 5: 39). وهنا فقط خرج الشيطان وهو يصيح ويقول للقديس: ما لنا ولك.. لقد غلبتنا بالتواضع.
أول بركة.
وحدثني كاهن، أعرفه تمام المعرفة.. قال: تقدم شاب إلى فتاة من أسرة معدمة تعولها الكنيسة، وطالب بجهاز.. فأعدته له الكنيسة، ثم عادت الكنيسة وأحضرت الثياب، وعقد الكاهن الإكليل ومن قبله الخطوبة.. وفتح أبواب الكنيسة ابتهاجًا بهذا الزفاف، وقدّم للعروسين مبلغًا مناسبًا من المال ليكون عونًا لهما. ثم يقول الكاهن لقد أخذت أول بركة في هذا الإكليل وكان أول عهده بالكهنوت.
يقول تطاول عليه أحد الحاضرين وهم من عامة الشعب، وتفوّه بألفاظ جارحة لأن العروس جلست عن يمين العريس وفي رأيه يجب أن تجلس عن يساره!! وابتسم الكاهن ولم ينفعل، ووجد له عذرًا لجهله!
والآن أيها القارئ إن أعصابك متناهية الدقة فلا تكن عصبيًا ولا تحرق أعصابك وتخسر حياتك.. تذكر قول الكتاب: "طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ" (مت5:5). وقول عالي: "هُوَ الرَّبُّ. مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْهِ يَعْمَلُ" (1صم3: 18).
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 فبراير1979م.
رجال في المرآة
رجال في المرآة؟!*
أتعرف كيف تُصنع المرآة؟! زجاج شفاف يُطلى بطبقة من الفضة.. ومن العجيب أنك إذا نظرت خلال الزجاج، رأيت ما حولك من خضرة، وماء، وسماء، وكائنات..
وبعد أن يطلى الزجاج بالفضة ويصير مرآة.. إذا نظرت فيها رأيت نفسك.. ولا ترى الآخرين. وهذا ما تفعله الذهب والفضة.. إنها تحجب عنك الرؤية فلا ترى غير نفسك، بل هذا ما يفعله الذهب والمال بأهل العالم.
رأيتُ الناسَ قد ذهبوا |
| إلى مَن عنده ذهب |
+ ولكن إذا تجرد الزجاج من الفضة، وبمعنى آخر، إذا تجرد الإنسان من حب المال.. ماذا يرى؟! لا شك أنه يرى حقائق كثيرة نجمل منها:
+ أول مَن يُرى: الله.. فتراه معك، وقريبًا منك، بل أقرب إليك من نفسك.. تقدمت فرأيت "الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، لأَنَّهُ عَنْ يَمِينِي فَلاَ أَتَزَعْزَعُ" (مز16: 8).
+ ترى حياتك قصيرة على الأرض.. "عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ" (مز39: 4).
+ ترى هذه الحقيقة الرائعة، والقضية المؤكدة: "مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟" (مت16: 26).. وهكذا تخسر كل شيء، لتربح السيد المسيح.
+ ترى ما تفعله من خير، يستحيل إلى كنز، محفوظ لك في السماء.. "اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا فِي السَّمَاءِ" (مت6: 20).
+ ترى النهاية السعيدة لرحلة الحياة، "أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز23: 4) ترى الفقير والبائس والمسكين، ترى أخاك فتمد إليه يد المساعدة..
+ ترى الرب آتيًا على السحاب ديانًا وحَكَمًا عادلًا. "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ" (رؤ22: 12).
وإليك أيها القارئ العزيز وقائع عن (رجال في المرآة)..
رجل في المرآة.
يلتقي الكاهن بالناس على اختلاف مشاربهم.. وهذا رجل التقيت به وأقدمه في المرآة، كان يشغل وظيفة (مدير عام) في إحدى الشركات. ولكنه اشتغل مصورًا هاويًا، وأسطر هنا سر تحوله.
عام 1969م بعد تجلي السيدة العذراء بعام. أصيب ابنه بحمى شديدة، وارتفع مؤشر الحمى وسجل (40,5) درجة وظلت الحرارة في ارتفاع وأصيب الولد بشلل كلي، وأصبح في حالة عجز كلي ودخل مرحلة الخطر، فأسرع والده واستدعى عددًا من الأطباء كوّنوا (كونسلتو) واستمروا ساعة وكتبوا عدة أدوية وقالوا قبل خروجهم: "الأمر معلق برحمة الله"!
ويقول الأب: خرجت كالمجنون أبحث عن الدواء في كل صيدلية، ولكني عرجت على كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ووقفت أمام الأيقونة أعاتب العذراء. كنت أحمل همًا ثقيلاً تنوء بحمله الجبال!
وأخذت من زيت القنديل الموجود داخل الهيكل.. ونذرت إذ نجا ابني أن اجعل صورتك يا سيدتنا العذراء تلف حول العالم!
وعبثًا حاولت أن أعثر على الأدوية. لقد وفقت إلى اثنين من خمسة.. ولم أجد باقي الأدوية، ولكني استشعرت بالطمأنينة تسري إلى قلبي، وسلمت أمري إلى الله.
ثم يستطرد ويقول: لم أنم طول الليل وفي الساعة السابعة صباحًا.. مد ابني يده المشلولة وسحب إنجيلاً كان قد أخذه جائزة من التربية الكنسية ووضعه على صدره، وأخذ يناجي العذراء، فوقفت مذهولاً.. كيف حرك الولد يده. هوذا قد جاء الطبيب، واكتشف أن ابني قد تماثل للشفاء، دون أن يتعاطى الدواء!!
ويقول الوالد لقد برّت السيدة العذراء بوعدها، وبقى أن أفي بنذري.. لم أكن أعرف التصوير، فأحضرت كاميرا فاخرة، بعدة مئات من الجنيهات، وفلاش 8 steps ladder وتعلمت التصوير وأخذت عنوان الكنائس في المهجر وأرسلت صور العذراء لأستراليا وأوروبا وأمريكا وكندا، ومن محاسن الذكريات أن يرتبط يوم شفاء ابني بعيد الأم وهو اليوم الذي تكرست فيه لتصوير أمنا العذراء، وما زلت مكرسًا لهذه المهمة منذ عشر سنوات وملازمًا لكنيسة السيدة العذراء بالزيتون ملازمة الظل!
المدخنون في المرآة.
أذكره جيدًا، رغم كرّ الأيام، ومر الأعوام. كان ابنًا وحيدًا لأبيه، وكان أبوه ابنًا وحيدًا لأبيه، وكان الجد متعلقًا بحفيده.. كثير الحدب[1] عليه ... كلما تنقل كان الحفيد في معيّته ونشأ الطفل أيضًا متعلقًا بجده.. وكان الجد واسع الثراء، يملك أرضًا زراعية، فألحت عليه مشاعره.. فأوقف على الحفيد أكثر من 30 فدانًا.
وأودع الريع في أحد المصارف باسم حفيده، وحالما ودّع الحفيد دور الطفولة وخطا أول خطوة في طور الشباب المبكر، أطلق الجد يد حفيده، في المال الذي أوقفه عليه يغترف منه كما يشاء! فهل أخطأ الجد أم أصاب؟! لا شك أنه قد أخطأ خطأً جسيمًا.. لأنه بالغ في تدليل حفيده.. وأطلق يده في المال قبل أن يصل إلى سن الحُلم والتعقل.. والمبالغة في تدليل الطفل لا تخلق منه رجلاً نافعًا يشعر بالمسئولية، وكذلك القسوة عليه خطأ لهذا قد تكون الفضيلة وسط بين رذيلتين بين تقتير[2] وإسراف، بين لين وعنف.
والذي حدث تمامًا أن الحفيد عرف بين ما عرف.. التدخين وهو ما زال طالبًا بالإعدادية! وأخذ يبعثر مال جده.. ذات اليمين وذات اليسار.. في اللهو والعبث.. وبلغ من إسرافه في التدخين أنه كان لا يكاد يطفئ سيجارة، حتى يشعل غيرها.. ويصاب الحفيد بحمى (التيفويد) وكان من الممكن أن يجتاز الحمى بسلام.. ولكن إدمانه على التدخين.. سبب مضاعفات.. فأصيب بنشع في الرئة تطور إلى (ماء) في الرئة.. فاضطر الأطباء أن يقصوا بعض ضلوعه! وأنذره بعض الأطباء: أن يختار بين الإقلاع عن التدخين.. أو الموت السريع.. وهنا أقدم لك أيها القارئ العزيز ثلاث مميزات يتميز بها المدمنون على التدخين.
مميزات الذين يدخنون
الذي يفرط في التدخين يتميز بثلاث صفات:
+ أنه لا يشيب.
+ لا يعضه كلب.
+ لا يقربه سارق بالليل!!
ويتبادر إلى ذهنك أنه لا يشيب لأنه يتمتع بصحة خارقة، وأنه يطرد الهم، وهو ينفث السيجار كما يتوهم البعض، وأنه بمنأى عن العدوى بالأمراض كما يتوهم البعض الآخر، وأنه لا يقربه سارق لأن الناس تهابه وتعمل له حسابًا.. وكذلك لا يقربه كلب لأن الحيوانات أيضًا تخشى بأسه.. ولكن الحقيقة مختلفة تمامًا عما تبادر إلى ذهنك؟؟
1- فهو لا يشيب لأن الموت يدركه في سن مبكر، وتخترمه الأمراض قبل أن يصل إلى سن الشيخوخة فتقضي عليه قضاءً مبرحًا، وهكذا يموت في ميعة الصبا[3]، وشرخ الشباب ..
2- ولا يقربه كلب لأنه يعيش منحنيًا ثقيل الخطوات، فيستعين بعصا يتوكأ عليها في السير.
3- ولا يقربه لص بالليل لأنه يظل يسعل طول الليل ساهرًا مسهدًا، يتمزق صدره مع أنفاسه، والآن اسمع قول أحد الحكماء (خير عادة ألاَّ تكون للإنسان عادة) والتدخين أسوأ عادة تفقد الإنسان قوة الإرادة، وبولس الرسول يقول: "كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ"! عش حرًا.. سيدًا.. لا عبدًا.. "فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا" (يو8: 36).
راهب في المرآة.
مرَّ السائح قادمًا من بلاد نائية بأحد الأديرة، وزار راهبًا زاهدًا يعيش متعبدًا في قلايته.. فوجد الراهب قد انكفأ على بعض الكتب والمخطوطات، وهو جالس على حصير.. وقد نحل جسمه من الصوم والتعبد.. فبدا هزيلاً، ضامرًا.. وكان السائح يظن أنه يلتقي براهب يجلس على الأقل القليل، وأمامه مكتب، وبجواره مكتبة زاخرة بأنفس الكتب، حافلة بالمجلدات، وتحتوي الحجرة على أثاث يستقبل فيه الضيوف، وهنا ابتدر السائح الراهب بقوله: "أين السرير الذي تنام عليه يا أبانا، ولماذا لا تملك مكتبًا ومكتبة.. ولماذا أرى حجرتك عارية من الفراش والرياش؟!".
وهنا رفع الراهب بصره وسدده إلى السائح وعاد بدوره يسأله: "لقد جئت إلى بلادنا فهل تملك الآن مكتبة، وأثاثًا فاخرًا"؟! قال السائح: "لا، لا أملك شيئًا هنا لأنني غريب عن هذه البلاد"! قال الراهب في هدوء: "وأنا لا أملك شيئًا من حطام الدنيا لأنني أعيش في هذه الدنيا وأنا سائح وغريب".. وهنا تحضرني كلمات قداسة البابا:
غريبًا عشت في الدنيا |
| نزيلاً مثل آبائي |
مَن قال لك؟
أعرفه أستاذًا باحثًا ومدققًا يخلط أحيانًا الجد بالمرح، دون أن يخرج عن وقاره، يثير من يقابله ليأخذ منه ردًا جميلاً أو قولاً مأثورًا.. يميل إلى المناقشة والاسترسال.
زار مرة ديرًا.. ووجد مكتبًا صغيرًا متواضعًا. في إحدى الحجرات يجلس عليه أحد المختصين بتصريف شئون وحسابات الدير، فظن لأول وهلة أن هذا المكتب لرئيس الدير.. فحالما التقى به غلبه طبعه، ووجّه إليه هذا السؤال.. وهو يشير إلى المكتب. "هل يحق لراهب أن يمتلك مكتبًا"؟ وهنا قال الأستاذ: لقد أفحمني رئيس الدير بتواضعه، وردّ على سؤالي ردًا لم أكن أتوقعه وقال لي: "مَن قال إنني راهب"؟!
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 16 فبراير1979م.
[1] حدب عليه: عطف وحنا عليه.
[2] تقتير: بُخْلٍ
[3] ميعة الصبا: أوّله ونشاطه، ريعانه.
وقفة مع بعض الرجال
وقفة مع بعض الرجال!*
+ إذا أردنا أن ننظر إلى أحد الرسل الاثني عشر، وليكن بطرس الرسول، خلال مرآة، نجده قبل حلول الروح القدس، كان يتميز بصفات نجمل منها:
+ كان محبًا، فما أسرع أن قَبل الدعوة، وترك السفينة والشبَاك..
لم يفارق السيد المسيح وقت المحاكمة، وتمنّى من سويداء قلبه ألاَّ يفارق السيد المسيح أبدًا، فعلى جبل التجلي قال بطرس: "يَا رَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا!" (مت17: 4).
+ ومرة عبر عن مشاعره فقال: "هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ"! (مت19: 27).
وفي حديث آخر نراه يقول: "يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ" (يو6: 68).
+ الصفة الثانية: كان مؤمنًا حقًا، كما كان محبًا حقًا!
فعندما وجّه الرب هذا السؤال: "مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ"؟! كان بطرس أول من أجاب: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!" (مت16: 13-16).
+ الصفة الثالثة: كان مندفعًا فمرة أصاب.. ومرة أخطأ..
اندفع فقال: "وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا"، فأجابه الرب.. "الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُني ثَلاَثَ مَرَّاتٍ" (مت26: 32، 33).
واندفع: عندما أحاط اليهود بالسيد المسيح ليقبضوا عليه، فاستل سيفه، وقطع أُذُن عبد رئيس الكهنة.. فلمس الرب الأذن المقطوعة فعادت كما كانت! وقال له مؤنبًا: "رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!!" (مت26: 52).
+ والصفة الرابعة كان سريع التوبة، نادمًا على الذنب.. فبعد أن أنكر أمام جارية حالما وقع بصره على الرب، "خَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا".
كان بطرس الرسول مزيجًا من حب وضعف، وعندما سلّم حياته للرب، وصار رسولاً، نفخ الرب في ضعفه فصار قوة.. فذهب معلمًا، وجال مبشرًا، ومات مصلوبًا منكسًا.
ونستكمل اليوم الحديث عن رجال في المرآة..!
شابان في المرآة.
كان الشابان يقطنان في منزل واحد مكوّن من طابقين: كان أحدهما يسكن في الطابق الأول وهو شاب مستهتر، والثاني يسكن في الطابق الثاني وهو شاب مستقيم، مُكبّ على الدرس.
الشاب في الطابق الأول عربيد مستهتر طائش.. يمضي حياته في اللهو والعبث، وكان قد تعرف بأصدقاء السوء فالتفّوا حوله، يحتسون الخمر ويتعاطون المخدرات، ويرتكبون المحظورات. لا يهابون إنسانًا ولا يخافون الله، انكبوا على الشهوات ينهلون من موردها نهلاً. وشهوات العالم كالماء المالح، لا يُشبع النفس، كلما شرب منه الإنسان ازداد عطشًا. وهكذا بلغ هذا الشاب المستهتر مع أصدقائه إلى حافة الهاوية ومشارف الفشل والتعاسة.
وتمر الأيام والشاب المستهتر ساردًا (تائهًا) في غيّه، بينما الشاب في الطابق الثاني مكبًّا على علومه، كان شابًا مستقيمًا عفًا، لا يقرب الدنايا وينأى بنفسه عن مواطن الشبهات، يتخذ خيرة أصدقائه من بين الكتب وأمهات المعرفة.
ويستمر الحال على هذا المنوال.. والشابان على طرفي نقيض. أحدهما غارق في الرذيلة إلى أذنيه. والثاني مستغرقًا في القراءة والتحصيل. ثم حدث ما ليس في الحسبان.
استيقظ ضمير الشاب في الطابق السفلي.. ذات يوم على أثر عظة استمع إليها. دخل الكنيسة يومًا.. وتلقفت نفسه العطشى كلمة الله لتعمل فيها عملها.. إذ كلمة الله قوية وفعالة.. تصل إلى مخادع النفس! كان هذا الشاب كأعمى استرد بصره فجأة فوجد الطريق، وهاله أن يرى نفسه عارية من الفضائل، غارقة في الرذائل!
فعاد إلى بيته نادمًا، وعزم أن يكرس ما بقيَ من حياته للرب.. وأخذ يسير في طريق التوبة بخطى حثيثة.. وأغلق بابه في وجه أصدقاء السوء، ونفض يده منهم وأقبل على الصوم والصلاة وفعل الخير.
وذات مرة حدثته نفسه أن يصعد الطابق الثاني، ويلتقي بالشاب الفاضل يسير معه في طريق التوبة، ويتخذه رفيقًا وصديقًا. وفي ذات الوقت كان الشاب في الطابق الثاني قد غفل عن نفسه، واستمالته حياة اللهو والعبث.. بما فيها من رقص وغناء وطرب ومجون.. وندم على حياة الفضيلة وأسرع الشيطان يهمس في أذنيه...
لماذا تكون حياتك هكذا خالية من البهجة والمسرات؟ وهكذا عقد هذا الشاب العزم أن ينزل إلى الطابق الأول، وينضم إلى زمرة الأشرار.
ومن العجب العجاب.. أن يلتقي الاثنان في منتصف الطريق، واحد صاعد والآخر هابط.. وأعجب من هذا تقول القصة: لقد هوى البيت فجأة، ودُفن الاثنان تحت الانقاض: فما مصير كل منهما؟!
الناس معادن.
أعرفه تمام المعرفة.. كان أول عهده بالدروس الخاصة، أن تعرف بأبناء ثري من أصل لبناني يملك أرضًا قوامها 1000 فدان.. وفاجأ المدرس بهذا الاتفاق العجيب.
وكان أولاده في المرحلة الابتدائية.. قال: أرجو ألاَّ يزيد الدرس عن نصف ساعة.. الدرس الطويل تعب للجسد، الطفل لا يستطيع التركيز.. وهذه مهمتك يا أستاذ.. ما تعطيه في ساعة عليك أن تعطيه في نصف ساعة.. إن الطبيب النطاسي قد يجري عملية ناجحة في دقائق. والنصيحة الثانية: تنجح في رسالتك إذا جعلت الأولاد يحبونك ويحبون المادة التي تُدرّسها لهم، وهم يحترمونك كلما راعيت الدقة في المواعيد!!
ويشاء الله أن يخرج المدرس من هذا الدرس إلى درس آخر من المواطنين فيبتدره الوالد بقوله اتفقنا على الدرس ساعة (شكلاً) ومع التنفيذ أرجو أن تمتد إلى ساعتين (موضوعًا) البيت بيتك، والولد لديه وقت فراغ.. وشتان بين تفكير وتفكير.. والناس معادن!
مجرم في المرآة.
لا يوجد شيء اسمه (جريمة كاملة)، ولا بد أن يترك المجرم أثرًا يدل عليه مهما بالغ في الحيطة والحذر لا بد أن تأخذه آثامه، ويحيق المكر السيئ بأهله، الله نفسه يطارده.. وكيف ينجو إنسان من يد الله وهو العدل المطلق؟! وهذا مجرم ارتكب جريمة.. ولم يترك آثرًا أو بصمة.. لا دليل واحد يرشد إلى العدالة من قريب أو بعيد، وتمر فترة طويلة يفقد فيها المحققون آخر بصيص من أمل، وتطوى أوراق القضية، وتقيد الجريمة ضد مجهول.
غير أن محققًا بالغ الذكاء.. كان يعتقد أن المجرم لا بد أن يحوم حول مسرح الجريمة، فبقيَ مرابطًا متخفيًا ويفاجأ بالمجرم يدخل بقدميه إلى مكان الجريمة، ويتم القبض عليه، ويساق إلى الكرسي الكهربائي.. وهنا يوجه المحقق للمجرم سؤالاً محيرًا.. ويقول لقد حيّرتنا مرتين: المرة الأولى بارتكابك جريمة كاملة، لم تترك أثرًا واحدًا يرشد إليك، ثم حيرتنا.. ثانيًا رجوعك إلى مكان الجريمة بقدميك بعد إفلاتك. ويقول المجرم لقد نسيت في مكان الجريمة القفاز وفيه البصمات. وهنا فغر المحقق فاه.. كان المجرم يلبس معطفًا أبيض والقفاز يطل من الجيب الداخلي لقد أعماه الله عنه ليأخذ العدل الإلهي مجراه!
حقًا "أَيْنَ أَذْهَبُ مِنْ رُوحِكَ؟ وَمِنْ وَجْهِكَ أَيْنَ أَهْرُبُ؟" (مز139: 7).
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 23 فبراير1979م.
نساء.. في المرآة
نساء.. في المرآة*
خير ما تتصف به المرأة: العفة والحكمة وحسن التدبير.. والكتاب يقول: "اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟ لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ" (أم31: 10).
ومن بين النساء الفضليات (أستير) والكتاب يسرد لنا طرفًا من حياتها مع ابن عمها (مردخاي) وقد اُختيرت ملكة، بدلًا من الملكة وشتي.. في عهد الملك أحشويرش.
+ كانت كثيرة الكتمان، تحفظ السرَّ وتصونه، فلم يعرف أحد جنسها، ولم يعرف أخصُّ المقربين للملك قرابتها لمردخاي الذي نال وظيفة متواضعة عند باب الملك! ومن هذه الوظيفة المتواضعة استطاع أن ينقذ الملك من مؤامرة دُبّرت لإهلاكه..
+ وعندما دبر هامان قائد الجيش مؤامرة لإهلاك شعب أستير.. تجلّت حكمة أستير، فاشترطت قبل أن تدخل على الملك، أن يصوم الشعب ثلاثة أيام، وهكذا لجأت إلى الله قبل أن تلجأ لإنسان.. وهذه حكمة بالغة!
+ عندما دخلت إلى الملك في غير نوبتها، لم تكشف مؤامرة هامان، وكان الملك يحبه وتربطه به أوثق الصلات... بل اكتفت بدعوته هو والملك إلى وليمة في قصرها وهكذا كانت تخطو كل خطوة بحساب! وهذه حكمة فائقة!
+ عند كشف المؤامرة ظلت تخفي اسم هامان! وقالت إن عدوًا يريد القضاء على الملكة وشعبها، فحمي غضب الملك وهو يقول: "مَنْ هُوَ؟ وَأَيْنَ هُوَ هذَا الَّذِي يَتَجَاسَرُ بِقَلْبِهِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ هكَذَا؟" (أس5:7).. وهنا قالت: "هذَا هَامَانُ الرَّدِيءُ"!
+ وهنا أسرعت الملكة، ودخلت مخدعها، وجلست على سرير الملك... وكان عقاب مَن يقتحم مخدع الملكة، أن يُقتل قتلًا، فأسرع هامان في يأس إلى المخدع يستعطف أستير الملكة، فنُفذ فيه حكم الإعدام، ومات مصلوبًا على الصليب الذي أعده لمردخاي، وكما ترى في هذه القصة عناية الله.. ترى حكمة امرأة...؟!
الأم في المرآة.
لست أدري لماذا ظل هذا الخبر عالقًا بذهني، رغم أنني قرأته عرضًا في إحدى الصحف بين ما قرأت، وربما قرأه كثيرون، ومرّوا به لمامًا، ولم يعطوه اهتمامًا، قرأت عن أم فاضلة، سافرت للخارج، ترافق ابنتها في إجراء عملية جراحية خطيرة، وكانت الابنة أُصيبت بمرض في كليتيها، ولا بد من استئصالهما.. فيكف تعيش الابنة؟!
لقد أسرعت الأم، ترافق ابنتها، وسلمت نفسها ليد الجراح، ليقطع إحدى كليتها، وتهبها لابنتها؟!
هذه هي الأم التي أرادت أن تقطع من حياتها لتصل حياة ابنتها.. وأعتقد أنه لو طُلب منها أن تضحي بإحدى عينيها وتهبها لابنتها، ما ترددت لحظة..!
لقد غمرني شعور عجيب وأنا اقرأ هذا الخبر، فأعدتُ تلاوته.. وتمر الأعوام وما زال أثره باقيًا.. حقًا لا شيء يفوق حب الأم.. لا شيء يفوق حنان الأم..!
وإنني أرى دائمًا الحب يقترن بالبذل والعطاء.. الحب يعطي ولا يفكر أن يأخذ..
ولهذا يقول الكتاب: "مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ" (أع20: 35) على أنني أتدارك ما قلت.. وأقول: لا شيء يفوق حنان الأم، وحب الأم إلا حبّ الله! هذا هو الحبُّ الأعلى، والحبُّ الأقدس.. ولهذا يقول الكتاب أيضًا: إن نسيت الأم رضيعها، أنا لا أنساكم.. يقول الرب (إش49: 15).
لقد قدمت الأم إحدى كليتيها.. وهذا حب عظيم.. والسيد المسيح قدم لنا ذاته على الصليب، ومات لأجل خلاصنا.. "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ".. والمسيح مات من أجلنا ونحن خطاة" (يو15: 13).
سيدتان ومشكلتان.
جاءتني سيدة متقدمة في السن تحمل همًا ثقيلًا.. مشكلة تريد لها حلًا.. وقد بلغ من كثرة إلحاح هذه المشكلة عليها، أن جافاها النوم.. فكانت تظل مسهدة طول الليل، لا يزور النوم جفنيها إلا غرارًا...!
ابتدرتني هذه السيدة بهذه العبارة.. لقد قال لي كثيرون، إن مشكلتي حلها الوحيد في كنيسة السيدة العذراء.. ثم عادت السيدة تقول في إصرار: معذرة يا أبانا لن أغادر الكنيسة اليوم.. حتى أرسو على بر.. إنني معذّبة..!
لقد هالني منظر السيدة التي تخطت العقد السابع من عمرها المديد.. فأسرعت ونحيت الذين حولي.. وأخذت أستمع إليها مشجعًا لها أن تفضي بشكواها، والرب يجد لها حلًا.. وهنا أخذت السيدة تسرد لي قصة طويلة، وطلبت مني أن أعود القهقري إلى عهد الخديوي توفيق، أو إسماعيل، حيث كان يعيش جد لجدها أو جد لأبيها لست أدري.. يملك أرضًا، أوقفها لبناء كنيسة.. وبنيت الكنيسة على جزء من الأرض وبقى جزء، ومشكلة السيدة في هذا الجزء الذي لم تبن عليه الكنيسة.. إنها تريد أن تسترده؟!
وهنا أردت أن أصرف ذهنها عن هذه الخرافة، التي تعتبر ضربة من الشيطان... الذي أدخل في روعها وفي خيالها أرضًا لا وجود لها.
ولكنني لم أكمل.. لأن السيدة أشارت إلى شيء منتفخ في إحدى جيوبها وقالت لي في حزم: هنا يرقد مسدس محشو بالرصاص، أقسمت أن أفرغه في صدر من يحطم آمالي في أرضي.. ونظرت نظرة ذات مغزى ومعنى!
وهنا فضلت أن أدير دفة الحديث وجهة أخرى..
وسألت السيدة بكم تقدرين ثمن هذه الأرض بأسعار اليوم..؟!
قالت: مهما تساهلنا.. لن تقل عن مليون جنيه! قلت لها مستدركًا.. عندي سؤال هام، أرجو أن تتمهلي في الإجابة: بكم تقدرين ثمن الأرض بعد خمسة أعوام مثلًا؟
قالت مع ارتفاع الأسعار ارتفاعًا جنونيًا لن يقل الثمن عن 2 مليون جنيه.
قلت لها: لماذا تتعجلين في استرداد الأرض.. ولماذا لا تنتظرين خمس سنوات.. وتربحين مليونين بدلًا من مليون واحد؟!
فنهضت السيدة وهي تقول: عين الحق.. أنتظر خمس سنوات.. ولا أخسر مليونًا من الجنيهات!!
بهذا استراحنا خمس سنوات من خيالات هذه العجوز ومسدسها. قصدت بهذه القصة أن أبين لك ماذا يفعله حب المال.. الذي يؤدي بالإنسان إلى الهوس... واختلال التفكير فيظل الإنسان يبني قصورًا في الهواء، لا وجود لها في الحقيقة والواقع..
ويبدو أن المصائب لا تأتي فرادى..
فهناك سيدة أخرى.. ما زالت تلح في استرداد أرض لها.. جاءتني منذ سبع سنوات وقالت إن ثمن الأرض 8000 جنيه، ثم تقول الآن.. إن ثمنها يربو على 25000جم... وهي تزور هذه الأرض بين الفينة والفينة والذي يحيرها.. أن الناس بنوا مكانها عمارات.. وتقول: أنقذني يا أبي.. من ظلم الناس.. إنهم يبنون في ملكي!
وأنا أصلي من أجلها لينقذها الله.. مما هي فيه! لينقذ عقلها وروحها..
ممرضة والنوافذ.
وما دمنا في صدد ما يحدثه المال من (هَوَس) في العقل.. فإنني أضيف أنه أيضًا يصيب الضمير بشلل... ويقضي على أقدس الروابط والمشاعر...
وهذه ممرضة، كانت تبني بيتًا.. وكان ينقصه الشبابيك..
وتعود بالذاكرة هنا إلى أكثر من ثلاثين عامًا خلت.. وكان الناس حديثي العهد (بالبنسلين)، كان قد اكتُشف حديثًا وكان الحصول عليه بتصريح من وزارة الصحة.. ويصاب شخص بالتيفويد ويكون علاجه الوحيد، بنسلين، وستربتومايسين.. وتقوم هذه الممرضة بإعطاء البنسلين للمريض.. بطريقة خاطئة لتطيل مدة العلاج فتربح من أجرة إعطاء الحقن...
ويتطور المرض، ويصاب المريض (بنشع) في الرئة.. ويتدخل الله ويسوق الطبيب الذي يدخل على غير ميعاد، ويكتشف ما تدبره الممرضة في الخفاء.
وإذا بالطيب يهيج ويهدد.. وتبكي الممرضة وتستعطفه.. ثم تنزلق وتقدم عذرًا أقبح من ذنب.. إنها تبني بيتًا ينقصه الشبابيك؟!
إنها تبيع حياة إنسان.. وتقضي عليه.. في سبيل قليل من المال!
أختان... في المرآة.
ونقرأ في سيرة القديس مقاريوس الكبير.. وكان قد مضى في البرية أربعين عامًا في زهد وعبادة وأصوام.. عن أختين يعيشان في الإسكندرية في محبة وهما متزوجتان.. كان كل شيء بينهما مشتركًا.. وكانت تربطهما محبة عميقة متبادلة.. جعلت السعادة تظلل عليهما.. وقد قال له الله: إنهما في نفس درجة القديسين. ويلتقي القديس بهما... ويعود للبرية وهو يردد ما يقوله الكتاب: "لا شيء يفوق المحبة.. المحبة لا تسقط أبدًا".
ونرى هذه الصورة بأجلى بيان في قصة راعوث التي لم تفارق حماتها نعمي، وخَدَمتها بإخلاص وقالت لها: "حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي" (را 16:1) هذه بعض قصص عن نساء في المرآة.. وإليك صورًا أخرى في العدد القادم إن شاء الله.
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 2 مارس 1979م.
حواء... أم كل حي
حواء... أم كل حي...*
+ هناك نساء كثيرات كن سبب خير لأنفسهن وللغير، وهناك نساء كن شر ونقمة وبلاء للكثيرين.
+ أمنا (حواء) كانت سببًا في شقاء الجنس البشري... وعن طريق المعصية دخلت الأوجاع "بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا" (تك3: 16)، والأمراض وعرفنا التعب والدموع والموت في النهاية.
+ وأمنا (العذراء) كانت سببًا في إسعاد الجنس البشري.. وعن طريقها جاء الخلاص.. "عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ" (1تي 16:3) ولا شك أن ما خسرناه بحواء، ربحناه بالعذراء.
+ (دليلة) جرّت الموت والهلاك لشمشون الذي أحبها، فعرفت سر قوته وأسلمته للأعداء، ففقأوا عينيه، وأخيرًا مات تحت الأنقاض.
+ (أبيجايل) كانت سبب بركة لزوجها نابال... بعقلها وتدبيرها أنقذته من موت محقق.. لذلك مدحها داود النبي بقوله: "وَمُبَارَكٌ عَقْلُكِ، وَمُبَارَكَةٌ أَنْتِ" (1صم33:25).
+ (أستير) بحكمتها، وبعد نظرها.. والتجائها إلى الله بالصوم والصلاة، أنقذت شعبها من الدمار والهلاك على يد الأعداء وأنقذت ابن عمها مردخاي.
+ (إيزابيل) تجنّت على نابوت اليزرعيلي، ودفعت زوجها الملك آخاب لاغتصاب حقله، وإهدار دمه.. فجاء حُكم الله فيها وفي الملك، أن يموتا في ذات المكان الذي نزف فيه نابوت دمه... وتأتي الكلاب وتلحس دمها (1مل21).
+ هذه المرأة... سميت هكذا "لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ"، أي (من أحد ضلوع الرجل).. وهذه هي حواء وسميت هكذا لأنها (أم كل حي).. وهناك قصصًا تدور حولها.
اللفظ سعد.
قرأت عن زوج أصيب بمرض أقعده عن العمل، وتزداد العلة يومًا بعد يوم، ويتقاطر الأهل والأصدقاء يعودونه، ليطمئنوا على صحته، والمريض مستسلم لرحمة الله وحياته معلقة بيد القدير، ولهذا كانت الصحة نعمة من نعم الله، لا يحس الإنسان بها إلا بعد أن يفقدها.
"الصحة تاج على رؤوس الأصحاء.. لا يشعر بها إلا المرضى". وذات مرة زاره الأحباء، وكانت معه زوجته، وكان المريض يتأرجح بين الموت والحياة، فسألوها كيف حال المريض؟ فإذا بها تجيب: لا هو حي يُرجى ولا ميت يُنعى! فخرج الناس يطلبون له الرحمة، ويأسفون على شبابه.
ويعود الناس لزيارته في اليوم التالي، فيجدون بجواره أمه فيقولون كيف حال المريض؟ فإذا بالأم تجيب: ما دام الرجاء فينا، فنحن بخير. أي ما دام لنا رجاء في الله، فالمريض بخير ونحن مطمئنون إلى رحمة الله، فنحن أيضًا بخير وشتان بين رد.. ورد.
ولهذا يقولون: إن اللفظ سعد.. فقد يُسعد الله الإنسان بالكلمة الطيبة.. "تُفَّاحٌ مِنْ ذَهَبٍ فِي مَصُوغٍ مِنْ فِضَّةٍ، كَلِمَةٌ مَقُولَةٌ فِي مَحَلِّهَا" (أم 11:25).
موقف سيدة.
يسير كثير من الأجانب، على تقليد قلما يحيدون عنه.. يهتم الرجل بشئون العمل ويترك إدارة البيت والإنفاق عليه للزوجة. وهكذا يتعاونان على الحياة، فتكون الحياة بينهما شركة.. لا يدس الرجل أنفه في شئون البيت، ولا تدس الزوجة أنفها في شئون العمل.. وهكذا تسير الحياة بينهما في رخاء.
وهذا مدرس يدخل البيت ليعطي دروسًا خصوصية للابن الوحيد.. وتقوم السيدة بالإنفاق على تنظيم المواعيد والأتعاب.. وعدد الحصص التي تلزم الابن للنهوض به.. في اللغة التي يشكو منها الابن ومستواه فيها أقل من المتوسط، لأنهم يتحدثون في المنزل باللغة الفرنسية.. ويبذل المدرس قصارى الجهد.. ويُخلص في تدريس مادته الإخلاص كله.
وذات يوم تدخل السيدة وتسأل المدرس.. عن مستوى ابنها ومدى تحصيله وتُوجّه للأستاذ هذا السؤال: كم درجة تقدرها له حسب مستواه العلمي في رأيك؟ فيجيب الأستاذ: 20:15 تقريبًا.. في الأقل القليل.
وتقول السيدة: وليس أقل؟ ويجيب الأستاذ: لست أظن.. ومن المحتمل أن يكون أزيد. فتصمت السيدة، وتوجــــــه نفس السؤال للأستاذ على مدى ثلاثة أشهر متوالية.. وما أخفته السيدة عن الأستاذ أن مدرس الفصل كان يعطي ابنها تقديرًا 2 من 20 وأحيانًا 1 من 20...
وعندما يكتشف الأستاذ الذي يقوم بالدرس الخصوصي.. هذا التقرير.. يشعر بحرج، ويعرض على السيدة أن يتنحى عن هذا الدرس، ويحضر مدرس الفصل حتى لا يتعقد الولد.. ولكن السيدة تقول في إصرار.. أرجوك أن تستمر يا أستاذ.. إن ابني يحبك وقد أحب المادة التي تدرسها له.. وهو متأثر بأخلاقك.. وقد توجهت إلى المدرسة وتناقشت مع مدرس المادة.. فقال لي، إنني أدرس بطريقة.. والمدرس الخصوصي يُدرس بطريقة.. والولد ضائع بين الاثنين وعرض أن يقوم هو بالدرس الخصوصي ولكنني متمسكة بك.. أنا لا تهمني المادة الدراسية.. بقدر ما تهمني الأخلاق.. ويشاء الله أن يصدر قرار في ذلك العام بألا يقوم مدرس الفصل بامتحان تلاميذ فرقته.. ويؤدي الابن الامتحان خير أداء ويكون ترتيبه (الأول) على الفصلين.. وتجمع السيدة الأم تقارير المدرسة، آخرها كان 1 من 20 قبل الامتحان النهائي بأسبوعين، ونتيجة امتحان نهاية العام، وتقدمها لمدير المدرسة.. وهنا يقدم مدرس الفصل استقالته.. ويستمر المدرس الخصوصي في إعطاء الدروس على مدى سنوات طويلة.. ويُدرس باقي أفراد الأسرة، وكانوا يحتلون مراكز مرموقة في الدولة.. وما زالت كلمات السيدة الجليلة ترن في أذني الأستاذ.. على مدى ثلاثين عامًا.. أنا لا تهمني المادة.. بقدر ما تهمني الأخلاق.. فيا له من موقف كريم.. من سيدة كريمة.. والعلمُ إن لم تكتنفه شمائلُ تَعليه، كان مطيَّة الإخفاق.
سيدة ومُنجِم.
كانت هذه السيدة تعيش في خير حال لا ينقصها شيء من أسباب السعادة، وزوجها رجل فاضل متديّن، وأولادها مثل غروس الزيتون.. والخير يملأ البيت ويفيض.. ما عدا أمرًا واحدًا كان يُنغص عليها العيش جعل في نفسها مرارة، وفي حلقها غصة، وهكذا استحال نعيم الحياة جحيمًا.. وحلوها مرًا، فما هو هذا الأمر الذي نغص عليها العيش؟
إن (مُنجِمًا) حسب لها النجوم وكان ذا شهرة ذائعة.. فأخبرته (الأبراج).. أن السيدة تموت شابة، ويتزوج زوجها بغيرها، فتُسيم أولادها العذاب.. هذا مصيرها.. وهذا قدرها.
كما يقول المُنجِم، وكما تقول النجوم، وكما تقول الأبراج؟ وقد أطاحت هذه النبوءة (بأبراج) عقلها.. وزلزلت كيانها فأخذت تنظر إلى أولادها بحسرة.. وكانت كلما خلت إلى نفسها أخذت تندب حظها.. وتذرف بدل الدمع دمًا.. وكان من الممكن أن تتحطم حياة هذه السيدة، لولا أن الله ترفق بها والتقت بأحد رجال الدين، الذي بدّد مخاوفها، وأشاع في نفسها الطمأنينة والسلام، وأفهمها، أن الغيب في علم الله وحده.. يحيط به الله ولا تحيط به الأبراج والنجوم.. وأن ما يفعله المنجمون هو رجم بالغيب[1]، لا يعدو أن يكون دَجَلاً.. وأن الطمأنينة تحصل عليها بالعشرة مع الله والالتصاق به فلا يفزعنا العالم، "اسمك يارب حلو ومبارك فى أفواه قديسيك".
ومسحت هذه الكلمات ما في من قلبها من مخاوف. أما المفاجأة الحقة، فأن هذه السيدة صاحبة القصة، تعيش الآن في صحة تامة وهي تبلغ من العمر 78 عامًا. متعها الله بكامل الصحة.. وقد رأت أحفادها وأولاد أحفادها.. وهذا درس للذين يتطيرون ويتشاءمون.. ويجرون وراء (النجوم) يبحثون عن (الحظ) في (الفنجان) (ومواليد هذا اليوم)؟
ما جمعه الله.
بخصوص ما أعلنه قداسة البابا فى مجلة الكرزاة، بعد اجتماع المجمع المقدس، الذي أصدر هذا القرار.. (مبدأ الزوجة الواحدة، لا طلاق إلا لعلة الزنا، سيادة شريعة العقد).
تقدم أحد الأشخاص.. بشكوى مرة إلى أحد الآباء البطاركة، قائلاً: يا سيدنا مصيبتي مثلثة (زوجتي عمياء، صماء، بكماء وفوق هذا كسيحة).. وأنا في حاجة إلى زوجة تخدمني وترعاني.. وأنا أطلب الانفصال: وإذا بالبابا يوجه له هذا السؤال: ويستوحي في الرد ضميره.. قل لي: لو حدث العكس، وكنت أنت الأعمى، الأصم، الكسيح. هل كنت ترغب أن تتخلى زوجتك عن خدمتك. وتطلب الانفصال؟ وهنا نكس الرجل رأسه في استحياء.. واستطرد قداسة البابا: اذهب يا بني واخدم زوجتك في مرضها، كما خَدَمَتك في صحتها وكن لها عينين وأذنين.. وكل شيء... إن ما جمعه الله لا يفرقه إنسان.
إنها خواطر تترى.. وذكريات تمر بالنفس وقد تنفع الذكرى.
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 9 مارس 1979م.
[1] رجم بالغيب: تخمينا بظاهر الغيب.
10 نصائح لتقوية الإرادة
10 نصائح لتقوية الإرادة*
هناك كلمات كثيرة جميلة وردت في الكتاب المقدس. تعبر عن قوة الإرادة:
+ دانيال النبي قيل عنه: "أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ" (دا 8:1).
+ ويوسف يقول: "فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟" (تك9:39).
+ وأبونا إبراهيم تبدو إرادته الصلبة في تقديم ابنه ذبيحة "فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ... ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ" (تك 22: 3- 10).
+ نحميا النبي يقول: "هَلُمَّ فَنَبْنِيَ سُورَ أُورُشَلِيمَ وَلاَ نَكُونُ بَعْدُ عَارًا" (نح 2: 17)!
+ والابن الضال يقول: "أَقُومُ -الآن- وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي" (لوقا 18:15).
+ وزكا يقول تائبًا عازمًا: "هَا أَنَا يَارَبُّ أُعْطِي نِصْفَ أَمْوَالِي لِلْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كُنْتُ قَدْ وَشَيْتُ بِأَحَدٍ أَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَضْعَافٍ" (لو 8:19).
+ ونابوت يقول للملك آخاب: "حَاشَا لِي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أُعْطِيَكَ مِيرَاثَ آبَائِي" (1مل 3:21).
+ ويوحنا المعمدان يقول لهيرودس الملك: "لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأَةُ أَخِيكَ" (مر 6: 18) ولم ينثن عن رأيه.. وسلم رقبته للسياف!
وفي هذا المقال أقدم لك أيها القارئ العزيز عشر نصائح لشحذ الإرادة، مستوحاة من الحياة المسيحية المتكاملة، مدعمة بنظريات علم النفس الحديث.
ما هي أبعاد الإرادة القوية؟
1- الإيمان بهدف قوي والتمسك به
تتجلى الإرادة القوية في هدف قوي، يؤمن به الإنسان ويتمسك به، ويزود عنه، ويضحي في سبيله بالحياة نفسها.. فالرجل ذو الإرادة القوية.. هو الذي يعرف ما يريد! هذا الهدف يوجه له اهتمامه.. فلا تعوقه عقبة عن بلوغ ما يريد.
فالطالب الذي هدفه النجاح، يرتبط بكتبه.. ومن كان هدفه تحقيق مستوى لائق للأسرة، وتعليم الأطفال.. نراه يغادر منزله في ساعة مبكرة، ويستمر في عمله إلى ساعة متأخرة من الليل.. وعمومًا، قوة الإرادة تولد رغبة قوية والرغبة إذا تفجرت ولدت طاقة هائلة، وجهدًا بالغًا: تبدو في قول بولس الرسول: "إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ" (1كو 16:9).
ويلزم أن يكون الهدف ساميًا.. يقول أحد الفلاسفة (أربط عجلة شخصيتك بأحد النجوم)! إن الذي يعتزم أن يسير 80 كيلو مترًا يتعب بعد الستين، والذي يعتزم أن يسير 60 كيلو مترًا يتعب بعد الأربعين.. وهكذا.
والسؤال الهام: ما هو هدفك الذي تنشده في الحياة وتسعى لتحقيقه؟!
أرني هدفك.. أراك من أنت؟!
وإذا كان هدف الإنسان إرضاء الله، فإنه سرعان ما يشعر بالندم والخجل من ذنوبه.. فيسرع ويلقي بنفسه في أحضان الله. وقد نذر العفة والتوبة..
فلنسع إذًا إلى المثل الأعلى.. وكلما ارتفع الهدف، ارتفعت نظرتنا وسمت.. وزادت قدراتنا على المثابرة، ومواصلة الكفاح.. وفي اختيارنا للهدف، يجب أن يستحق الهدف، أن نعيش لأجله، ونضحي في سبيله.. وشتان بين ولدين: ولد تربى تربية دينية مثله الأعلى القديسين، وآخر تربى تربية سيئة، هدفه أن يكون عصابة.. يكون هو على رأسها!
2- الثقه في الله، والتصميم
الكتاب يقول: "الصديق يسقط سبع مرات ويقوم ... لأن الرب مسند يده". وذُكر عدد سبعة لأنه عدد كامل.. ولهذا كان السيد المسيح يعيد الثقة إلى النفوس المتداعية.. فقال لمريض بركة حسدا الذي أمضى في المرض 38 عامًا: "احْمِلْ سَرِيرَكَ" (يو5: 8)؟! وأعاد الثقة إلى المرأة الخاطئة فقال لها: "اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ".. وإلى زكا العشار: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ..." (لو19: 9)، وإلى اللص اليمين المعلق على الصليب: "إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ النعيم.." (لو 43:23)
3- المهم هو نقطة البداية
المهم أن تبدأ.. إن أول خطوة هي أهم خطوة، إن الصعوبة في البدء.. عليك بأول خطوة نحو الأمام.. وحذار حذار أن تخطو ولو خطوة واحدة نحو الوراء.. "أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ" (في3: 13). ولهذا يقول الرب يسوع: "لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ.." (لو 62:9).
لكي تقطع ما بينك وبين الخطيئة، وتحقق أي نجاح.. عليك أن تتغلب على ضعفك، وتتخذ قرارًا، وأنت صانع القرار.. ولي ذكريات كثيرة اسمها.. (ذكريات شهر مارس..) يقصدني كثيرون من أبنائي الطلبة والطلبات.. يندبون حظهم.. ويقولون: لقد أضعنا شهر أكتوبر! ونوفمبر، وديسمبر، ويناير، وفبراير.. لقد ضاع العام! ويكون ردي عليهم دائمًا: المهم ألاَّ يضيع شهر مارس.
لنبدأ من اليوم.. الذي يقول سأبدأ غدًا.. لن يبدأ أبدًا.. والذي يقول سأتوب عن التدخين، بعد أن انتهي من هذه العلبة.. لن يتوب أبدًا.. ولن يكف عن التدخين.
4- واجه الفشل بشجاعة
إذا سقطت فقم.. بهذا تستعيد قوة الإرادة.. عليك أن تعيد الكرة وتواصل الجهاد
وما نيل المطالب بالتمني |
| ولكن تؤخذ الدنيا غلابا |
والكتاب هنا يقدم لك نصيحة "اعرف من أين سقطت وتب.." (رؤ2) وأنت تستطيع أن تتعلم من الخطأ فتحذره في المرات القادمة.. ويقول الأنبا إشعياء: "لا تضجر من الأتعاب مطلقًا، فيأتيك النياح من قبل الرب سريعًا".
5- دور التنظيم
هناك كثيرون لا تعوزهم الإرادة الصلبة، بقدر ما يعوزهم التنظيم، فإرادتهم لا تجد مجالاً، بسبب عدم التنظيم. أيها الطالب نظم وقتك، ليس مطلوبًا منك أن تنتهي من جميع المواد والكتب في جلسه واحدة.. إن البحر الخضم مكون من قطرات، وقطرة إلى قطرة سيل.. ولبنة إلى لبنة بناء.. وقرش إلى قرش ثروة، ابدأ بصفحة واحدة. ابدأ بخطيئة واحدة محبوبة، ونحها من حياتك وتفكيرك، الخطوة التالية ستكون أكثر سهولة.
أنصحك: فكر.. صمم.. اعمل، توكل على الله واطلب بركة.. وإذا تراكمت عليك الأثقال، تذكر الآية: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (مت 11: 28).
6-استبدل عادة سيئة بعادة طيبة
واثبت عند العادة الطيبة.. قال أحد الحكماء: "إذا أردت أن تخرج مسمارًا من لوحة، عليك أن تدق بجانبه مسمارًا جديدًا، فينتزع القديم"!
7- تحرير الإرادة من الخوف
إن آفه الإرادة الخوف، وهذه هي القاعدة العريضة: إن من يخاف الله، لا يخاف الناس، ولا يخشى الفشل، ولا يخاف المستقبل، إنه يمشي في الحياة بأقدام ثابتة، الخوف يدفع إلى القلق والتردد. قيل للأنبا أثناسيوس الرسولي: العالم ضدك.. فقال: وأنا بنعمة الله.. ضد العالم.
اتخذ أب اعتراف كمرشد روحي لك، والكتاب يقول: "وَوَيْلٌ لِمَنْ هُوَ وَحْدَهُ " (جا4: 10). ثم واجه الصعاب، وعندما تبدأ المسيرة، تأخذ هذه الصعاب في التلاشي.. لا تنظر إلى قوتك المحدودة، بل إلى قوة الله الهائلة، ومحبته الفائقة، وذراعه الممدودة لك دائمًا!
8- الإيحاء الذاتي
قل لنفسك دائمًا: "لست وحدي في الحياة.. إن الله معي"، نذكر هذه الآية دائمًا: "إذا كان الله معنا فمن علينا"؟! اسأل نفسك هذا السؤال: هل هناك قوة تفوق قوة الله؟! كلا حاشا! يقول القديس أرسانيوس: "إن طلبنا الله فإنه يظهر لنا. وإذا أمسكنا به، فإنه يبقى معنا"، ويقول القديس مقاريوس: "أنت عبد الله.. فلا تعمل لغيره، ولا تتكل على غيره، ولا تدع غيره"!
9- المثل الأعلى
خذ لك مثلاً أعلى من حياة القديسين، القديس أثناسيوس في الشجاعة، وموسى الأسود في التوبة، خذ آية تستضيء بضوئها، وتسير على هديها "اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ" (لو16: 10)، "أنا معكم لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ"!
10- أغرس في نفسك الطمأنينة
إن الإرادة القوية، تتجلى في الأقدام الثابتة، والأعصاب الهادئة، والنفس المطمئنة.
قصة من التاريخ
كاد تيمورلنك أحد أبطال التاريخ أن يستسلم للعدو الذي يفوقه عدادًا وعدد.. فخرج إلى الخلاء يدبر أمره.. فلفت نظره نملة تحمل حبة كبيرة أضعاف وزنها، وكانت كلما نهضت سقطت، فأخذ يعد مرات السقوط، بلغت 86 مرة وقامت النملة. فعاد تيمورلنك إلى القتال بروح عالية، وانتصر انتصارًا ساحقًا، وكان دائمًا يقول: إن النملة قد علمتني الثبات في مواقف الصعوبات!
100 خطاب
وصلني أكثر من 100 خطاب من شابات وشبان، يقولون إنهم حققوا جميعًا النجاح والتفوق، بعد أن اتخذوا هذه الآية شعارًا "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (في 4: 13). فلماذا..لا تتخذ..هذه الآية شعارًا؟!
"تَشَدَّدْ وَتَشَجَّعْ! لاَ تَرْهَبْ وَلاَ تَرْتَعِبْ لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ مَعَكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ" (يش 1: 9).
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 16 مارس 1979م.
صفحة من كتاب.. أخبار الأيام
صفحة من كتاب.. أخبار الأيام!*
اعتاد ملوك بابل وأشور، والفرس، كما جاء في سفر أستير، أن يعدوا كتابًا يسمونه (أخبار الأيام) يكتبون فيه الحسنات والسئيات... طوى الملك أَحَشْوِيرُوشَ صفحة من هذا الكتاب، فوجد صنيعًا قدمه مردخاي للملك، كان سببًا في إنقاذ حياته، وحياة شعبه (أستير 6: 1-4).
واليوم، نريد أن نقلب صفحة، من سجل لجنة البر بالزيتون، بما فيه من أحداث، وأخبار أيام!
+ جاء هذا اليوم مزدحمًا، شأنه شأن باقي الأيام .. وأهم ما فيه من أحداث، بشرى طيبة، فلقد تمخضت لجنة البر بالزيتون، وولدت ثلاثة توائم:
1- لجنة بكنيسة السيدة العذراء بالمرعشلي بالزمالك، حيث جاء وفد من السيدات الفضليات، وأمضين يومًا مع سيدات لجنة البر بالزيتون، لوضع ورقة عمل، والبدء في إنشاء لجنة بر.. تحقق نفس الأهداف.
2- مولد لجنة بر بكنيسة مار جرجس بالعجوزة، وجاء وفد من السيدات، وجلهن من الخدمات الفضليات، لتحقيق هذه الغاية.
3- مولد لجنة بر بكنيسة مار جرجس بمنشية البكري، وجاء وفد من السيدات وعلى رأسه جناب الأب الموقر القس رويس كاهن الكنيسة.
+ كما ختم الاجتماع مدام ليلى إسرائيل الخادمة العاملة بلجنة البر بالفيوم، لتمثل لجنة البر هناك. وهكذا التفت أربعة لجان بر، حول كنيسة السيدة العذراء بالزيتون الأم.
فيا له من يوم حافل.. وفرح شامل! يوم لا ينسى من بين الأيام.
+ وتمخض الاجتماع عن تنفيذ عشرين بندًا من بنود لجنة البر، كأساس للعمل والانطلاق.. تم عليها الاتفاق!
+ وتشمل صفحة هذا اليوم أحداث جسام.. حيث دخل ذوو الحاجات تباعًا ليدرس أعضاء الكنائس ولجان البر.. الحالات على الطبيعة، وسنوافيك أيها القارئ العزيز ببعض الحالات حسبما يتسع المجال.. ولنتذكر أن "الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ" (لو10: 2).
مأساة!
جاءت قادمة من بلاد الحبشة، تقصد لجنة البر بالزيتون.. ينوء كاهلها بهم ثقيل، وقد تركت الأحداث والدموع في وجهها أخاديد غائرة، بينما اكتسى وجهها بمسحة من الحزن الدفين، وجلست بين سيدات لجنة البر، تشكو همها، وتبث شكواها.
قالت إنها أمضت في بلاد الحبشة عدة أعوام، وعاشت هي وزوجها في رخاء. كان الخير يتدفق عليهما ويفيض عن حاجتهما فأودعا جزءًا من ثروتهما في أحد المصارف وكانت تقدر بالألوف. وفوق أن زوجها اشتغل بالتجارة التي أخذت تدر عليه أرباحًا طائلة، نالت أيضًا مركزًا مرموقًا!
وهكذا تبسمت لهما الحياة، وأقبلت عليها الدنيا.. ثروة، ومركز، وجاه.
وتمر الأيام، تحمل في طياتها الخير والهناء، ولكن دوام الحال.. من المحال! وعلى العاقل، أن يعيش في الدنيا على حذر.. وما أسرع أن تقلبت الأيام في أعقاب الثورة الدموية التي أطاحت بعرش الإمبراطور، ولما كانت هذه السيدة تحتل مركزًا مرموقًا، فقد اتجهت إليها الأبصار، وامتدت إلى هذه الأسرة الهانئة يد العدوان وقررت الثورة الاستيلاء على أموال الزوج، وصادرت ممتلكاته وأمواله في البنوك فتصدى لهم، ولكنهم سرعان ما دبروا له جريمة شنعاء، وقطعوا عنه التيار الكهربائي وهو يستقل المصعد (الأسانسير) وأسقطوه فهوى جثة هامدة ومات مضرحًا في دمه! أما الزوجة، وقد حلت عليها لنكبات، وصعقتها الصدمات، لم تجد بدا من مغادرة البلاد كسيرة الجناح.. مُرة النفس.
وتستطرد السيدة وتقول إنهم استولوا حتى على أساس البيت، ولم يتركوا شاردة ولا ناقلة. وعلى حد تعبيرها تقول: لقد فتشوا عن جلدي أيضًا.. وتشكر الله أن خرجت (بجلدها) وثوبها بعد 40 عامًا أمضتها في الحبشة.. وتتلفت السيدة هنا وهناك تبحث عن الأقرباء، وأخيرًا تستقر في حجرة على أحد السطوح.. وقد زارت لجنة البر السيدة فوجدت الحجرة عارية تمامًا من الأثاث.
وبينما كانت السيدة تقص مأساتها، اختلطت دموع سيدات لجنة البر بدموعها.. إنها الدنيا تقول بملء فيهـــــــا: حذاري حذاري من بطشي وفتكي!
ولما كانت الحجرة لا تصلح للسكنى، والسيدة عليلة. بعد أن حطمتها الأيام، فقد استقر رأي لجنة البر على نقلها لبيت المسنين، في أحد أحياء القاهرة.. وتعهدها بالرعاية. وجلّ ما تصبو إليه لجنة البر بالزيتون، أن ترسم بسمة على وجه كدرته الأحزان، ومزقته الأشجان! وكم في الحياة من المآسي.. التي يعاني منها المرء ويقاسي!
عامل صغير
دخل إلى لجنة البر عامل صغير. وفوجئت اللجنة به وهو يقول: إنه متزوج وقد أنجب طفلة، وأنه ينام هو وزوجته على الأرض، ولا يجد غطاءً كافيًا.
إن الآباء كثيرًا ما يجنون على أولادهم، بتزويجهم وهم غلمان صغار لا يقدرون المسئولية، فيحملونهم من الأعباء ما هو فوق طاقتهم، قبل أن يكتملوا ويبلغوا سن النضج، وقبل أن يشتد عودهم، في مواجهة الحياة ويبلغ الجهل ببعض الأمهات. فيقدمن تعليلاً لهذا التصرف.. إن الغرض من وراء هذا، أن يفرحن بزواج الأولاد، وسرعة رؤية الأحفاد!
ولقد قامت الاخصائية الاجتماعية بتقديم تقرير عن الحالة وتم شراء سرير (للغلام الزوج) ومرتبة (اسفنج).. وأغطية.. ولكنه عاد يشكو أن المرتبة الأسفنج لا تكفيه وزوجته وابنته، فاشترينا مرتبة أكبر حجمًا، فعاد يشكو حاجته إلى مائدة وأدوات مطبخ.. فاشترينا له ما أراد، فعاد يشكو قلة ما في يده من مال!
إنه ما زال طفلاً.. كبيرًا! لا يكف عن السؤال.. وأعجب: كيف يكون مسئولاً عن رعاية زوجته وابنته، وهو نفسه في حاجة إلى رعاية!
تصرف عجيب
سيدة فقيرة ترعاها إحدى الكنائس، وجدت ذات يوم ميتة في حجرتها تحت السلم، وقد مر عليها يومان، فقامت الكنيسة بتجهيزها والصلاة عليها ودفنها.. وكل هذا جميل يستحق الثناء... وهو واجب مقدس، نحو أخوة يسوع، الذين سوف نقدم عنهم حسابًا في ذلك اليوم الرهيب، يوم الحساب.
ولكننا فوجئنا في لجنة البر، الجمعية التي قامت بهذا الواجب، تقدم لنا فاتورة بالحساب، وتطلب (...) جنيهًا، تكاليف الدفن.
ولقد تكرر هذا الأمر عشرات المرات، وكنا ندفع صامتين، (وندفن) الخير أيضًا.. ولكننا وجدنا أن السكوت عليه، ليس من الواجب في شيء.. فهناك التزمات، تلتزم بها كل كنيسة من نحو فقراء الحي، والذي أعرفه أنها تأخذ من الأغنياء، وتنفق على الفقراء.
ليس الهدف، أن تنفق آلاف الجنيهات على المباني والتعمير فبناء النفوس أهم... والفقراء في أعناقنا واجب، ودين مستحق! وإنني أقترح أن تخرج كل كنيسة من إيرادها العام (العشور)، وتخصص لصالح الفقراء وترصد لحسابهم.
وأن يطرح دائمًا هذا السؤال في حساب المسئولية: لا يسأل ماذا بنت الكنيسة وماذا عمرت؟ وكم أنفقت؟ ولكن يسأل ماذا قدمت للفقراء من احتياجات ومشروعات..؟
مشروع تحت التنفيذ
ولما كان الشيء بالشيء يذكر، فلقد اتصلت لجنة البر بجمعية التوفيق، وتم الاتفاق أن تدفع لجنة البر مبلغًا سنويًا محددًا، وتقوم الجمعية بخدمة الموتى، المقيدين بالكنيسة وقامت سيدات لجنة البر بالتبرع لهذا المشروع من مالهن الخاص.
أسرة منكوبة
كانت الأسرة تعيش في بحبوحة من العيش، وفي شقة فاخرة بمصر الجديدة والزوج يعمل في شركة من شركات القطاع الخاص بمرتب كبير - ثم صفت الشركة حسابها.. وأخذ مكافأة.
ومنذ أن ترك العمل ركبه المرض، فأخذت زوجته تنفق عليه من المكافأة حتى أتت على آخرها.. وانتقلت الأسرة إلى حجرة مشتركة في شقة من حجرتين، وباعت الأثاث قطعة قطعة لتنفق على الزوج والأولاد.. إنها رحلة طويل من العذاب..! وينتهي المطاف بأن يموت الزوج ويصاب الابن الأكبر بصدمة نفسية ويصاب بالخرس.. وتحتار الزوجة ماذا تفعل؟! وكيف تسير سفينة حياتها فى هذا الخضم؟ لها ابن بالجامعة ولها ابنان بإحدى المعاهد وابنان بالإعداي والابتدائي.. حمل ثقيل يقصم الظهر ولا يوجد إيراد على الإطلاق.
وفي هذه الآونة تخلو الحجرة المشتركة. ويصر الساكن ألا يتركها حتى يأخذ 200 جنيه، والسيدة تعيش في حجرة واحدة هي وأولادها الستة.. وهنا فقط يشير عليها البعض أن تلجأ لجنة البر بالزيتون وتوافق لجنة البر أن تدفع لها المبلغ المطلوب في الحال! وتتعهد بالرعاية والحدب[1]، وتقف مع هذه السيدة المثالية وترفع عنها بعض الأثقال.. مسكينة الأم التي ترى نفسها وحيدة ضائعة في بحر عجاج.. تتقاذفها الأمواج ولجنة البر تأسف كثيرًا لأنها لم تعرفها قبل الآن!
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 23 مارس 1979م.
[1] الحدب: العطف والحنو
لقاءات وانطباعات وذكريات
لقاءات وانطباعات وذكريات[1]
حياة الكاهن حافلة بشتّى اللقاءات، وتجيش في نفسه مختلف الانطباعات، هذا لأنه في خدمته، يلتقي بصنوف الناس.
+ فهو يلتقي بالمعترفين التائبين، الذين يحملون أوزارهم، يطلبون الحل من خطاياهم، وينذرون التوبة أمام الله.
+ ويلتقي بالمرضى، على اختلاف أمراضهم، يلتمسون من مراحم الله الصحة والبر.
+ ويلتقي بالتعابى، الذين يعانون من الاكتئاب والهم والقلق، يلتمسون كلمة من الأب الكاهن تريح نفوسهم.
+ ويلتقي بأصحاب المشاكل، يطرحون أمام الأب الكاهن، متاعبهم، التي تقصم ظهورهم، وينوء بها كاهلهم.
ويلتقي بالطلبة والطالبات، والشبان والشابات، وقد تملّكهم اليأس القاتل ليستمعوا إلى كلمة تبعث الأمل والرجاء.
+ ويلتقي بالأسرار الخطيرة، والعقد الدفينة، التي تكاد تقضي على أصحابها، فيجدون متنفسًا في البوح بها، وفي إصدارها.
+ ويلتقي بذوي الحاجات، هؤلاء الذين ناء عليهم الدهر بكلكلة[2]، وعضّهم الدهر بنابه.. ومَن غير الأب الكاهن، يشكون إليه همّهم؟ ويبثون كربهم؟! وبخاصة العائلات المستورة، التي تربأ بالنفس عن المذلة والسؤال.
+ ويلتقي به كل من يطلب إرشادًا روحيًا في موضوع يحيّره، لا يستبين له وجه الصواب.
+ وهناك الضالون والشاردون لا يأتون إلى الكاهن، بل يذهب هو ليفتش عن الضال، ويبحث عن الشارد، ويجبر الكسير، ويعصب الجريح.
+ ومن بين هؤلاء يلتقي بذوي المروءة، هؤلاء يقدمون ويبذلون ليأخذوا بركة البذل والعطاء.. ومن بين اللقاءات المنوعة اخترت لك أيها القارئ العزيز أربعة انطباعات.. من وراء أربعة لقاءات!
1- لقاء في قطار.
قمت بإنجاز مهمة كلفني قداسة البابا شنوده بها في الإسكندرية، وكان من المتوقع أن أبقى إلى اليوم التالي، وأسافر إلى الدير.. ولكنني تذكرت المهام الكثيرة التي تلاحقني في القاهرة، لست أدري لماذا عرجت على محطة السكة الحديدية، ولما وقفت أمام شباك التذاكر اكتشفت أنه لا توجد تذاكر للحجز، وأن القطار سيقوم بعد عشر دقائق وفي هذه اللحظة أقبل مسافر على عجل وردّ تذكرتين كان قد حجزهما، وعاقته ظروف عن السفر فأخذت تذكرة، وأسرعت إلى القطار.. وبعد أن تحرك القطار، جاء ضابط برتبة كبيرة، ومر يبحث عن كرسيه، ثم وقف أمامي، وسلّم عليَّ بحرارة، كان يعرفني وأضاف أنه ذاهب إلى القاهرة ليلتقي بي، ثم استأذن من المسافر الذي يجلس بجواري أن يبادله مكانه ليجلس معي، هذه مفاجأة! والمفاجأة الثانية، هي قول الضابط إن عربة خاصة بالعمل، كانت ستمر عليه ولكنه مرّ عفو الخاطر بالمحطة، وعرّفه الموظف المختص أن مسافرًا أعاد تذكرتين. مرّ كاهن وأخذ إحداهما، وبقيَت الثانية.. فقال الضابط، للحال أخذت التذكرة الثانية وقد دبر الله أن يعيد المسافر تذكرتين، لنلتقي معًا، وهذه هي المفاجأة الثانية!
وأنت تقول أيها القارئ العزيز (إنها حقًا مصادفة عجيبة) وأنا أقول لك إن كلمة (صدفة) لا وجود لها، فلا يوجد شيء اسمه صدفة.. لأن العناية الإلهية ترتب كل شيء، ولا تترك شيئًا للمصادفات! ونحن نقول عن شيء حدث صدفة لأننا لا نرى الأسباب والمسببات.. ولهذا فالتعبير الصحيح، لا نقول ترك المسافر تذكرتين صدفة، إنما الصحيح إن الله تبارك اسمه، دبر هذا اللقاء.. وهو يدبر كل شيء! ولا تفوته صغيرة أو كبيرة.. ولا تنتقل ريشة.. أو تهب نسمة.. دون إذنه وإرادته.. وهنا أخذ الضابط يقص عليَّ تاريخ حياته، واستغرق الحديث الرحلة من الإسكندرية إلى القاهرة!
وتخلل سرد القصة أسئلة وجهها الضابط، وعهد قطعه على نفسه! قال الضابط إنه اشتغل في مستهل حياته في نقطة قريبة من دير الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا على البحر الأحمر، وأنه كان يتردد على الدير.. وأحدثت هذه الزيارات تغييرًا كبيرًا.. فصفت روحه ورقّت حاشيته، استخدم الأجبية في الصلاة، وانتزع نفسه من شواغل الوظيفة والحياة، ليتأمل في أفضال الله عليه، قال الضابط.. كانت نفسي ضائعة، فوجدت نفسي وأحسست بوجود إلهي معي وفي داخلي.. وذقت حلاوة الوجود والعشرة مع الله.. ومع الآباء الرهبان!
واستطرد الضابط، وقال إنه كان يسعى مسبقًا إلى النقل ولما عرف طريق الدير، وتحقق النقل، أخذ يسعى إلى إلغائه، عدة سنوات، تزود فيها بالامتلاء الروحي، وعندما تم النقل أخيرًا بعد سنوات، استأذن الرهبان وأخذ بعض رمال الدير، وترابه.. ليفرشه في أول مسكن يوفقه الله إليه.. ويستطرد الضابط ويقول لقد حالفه التوفيق على طول الخط، فترقّى عدة ترقيات ووُفّق إلى سكن فاخر، ووفق أيضًا إلى شريكة الحياة وقام بعمل صلاة تبريك للمسكن ونثر فيه رمال الدير، لقد لاحقته بركة الآباء وصلواتهم.
وقصة هذا الضابط ممتعة، وتجلّت فيها يد الله.. ولكن المقام لا يتسع لذكر التفصيلات.. وعدت أسأل الضابط، هل تذكر بعض أقوال الآباء التي تعلق بذهنك.. قال نعم، هناك عدة لافتات معلقة على حيطان الديرين حفظتها عن ظهر قلب.. قلت له اذكرها لي: والعجيب أنه أخذ يذكرها في طلاقة دون تردد!
وهذه من دير الأنبا أنطونيوس:
+ ابسط يديك للصلاة قبل أن يرخيهما الموت!
+ املأ عينيك بالدموع قبل أن يملأهما التراب.
+ كثرة المزاح تحل الحواس.
+ اسكت لسانك ليتكلم قلبك، اسكت قلبك ليتكلم الله.
+ السكون يجلب البكاء، والبكاء ينقي الإنسان من كل خطيئة.
ومن دير الأنبا بولا:
+ ما لا ينبغي أن تفعله لا تفكر فيه ولا تذكره.
+ اجتهد في شبابك لتفرح في كبرك.
+ كثيرًا ما تكلمت وندمت أما على سكوتي فما ندمت قط.
وهنا وعد الضابط أن يكتب في كل شهر خطابًا يرسله لي، الرب معك أيها الابن المبارك. يحفظك في طريق هذه الحياة، لقد تقابلت معك في قطار، وما أشبه الحياة برحلة.. وأهم ما في هذه الرحلة سلامة الوصول، إلى نهاية المطاف، فنقول مع بولس الرسول: "لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ" (في1: 21) ولنا من هذه القصة، أننا نستطيع في كل وقت أن نقدم خدمة.. حتى ولو كان في قطار. كما تبين هذه القصة قيمة الوقت. فقد تكون جلسة عارضة سببًا في خلاص نفس وما أضيع ساعة تمر في حياتنا لا نؤدي فيها خدمة. إنها ساعة ميتة تسقط من حساب العمر.
2- في القطار أيضًا.
وتستأذن آنسة في الحديث وتجلس إلى جواري. وهكذا أخذ بعض الأبناء يتبادلون المقعد! وتقول الآنسة: معذرة هذه فرصة لا يجب أن نضيّعها.. لديَّ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابة شافية: ثم تُقدم هذا الإشكال: توفيَ والدها وتزوجت والدتها من رجل كان سبق أن أنجب أولادًا من زوجته الأولى التي توفيت. فهل يجوز لها أن تتزوج ابن زوج أمها، إنه ليس أخًا لها من أب مختلف ومن أم مختلفة؟ وقد أوضح قداسة البابا شنوده الثالث هذه الأحوال في مشروع الأحوال الشخصية الموحّد إن زوج الأم هنا بدرجة الأب وابنه هنا يعتبر لابنة الزوجة بدرجة brother in law فلا يحل الزواج، وما يحرّم على أقرباء الزوج يحرم على أقرباء الزوجة بنفس الدرجة. فامرأة الأخ لا تحل كما لا تحل أخت الزوجة وهكذا.
3- لقاء في مطرانية.
تعوّدنا في كل عام أن نعدّ رحلة تقوم بها كنيسة السيدة العذراء بالزيتون، ونزور دير المحرق ودير السيدة العذراء بدرنكة، ونأخذ بركة هذه الأماكن المقدسة، وبركة حضرة صاحب النيافة مطراننا الجليل الأنبا ميخائيل –متّعه الله بالصحة الكاملة - وكنت قد أرسلت برقية إلى نيافة المطران أحدد موعد اللقاء العاشرة صباحًا، وشاء الله أن نصل إلى المطرانية ونلتقي بنيافته والساعة تدق العاشرة صباحًا تمامًا..؟ وإذا بنيافته يقول معقبًا ومشجعًا.. أهنئك لدقتك في المواعيد.
حدث هذا في عام سابق، فلما جاء العام التالي حرصت أن أقوم من دير المحرق قبل الموعد بساعة ونصف، وإذا بالعربة تصاب بعطب طارئ في الطريق ويتوه السائق في شوارع أسيوط ونصل بعد الموعد بعشرة دقائق..!
وهكذا تعلمت أنه على الإنسان أن يجتهد ولكن اجتهاد الإنسان يكمّله ستر الله، فالله هو الذي يكلل الجهد بالنجاح .. وكل توفيق في أي جانب من جوانب الحياة فيه جانب إلهي أساسي.
المهم أن نيافة الأنبا ميخائيل لم يلتفت إلى عشر دقائق تأخير رغم دقة نيافته في المواعيد وعاد يثني من جديد ويقول: تهاني لدقتك في المواعيد! عمومًا الدقة في المواعيد تشكل جانبًا من جوانب الشخصية المتكاملة، إلا إذا تدخلت ظروف ضاغطة وقاهرة.
4- في عيادة طبيبين.
يتوجه كاهن أعرفه تمام المعرفة، إلى عيادة أستاذ متخصص في كلية الطب، وبعد أن يقوم الطبيب بالكشف، ويقدم كشفًا بالدواء والنصح، يفتح درج مكتبه ويسلم الكاهن إيراد هذا اليوم..! ويرجو الأب الكاهن أن ينفق هذا المال في أوجه البر. وينتقل الكاهن إلى الدكتور الخاص بالتحليل وبعد أن يقوم بالتحليل يقدم للكاهن إيراد الشهر كله ويقول أنفق يا أبانا في أوجه البر!
والكاهن يحلل كل هذا ويقول: هناك كثيرون أفاضل يعيشون مختفين عوّضهم يا رب عوض الفانيات بالباقيات بيوتهم املأها من كل الخيرات.
[1] مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 30 مارس 1979م.
[2] ناء عليهم الدهر بكلكلة: ثقل عليهم وضغط.
أمهات.. مثاليات
أمهات.. مثاليات!*
خلق الله العالم وزينه بالشمس والقمر والنجوم، وخلق الله الإنسان وميزه بالعقل عن الحيوان، وفدى الله البشرية وغمرها بالحب، ولما كان الحب في الإنسان صدى من حب الله، فإن أجمل مظهر للحب في الإنسان، يتجلى في الأمومة الحانية، لأنها صدى من حب الله!
+ لهذا كانت كلمة أم، أول كلمة ينطقها الإنسان.. وتثبت عليها العاطفة، وينعقد عليها الوجدان، مهما طال الزمان، وتعظيمنا للأم: لأنها مصدر الحب.
+ إن أثر الأم عظيم في تربية أبنائها لهذا قيل: إن الأم التي تمسك المهد بيمينها، تستطيع أن تهز العالم بيسارها!
والأم مدرسة إذا أعددتها |
| أعددت شعبًا طيب الأعراق |
+ وعاطفة الأم صادقة لا تخبو.. وما أجمل أن نقرأ في الإنجيل "وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ.." (يو 25:19).
+ إن أول معجزة صنعها الرب يسوع، كما جاء في الإنجيل.. وكانت في عرس قانا الجليل، وكانت بشفاعة السيدة العذراء!
+ ورغم الآلام المترعة التي ذاقها الرب على الصليب فداءً عن البشرية، فإنه أوصى على الصليب على أمه، وأخذها يوحنا الرسول إلى خاصته (يو27:19).
+ ولهذا كانت أول وصية مقترنة بوعد "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ" (أف6: 2).
+ كان أقصى عقاب لمن يهين والديه، ومن شتم أباه وأمه يقتل قتلاً، "ومَلْعُونٌ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ" (تث27: 16).
+ بماذا نشبه الأم؟ بالشمعة تضيء... وهي تذوي وتحترق.
+ وإليك أيها القارئ العزيز أقدم أمهات مثاليات.. تحية للأم في عيد الأم.
الأم وابنتها
هاج البحر، وأخذت الأمواج تتقاذف السفينة، كما يتقاذف اللاعبون الكرة، بينما زأرت العواصف زئيرًا يصم الآذان، وأخذت المياه تتسرب إلى داخل السفينة، وأسرع الرجال يتعاونون على درء الخطر الذي كان يتهددهم، بينما أعولت النساء، وازداد صراخ الأطفال. وبعد وقتٍ عصيب أمضاه الراكبون في خوف وهلع يتأرجحون بين الموت والحياة، تداركهم الرب برحمته.
فزالت الغمّة، وهدأت العاصفة، واستقرت السفينة على صفحة الماء.. وقد لاحظ الركاب أثناء العاصفة، أن الجميع ذهب الخوف بعقولهم، ما عدا أمًّا وابنتها الصغيرة، ظلتا هادئتين ساكنتين؟!
فجاءوا إلى الطفلة متساءلين.. وقالوا لماذا لم تنزعجي أيتها الصغيرة! كيف بقيتِ ساكنة؟! فأجابت الطفلة في هدوء، وقد أشرق وجهها بابتسامة عذبة، وقالت: وهي تتكئ في حضن أمها، وكانت تنظر إلى أمها في ثقة واطمئنان.. وهي تشير إلى أمها. وكيف أخاف، وأنا أرى أمي بجانبي؟!
فعاد الذين في المركب، يسألون الأم.. ابنتك لم تنزعج لأنك بجانبها، فلماذا لم تنزعجي أنتِ أثناء العاصفة... وقد أحدق الخطر؟! وهنا نظرت الأم إلى السماء.. وتذكرت وعد الرب يسوع: "وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ" (مت28: 20).. فقالت: وكيف أخاف وأنا أراه بجانبي!
الأم والقروح
جلست الطفلة على ركبتي أمها وصاحت ما أشد جمالك يا أماه! إن وجهك جميل، وكأنه بدر مضيء.. لولا هذه القروح اللعينة التي تفسد بعض جمالك. فقالت الأم: آه يا بنيتي! لو تعرفين سر هذه القروح! كنتِ مولودة صغيرة، حديثة العهد بالحياة، وتركتك مستغرقة في النوم في سريرك. وانشغلت ببعض شئون المنزل، وفجأة سمعتك تصرخين، فاندفعت نحوك، ووجدت النار تحيط بك تكاد تلتهمك، فالقيت بنفسي عليك وأخذت أُطفئ النار بيدي، فلفحت النار وجهي إلى أن تأكدت من سلامتك. وهذه النار سر القروح التي تلفح وجهي. وهنا أخذت الطفلة تقبل وجه أمها وتبلله بالدموع، وتقبل أيضًا القروح، وتقول: أماه إنك جميلة.. وقد زادك جمالاً تلك القروح! فهل يعود الأبناء، بعد أن كبروا ونموا، بذاكرتهم إلى الوراء.. ويتأملون فيما احتملته أمهاتهم من أجلهم من سهر ودموع وأوجاع وقروح؟!
في ذكرى أُمّ
أراد أن يشق طريقه في الحياة، ويكمل دراسته الجامعية، وكانت تحدوه الآمال العريضة، ولم تكن الظروف كلها مؤاتية، لم يكن عليه أن يغرف من بحر، بل كان عليه أن ينحت في صخر.. وكان من الممكن أن يتراجع لولا أمه!
كانت أمه تقبع بجانب المكتب وهو يستذكر، فإذا استمر إلى منتصف الليل بقيت معه. لا تقوم إلا إذا قام عن الدرس، وقضت معه على هذا الحال سنوات طوالاً.. وعبثًا حاول أن يثنيها عن عزمها.. كانت تقول له: أنت أملي في الحياة! وهكذا استمد من أمه الشجاعة في مواجهة الأعباء والنضال، كان إحساسه بوجود أمه ساهرة بجواره يشحذ همته، وكانت الأم كلما رأت ابنها منكبًا على الدرس، انشرح قلبها، وانبسطت أساريرها. وكانت تظل الوقت كله تدعو له وتصلي من أجله، إنه نوع من الحب النادر، وكنت أسأله عن أعز أمنية له.. فيقول: أن أنتهي من المذاكرة، وأفرح قلب أمي بحصولي على الليسانس.
وتمر أربع سنوات، وأمه قابعة بجواره لا تفارقه، وهنا تقترب اللحظات الحاسمة، ها قد أتمّ دراسته ودخل الامتحان النهائي ليحقق أعز أمانيه ويفرح قلب أمه، وهنا تحدث مفأجاة مذهلة، تظهر النتيجة مُبشرة بالنجاح، وتموت الأم في ذات الوقت! وأجلس مع هذا الصديق: لا أنطق بكلمة، كنت أحمل حزنًا عميقًا، ولم أكن أدري كيف أعزيه في مصابه الأليم، وبينما أنا في هذه الحيرة، وجه لي الصديق سؤالاً محيرًا، قال لي: أتعرف لماذا ماتت أمي قبل أن تهنأ بنجاحي؟!
فلم أجب، ولكنه أسرع وقال: لقد حرمها الله من أمنية لها على الأرض، ليكمل جهادها، وتكون مكافأتها كاملة في السماء!
قلت مُعقبًا: بكل تأكيد، إن أمك العزيزة تفرح معنا في السماء، ألم يقل الكتاب: "يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ" (لو15: 7)!
إن لي تفسيرًا آخر لهذه الحادثة التي طواها الزمن، وما زالت محفورة في الذاكرة، لقد ماتت الأم لأنها أتمت رسالتها! كان كل أملها أن ينجح الابن، وقد تحقق الأمل، وقد قيل إنها ماتت وهي تبتسم، ووجدوا ابتسامة عريضة تملأ وجهها!
حقًا إن الأم تملأ عالمنا بالمسرة.. وأن يدها حانية، وقلبها خفاق.
الأم وجبل ثلج
منذ سنوات قرأت خبرًا مثيرًا للغاية، ينقل لنا حادثة حقيقية من واقع الحياة، ويبين لنا عظمة الأمومة بأجلى معانيها، قام بعض الرحالة بجولة في شمال أوروبا في بعض الجهات النائية والمتطرفة منها، ويبدو أن عاصفة ثلجية كانت قد هبت منذ وقت قريب وفاجأت أمًا تحمل طفلها الرضيع، وحملت العاصفة معها أكوامًا من الثلج، فماذا تفعل الأم؟!
لقد أعطت الأم ظهرها للعاصفة ومالت على ابنها الرضيع تضمه إلى صدرها، وتحيطه بذراعيها، بحركة غريزية... والذي حدث أن العاصفة قضت على الأم فماتت، وظل الابن يرضع من ثدي أمه، فلما جفّ اللبن بموت الأم، أخذ الطفل يبكي بكاءً متواصلاً، نبه الرجال الرحالة وأرشدهم إليه.
فانتزعوه من حضن أمه، ودفنوا الأم بين الثلوج... وهكذا قدمت الأم حياتها، وكانت وهي تجود بآخر أنفاسها، وتحتضن وليدها بذراعيها... وكان ابنها أعز وأغلى من حياتها، فهل هناك حب يفوق حب الأم؟
أحب الناس لي أمي ومن بالروح تفديني
وبروحي سوف أفديها كما بالروح تفديني
أمهات فضليات
وأعرف أمًا ترملت في سن التاسعة عشر، وترك لها زوجها طفلة رضيعة فرفضت كل عروض الزواج، ووهبت حياتها لابنتها، فأخذت تكمل دراستها حتى تخرجت في الجامعة، ونزلت إلى ميدان العمل حتى لا تكون عالة على أهلها.. واستطاعت أن تعطي دروسًا خصوصية، وترهق نفسها، وتضغط على أعصابها، وربت ابنتها وعلمتها، ثم زوجتها وبعد زواجها قدمت لها بضعة آلاف من الجنيهات.. هي كل ما ادخرته في حياتها.. ولم تترك لنفسها قرشًا واحدًا، صارت كل سعادتها أن ترى ابنتها سعيدة!
وأعرف أمًا مات زوجها، وترك لها معاشًا ضئيلاً، فاخفت قيمة المعاش عن أولادها، وظلت تكافح.. وكانت تأتي إلى الكنيسة كل شهر تروي الكنيسة بدموعها ووقفت الكنيسة معها، وعلمت أولادها وزوجت ابنتها، وفرحت وفرحت الكنيسة معها. وفي النهاية اكتشف أولادها، وكلهم دكاترة، أن معاش أبيهم كان تسع جنيهات؟! تحية إلى كل أم، تربي أولادها في مخافة الرب.. والكتاب يقول: "يَقُومُ أَوْلاَدُهَا وَيُطَوِّبُونَهَا"، "اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟ لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ" (أم 31: 28، 10)!
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 6 أبريل 1979م.
الذكرى الحادية عشرة لتجلي السيدة العذراء
الذكرى الحادية عشرة لتجلي السيدة العذراء*
وهذه أفكار مستوحاة من كلمة قداسة البابا شنوده الثالث في حفل تجلي السيدة العذراء بكنيستها بالزيتون بمناسبة الذكرى الحادية عشرة.
+ السيدة العذراء هي أقدس أُمّ، وأشهر أُمّ، فهي الأم المطوّبة في العالم كله، نساء كثيرات نلن كرامة، أما أنتِ ففقتِ عليهن جميعًا.
+ السيدة العذراء هي أصغر أُمّ، لقد كانت أمًا وهي في الرابعة عشرة من عمرها.
+ السيدة العذراء هي أعجب أُم، لأنها أُم.. وهي في ذات الوقت عذراء... وهذا الأمر ليس له مثيل ولا شبيه في كل العالم.
+ ونحن نتسائل بدورنا.. ونحن نتأمل في حياة أم الله القديسة مريم، هل كانت هي التي ترعى ابنها الحبيب، أم هو الذي يرعاها؟ هل كانت تحمله على ذراعيها أم كان هو الذي يحملها ويحمل كل المسكونة؟ هل كانت تخضع له.. أم كان يخضع لها؟!
+ أكثر أُمّ تعرضت للمخاطر، ففي سن السادسة عشرة من عمرها، هربت إلى مصر من بطش هيرودس الملك الذي ذبح أطفال بيت لحم.. ولما جاءت مصر، كانت كلما دخلت بلدة سقطت الأصنام وتهشمت، فيثور عليها الشعب، فتنتقل إلى مدينة أخرى، وهكذا تباركت أرض مصر بمرور العائلة المقدسة.
+ كل أُمّ هي أم لأولادها، والعذراء مريم هي أُم لكل البشر!
+ لم تتوقع أن تكون أمًا، بعد أن نذرت البتولية، ولهذا نراها تواجه جبرائيل الملاك بقولها: "كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً؟" (لو1: 34).
+ أكثر أم رأت معجزات وعجائب... ورأت الملائكة تحف بالمولود صاعدة وهابطة تسجد بين يدي الله الكلمة، وهي أكثر قديسة يلتمس منها الناس العون والشفاعة.
+ كانت أجمل امرأة ولسنا بصدد جمال الوجه فحسب، بل جمال الروح الذي ينعكس على ملامح الوجه.
نبذة عن تاريخ السيدة العذراء؟
تزوج (هالي) من امرأة ولم ينجب ومات.. فتزوج أخوه (يعقوب) من أرملة أخيه حسب الشريعة اليهودية، وأنجب (يوسف) خطيب السيدة العذراء، ويوسف هذا يدعوه الإنجيل تارة (ابن يعقوب) حسب الطبيعة (وابن هالي) حسب الشريعة، التي توصي بأنه إذا تزوج رجل ومات دون أن ينجب يتزوج أخوه امرأته ليقيم نسلًا لأخيه، والمولود الأول ينسب إلى الأخ المتوفي.
وللسيدة العذراء أخت اسمها مريم زوجة كلوبا أو حلفى أم يوسي وسمعان ويعقوب ويهوذا الذين ورد ذكرهم في الإنجيل على أنهم إخوة يسوع (مت 13: 55) (بسبب القرابة الشديدة).
نذرت العذراء البتولية وبقيت في الهيكل حتى سن 12 سنة، ثم خُطبت ليوسف بأمر ملاك الرب الذي أمر أن يجمع الشيوخ عصيهم ويكتب على كل عصا اسم صاحبها ووضعت العصي في الهيكل، فأفرخت عصا يوسف.. فتسلم يوسف العذراء وأخذها إلى بيته. قيل ظهرت حمامة طارت واستقرت على رأس يوسف.
وخطوبة يوسف للسيدة العذراء، كانت لحكمة بالغة، حماية للعذراء من بطش اليهود. وبشرها الملاك جبرائيل بميلاد ربنا يسوع المسيح في 29 برمهات (سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الممتلئة نعمة اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ!). ويعتبر يوحنا المعمدان سابقًا لولادة السيد المسيح بستة أشهر.
أعياد السيدة العذراء
تنيحت السيدة العذراء عن 58 عامًا و8 أشهر، و20 يومًا. والكنيسة تحتفل بعيد ظهور إصعاد جسدها في نهاية صوم العذراء (16 مسرى)، وتعيّد عيد ميلادها في أول بشنس، ودخولها الهيكل 3 كيهك ونياحتها 21 طوبة، والمجيء لمصر في 24 بشنس وبناء أول كنيسة باسمها في 21 بؤونة. وعيد تجلي العذراء على قباب كنيستها بالزيتون في 2 أبريل 1968م.
لماذا تجلت السيدة العذراء؟
في يقيني أن للتجلي رسالتين: رسالة تمت ورسالة لم تتم...
1- أما الرسالة التي تمت، فهي دعم الإيمان عامة، في وقت انتشر فيه الإلحاد والمبادئ المادية والشيوعية والانحلال، والوجودية: هؤلاء الذين ينكرون البعث والخلود، ووجود الله والروح، والميتافيزيقا أي ما وراء الطبيعة، وينطبق عليهم قول الكتاب: "قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: لَيْسَ إِلهٌ!" (مز53: 1). لهذا كان تجلي السيدة العذراء على قباب الزيتون لمدة أكثر من عام كامل، على مرأى من الجموع الحاشدة، وما رافق الظهور من معجزات شفاء، الدليل القاطع الذي يثبت إيمان المؤمنين، ويقضي على شكوك غير المؤمنين.
2- دعم التجلي العقيدة الأرثوذكسية فلو كنا على ضلال لما تجلت السيدة العذراء أكثر من عام كامل فوق قباب الكنيسة الأرثوذكسية. إن العذراء الأم، تجلت فوق الكنيسة الأرثوذكسية الأم، التي جاهدت وحفظت لنا الإيمان بدماء الشهداء.
3- رسالة تحققت، بشائر السلام، لأن الزيتون يرمز إلى السلام.. وعندما أرسل نوح حمامة من نافذة الفلك وكان الطوفان قد أغرق العالم، عادت الحمامة وفي فمها غصن زيتون. رمزًا لظهور الحياة على الأرض.
وها نحن نرى تباشير السلام، قد تحققت، والشيء العجيب أن تأتي الذكرى الحادية عشرة والبلاد تعمها الزينات، وتغمرها الهتافات يعود الرئيس السادات، وقد أمضى معاهدة السلام، بعد حروب استمرت ثلاثين عامًا أتت على الأخضر واليابس.. هذه أيضًا أمنية وقد تحققت.
تعمير المنطقة روحيًا
وقد كان ظهور السيدة العذراء في هذه الكنيسة المقدسة التي تحمل اسمها في حي الزيتون، بركة لهذه المنطقة وتعميرها روحيًا. وهكذا كان أول عمل للنهضة الروحية والتعليمية في هذه المنطقة هو تأسيس كاتدرائية كبرى، قد صدر القرار الجمهوي ببنائها. وقد تم حفر أساساتها على مساحة واسعة جدًا. ونرجو أن يتم بناؤها قريبًا - إن شاء الله - لكي تقوم بعملها الروحي والتعليمي لمنفعة منطقة الزيتون التي ظهرت فيها العذراء.
وغير بناء الكاتدرائية الكبرى، بدأت الكنيسة بأعمال روحية أخرى: كتأسيس مكتبة دينية كبرى، للصغار والكبار ستفتح قريبًا للاستعارة والاستفادة. كما بدأت الكنيسة بشراء أجهزة متكاملة للوسائل السمعية والبصرية لخدمة الأطفال والكبار، سواء في منطقة الزيتون وكذلك ما يجاورها من مناطق.
كما قررت الكنيسة أيضًا شراء أتوبيس وشراء مايكروباص، لأجل الخدمة، وبخاصة خدمة المناطق المحتاجة إلى عناية روحية.
كل ذلك كان ثمرة لظهور العذراء، ولالتفاف الناس حول هذه المنطقة والرغبة في خدمتها محبة للعذراء التي عملت الكثير من المعجزات، كما كان ظهورها نفسه معجزة.
توطيد الصلة بالقديسين
إن ظهور السيدة العذراء في الزيتون ورؤية عشرات الآلاف لها على قباب الكنيسة، ومعجزات الشفاء العديدة التي تمت لكثيرين، وسُجلت صوتيًا وفي كتب تحت إشراف لجان كنسية مختصة، كل ذلك مع ما أجرته من معجزات في أماكن متعددة، جعل الناس يزدادون قربًا إلى العذراء وإلى القديسين، يرتبطون بها وبهم بالحب العميق.. وظهر هذا في إيمانهم بالأوجه الآتية:
1- إيمان الناس بخلود الروح، وبقائها بعد الموت، وصلتها بالأحياء على الأرض، وسعة نطاق عملها بعد تخلصها من رباطات الجسد، وما يسبغه الله على الروح من بهاء وجمال في التجلي.
2- إيمان الناس بشفاعة القديسين وإرسال الله لهم لخدمة أولاده على الأرض.
3- الإيقان بمحبة العذراء لمصر ولهذه المنطقة المقدسة منها، التي زاراتها مع رب المجد في بدء قصة التجسد.
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 13 أبريل 1979م.
مواقف... وعواطف
مواقف... وعواطف*
قد يوجد الإنسان في مفترق الطرق ويتعين عليه أن يتخذ موقفًا معينًا وقد يحدد هذا الموقف مصيره.
+ ولكي نتخذ موقفًا معينًا، لا بد من عاطفة ترجح هذا الموقف دون غيره، لهذا فالمواقف تكون مرتبطة بالعواطف.
+ ولكن إذا كان القرار خطيرًا، وقف الإنسان مترددًا، يقدم رجلاً، ويؤخر أخرى. والكتاب يحثنا على إتخاذ موقف.. وإصدار قرار فيقول: "لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ" (لو 62:9).
+ وعلى كل إنسان عامة، وعلى كل شاب خاصة، أن يتخذ قرارًا في حياته: إما السير في طريق الخير.. وإما السير في طريق الشر، إما الدخول من الباب الواسع.. و"مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ.." (مت7: 14).
+ وهناك مواقف كثيرة تستحق الثناء: موقف داود النبي من عدوه وقع في قبضة يده، فلم يمد يده إليه بسوء.
+ موقف الأب الحنون من ابنه الضال، عندما عاد إليه تائبًا نادمًا، فقال: "يَنْبَغِي أَنْ نَفْرَحَ وَنُسَرَّ.. ابْنِي هذَا كَانَ مَيِّتًا فَعَاشَ، وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ" (لو15).
+ موقف يوسف البار من امرأة سيده: "فَكَيْفَ أَصْنَعُ هذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟" (تك9:39).
+ وهناك مواقف تستحق اللوم، موقف يهوذا الخائن، الذي باع سيده، موقف هيرودس الملك يذبح أطفال بيت لحم.
+ موقف أبشالوم يشق عصا الطاعة على أبيه، وموقف شمشون الجبار يسلم قياده لدليلة، المرأة الوثنية الساقطة.
+ أيها القارئ العزيز اتخذ قرارًا وموقفًا، ومن هنا وهناك أقدم لك مواقف.. وعواطف.
(+).. أم (-)..؟
ظلت مُكبة على الدراسة طيلة العام ورفضت أن تستعين بأية مساعدة خارجية ثم اقبل الامتحان، وكانت العائلة مغتبطة تمام الاغتباط عندما وجدت أن الابنة تخرج أيام الامتحانات في تمام الساعة السادسة صباحًا.. حيث تغادر المنزل في موعد لا يخل أبدًا.. ولما كان موعد لجان امتحان الثانوية العامة التاسعة صباحًا فهناك ثلاث ساعات كاملة للمراجعة والاستيعاب.
وجميع الأبناء من طلبة الثانوية العامة، يعيشون على أعصابهم طيلة فترة الامتحانات، وتعتبر فترة المراجعة صباحًا قبل دخول الامتحان دعامة قوية لتجميع الأفكار وحيث تضحى كل دقيقة لها قيمتها.. وخطرها.. وهذا يتمشى مع أحدث قوانين علم النفس الحديث (قانون الحداثة). لأن المعلومات التي يراجعها الطالب قبل الامتحان تكون قريبة إلى التذكر، يسهل استدعاؤها، نظرًا لحداثة الإلمام بها فتعلق بالذاكرة، ولا تُنسى سريعًا، وتظهر نتيجة الثانوية العامة في هذا العام وتبدو المجاميع منخفضة نسبيًا عن السنوات السابقة وتحصل الفتاة - التي نحن بصدد الحديث عنها - على مجموع كبير، يفوق الحد المطلوب لدخول أية كلية، من كليات الجامعة، ويلتئم شمل الأسرة، ويثنون على تفوقها ويهنئونها على هذا النجاح الباهر، والتفوق الساحق، ويعجبون من نزولها كل أيام الامتحانات، ولكن لماذا الساعة السادسة صباحًا تمامًا؟ وتكتشف الأسرة سرًا عجيبًا.
لم تنزل الفتاة صباح كل يوم لتستذكر وتستعيد وتراجع، بل لتحضر القداس الإلهي بالكنيسة المجاورة للمنزل، وكانت تخرج من القداس بين الثامنة والنصف والتاسعة إلا ربع لتلحق لجنة الامتحان.. وتصل في آخر دقيقة.. وهي تلهث؟
ذكرت لك أيها القارئ العزيز هذه القصة من واقع الحياة.. ومن محيط الامتحانات، حيثُ يكون الوقت أثمن ما يمتلكه الطالب، لأؤكد لك هذه الحقيقة الروحية التي سبق وأكدتها في مذكرات سابقة، وأحداث منوعة أن ما نقدمه لله من وقت.. وجهد ومال.. لا يكون أبدًا بدرجة (-) ناقص.. بل يكون دائمًا بدرجة (+) زائد. وهذه الفتاة التي قدمت للرب كل صباح ثلاث ساعات ابتهالاً وصلاة.. قدم الله أيضًا لها البركة والنجاح والتفوق: "أَعْطُوا تُعْطَوْا، كَيْلاً جَيِّدًا مُلَبَّدًا مَهْزُوزًا فَائِضًا يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ. لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ" (لو6: 38).
نفذ الوصية
وهذا موقف رائع لشاب فاضل نشأ نشأة دينية، وما أجمل أن تتحلى الأسرة بمكارم الأخلاق ويتبارى الأبناء في الفضائل وفي البذل والعطاء. أراد الابن أن يقدم عربة لأبيه بعد أن ناءت العربة تحت ثقل الأعوام وألحقت مرارًا في إعفائها من الخدمة، وإحالتها على المعاش، لقد أدت هذه العربة مهمتها خير أداء، ولم تذق طعم الراحة يومًا واحدًا، وأخيرًا أدركتها الشيخوخة، فتباطأت خطواتها، وأخذت تسعل طول الطريق، وامتدت إليها يد الإصلاح مرارًا، ولكن هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟
وهكذا سافر الابن للخارج ليعمل وبعد أن أعد مبلغًا مناسبًا.. صحت عزيمته على شراء العربة الجديدة وسرعان ما أعلن رغبته لاثنين من رفقائه ظهرا أنهما حضرا من القاهرة أيضًا لذات الغرض، ويوفق الابن إلى عربة فاخرة. ولم يكن الثمن مرتفعًا، وفي ذات الوقت يطرق الصديقان خجلاً، يذكران أنهما في حاجة ملحة إلى شراء العربة، لظروف خاصة. إنقاذًا للأسرة، فيسرع الابن، ويعطيهما جزءًا من المبلغ الذي معه، ما يكفي لتغطية المبلغ الذي في أيديهما. ويعود الصديقان بالعربة، ويعود هو مزودًا بكلمات الشكر، لم يشتر العربة، ولكنه قدم في مقابل ذلك خيرًا، وصنع معروفًا، وفضل غيره على نفسه.
وأعجب ما في القصة، أن يهنئ الأب ابنه على ما فعل، وأعجب من هذا وذاك، أن تدب الصحة في العربة المتداعية وتعود إليها القوة ونضارة الشباب ويشتد عودها، ويختفي أنينها، وما زالت تمرق في شوارع القاهرة مروق السهم، معتزة بقوتها وصمودها، وقد تدفق في شرايينها نبض الحياة، والمهم في هذه القصة، أن الابن لم ينفذ مشروع شراء العربة، ولكنه نفذ ما هو أهم من ذلك (نفذ الوصية) من طلب منك فلا ترده، ولا شك أن هذا أفضل وأبقى، إلى أن يوفقه الله لتنفيذ المشروع بعد حين.
موقف مديرة ومدير
هو يعمل مدرسًا بمدرسة لغات، واللغة الأساسية في هذه المدرسة الفرنسية وسرعان ما تتوطد علاقته بالمدرسة، لقد أخلص لعمله الإخلاص كله وتفانى في أداء هذا الواجب، واعتبر التدريس رسالة وليست مهنة.. وكان يعتبر المدرسة أسرته والطالبات من ذوات قرباء، ولكن ظهرت مشكلة حادة.. عند إعداد الجدول. كان عليه أن يخرج من المدرسة ليلحق جدولاً في مدرسة أخرى بالمعادي. وبين نهاية الحصة وقيام القطار عشر دقائق. وهيهات أن يلحق القطار، ولكن المديرة سرعان ما وجدت حلاً. لقد أمرت بتجهيز عربتها الخاصة لتوصيل المدرس. وكانت توصله في دقائق معدودات وهكذا استمر الحال عام كامل حتى أمكن تعديل جداول السنة التالية.
وشاء الله أن يحـدث نفس الموقف بصورة أخرى، في مدرسة لغات خاصة كان المدرس يقوم بالتدريس فيها واللغة الأساسية فيها اللغة الإنجليزية. أخذ المدرس يطبع المذكرات، ويبقى مع التلاميذ في أوقات الفراغ، يجيب على أسئلتهم، ويعيد شرح ما غمض عليهم وبذل في ذلك جهدًا كبيرًا. ويفاجأ المدرس بمدير هذه الكلية يستدعيه، ويقول له إنه قرر رفع مرتبه وكانت الزيادة في المرتب خيالية.
وإذا بالمدرس يرد على المدير ويقول له إنه قانع بمرتبه، وإنه فقط يؤدي واجبه، ولكـــــن المدير يصرّ على موقفه، ويقول: أنت تبذل مجهودًا زائدًا.. تستحق تقديرًا زائدًا هذا حقك يجب أن تحصل عليه. ولقد مرّ على هذه الأحداث أكثر من ربع قرن، ورحل المدير عن البلاد، ولم ترحل ذكرى هذا الموقف عن بال المدرس ويعود المدرس ويقول متأملاً، إذا كان هذا حال الناس، فكيف تكون معاملات الله معنا؟ إن الكتاب يقول: "لأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ الْمَحَبَّةِ.." (عب6: 10).
لجنة البر بالعجوزة
ازدحمت كنيسة مار جرجس بالعجوزة بشعبها، والتقى أيضًا الشعب بالآباء الكهنة كان اليوم أشبه بعيد.. لقد حضر الجميع ليحتفوا بمولد (لجنة البر) وكنت ألقي كلمة فقلت: "والآن علينا أن نخطو أول خطوة ونخرج من حيز القول إلى العمل، ونترجم أقوالنا أفعالاً".. وهنا تقدم اللواء توفيق إسحاق رئيس لجنة الكنيسة، وأعلن أن شخصًا لا يريد أن يذكر اسمه قدم تبرعًا بــ 500 خمسمائة جنيه. ثم قامت السيدة جميلة من عضوات لجنة البر وأعلنت أن سيدة لا تريد أن تذكر اسمها تبرعت بــ 300 (ثلاثمائة جنيه).
لقد أسعدني الله أن أرى مباراة في عمل الخير بين رجال أفاضل ونساء فضليات فيا له من موقف لا ينسى.. إن لجنة البر بالعجوزة ظننتها تحبو.. فوجدتها تمشى.
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 20 أبريل 1979م.
شئون وشجون
شئون وشجون*
في هذا المقال، تقرأ عن أربعة مواقف، فيها شئون.. وفيها شجون.
+ أما الموقف الأول فهو بين ابن وأمه، ويتحكم في هذا الموقف الحب والتقدير.
+ أما الموقف الثاني فمن تاريخ الكنيسة، عن عظيم من عظماء الأقباط وهب نفسه لمعونة الفقراء، ويتحكم في هذا الموقف عاطفة حب الخير...
+ أما الموقف الثالث، فعن البابا كيرلس الرابع، وجد نفسه في مأزق، ويتميز هذا الموقف بالحكمة وحسن التصرف.
+ أما عن الحكمة فيقول الرب: "فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ" (مت16:10).
+ وعن فعل الخير يقول الكتاب: "اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللهِ الآبِ هِيَ هذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ" (يع27:1).
أما عن إكرام الوالدين فيقول الكتاب: "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ" (خر12:20).
+ أما عن المعلم فيقول الكتاب: "لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَلِّمِ... يَكْفِي التِّلْمِيذَ أَنْ يَكُونَ كَمُعَلِّمِهِ" (مت10: 24، 25). ويقول أيضًا: "اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ.." (عب7:13). وما أجمل أن نجلس تحت أقدام القديسين، نقرأ حياتهم، ونتمثل بهم، ونتخذ منهم قدوة ومنهجًا.
+ إن أمامك أيها القارئ العزيز أربعة مواقف، مستخلصة من أربع قصص واقعية فيها شئون وفيها شجون، فاتخذ من كل موقف درسًا وعظة، وعبرة.
تقدير الأمومة
تقدمت بالأم الأيام، وزاد تقدير الابن لها على مر الأيام، كان ابنها يحتل مركزًا كبيرًا في الوزارة، وكان في منتهى الأمانة والدقة، وكان الوزير لا يمضي إلا بعد إمضائه، كان مجرد إمضائه يعني أن الأوراق قد روجعت مراجعة تامة، لا يأتيها الباطل، كان مسموحًا له أن يحضر بعد العاشرة صباحًا. ولكنه كان يذهب الساعة السابعة والنصف، قبل الفراش المكلف أن يقف على باب مكتبه! وكان لسانه عفًا. فلم يأخذ عليه أحد طيلة حياته أنه جرح إنسانًا بكلمة، ولهذا احتل مركزًا في كل القلوب، وأحبه أفراد الأسرة وأجلّوه، وكانوا يهرعون إليه كلما ألمت بهم مشكلة ويسمعون منه دائمًا رأيًا ثاقبًا وفكرًا سديدًا لا يحابي أحدًا.
الخلاصة، كان فريدًا في عصره، فريدًا في بابه، وعند انتقاله رثاه قداسة البابا بنفسه، وذكر بعض مناقبه.
وقد انتقلت معاملاته مع الناس إلى معاملته مع أمه، بعد زواجه سار على نهج لم يخل أبدًا، كان يضع مرتبه بين يدي أمه، الكل يسحب منه الكبير قبل الصغير، ووفقه الله إلى زوجة صالحة، فاتخذت من أمه أمًا لها، واستمر الحال على هذا المنوال، إلى أن مرضت الأم المرض الأخير، وكانت تعجز عن أن تستلم المرتب بيدها، فكان المرتب يوضع تحت وسادتها، يرفعون الوسادة ويسحبون منه لوازم البيت.. والأم تبتسم ابتسامة خافتة وتدعو لابنها وزوجته.. ولا شك أن دعوات الوالدين تصل رأسًا إلى السماء!
قصدت أن أقدم لك أيها القارئ العزيز، والابن المبارك مثلًا رفيعًا في معاملة الأم، ونموذجًا من آداب السلوك لأحد الشخصيات المتكاملة، سواء في عمله أو حياته الخاصة داخل بيته، والشخص المتكامل يتخذ موقفًا ثابتًا، وخلقًا واحدًا.
وإن مات يتحدث بعد!
من المواقف النبيلة التي تستحق التأمل، موقف عظيم من عظماء الأقباط احتل مركزًا كبيرًا، وتنيح قبل مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر، وقد ترك أوقافًا كثيرة على الكنيسة، فكانت كما جاء في حجة الوقف: (نورًا لا يموت وقنديلاً لا يطفأ) كان كما قيل عنه عند رثائه: (كان عينًا للأعمى، ورجلًا للأعرج، وزوجًا للأرملة) أوقف حياته على فعل الخير.. وإنني أقصد بهذا المعلم إبراهيم الجوهري.
رجل فقير تعود أن يأخذ منه إحسانًا، ذهب إلى منزله فعرف أنه رقد في الرب، فذهب إلى مقبرته بكنيسة مار جرجس بمصر القديمة، وبكى بكاءً مُرًّا وغلبه النعاس، فنام فتراءى له المعلم إبراهيم الجوهري، وقال له: لا تبك، إن لي في ذمة (فلان) الزيات ببولاق عشرة بنادقة، اطلبها وهو يعطيها لك.. ورأى الرجل الفقير الحلم يتكرر ثلاث مرات.
وفي ذات الوقت تراءى إبراهيم الجوهري للرجل الزيات، في المنام وأخبره، وعندما ذهب الفقير إلى الرجل الزيات: ابتدره الرجل الزيات بقوله: لقد تراءى لي المعلم إبراهيم... وإليك ما في ذمتي، وعشرة بنادق أخرى من عندي!
حقًا (إنه ليس موت لعبيدك بل هو انتقال...) والذين انتقلوا من هذا العالم الفاني هم أحياء في السماء، يشفعون عنا في كل حين، وما أروع هذه الحقيقة: لقد ظل إبراهيم الجوهري، يفعل الخير، حتى بعد أن انتقل إلى السماء؟!
موقف حكيم
زار السلطان التركي مصر، وكانت مصر ولاية تابعة لتركيا في عهد الخديوي إسماعيل باشا وتقاطر عظماء مصر لتحية ضيف مصر الكبير، وكان التقليد السلطاني يقضي أن تكون التحية تقبيل هدب ثوب السلطان. وهكذا فعل الأمراء والعظماء فلما جاء دور بابا الكرازة المرقسية، قبل البابا صدر السلطان من ناحية القلب! فذهل السلطان عبد العزيز وذهل معه الحاضرون!! وكان يرافق قداسة البابا كاهن يجيد التركية، ففسر هذا الموقف بقوله: إن عندنا آية تقول: "إن قَلْبُ الْمَلِكِ فِي يَدِ الرَّبِّ.." (أم1:21) فالبابا قبّل قلب السلطان فكأنه يقبل يد الله! فسر السلطان سرورًا بالغًا وبالغ في إكرام البابا المعظم وأوقف على الكنيسة 1500 فدان ألف وخمسمائة فدان... فيا لها من قبلة تساوي ثروة: ألف وخمسمائة فدان.. والكتاب يقول: "فَكُونُوا حُكَمَاءَ.." (مت10: 16)!
بين التلميذ ومعلمه
وظيفة العقل فينا أنه يدرك المعلومات عن طريق الحواس ثم يختزن هذه المعلومات ثم يستعيدها، وهذا ما يعبر عنه (بالإدراك والوعي والتذكر) وإذا رجعنا إلى الوراء نجد أننا ما زلنا نتذكر أمورًا من عهد الطفولة المبكرة ونحن نتذكر المواقف التي يصاحبها انفعال قوي... والأعجب من كل هذا أن الذاكرة تظل خالدة بعد الموت... تستدل على ذلك من قول أبينا إبراهيم للغني في قصة الغني والعازر. "اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ" (لو25:16) وها أنا أسرد عليك أيها القارئ قصصًا من واقع الحياة، ما زالت محفورة في الذاكرة وأنت تعجب إذا قلت لك إنه مر عليها خمسون عامًا، وما زالت على جدتها.. وهي من مجال التعليم.
أعرف طالبًا في الفصول الابتدائية، وكانت اللغة الإنجليزية تدرس قديمًا في المرحلة الابتدائية، أراد أن يعد موضوع إنشاء كلفه به المدرس فاستعان بالقاموس، ووضع كلمة في مكانها، وكانت هذه الكلمة union.
أي اتحاد أو وحدة فظل المدرس يثني على الطالب الذي خرج من حيز المقرر واستعان بكلمة خارجية فماذا كانت النتيجة؟! لقد دفعه تشجيع المعلم، أن يتفوق في هذه اللغة طيلة مراحل التعليم!
وهذه قصة عن طالب أعرفه تمام المعرفة، وقف ناظر المدرسة في احتفال اجتمع فيه طلبة المدرسة.. في مناسبة خاصة، وقال من أراد أن يبن إخوانه الطلبة في الإنشاء العربي فليخطف ما في كراسة (فلان)! ودفع هذا الإطراء هذا الطالب، أن ينسكب على القراءة والإلمام باللغة حتى جاء وقت أصبح مدرسًا لها.
وأعرف طالبًا تفوق في مادة ما من العلوم المقررة وحصل فيها على الدرجة النهائية.. فأثنى المدرس على الطالب ثناء عاطرًا، وأخذ يمدح أخلاقه أيضًا، وفاجأ المدرس الطلبة بأن قدم للطالب هدية تذكارًا لهذا التفوق، لقد كانت الهدية رمزية، وظل الطالب محتفظًا بالهدية معتزًا بها، ورغم أنه حقق نجاحًا كبيرًا في الحياة. ظلت هدية الأستاذ وكلماته أثمن ما يمتلك، وظل الأستاذ موضع تقدير الطالب وموضع حبه مدى الحياة.
وكان هناك طالب يحرز دائمًا قصب السبق في العلوم جميعًا، وفي مادة أستاذ معين، وحدث أن تأخر الطالب في التحصيل فإذا بالأستاذ يدعو الطالب ليتحدث معه حديثًا خاصًا، وهنا عرف الأستاذ أن ظروفًا اجتماعية طارئة عاقت الطالب عن التقدم، فاشترك الأستاذ مع الطالب في حل مشكلته.. وعاد الطالب إلى التفوق من جديد.
ما أعظم الأثر الذي يتركه المعلم الصالح في نفوس النشء.. يقول الشاعر:
قف للمعلم وفه التبجيلا |
| كاد المُعلّم أن يكون رسولا |
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 27 أبريل 1979م.
عود إلى بدء
عود إلى بدء*
لماذا خلق الله الفقراء؟! والرد على هذا السؤال في منتهى البساطة، نقول: إن الله لم يخلق فقراء، فخيرات العالم تكفي العالم وتفيض.. ولكن قد يكون سبب الفقر هو الظلم الاجتماعي، وقلة الرحمة. ولو تراحم الناس، ما كان بينهم جائع ولا عريان ولا مغبون، ولأقفرت العيون من المدامع.. واطمأنت الجنوب في المضاجع!
+ وقد يكون سبب الفقر سوء التصرف، فقد يملك إنسان ثروة، وسرعان ما يبددها، ويفتقر بسبب الرعونة وعدم الحكمة وسوء التدبير.
+ وقد يكون الفقر سببه عادات ذميمة كلعب الميسر، والتدخين، والانغماس في الشهوات كالابن الضال الذي بدد ثروة أبيه. وبدأ يحتاج.. والكتاب يقول: "بِسَبَبِ امْرَأَةٍ زَانِيَةٍ يَفْتَقِرُ الْمَرْءُ إِلَى رَغِيفِ خُبْزٍ" (أم6: 26).
+ وقد يكون سبب الفقر نكبة من نكبات الدهر، كأن يموت عائل أسرة فجأة.. ويترك معاشًا ضئيلاً لأولاده، أو يتركهم دون معاش، فتتعرض الأسرة للمذلة والهوان أو تتعرض تجارته للكساد.. أو مرض مزمن يأتي على الأخضر واليابس.
+ الإسراف في الكماليات.. والالتجاء إلى الاستدانة، والكتاب يقول: "لاَ تَكُونُوا مَدْيُونِينَ لأَحَدٍ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِأَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا" (رو13: 8)! إلى جانب الغلاء وكثرة الأولاد وقلة الدخل.
+ المظاهر الكاذبة، لتحوز أسرة الرضا في أعين الناس، كما يحدث في الأفراح والأحزان، ومن ثم تركبهم الديون ويفتقرون.
+ ومهما تعددت الأسباب وتنوعت، فالفقر وحش كاسر.. لا يرحم ولا يلين.. وللفقراء الذين تجرعوا كأس المرارة والذل، وللأرملة، والبائس والمسكين... واجب في أعناقنا، أن ندفع عنهم غائلة الجوع. ورحمة الفقير. هي الأساس إلى رحمة الله. ونعود اليوم ونلتقي بهم في لجنة البر، في هذا المقال.. (عود إلى بدء) ونقدم صورًا منوعة من أحداث الحياة ومتاعب الفقراء.
أسرة مكافحة
تدخل سيدة إلى لجنة البر.. قد ارتسم على وجهها الكثير من المعاناة، نقدم لها كرسيًا فتجلس وتأخذ في سرد قصتها.. لا شك أنها أم مجاهدة، كافحت كثيرًا لتربية أولادها، ورسمت الأحداث على وجهها خطوط غائرة.
الزوج مكوجي. يعيش رزق يوم بيومه الأولاد ستة أولاد.. وأربعة منهم موزعون على أربعة كليات.. طب وهندسة وتجارة خارجية.. واثنان واحد بالثانوية العامة، والآخر بالتعليم الإعدادي، أخذت السيدة تتحدث، وجلست ساهمًا، وأخذت أسرح بخاطري، وقلت في نفسي كم يتكلف هؤلاء الستة، من كتب وثياب، ومصروفات، ونفقات؟
إن الابن الواحد قد يكون أكبر عبء على والديه في هذه الأيام الصعبة، فكيف يكون حال والد الستة.. "المكوجي" الذي (اكتوى) قلبه.. بكل هذه الأعباء؟! ثم ذهب هذا الخاطر، واندفع خاطر آخر.. وقلت في نفسي: ما أعظم هذه الأم وهذا الأب! لا شك أن كلا منهما يستحق كل التبجيل والتكريم، لتوافرهما على تربية ستة أبناء رغم قلة ما في اليد، ولما ضاقت بهما السبل لجأوا إلى الكنيسة، إلى مرفأ الأمان، والكنيسة أيضًا أم، عليها أن ترعى أبناءها.
وهنا أفقت من تأملاتي، كانت الأم قد بلغ بها التأثر، وأخذت تمسح بعض عبراتها التي أخذت تتساقط على وجهها. فلم يحتمل الموقف أكثر من ذلك فأخذت لجنة البر، تطيب خاطرها، وتشكرها لقيامها بهذا الواجب.
قلت للسيدات: لقد قطعت هذه الأسرة معظم الشوط، وعلى لجنة البر أن تكمل باقي المسيرة، بعد عامين سيتخرج أحد الأبناء طبيبًا، وبعد عام يلحق الأخ الثاني وهكذا تقف الأسرة على قدميها.
وأضافت لجنة البر إلى جانب المساهمة في دفع نفقات التعليم.. يمكن تشغيل الأبناء الكبار في فترة الإجازة الصيفية، فتساهم الأسرة أيضًا في حل مشكلتها عن طريق العمل. وخرجت الأم وقد عادت إلى نفسها الابتسامة وإشراقة الحياة، لن تعودي أيتها الأم المتفانية إلى حمل الأثقال ستحملها لجنة البر عنكِ.
إصرار على جهاز
جاء ترافقه زوجته.. هو ضخم الجثة، يخرج صوتًا مبحوحًا، ويشير إلى حلقه ولا يمكن أن يتبين كائن من كان ما يقول..! في يديه أوراق وأخذت الزوجة تشرح حاله وتقول: إنه يطلب 350 جنيهًا ثمن جهاز وأنه أصيب بسرطان في الحلق، فتم استئصال جزء من حلقه، والجهاز ضروري كجزء متمم للعملية.. وهنا مد الرجل ثلاثة أصابع وأشار إلى نصف إصبع، يقصد بالإشارة أن كل إصبع يشير إلى مائة جنيه! وهذا بالإشارة معناه أن الجهاز مطلوب في الحال دون إبطاء.
فقررنا إحالته إلى مستشفى الأنجلو حيث تفضل مدير المستشفى بفحص حالته، وكتب إلى لجنة البر تقريرًا يقول فيه إن الجهاز لن يفيده في النطق.. فالنطق يأتي بالتدريج مع الوقت لا فائدة للجهاز.
فلما أفهمناه ذلك عاد وفي يده (100) مائة جنيه ثم مد إصبعين ونصف إصبع، يقصد بالإشارة أنه بقى على ثمن الجهاز 250 جنيهًا.. فتركناه قليلاً حتى نبت في أمره، فأخذ يخرج أصواتًا مبحوحة.. تعني أنه لا يطيق الانتظار.
وفي الجلسة السابقة حضر هذا المريض وعبثًا أفهمناه أن الجهاز غير مطلوب بشهادة طبيب كبير.. ولكنه فتح قبضة يده وإذا بها 300 ثلاثمائة جنيه ومد يده وأشار إلى نصف أصبع أي المطلوب 50 جنيهًا. إنه يريد خمسين جنيهًا فحسب فأقرتها لجنة البر وقلنا إذا لم يكن للجهاز أية فائدة تكفي الناحية النفسية بالنسبة للمريض.
وجاء الحل من النافذة
هذه السيدة وهي أم ثلاثة أبناء كم احتملت من أجل السيد المسيح. لقد نكبتها الحياة في زوجها فترملت.. ثم نزلت إلى ميدان العمل، كانت كل مشكلتها أن توفق إلى سكن مستقل، كانت تعيش عيشة مشتركة مع عائلة وللعيشة المشتركة مساوئ ضاقت بها نفسها.
كانت كل مرة تأتي فيها إلى لجنة البر تطلب حجرة واحدة مستقلة، تأوى فيها مع أولادها، وكانت لجنة البر في كل مرة تقدم لها أملاً جديدًا، وتقول لها (الرب يدبر) وفي هذه المرة جاءت السيدة وقد غمرها فرح شامل.. لقد تحقق الأمل أسرة ستترك لها سكنًا مستقلاً، يتكون من حجرة وصالة ودورة مياه.. لأنها قد وفقت إلى سكن جديد مكون من حجرتين في مقابل مبلغ معين وتزف هذا الخبر وتسمع السيدة نفس العبارة (الرب يدبر).
ويبدأ القداس الثاني، وبعد إلقاء العظة.. وفي الفترة التي يغسل فيها الكاهن يديه يقف الرجل على نافذة الهيكل الجانبي، ويهمس طالبًا كلمة واحدة، قبل أن يتوجه إلى عمله ويقدم ظرفًا مغلقًا لعله يحوى مشكلة.
وبعد القداس تلتقي السيدة بالكاهن، تنتظر الرد والكاهن يقول (الرب يدبر) ويدفعه شعور غامض أن يفض المظروف، فيجد الكاهن به المبلغ المطلوب.. وهنا يدعو الكاهن السيدة، ويسلمها الظرف وهو يقول: شكرًا للرب.. لقد رتب الرب ودبر.
إنه يستجيب في الوقت المناسب لم يكن الكاهن يفكر من أين يأتي الحل، وما أغرب أن يأتي الحل من النافذة! لا تفكر أيها القارئ العزيز كيف يأتي حل المشكلة فالعناية الإلهية تدبر كل شيء.
مشروعان اثنان
ضاقت بها السبل، وأتت إلى لجنة البر مع زوجها العاطل تجر أولادها الصغار، ففكرت لها لجنة البر في مشروع كشك صغير.. أخذ إيراد الكشك يدر ربحًا يغطي نفقات هذه الأسرة.
ولكن السيدة عادت إلى لجنة البر، تشكو أن زوجها العاطل يلتهم إيراد الكشك في التدخين. فطلبت لجنة البر من السيدة أن تحضر وزوجها معها. وهنا وجهت اللجنة إلى الرجل لومًا: كيف تحرق أيها الرجل قوت أولادك في التدخين وتبدد تعب زوجتك طيلة اليوم.. أليس هذا حرامًا؟! فقال: حقًا إنه حرام، ولكن ماذا أفعل وأنا أعيش في فراغ؟!
- أليست لديك صناعة ما؟
فقال: نعم.. إنني كنت أشتغل في إصلاح الأحذية وأفلست. وهنا قررت لجنة البر أن تبقى السيدة في الكشك، لأن الرجل غير أمين عليه... وتقوم اللجنة بعمل مشروع أحذية للزوج. والعجيب أن الرجل انهمك في عمله، وأخذ يدر عليه ربحًا ولم يهن عليه أن يحرقه في التدخين، وهكذا حققت لجنة البر ثلاثة مشروعات، مشروع الكشك والزوجة والأولاد، ومشروع الأحذية للرجل، ومشروع آخر جانبي القضاء على البطالة والتدخين!
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 4 مايو 1979م.
في خضم المشاكل
في خضم المشاكل!!*
ما أكثر المشاكل التي تزخر بها الحياة، إن الورود تكتنفها الأشواك..!
تريدين الحياة رخيصة ولا بد |
| للشهد من إبر النحل! |
+ ومن الوجهة الروحية، فكر في المشكلة مرة واحدة، ثم اطرحها أمام الله بالصلاة، إن التفكير في المشكلة مرة ثانية يورث الهم. ومن العجيب أن الاهتمام والهم من مشتق واحد لغويًا.
+ ولكن كيف تحل المشكلة؟ لا يمكن أن تحل مشكلة دون تدخل مباشر من الله، الله تبارك اسمه وتمجد، هو الذي يحل المشكلة، ونحن نقرع أبواب الرحمة بالصلاة وفعل الخير.. عملاً بالوصية: "ارحَمُوا.. ترحموا"، و"طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ" (مت5: 7).
+ لا تتعب ذهنك مهما حاولت لن تصل إلى حل من دون الله، وقد يفكر الإنسان في مشكلة فيزيدها تعقيدًا هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، قد يأتي الحَل من حيث لا ندري ولا نعلم.
+ وأقدم لك مثلين مختلفين في الطريقة والنتيجة: لعازر الدمشقي رئيس خدم أبينا إبراهيم وقع في مشكلة كيف يختار زوجة لسيده إسحاق، فلجأ إلى الله وصلى وقال: "فَلْيَكُنْ أَنَّ الْفَتَاةَ الَّتِي أَقُولُ لَهَا: أَمِيلِي جَرَّتَكِ لأَشْرَبَ، فَتَقُولَ: اشْرَبْ وَأَنَا أَسْقِي جِمَالَكَ أَيْضًا، هِيَ الَّتِي عَيَّنْتَهَا لِعَبْدِكَ إِسْحَاقَ" (تك 24: 14).. ولم يفرغ من الكلام حتى وفقه الرب إلى رفقه!!
+ ويعقوب أراد أن يحل مشكلته؛ الحصول على البكورية، فلجأ إلى الحيلة وغش أباه، فغشه خاله لابان وغشه أولاده وقدموا قميص يوسف يقطر دمًا وتمررت حياته.
+ إن المشكلة تحل في الوقت الذي يختاره الله، وبالطريقة التي يعينها.. وقد تحل بأسلوب عادي وبترتيب إلهي، وقد تحل بمعجزة.
+ والآن اسمع قول الكتاب: "أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ.." (مز55: 22)، وأيضًا "تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لاَ تَعْتَمِدْ" (أم 3: 5). وفي هذا المقال أقدم لك مشاكل عرضت على لجنة البر بالزيتون بقدر ما يسمح المجال.
150×6= 750 جنيهًا!
وأنت ترى أيها القارئ العزيز في هذا خطأ حسابيًا لأن 150×6= 900، ولكنه يزول عجبك إذا علمت أن 150×6= 750 هو حساب لم يدرس بالمدارس إنه حساب السمسار!
وهذه الحسبة، أقصد حسبة السمسار هي مشكلة شاب تقدم إلى لجنة البر، وهو شاب متعلم، درس علومًا مقررة بالمدارس ولكنه لم يدرس (علم الحياة). ووقع فريسة سهلة في يد سمسار أو وسيط.
ولقد وقع الشاب في عدة أخطاء، ولهذا فكرت أن أقدم مشكلة هذا الشاب لتكون عظة وعبرة لأبنائنا، فالعاقل من اتعظ بغيره فلا يلدغ من جحر مرتين.
هذا الشاب قد أتى من الصعيد بتوصية.. إنه يعمل في هيئة تابعة للقطاع العام، بمرتب مناسب، فزين له عقله أن يترك وظيفته، ويسعى وراء الثراء العريض، في أحد البلاد العربية، ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟ وهنا برز دور الوسيط الذي وعده أن يحرر له ضمانًا في مقابل 150 جنيهًا وقال له الوسيط إن 150 مبلغ زهيد، إنه مفتاح يفتح له باب الثراء، بأبخس الأثمان ولكن ما الحيلة والشاب لا يملك هذا المبلغ؟
لقد فكر في الحال أن يسافر إلى لجنة البر بالزيتون يغترف منها ما يشاء!!
ولما رأى الوسيط تردده، عاجله بحل لا يكلفه شيئًا، قال له حل مشكلتك هو 150× 6= 750 جنيهًا!
أن يحضر خمسة أشخاص يرغبون في السفر يدفع كل منهم 150 جنيهًا ويسافر هو الشخص السادس دون مقابل، وراقت هذه الفكرة الشاب فأخذ يعرضها على معارفه وزملائه في العمل وسرعان ما اختمرت الفكرة في أذهان ستة شبان، وبات الستة يحلمون بالثراء، ويبنون قصورًا في الهواء.
لقد جاءهم الثراء يسعى إليهم من حيث لا يقصدون، فليغتنموا هذه الفرصة وليجتنوا من ثمارها اليانعة.
وحضر ستة أشخاص وتوجهوا إلى الوسيط واستلم الشاب 150 جنيهًا من كل واحد من زملائه الخمسة وقدمها للوسيط وهذا هو الخطأ الثاني.
وقام الوسيط لتوه وحرر لهم الضمانات اللازمة ويكتشف الجميع بعد ذلك أن الوسيط غرر بهم جميعًا.. فاطبقوا على الشاب يطالبونه بأموالهم لأنه هو الذي تسلمها منهم! وهكذا تهاوت أحلامهم بددًا.
وللمرة الثانية فكر الشاب في التوجه إلى لجنة البر وطلب 750 جنيهًا وإذا وضعنا هذه المشكلة في صورة قضية بسيطة. يكون معنى هذا أن لجنة البر مطلوب منها أن تدفع من الأموال المخصصة للأرامل والأيتام والمشروعات المخصصة لأعالة الأسر ثمن الغش والخداع والتغرير!
إن الشاب الذي غُرر به، يلزم أن يأخذ درسًا ويلزم أن يدفع الثمن من المعاناة والألم.
لماذا لا يضع الطفل يده في النار؟ ولماذا لا يلقي نفسه من شاهق؟ إن الطفل يخشى ما يسببه له ذلك من آلام.. إن الخاطئ لا يتوب توبة صادقة إلا إذا مر في أتون الندم ولسعته عقارب الألم النفسي لأنه باع نفسه للشيطان، وهكذا فالألم أعظم أستاذ ونحن نتألم فنتعلم!!
إن أول خطأ وقع فيه الشاب أنه فكر أن يضحي بوظيفته، فترك عصفورًا في اليد من أجل عشرة عصافير فوق الشجرة! والخطأ الثاني أنه لم يفكر في الظروف التي تجتازها بلادنا، والموقف العدائي الذي تقفه مجموعة الدول العربية من مصر وهذا لا يحتاج إلى ذكاء كبير.
والخطأ الثالث أن يلجأ إلى سمسار قبل أن يلجأ إلى الله، ويسترشد برأي أب الاعتراف فاستخدم وسيلة خاطئة واستحوذ عليه حب المال.
والخطأ الرابع أن يتسلم نقود بيديه، وكان الأولى أن يترك كل شاب يدفع نقوده بنفسه وهي هذه الحالة يكون كل شاب مسئولاً عن نفسه.
والخطأ الخامس أنه يريد من غيره أن يتحمل أخطاءه ويعالج أخطاءه بالحل السهل دون أن يتحمل هو شخصيًا ولو جزءًا من تبعاته. لا شك أنه جاءه الحل سهلاً.. لكان عرضة أن يقع في ذات الخطأ مرة ثانية وثالثة.. ونعود ونستمع لقول الرب يسوع: "كُونُوا حُكَمَاءَ" (مت10: 16).
وقول بطرس الرسول: "بَعْدَمَا تَأَلَّمْتُمْ يَسِيرًا، هُوَ يُكَمِّلُكُمْ، وَيُثَبِّتُكُمْ، وَيُقَوِّيكُمْ، وَيُمَكِّنُكُمْ" (1بط 5: 10).
ماذا نختار؟!
وهذه مشكلة ثانية تعرض على لجنة البر.. أحاطت الديون بالأسرة وأصبح أمام الأسرة طريق من اثنين، إما سداد الدين.. وإما بيع المنزل الذي تملكه الأسرة، وتعيش من إيراده، وهذان حلان أحلاهما مُرّ! بعد جهاد عظيم استطاعت الأسرة أن تضيق هوة الدين، وتجمع من هنا وهناك، فتقلص الدين وأصبح 2000 جنيه.
فشدت الأسرة الرحال إلى لجنة البر لقد سُدّت في وجه الأسرة جميع الأبواب ولم يبق غير هذا الباب.
ولكن من أين للجنة البر هذا المبلغ الضخم، تحل به مشكلة أسرة واحدة بينما يتقدم إلى لجنة البر مئات الأسر والمشاكل؟ عادت الأسرة تقدم إلى لجنة البر توصيات فقيل لهم إن الأمر لا يحتاج إلى توصيات بقدر ما يحتاج إلى صلوات! فعادوا ولم يفهموا معنى أن الصلوات تسدد لهم 2000 جنيه.. إن الدائن لا يتعامل بالصلوات.
ولاحقني أفراد الأسرة في إلحاح في الكنيسة، في الكاتدرائية إذا ألقيت عظة في أي كنيسة، إذا خرجت من إلقاء الدروس بالكلية الإكليريكية في أي فترة صباحًا أو مساءً، فأقول لهم عبارة واحدة: موضوعكم يحتاج إلى صلوات، صلوا.
وأخيرًا وجهت لهم هذا السؤال: وقلت لهم اختاروا أيهما أفضل عندكم أن تصلي الكنيسة من أجلكم أو الالتجاء لإنسان يقرضكم، الالتجاء إلى الله أم الالتجاء لإنسان؟ قالوا: ساهمين الصلاة يا أبانا والالتجاء إلى الله.
قلت لهم: ما رأيكم أن نضع الأمر على مذبح السيدة العذراء والعذراء تتشفع لكم؟ وأصبحت كلما التقيت بهم بعد ذلك وعلى مدى ثلاثة أشهر تتبادل ثلاث كلمات: يقولون (2000)جـ وأقول (نصلي!). ومنذ أسبوع واحد أسرعت نحوي صاحبة المشكلة تنهي إليَّ خبرًا عجيبًا للغاية.. تركني في ذهول.. قالت: هناك صديق قديم لأبي.. لديه أمانة منذ أكثر من ثلاثين عامًا هبط علينا فجأة.. جاء يسدد دينًا لم نكن نعلم عنه شيئًا وسلمنا 7000 سبعة آلاف جنيه!
فلم أتمالك أن أستعيد ذات السؤال وأقول حسنًا 2000 جنيه أم نصلي؟! وتقول صاحبة المشكلة تغمرها السعادة: بل نصلي نصلي نصلي.
حقًا ما أقوى الصلاة! والكتاب يقول: "الصلاة تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا!" (يع5: 16).
مقطوع الرجل واليد والكف
تركت زوجها وأتت بأولادها كانت تسرف في التزين فنصحتها وقلت لها مرة: سوف تجنين على نفسك وأولادك. حذار! إن هناك طريقين لا ثالث لهما، طريق الرب وهو يؤدي إلى السعادة والحياة، وطريق الشر وهو يؤدي إلى الهلاك. حاولت إنقاذها فألحقتها تتعلم حياكة الثياب ثم سلمتها ماكينة خياطة لتعمل وتعيش ولكنها سرعان ما باعت الماكينة وبددتها... إن إصلاح النفس طريق طويل ويحتاج التقاء النفس بالله!
ثم يدخل إلى لجنة البر غلام في الثالثة عشر، هو أحد أبنائها.. مقطوع الرجل واليد وكف اليد الثانية، يجر نفسه على الأرض أراد أن يهرب من دفع التذكرة فألقى بنفسه من القطار، فأعددنا له مشروعًا مناسبًا، وقمنا بإعداد أطراف صناعية له. والعجيب أن تفيق الأم بعد هذه الحادثة المروعة وتعرف الله، وتقوم بتشغيل الولدين الآخرين، ونوفق إلى سكن لهم ويعرف الجميع طريق الكنيسة حقًا إنهما طريقان لا يلتقيان طريق الخير والشر! "لاَ تَسِرْ فِي طَرِيقِ الأَثَمَةِ تَنَكَّبْ عَنْهُ، لاَ تَمُرَّ بِهِ، حِدْ عَنْهُ وَاعْبُرْ" (أم 4: 14، 15).
* مذكرات كاهن "للقمص بطرس جيد"، نشرت في مجلة الكرازة، بتاريخ 11 مايو1979م.



