قيثارة المحبة

قيثارة المحبة
حملت المحبة قيثارتها وراحت تجوب في أحياء الفقراء والمساكين وهي تنشد لهم ألحان السماء والخلود، فاحتوتهم نشوة من رقة الأنغام وعذوبتها، وأخذهم الطرب حتى نسوا شقاءهم وتعاستهم، ثم أضافوها في بيوتهم على الرغم من فاقتهم وعوزهم فقد كانت علائم الجوع والمسغبة تبدو على وجوههم الشاحبة وأجسامهم الهزيلة، وكانت أطرافهم التي أضر بها زمهرير الشتاء القارص تبدو عارية متورمة من بين خرقهم البالية.
ولكن المحبة راحت تضفي على هؤلاء المساكين الدفء من أشعة بسماتها، وتطعمهم من لحم قلبها وتسقيهم من خمر ثغرها، حتى أنارت وجوههم جميعًا بسمات الغبطة والرضا والهناء، واختفت منها ملامح الحقد على المجتمع الجائر وما يعانونه من بؤس وشقاء…
وقبل أن تنصرف المحبة عنهم مستأنفة تجوالها نصحتهم قائلة:
يا حبيباتي وأحبائي… أطفئوا لهب الحقد من قلوبكم، ولا تنقموا على إخوانكم الأغنياء غناهم المادي، فغني النفس خير وأبقى، واعلموا أن السعادة لا تأتي إلى الإنسان من الخارج، إنما تنبعث من أعمق أعماق قلبه، وبقدر استعداد هذا القلب للتسامح والغفران يكون إحساسه بالسعادة والسلام والاطمئنان…”.
فأجابوها جميعًا في صوت واحد وإيمان عميق: “اطمئني يا أختاه. لقد غفرنا لإخواننا الأغنياء انصرافهم عنا وعدم اكتراثهم بنا، ونطلب إلى السماء أن تغفر لهم…”.
ولكن ما كادت المحبة تغيب عن أبصارهم وتفارقهم حتى أحسوا البرودة تدب إلى أطرافهم والجوع يمزق أحشاءهم، فعاودهم حقدهم القديم على الأغنياء والموسرين لأنانيتهم وقسوتهم.
وصلت المحبة إلى حي الأغنياء بقصوره الشاهقة وحدائقه الغناء، فتطلعت إلى كل هذا في حزن عميق، ثم طغت على مشاعرها موجة من الأسى إذ ذكرت قدر الهوة العميقة التي أقامها المال بين الأغنياء وإخوانهم الفقراء، ففاضت نفسها عن لحن علوي شجي. تترقرق فيه دموع الرحمة والحنان، ويقطر منه رحيق الرجاء والإخاء، راحت توقعه قيثارتها في عذوبة الملائكة ورقة الزهر، حتى أسالت عبرات الأغنياء وانتزعت من قلوبهم كل أثر للأنانية والقسوة، وسكبت في أعماقهم أسمى ما في الوجود من رحمة وتضحية وحنان…
طلب الأغنياء والموسرون إلى المحبة أن تطيل مدة إقامتها بينهم بعد أن أسبغت على حيهم البهجة والنور، وعلى أرواحهم الهدوء والسلام، فمكثت المحبة في ضيافتهم فترة بعدها عزمت على استئناف تجوالها ولكنها لم تحرمهم قبل انصرافها من إسداد النصح إليهم فقالت:
“يا حبيباتي وأحبائي.. مزقوا الغشاوة التي وضعها المال على أبصاركم وبصائركم حتى تروا شقاء الفقراء والمساكين، وحتى تحسوا آلام المعوزين والجائعين، وأعلموا أن كل أنة أو آهة تصدر من قلوبهم بسببكم تزيد في كثافة الظلام الذي يحجب عن بصائركم نور الله ومجد السماء… أشفقوا عليهم وارحموهم الآن، حتى تشفق عليكم السماء ويرحمكم من فيها يوم لا ينفعكم مال ولا ولد.
فأجاب الأغنياء جميعًا في صوت واحد وإيمان عميق: “اطمئني يا أختاه… سنحمل الفقراء والمساكين إلى حينا، نشاركهم زادنا ونقاسمهم معيشتنا… أجل، وسنجفف دموعهم بحرارة إخلاصنا، ونطفئ جمر آلامهم بندى حناننا…”.
ولكن ما كادت المحبة تغيب عن أبصارهم وتفارقهم حتى عادت فالتفت أفاعي الأنانية حول قلوبهم، وأنشبت ذئاب القسوة فيها أظفارها فازدادت الهوة التي أقامها المال بينهم وبين الفقراء عمقًا وظلامًا…



